بواسطة إيمان حميدان - كاتبة لبنانية | مايو 1, 2026 | مقالات
«كتاب الغرفة» هو الكتاب الجديد للشاعر والكاتب اللبناني عقل العويط، وقد صدر عن دار نوفل/ هاشيت أنطوان، في بيروت. إنه كتاب آخر يجمع بين السرد الذاتي والتأمل الوجودي، متكئًا على الذاكرة ومقيمًا فيها في آن واحد، يستكمل فيه الكاتب ما بدأه في كتابه «السيد Cooper وتابعُهُ»، والكتابان ينهلان من نبع العزلة المختارة نفسها، وبأسلوب يجعل السيرة الذاتية مدخلًا إلى حوار مع الذات والعالم.
يركز «كتاب الغرفة» بصورة أكبر على المكان بوصفه استعارة. فالغرفة هنا مجاز أكثر مما هي حجارة وجدران، أو غلاف لوجود مُوصَد. ثمة كائن هنا يحفر بصمت داخل ذاته، أملًا أن يجد، عبر الذكريات والتأملات والتداعيات، كنزه الضائع، وأسبابًا معقولة تُسَوغ فعلَ العيش، وأحبة رحلوا، لكنهم لا يفارقونه في وحدته، بل يجعلونها وحدةً مأهولة. وهكذا، فهم يقاسمونه ساعات يومه، ويتناولون معه فنجان القهوة الصباحي، الذي يدخل في طقوسه اليومية معلنًا وصولَ نهار آخر.
لعل الكلمات التي يستهل بها عقل العويط كتابه هي المدخل الأساسي لحياته الشخصية، وليقول لنا إنه لا يصف ولا يُعَين: «أتفادى التعيين، لكني عندما بدأتُ هذا النص، حيث العيشُ والمكتب والكتاب والمكتبة والسرير والشرفة البحرية، والذات والعالم والأنا والآخر، كانت غرفتي هي جسدي وكياني ومتكئي وبطلتي». منذ البداية، يسلمنا الكاتبُ المفرداتِ المفاتيح التي تختزل عالمه، وهي أثاث غرفته وأبجديتها الناطقة، يتماهى معها ويصبح جزءًا منها، كما أصبح، في كتابه السابق، جزءًا لا يتجزأ مما يصنع منه، عبر الكلمات، أيامه ولياليه.
استكمالًا لمفردات الغرفة التي أتينا على ذكرها، ثمة نافذة، وامرأة مستلقية، ومكتبة، وسرير نحاسي. تتوسع دائرة النص إلى النافذة والمطر الذي يكاد يغدو جزءًا من حياة الغرفة، بل كأن المطر يتساقط داخلها من دون أن يترك أثرًا. ضمن هذا المناخ، كل شيء يمسي حالة هلامية، موجودة وغير موجودة، في الوقت نفسه. ثم، حين يخرج من الغرفة إلى الطرقات التي يسير عليها مع صديقه الشاعر، ثم، وحده، قبالة البحر الممتد، لا نظن أنه يخرج تاركًا غرفته في موضعها، بل هو يحملها في داخله، طالما أنها جسده وكيانه كما يقول. هذه هي، وقد تأنسَنت، وأصبحت امتدادًا لروحه، كما أصبح هو امتدادًا لها.
يكتب كأنه يحمل كاميرا على كتفه
يكتب عقل العويط، كأنه يحمل كاميرا على كتفه، ويصور الأشياء من حوله، وكذلك حالاته الداخلية، نراها كأنها مشاهد سينمائية متقطعة، متواصلة، تتكرر في لعبةٍ من المرايا المتعاكسة، وعلى هيئة «انهيار ثلجي» وفقَ قوله. فيتدفق النص كرواية خارج أي سياق روائي، راسمًا ملامح من لغته وأسلوبه وأناه.
