قطعة من نقش حِمْيَري كلّف بإنشائه الملك أبرهة تتضمن إشارة إلى الفيلة
تلقّى الباحثان- كريستيان روبان، المدير الفخري في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، وعضو في المعهد الفرنسي، وزاهر عاطف البارقي، طالب ماجستير، في جامعة القصيم- صورةً من مراسلٍ يمني، يُدعى قايد الرجوي، لقطعةٍ من نقشٍ عربيٍّ جنوبيّ عُثر عليها في ناعِط (شمال صنعاء). وعلى الرغم من رداءة الصورة، فقد نُشرت نظرًا لأهميتها العلمية؛ إذ تذكر الملك أبرهة صراحةً، كما تشير -في قراءتنا الافتراضية- إلى الفيلة.
ويتكوّن النص من تسعة أسطرٍ ناقصة، كُتبت بخطٍّ بارزٍ غير متقن. ولا يمكن تحديد الجهة الآمرة به على وجه اليقين؛ غير أنّ سياق النقوش التي تعود إلى ما بعد الفتح الأكسومي، مثل نقش CIH 621، كانت تصدر بأمر الملك أو بإيعاز من شخصيةٍ رفيعة المنزلة. فالراجح أن صاحب نص ناعِط كان الملك نفسه، أو ربما أميرًا من سلالة ذي همدان. أمّا غرضه فغير واضح، ولعلّه يوثّق مرورًا ملكيًّا أو نشاطَ صيد، قياسًا بنقوش:: MS Shijāʿ 1، وʿAbadān 1، وYanbuq 47.
البارقي- روبان- ناعط 1 (لوحة 1)
النقش بالحروف العربية:
١. [… …] وق را ه م و[… …]
٢. [… ص ن] ع ون ع ط م وي وم [… …]
٣. [… …] وب ث ل ث ه وت ي و[م … …]
٤. [… …] وك ل أ ش ع ب ه م و[… …]
٥. [… …] د وك ل ا ل ف ي ل ه[… …]
٦. [… … ] أ ل ب أ ب س أ ق و[… …]
٧. [… … ر ح م ن ن] ذ ب س م ي ن [… …]
٨. [ت س ط ر وذ ن م س³ ن] د ن أ ب ر ه ز [ب ي م ن م ل ك س ب أ[… …
٩. ([… … ]م) وت [… …]
المعنى:
1. [… …] … وقراهمُ [… …]
2. [… صنـ]عـاء وناعط، ويوم [… …]
3. [… …] وفي اليوم الثالث من هذا اليوم [… …]
4. [… …] وجميع أتباعهمُ/قبائلهمُ [… …]
5. [… كان معهم] … جميع الفيلة (فيلتهمُ) [… …]
6. [… …] أسود في ساقا [… …]
7. [… الرحمن] الذي في السماء [… …]
8. […نقش هذا النق]ش أبرهة ز[يبمن، ملك سبأ …]
9. [… حضر]موت .. [… …]
تحققُ النقش:
السطر 1 -3:
و-قرا-همو:
إن قراءة «قرأ» على أنها العربية «قُرى» بمعنى تجمعٍ سكنيٍّ، مستبعدة؛ لأن تلك الكلمة مشتقة من الجذر «قرأ» لا «قري»، كما في السبئية. ومن العسير تحديد معنى كلمة «قرأ»؛ بسبب فقدان السياق.
[…] عو:
يُرجّح أن الحرفين اللذين يسبقان اسم «ناعِط»، هو اسمُ موضع، واستكمال القراءة على صورة [صنـ]عو، أي «صنعاء»، أقرب مدينة كبرى.
نعطم:
ناعِط موضعٌ يقع على بُعد نحو خمسين كيلومترًا شمال صنعاء، وكان مقرّ ذي همدان، أمراء اتحادي حاشد وبكيل. وفيه صُوِّر النقش، ولا يزال يُعرف باسمه اليوم. ويظلّ سبب اقتران ذكره بصنعاء مجهولًا، مع العلم أن أبرهة اتخذ صنعاء عاصمةً له، دون وضوح زمن ذلك (بين 532/535 ونحو 570م). وقد يُفهم النقش في سياق رحلةٍ ملكية بين المدينتين، غير أنّ الاحتمالات متعددة. والثابت على الأرجح أن أمراء ذي همدان في ناعِط كانوا، زمن النقش، مندمجين في النظام الجديد.
السطر 5:
[…] دو: هذه الحروف الأخيرة ترجع على الأرجح إلى فعلٍ في صيغة الجمع.
الفل:
تدفع غرابةُ لفظة «الفل» إلى افتراض كونها لفظًا دخيلًا أجنبيًّا، ولا سيما أنّ النقش يُؤرَّخ إلى نحو 530–570م، وهي حقبة يقترن فيها ظهور الفيلة في اليمن بالحكام الأكسوميين، مثل: أرياط وأبرهة ومسروق، في الأخبار العربية. وتُقارب الصيغةُ السبئية «الفل» اللفظةَ اليونانية elephas ومضافها (elephantos)، وهو ما يُرجِّح كونها نقلًا صوتيًّا عنها؛ وهو احتمالٌ معقول، وإن كان غير يقينيٍّ لغياب السياق. أمّا اشتقاقها من الجعزية falfal (فيل/جاموس) فضعيفٌ؛ لعدم ثبوت استعمالها في النقوش الأكسومية.
ثمة احتمال أن تكون «الفل» هي العربية «الفيل»، لكنه أقل ترجيحًا؛ لأن الفيل كان معروفًا في جنوب الجزيرة العربية بفضل إدخاله من قِبل الأحباش. ويُعتقد أن اسم الفيل في لغات الشرق الأدنى من أصل إيراني؛ فهو pīlu أو pīru في الأكدية، وpīlā في الآرامية والسريانية، وpīl في العبرية ما بعد الكتابية، وfīl في العربية، ويبدو أنه مقتبس من الفارسية مباشرةً أو عبر الآرامية. أما اسم الفيل في اليونانية فيبدو أن له أصلًا آخر. وللأسف فإن النص العربي الجنوبي لا يقدّم معطيات وافية تسمح بإعادة تناول المسألة من جديد.
السطر 6:
ألبأ بساقو
البأ:
البأ/البؤ جمع «أسد»، وهي لفظة مشهودة من قبل في .ẒM 1 A/5 and 10, B/4 and 6.
بـــ-ساقو:
قد يكون هذا اسمَ موضعٍ. ففي حديثه عن أسود الجزيرة العربية، يذكر الإخباريون، ومنهم الهمداني، مواضع عدّة تشتهر بوجود الأسود في الجزيرة العربية. ومن نقوش عديدة أُثبِتَتِ الأسود في جنوب الجزيرة العربية.
السطر 7 – 8:
ذ-ب-سمين:
«الذي في السماء». وهذه العبارة، الواضحة الإضافة إلى تسمية الإله الواحد، ليست كثيرة الورود في النقوش العربية الجنوبية. فقد وردت في نقشين يهوديين (أحدهما مؤرّخ، والآخر غير مؤرّخ)، وفي أربعة نصوص أخرى يُرجَّح أنها يهودية.
السطر 8:
[…مسنـ]دن
إنَّ […مسنـ]دن أبرهةَ متبوعٌ باسمِ علمٍ مشهودٍ في Ja 1028/6 وCIH 541 = Sadd Maʾrib 5.، وإذا صحَّ هذا الاستكمال، فإنَّه يُحدِّد أبرهةَ بوصفه صاحبَ النص.
أبرهَ:
لا شكَّ في أن المقصود هو الملك أبرهة الحبشي؛ غير أن الحُجَّة الحاسمة هنا تتمثّل في اقتران الاسم «أبرهة» بالنعت الغامض «زبيمن»، المختزل هنا إلى «ز[بيمن]».