حين يعود من مشاويره تلك، ويجلس إلى مكتبه -وهذا طقس آخر من طقوسه- تتجمع الكلمات حوله كأنها كانت في انتظاره. تقترب منه وتبدأ حينئذ وليمة الكتابة. في تلك اللحظة، تغدو الغرفة غرفةً لتظهير الصوَر، لكن الصور، هنا، كلمات كانت تنتظر أن تأتي ساعتها لتتدفق. ضمن هذا الطقس أيضًا، يباشر فعل الكتابة التي هي فعل وجود: «لم أجلس يومًا وراء مكتبي إلا وجدَتِ الكتابةُ سبيلَها إليّ (…) لا شيء من شأنه أن يضبط أفكاري ويسيلها مثل الجلوس، وحده ينظمني ويمنهجني ويلين وجودي ويمهد سبل العلاقة بين الداخل الملتبس، والخارج الواضح».
بهذه الطريقة، ينطلق النص الذي سرعان ما يسترده الشاعر إلى الداخل. إنها «حالة من الكتابة توازي انكشاف فجوة غائرة في الكيان، في الزمن، في تأليف اللغة». ما يكتبه عقل العويط لا يحصل كانهيار ثلجي فحسب، إنما كانفجار بركاني تتلألأ فيه اللغة. ثم يتساءل عما يكتب «أهو كتاب الغرفة»؟ هكذا ينظر إلى نفسه من خارج الكتابة بينما هو في داخلها. كأنما هو سيرتها؟ «أم بعض لغتي وأسلوبي وعمري وسيرتي؟». يطرح عقل العويط السؤال تلو السؤال ولا ينتظر الأجوبة.
غرفة عقل العويط رؤية وجودية، ورمزٌ لكيان، ومرور على سطح الأرض. هي تجربة إنسانية يمتزج فيها الماضي بالحاضر، الطفولة الحالمة بالنضوج لحظة اصطدامه بالواقع. إنها عملية انتقاء من الذاكرة لكل ما شكل وعي الشاعر ووجدانه. وهي، بمعنى ما، غرفة فيرجينيا وولف، التي لا تخرج من ذاتها. منصةٌ للتخيل، وجدان واختيار، صحبة الذات والعزلة، وإطلالة على الواقع وتأمله ونقده في سرد غني ومتدفق بلغته وصوره. عبر «كتاب الغرفة»، بل عبر «كتابة الغرفة» وما حولها، تستعيد المخيلة حقها في أن تغدو واقعية؛ ذلك أن ما يسرده الشاعر بخيالٍ واسع ولغة رشيقة مُحَلقة، يتناول فيها سيرورة حياة، وذاكرة، ومحطات عمر وتجربة، وعشق للغة والقهوة والنساء، ولفكرة العشق نفسه.
كتابة الذات العارية
تأتي علاقات العشق صورًا مجازية متتالية ضمن أطر مختلفة. «كتاب الغرفة» كتابة الذات العارية، ومنها، وقد تجردت من كل شيء، أمست هواءً يتسرب من جميع المنافذ والمسارب. وهي في هذه الحال، توقٌ إلى الذهاب من الذات إلى أماكن أخرى، إلى الأماكن كلها. بعض تفاصيل تلك الأماكن الأخرى تستعصي على الشاعر، وتكتم نفسها داخل لغته بالذات، فلا تتعدى الكتابة أحيانًا عتبة الغرفة. وأحيانًا أخرى، تنطلق متجاوزةً الذات والمكان والجدران.
نرى الشاعر يستحضر البحر والمطر والماء والشارع والشجر، وكل ما يستحضره يصبح من مفردات الداخل. يسرد حياته بروح شاعرٍ تتحول معه وجوه الطبيعة شخصياتٍ يتحدث عنها ويخلق لها تاريخًا وذاكرة. يبقى الماء شخصية الشاعر المحببة ورفيقته منذ الولادة وصولًا إلى «كتاب الغرفة»، وهو سرد حياة تطالعنا في كل ما يأتي على ذِكره. من اللغة تولد الأشياء والكائنات من جديد، ومن قدرتها على استحضار ما غابَ كأنها لم يغب.
السرير النحاسي الذي أتينا على ذكره، قدمه الكاتب بوصفه شخصية أساسية احتلت مكانها في الغرفة. أنيسُ وحدته، ومَركبتُه في الليل هو هذا السرير، وطريقه إلى الأحلام. وقد تقصد أن يكون لشخص واحد، وألا يتسع إلا لجسد واحد. سرير نحاسي مفرد لشاعر يلهج بالعشق والحب، وبفتاة الموقدة. ألا يكفي أن يكون كتب ما كتبه عنها لتحدث المعجزة؟ ليكون ما ليس في المستطاع أن يكون لولا الكتابة، الطبق الألذ، ولا أسًى بعده ولا خيبات أمل. إنها مفارقات الحب والعلاقات والطبيعة والماء والبحر، تطل برؤوسها من وراء مربعات الزجاج، ويصطادها الشاعر بكلماته الواحدة تلو الأخرى. يتواصل السرد بهذه الوتيرة من البداية إلى صفحات الكتاب الأخيرة. ومع السرير المفرد، تبقى المرأة كما في غرفة عقل العويط ذلك الكائن الغريب والسري، وقد ينبع جمال تلك المفارقة من هنا، من عدم استيعاب الجمال وفهمه.
نص وداعي طويل
كتاب الغرفة هو، على نحوٍ ما، نص وداعي طويل لأمكنة وأشياء، بل لزمن وذكريات وبلاد رحلت. لكن هل هذا المونولوج الحميمي هو وداع لكل ما لم يعد موجودًا بالفعل، أم هو فقدان لمقاربة مختلفة للعالم، ما عادت ترى نفسها إلا في انعكاس الذاكرة والمرايا.
هنا يقيم الكاتب. يؤنث اللغة والعالم والأشياء، ويعيش عزلته داخل غرفة شيدها في نفسه وفي لغته. «أنا في البيت في الغرفة وقد مضت ٤٠ يومًا بنهاراتها ولياليها على عزلتي القسرية هذه»، يقول الكاتب. ونتساءل: هل هي فعلًا عزلة فرضت على الكاتب، أم إنه خيار شخصي ليكون بذاته ومع ذاته، محاطًا بالأشياء التي أصبحت فضاءه وملعبه؟
المعنى، هنا، في الداخل، في أنشودة وجدانية صاغها الشاعر. أما الخارج فهو الصورة التي احترقت، وفي الحريق تتناثر هباءً المعاني الأخرى. إضافةً إلى السرير، والعودة إليه، وإلى النافذة والمرايا والمكتبة والجدران، يسائل أمورًا ومواقفَ تتحرك بشكل دائري، ويعود إليها ليؤكد وجودَها من جديد، ومكانتَها في ذاته، هو الذي يردد مرارًا أنه بعيد من الذكورة التي تجعل من العالم مكانًا قاسيًا وموحشًا. حلبة مصارعة بحجم الأرض. والإصرار على هذا الموقف ما هو إلا التنصل مما فعله ويفعله «منطق» الذكورة على مر الزمن. ولا ينحصر موقفه السلبي في صناع الحروب، ليطول سلوك الكتاب في حياتهم وفي طبيعة علاقتهم بالنساء، مما يعني أن الإنتاج الذكوري حاضر في كل شيء، من الحروب إلى المظاهر الثقافية بأشكالها المختلفة، وهذا ما لا يُعتد به على الإطلاق. كأن خلاص العالم في جهة أخرى، أشار إليها ابن عربي بقوله: «المكان الذي لا يؤنث لا يعول عليه». التأنيث هنا وجودي ورمزي. فيه الحنان والألفة والقدرة على التجدد. المكان المؤنث يشبه الأم، وهو مرادفٌ لمَنح الحياة والدفء في هذا الصقيع الكوني.
يتوسع عالم الشاعر حين يعرج على بعض تجاربه في الشأن العام. كأن يستعيد ذكرياته في الجامعة وفي الصحافة، ولا سيما «ملحق النهار الثقافي». تجارب اختارها الكاتب لتشهد على مراحل مضيئة وعابرة من تاريخ لبنان، استعادها عبر ذاكرة هشمتها الحروب في وطن اتسم بالهشاشة والقسوة معًا. لم تأخذ الكتابة عن تلك التجارب حيزًا واسعًا في «كتاب الغرفة»، فبدت كجزء من علاقة الكاتب مع المساحات العامة، قبل أن ينطوي على خزائن نفسه، تاركًا مسافةً بينه وبين العالم الخارجي، ماضيًا وحاضرًا.