ز[…]:
إنَّ نعتَ أبرهةَ مشهودٌ بثلاثِ صيغٍ إملائيّة:
1. زبيمن:
DAI GDN 2002-20 = Sadd Maʾrib 4.
CIH 541 = Sadd Maʾrib 5.
Idhbaḥ JFR01.29.
2. زيبمن:
Murayghān 1.
Murayghān 3.
3. زبمن:
Mashʿal-Ḥimà-Abraha 1.
السطر 9:
[…. …] موت:
[حضـ]موت إن قراءةَ الحرفين التاليين للواو والتاء غيرُ يقينيّة؛ غير أن المؤكَّد أنه ليس «ي[منت]»، كما قد يُتوقَّع؛ لو كان هذا جزءًا من اللقب الملكي.

التعليق التاريخي
إذا كان آمرُ النص هو الملك نفسه فعلًا، كما افترضنا، فإن هذه القطعة الجديدة تؤكّد أن جميع النقوش المؤرَّخة بعد إعادة الفتح الأكسومي (525–530م) كانت من إنشاء الملك. أمّا الأفراد، فقد توقّفوا عن إنشاء النقوش؛ إمّا لعجزهم عن تحمّل نفقاتها، أو لغياب الكتّاب والنقّاشين المحترفين، أو لاختيارهم التكتّم. والمقصود هنا بـ«النقش» نصٌّ مصوغٌ بعناية، منفَّذ على يد محترف، ومتوافق مع الأعراف التقليدية.
أمّا النصّ الصخري Sadd Maʾrib 6، الذي أنشأه أتباعُ أمير ذي همدان، فهو نقشٌ من حيث المضمون؛ إذ مضمونه جوهري، لكنه ليس نقشًا من حيث التنفيذ؛ إذ جاء على هيئة باروكية، بخطٍّ غير مألوف وتنسيقٍ مضطرب.
وعمومًا، فإن جميع الوثائق اللاحقة لسنتي 525–530م هي كتاباتٌ قصيرة عُثر عليها في حِمى (وخاصة MAFSN-JFR01.29)، وفي مريغان Murayghān 2)، وPRL-H60: ʿls¹m Rḥmnn S¹myfʿ (2) ʾs²wʿ ḏ-ʿṯkln [لوحة 2]، وعشرات غيرها)، وكذلك في أعماق الصحراء.
يوحي موضعُ القطعة (ناعِط) بانضمام جماعتي حاشد وبكيل، وأميرهما ذي همدان، إلى أبرهة وتقديمهما له الدعم. وقد كُشف عن هذا الارتباط من قبل نصّ Sadd Maʾrib 6 ، الذي يخلّد مشاركةَ كتيبةٍ قدّمها ذو همدان في أعمال ترميم سدّ مأرب في نوفمبر 558م.
أمّا في النقش الكبير من مأرب، المؤرَّخ بمارس 548م (CIH 541 = Sadd Maʾrib 5)، فيَرِد اسمُ ذي همدان ضمن قائمة المرتبطين بالبلاط، غير أنّه يحتلّ مرتبةً ثانويةً هامشية؛ إذ كان آنذاك تابعًا للأمير ذي فيش، صاحبِ السلطة على جماعة همدان وجماعاتٍ جنوبيةٍ كبرى. ويذكر النص عودةَ الملك إلى مأرب من السدّ، مصحوبًا بأعضاء مجلسه من الأمراء.
وكان الأمراء الأربعة العاملون في خدمة أبرهة على النحو الآتي:
أكسوم، ابنُ الملك، على ذي معاهر. ومرجزف، على ذي ذرانح (شمال ذمار). وعدلُ ذي فيش، على عددٍ من الجماعات، من أبرزها: ذو همدان (حاشد وبكيل شمال صنعاء)، وذو الكلاع (شمال تعز)، وذو ثات (منطقة رداع)، وذو رعين (شرق ظفار). وعلسم (عليس) ذو يزن، على ذي ذبيان وحضرموت وقرنة.