في «كتاب الغرفة»، ينحل عقل العويط في لغته مثلما ينحل الماء في كأس مفتوحة على أقرب ما في الأرض، وأبعد ما في السماوات. إنها اللغة وقد اختمرت، ونضجت، وسكبت من روحها في روحه. وكشفت، في هذا الكتاب، كما في جل كتبه، شعرًا كان أم نثرًا، أن الحالة الشعرية هي كتابته وغيمته السارحة، وهي بوصلته وجهاته الخمس.
بواسطة إيمان حميدان - كاتبة لبنانية | نوفمبر 1, 2021 | مقالات
لم يكن الكاتب العربي يومًا أمام تحدٍّ مشابه للتحدي الذي يعيشه اليوم. تحدٍّ لواقع يضجّ بالتقدم التقني والزحمة الهائلة من مواقع التواصل الاجتماعي. لكن في الوقت نفسه واقع أقل ما يوصف به أنه محبط لنا كأننا عالقون وسط نفق لا نرى في نهايته أي بصيص نور.
تحدٍّ يطرح أسئلة كثيرة وسط دوّامة فَقَدَ معها الكاتب بوصلة قراءة الواقع بأدوات تعلمها أو اعتاد عليها. العالم يتغير كذلك الاقتصاد، والمجتمعات تبتكر كل يوم أنماط علاقات فرضها الواقع وفرضتها مواقع التواصل الاجتماعي. أدوات قراءة فقدت معناها إزاء واقع جديد، وتغيرات سريعة من المستحيل اللحاق بها. قد يقال إنها مسألة أجيال، وإن من ينتمي إلى جيل مواقع التواصل الاجتماعي لا بد أنه يتمتع بعلاقة مع العالم حوله أكثر واقعية من الجيل الذي سبقه. قد يقال إن جيل ذلك التقدم الحديث يتمتع بمعرفة لن نستطيع نحن اللحاق بها. لكن الحقيقة غير ذلك. قد يُعلّم التقدم التقني الناس كيفية استعمال التقنيات إلا أن مساهمته في تطوير تفكيرهم ومقاربتهم أو تحليلهم للواقع الذي يعيشونه لا يُعوّل عليها أبدًا. إذ إن المعرفة التقنية لا تصنع كاتبًا ولا مثقفًا، بل تصنع بأفضل الأحوال خبيرًا تقنيًّا. يكفي أن نسأل تلك الجيوش من الشباب الذين يعملون موظفين نشيطين في مواقع الفيس بوك وغوغل كم كتابًا يقرأون في السنة، أو فيما إذا قرأوا قصيدة واحدة هذا العام لندرك مدى الهوّة بين الثقافة والمعرفة الإنسانية من جهة وبين الخبرة التقنية الحديثة من جهة أخرى.
التقنيات لا تصنع كاتبًا ولا مثقفًا، بل السؤال الإنساني وهمّ المعرفة الإنسانية هما بداية الطريق لأي فكر أو أية كتابة. فضلًا عن أن تلك التقنية التي ذكرت لا تساعدنا على ابتكار بدائل وحلول للمشكلات السياسية والاجتماعية نعاني منها، بل قد يصبح التطوّر التقني في بعض المجتمعات سلاحًا بيد السلطات لمنع المثقفين والأدباء من قول الكلمة الحرة، كذلك لِكمّ الأفواه والسيطرة على عقول الناس ومراقبتهم. هذا لا يعني على الإطلاق أن نقف في وجه التطور التقني، ولكن أن نعي ونعمل على أن يكون ذلك التطور في خدمة الإنسانية وقضاياها، وفي خدمة الثقافة والأدب والفن وحرية التعبير والتسامح واحترام الآخر.
لكن إزاء واقعنا هذا يبقى سؤالنا إلى أين؟ ما مستقبل الكتابة؟ لا بد أيضًا أن نتساءل وبقلق عن مكانة القراءة في العالم العربي، وعن مصير دور النشر والكتاب والترجمة. لا يخفى علينا تراجع عدد القراء في العالم العربي. يكفي النظر إلى ما يجري في مدننا الشرق أوسطية منذ أكثر من عقدين من الزمن، ونرى مدى الدمار الهائل ليس فقط في العمران، بل والأهم في التماسك الاجتماعي، وفي الثقافة والتنمية المستدامة ومظاهر التقدم المبنية على مؤشرات الأمم المتحدة للتنمية.
دور النشر والخراب
لم تنجُ دور النشر من هذا الخراب المستمر إن في بيروت أو في دمشق أو في بغداد أو في صنعاء، على رغم ما تقوم به تلك الدور من جهد جبّار كي تبقى على قيد الحياة، وكي تستمر في النشر وفي إصدار الكتب وبخاصة الكتب الأدبية وتحديدًا الرواية على رغم الوضع الاقتصادي، وعلى رغم غياب السياسات الثقافية في تلك البلدان. وسط هذا الوضع يبحث الناشر عن ترجمة للرواية المنشورة لتوسيع دائرة القراء، وإخراجها من حيّزها المحلي الضيق الذي يزداد محدودية بتضاؤل عدد القراء في العالم العربي.
إذا سلمنا جدلًا أن الكتاب العربي يُنشر بانتظار ترجمته إلى لغات عالمية فهذا أيضًا لا يدعو إلى التفاؤل إذا علمنا أن نسبة الترجمة من العربية إلى اللغات العالمية ضئيلة جدًّا مقارنة بالترجمة من اللغات أخرى. مثالًا على ذلك، وصلت الترجمة من اللغة العربية إلى اللغة الفرنسية في السنتين الأخيرتين إلى أكثر المستويات هبوطًا بحيث لا تتجاوز نسبة ١٪ من إجمالي الترجمات إلى اللغة الفرنسية، مع العلم أن الترجمات من اللغات العالمية (أميركية إنجليزية أوربية ولغات أخرى) تصل إلى حوالي ٩٠٠ عنوان كل عام. هنا فقط أتحدّث عن الترجمة إلى الفرنسية والتي يقوم بدعمها سنويًّا المركز الوطني للكتاب عبر تقديم مساعدات مالية لدور النشر الفرنسية لتغطية كلفة الترجمة. في دراسة حديثة أظهرت أن الترجمة من العربية إلى الفرنسية تحظى بمساعدات لا تتعدى ال ٢٪ من قيمة المساعدات التي يقدمها المركز المذكور للترجمة من اللغات الأخرى. هذا يعني أن عدد طلبات المنح المقدمة من دور النشر لترجمة كتاب من اللغة العربية قد تضاءل. تبقى الترجمة العربية إلى الفرنسية هامشية جدًّا، إذ تكاد تصل ترجمات أربع أو خمس روايات عربية إلى الفرنسية كل عام.
لكن هل اللغات الأخرى لها الوضع نفسه مع الترجمة؟ بالطبع لا. ما زال الأدب الأميركي في صدارة الأعمال التي تترجم إلى الفرنسية تليه ترجمات أميركا اللاتينية والإسبانية وبعض الترجمات من أوربا الشرقية. تأتي اللغة العربية – ويا للأسف – في درجة متأخرة بين حوالي ٣٠ ترجمة من ٣٠ لغة تقريبًا بينما تتم سنويًّا ترجمة مئات العناوين الأميركية والإنجليزية إلى الفرنسية.
تراجع الفضول المعرفي
لا بد أن نسأل هنا عن تراجع الفضول المعرفي الذي كان يدفع بالعالم الغربي إلى قراءة الأدب العربي. الفضول الذي كان يرى في أدبنا وثيقة اجتماعية تساعد القارئ الغربي على فهم واقعنا الاجتماعي. لقد ضعف الفضول إن لم يغب بالإجمال، إذ بات القارئ الغربي يفتقد الرغبة في فهم مجتمعاتنا المستعصية لأسباب عدة. نستثني من ذلك المستشرقين والأكاديميين الغربيين الذين ما زالوا يدرسون أدبنا ويكتبون عنه أبحاثًا لا يقرأها سوى النخبة المتخصّصة. قد يكون طغيان الفكر الشمولي التعميمي لدى العالم الغربي إلى جانب صعود اليمين السياسي سببًا من الأسباب، بحيث إن الكاتب العربي يعلم أن نصه سيمر بين يدي الرقابة وبالتالي يغدو ملزمًا برقابة ذاتية ليحمي كتابه من مصادرة السلطات له. إننا في زمن المقاربة الثقافية الواحدة والمسطحة لسياسيي العالم العربي وصعود التزمت الديني. أمور لا شك أوصلت الاهتمام بالثقافة وتشجيع الأدب والقراءة في المدارس والمجتمع إلى مستويات متدنية. ما يجري في عالمنا يشبه كرة الثلج، غياب السياسات، والتشدّد الديني، والرقابة، وعدم رصد موازنة للنشاط الثقافي والأدبي، وغياب السياسات التعليمية لتشجيع القراءة ولدعم الكاتب وحماية حرية الرأي. كلها عوامل سياسية كارثية أوصلتنا إلى ما نحن عليه حاليًّا.