ولا يكفي نقشُ ناعِط لإثبات استعادة أمير ذي همدان مكانته بعد سنة 548م، غير أنّه يلمّح إلى ذلك بوضوح.
نقوش من عهد أبرهة
وبهذا أصبح لدينا الآن عشرة نقوش تعود إلى عهد أبرهة، وهو عددٌ استثنائي بالنسبة إلى ملكٍ واحد:
نقوش بأمر الملك:
DAI GDN-2002: – مأرب، الشهر الكبيس بعد فبراير 548م
CIH 541 = Sadd Maʾrib 5: – مأرب، مارس 548م
Murayghān 1 = Ry 506: – مريغان، سبتمبر 552م
Murayghān 3: – مريغان، (على الأرجح بين سبتمبر 552م وصيف 554م)
نقوش يُحتمل أنها بأمر الملك:
CIH 325: – سنة 559–560م
Bāriqī-Robin-Nāʿiṭ 1: – ناعِط، ربما بعد عام 560م
نقوش صخرية بأيدي رعايا الملك:
Murayghān 2= Sayyid PSAS 1988: – مريغان، سبتمبر 552م
Sadd Maʾrib 6– مأرب، نوفمبر 558م
MAFSN-JFR01.29: – حِمى
Mashʿal-Ḥimà-Abraha 1: – حِمى
أبرهة من الاندماج إلى الإقصاء
من الواضح أن أبرهة بذل جهدًا كبيرًا لإدراج نفسه في التقليد الحميري، ونيل الاعتراف به ملكًا شرعيًّا؛ غير أنّه لم ينجح في ذلك إلا جزئيًّا؛ إذ إنّ رواة الأخبار العرب في العصر الإسلامي يستبعدونه من قائمة ملوك حمير. فبحسب وهب بن منبّه: كان ذو نواس آخر ملوك حمير، وكان «أبرهة الأشرم أول ملك من الحبشة افتتح اليمن وملكها». ويذهب ابن إسحاق والطبري إلى الرأي نفسه، كما لا يعدّه الحسن الهمداني من ملوك حمير الشرعيين؛ إذ ينتقل في قائمته مباشرةً من ذي نواس إلى سيف بن ذي يزن.
ومع ذلك، فإن القوائم الملكية عند الإخباريين العرب تتضمن ملكًا أو أكثر باسم «أبرهة» سابقًا على ذي نواس؛ فمثلًا يذكر الهمداني: أبرهة بن الرائش ذو منار، وأبرهة بن الصباح. ومن المؤكد أن «أبرهة» اسم إثيوبيّ لم يدخل المعجم الاسمي العربي إلا في عهد هذا الملك، ثم اختفى بعده بوقت قصير، فإنّ جميع الملوك الذين يحملون هذا الاسم في تلك القوائم ليسوا إلا تكراراتٍ للملك التاريخي نفسه.
ويمكن تفسير هذه الظاهرة بأنّ الاختلاف في تقويم سيرة ملكٍ ما يفضي إلى افتراض شخصيتين: إحداهما مثاليةٌ مجيدة تُنسب إليها الفضائل، والأخرى سيئةُ السمعة تُعزى إليها الإخفاقات. كما تعكس هذه الظاهرة نزعةً يمنيةً واضحةً إلى إطالة الأنساب المنتهية إلى قحطان.
ويبدو أن تزايد عدد النقوش التي تذكر أبرهة يدلّ، على نحوٍ متزايد، على نجاحه في كسب تأييد شريحةٍ من سكان العربية الجنوبية، فضلًا عن بعض قبائل المناطق الصحراوية البدوية.
المصدر:
Zāhir ʿĀṭif al-Bāriqī and Christian Julien Robin, “Fragment of a Ḥimyarite Inscription Commissioned by King Abraha, with the Hypothetical Mention of Elephants”, Semitica et Classica 18/1 (2025): 295–300.