يبقى ولحسن الحظ عدد من الأدباء العرب الذين وجدت أعمالهم طريقها إلى الترجمة وصارت معروفة لدى القرّاء الغربيين. بنى بعضهم بفعل الزمن علاقات مهنية جيدة مع دور نشر غربية وما زالت كتبهم تُترجم وتُقرأ. إلا أن أغلبية الأدباء وبخاصة أدباء الألفية الثالثة لا تجد كتبهم في الغالب طريقها إلى دور النشر العالمية وبالتالي تبقى في حيز اللغة العربية فقط. لا بد أن نذكر أن الجوائز العربية قد ساهمت في نشر الرواية العربية وفي ترجمتها خاصة إلى الإنجليزية بفضل التعاون بين دور نشر إنجليزية وإدارة الجوائز العربية. لكن وصلني من أكثر من كاتب عربي حازت روايتهم على جائزة ووقّعوا عقد ترجمة مع دور النشر الغربية المتعاونة مع القيّمين على الجوائز، إلا أنهم لم يروا كتبهم مترجمة، ولم يصلهم أيّ مقال عن الترجمة في الصحافة الغربية.
لا شك أن الجوائز العربية التي تُمنح سنويًّا للأدباء الفائزين تقدم لأعمالهم فرصة للترجمة دون أن يكون هناك أي معلومات دقيقة حول نسبة بيع أو نسبة قراءة أعمالهم التي ترجمت.
آن أوان الإجابة عن أسئلة تتعلّق بالكتابة المرتبطة بحرية التعبير كشرط أساس لها، وأن نعمل على وضع سياسات تعليمية تحمي الكتابة، وتشجع الشباب على العودة إلى القراءة وبخاصة قراءة الأدب الذي هو مرآة حقيقية لواقعنا الإنساني، وحافز أساس لتطوير هذا الواقع.
بواسطة إيمان حميدان - كاتبة لبنانية | نوفمبر 1, 2019 | مقالات
من أكثر الأسئلة التي تردني إلى فعل الكتابة نفسها سؤال يدور حول الكتابة والمكان، وفيما إذا تأثرت كتابتي الإبداعية وغير الإبداعية بتغيّر المكان. سؤال لا بدّ أيضًا من أن يعيدني إلى ذاكرة الأشياء والصور والأشياء الصغيرة التي رحلت معي في أماكني المتعددة ولم تتركني. في عام ٢٠١٥م أنهيت رواية «خمسون غرامًا من الجنة»، وكانت المرة الأولى التي أنجز فيها رواية خارج لبنان. كنت قبل ذلك أعتقد أن الكتابة في أمكنة بعيدة من المكان المألوف شبه مستحيلة؛ إذ إنها ستزيد من جروحات الروح ومن الشعور باللّامكان، أو تبقينا «خارج المكان». الآن بعد ٤ سنوات وأثناء كتابة روايتي الجديدة صار بمقدوري القول: إن العلاقة بين المكان والكتابة تأخذ كلّ مرّة شكلًا جديدًا. الآن أستطيع القول: إن الكتابة تصبح هي البيت، مهما تغيرت ملامح البيت الظاهرة. تحتل الكتابة مكان البيت الأول، أو لنقل تحتل مكانه، وتصادق الأرق المتنقل حين الانتقال بين مكان وآخر بين قطار وآخر، بين طائرة وأخرى.
لكن لا بد أيضًا أن نأخذ مسافة من الكتابة، لنراها من بعيد ولو قليلًا. ستبدو كأنها تقيم في مساحة تشبه مساحة أحلام ضامرة، في شوارع لا تشبهنا، رغم ذلك تحضننا وتجعلنا نحفر علاماتنا على حجارتها. لا ضير أن نجد أنفسنا أحيانًا نرسم في الهواء أو نكتب على سطح مياه النهر الذي يعبر مدينتنا الجديدة. حينها نقول: إنها قد تكون أمكنة عصيّة. لكنها عصية وجاذبة في آنٍ، أمكنة تتسع. ولا ندري حينها إن كنا نريد البقاء خارجها أو الدخول إلى قلبها. وإن دخلنا هل سيروي هذا الدخول عطش اشتياقنا إلى البيت الأول. بيت أول لم يبقَ على الأرجح منه إلا ما بقي في ذاكرتنا عنه. نشتاق إليه في الذاكرة ونعود إليه في الذاكرة أيضًا.
لكن الذاكرة باتت افتراضية تقيم على صفحات المواقع الاجتماعية، وتتجول بين أروقة جدرانها. ذاكرة عابرة تشبه حياة المقيم في عالم ليس بعالمه الأول. عابر هو أيضًا بين عالمين، مكانين، ذاكرتين، ثقافتين. بل بين عوالم وأمكنة. إنه في مكان الـ«ما بين».
مكان لا جهات له ولا زوايا، ومفتوح على كل الاحتمالات.
الهجرة، الإحساس بحضورك في بلد ليس لك، الكتابة في مجتمع يتقن ويكتب لغة غير لغتك، حتى لو كنتِ تُتقِنينَ لغة البلد الذي هاجرتِ إليه وصرتِ مقيمةً فيه. أن تكتبي بلغتك في مكان لا يفهم لغتك. أن تكوني دائمًا في مكانين اثنين أو بينهما وأنتِ تتحدثين مع كاتب لا يقرأ لغتك. تتساءلين من أين لك هذه القدرة على رؤية أين يقف الآخر وتتوقعين أن هذا الآخر يحتاج إلى خيالك ويفتقده. هذا المكان بين عالَمَين هو مكانك، بل بين عوالم عدة… هذا صحيح لكنه تميُّزُكِ. هذه الهشاشة هي تمامًا وطن قوّتك. تقولين: إن عليكِ أن تتمسكي بقوة بِنَصِّكِ. ثم تلك الشخصيات الموجودة في عالمك الأول ذلك الذي تفصله الجغرافيا عن مكان إقامتك الجديدة، ماذا تفعلين بتلك الجغرافيا وكيف تقرّبين المسافات؟
في هجراتنا القسريّة لأوقات ليست بطويلة وبانتظار انتهاء حرب، تغدو مسألة تعلّم أولادنا اللغة العربية مُلِحّة لنا. حينها يصبح التمسك باللغة كمن يتمسك بقشة نجاة أخيرة. في تنقلاتنا المتعدّدة نتعلم السفر بأقل ثقل ممكن. لكن التخفّف من الحقائب لن يمنع حملًا لا مرئيًّا يرافقنا أينما نرحل. المكان الجديد يحتاج إلى تعلّم. نُسافر خفيفاتٍ ونُبقي على لغتنا ملتصقة بنا وفينا كفعل وجود.
اللغة تسافر هي الأخرى. نحملها في حقائبنا وأوراقنا وذاكرتنا والكتب التي لا تفارقنا والأغنية التي تبقى في الرأس ونجد أنفسنا ندندن أولى كلماتها كلما عنّ لنا الغناء.
لكن هل تسافر متخفّفة هي الأخرى؟ أم نفقد بعضها أثناء رحلتنا نحو النهاية؟
بعد وقت من إقامتنا هنا في الغربة، نعلم أننا ما زلنا نحتفظ بسلاح منيع يحمينا من إحساس بالاقتلاع. إنها اللغة، لغتنا التي نحلم ونفكر بها، نحكي، نتذكر، ونكتب…!
لكن ماذا يبقى من لغتنا حين نكتب في هجراتنا؟ أو ماذا يضاف إليها؟ هل تبقى على حالها أم تعيش تجربة هجرة خاصة بها؟
أسئلة لا تنتهي بحاجة إلى وقت آخر للإجابة عنها.
(باريس ٦ أكتوبر ٢٠١٩م)