الفنّان والعالِم
لم يكن الفرق، ولقرون عديدة، بين العالِم والفنان واضحًا كما هو عليه اليوم؛ إذ يحاول كل منهما أن يكون ما يجب عليه أن يكون، مختلفًا عن الآخر في الوسائل والغايات. يقضي العالِم وقته في اكتشاف القوانين، أما الفنان فيهوى العثور على الحالات الفريدة. العلم هو فن الكوني (الشامل والعام)، والفن هو علم بالخاص. ومع ذلك، فإن البعد الخيالي، في رؤية العالَم التي نقلها الفن والتقنية-العلمية في بداية هذا القرن، يشكل الرابط الذي يجمع بين المبدع والمستكشف.
سنحاول هنا الإجابة عن سؤالين، أولهما يتعلق بنقاط التقاطع بين الفنان والعالِم، مع التركيز على السمات الخاصة بالفنان؛ لأن العالِم على الأقل معروف جيدًا لأبناء عصرنا الذين ينكرون، أحيانًا، ضرورة وجود ملامح دقيقة للفنان دقة تلك التي يجب أن يتصف بها العالم. أما السؤال الثاني فيتعلق بمصير الفنان حينما يتساءل عن غاية عمله، ولا سيما حينما يشعر بأن منابع إبداعه قد جفت.
الرسم بين الفن والعلم
إن «فن الرسم الصباغي هو علم» يقول جون كونستابل (1776-1837م)؛ لأنه أيضًا عملية بحث عن قوانين الطبيعة، وهو بالنسبة إلى هذا الرسام فرع من الفلسفة الطبيعية، أي الفيزياء مثلما نسميها اليوم (E. H. Gombrich, 1961.27)، مع العلم أن الرسم الصباغي كان يعد في التقاليد الغربية علمًا. يمكننا القول إذن: إن فعل الرؤية بالنسبة لهذا الرسام ليس عشوائيًّا أبدًا؛ لأنه يبحث في المناظر الطبيعية عن قوانين حركة الأجسام، وألوان الضوء الناتجة عن حركة الشمس، على سبيل المثال، بدلًا من البحث عن الخصائص الخفية المزعومة للطبيعة.
يعتقد، مع ذلك، العديد من الفنانين أن المجال الذي كرس كونستابل جهوده له قد اكتُشِفَ كاملًا اليوم؛ لذلك يجب التوجه نحو مجالات جديدة أخرى للتجربة، بدلًا من استكشاف العالم المرئي، حيث يبحث الرسامون عن أسرار اللاوعي (Ibid. 28). وهكذا أصبحت تصوراتنا عن العالم والإنسان والحياة الاجتماعية أو الفردية والموت موضوعًا للفنانين، إلا أن ذلك لا يهدف إلى الرؤية، رؤية الأشياء، بل إلى التساؤل عن كيفية الرؤية، فقد توقف الفنان عن «تسجيل ما يراه، بل يمكنه فقط ترجمة ما يراه بمصطلحات الوسيط الذي يعتمده»، فهو لا يستطيع نسخ ضوء الشمس على العشب، ولكنه يستطيع الإيحاء إليه (Ibid. 39).
ما يبحث عنه الفنان الرسام في الطبيعة ليس نسخ العالم المادي، بل التعبير عن ردود أفعالنا تجاه هذا العالم نفسه، كما أنه لا يهتم بالأسباب التي تحكم العالم المادي، بل يشغله كيف يمكننا استيعاب آليات بعض تلك الآثار؛ لأن دور العلم هو استكشاف قدرة فكرنا على تسجيل العلاقات والوقائع، بدلًا من تصوير العناصر الفردية. وإذا كان العِلم يُحوّل الخاصَّ إلى عام (عن طريق الاستقراء)، فإن الفن يقسم العام إلى عناصره الأولية؛ لهذا نتحدث في العلم عن المناهج، وفي الفن عن الأساليب، حيث «يمكن أن يكون مزاج الفنان أو شخصيته وتفضيلاته المختارة هي أسباب التغييرات التي يمر بها الموضوع تحت يديه، ولكن قد تكون هناك أسباب أخرى، أي كل ما يمكن تجميعه تحت مصطلح الأسلوب، أسلوب الفترة وأسلوب الفنان» (Ibid .52).
أضف إلى ذلك مسألة الحقيقة والموضوعية التي يختلف معناها بين الفنان والعالِم. دأب المناطقة على القول: إن مصطلحي «الكذب» و«الصدق» لا يمكن تطبيقهما إلا على القضايا والعبارات (Propositions-énoncés)، لكن اللوحة ليست قضية، فلا يمكن أن تكون صحيحة أو خاطئة، كما لا يمكن أن تكون القضايا أو العبارات زرقاء أو خضراء (Ibid. 56). المعلومة الوحيدة التي توفرها اللوحة هي توقيع الرسام، الذي يعطي معلومات عن اسمه وتقنياته واختياراته للموتيفات… إلخ، وهي أمور تقبل النقاش وليست بحقائق. وحتى لو كان الفنان يملك أسلوبًا خاصًّا، فإنه لا يمكنه الهروب من حدود عصره والمصالح التي يفرضها عليه السياق الذي يحيا فيه؛ لأنه هو نفسه عندما يحاول نسخ الشكل الفريد بشكل أصيل، لا يبدأ بانطباعاته البصرية، بل بأفكاره أو مفاهيمه. وحينما تنتج اللوحة معناها الخاص، ومحاولة ربط موضوعها على نحو نهائي بحقيقة واقعية، فإن ذلك يعني تثبيتها في سياق غريب عنها.
النشاط الجمالي والبحث العلمي
يحكي غومبريش أنه في بداية الأسرة الثامنة عشرة في مصر، صوّر الفرعون تحتمس الثالث -في لوحته التي تمثل سجلات حملته على سوريا- النباتات التي جلبها إلى مصر (من سوريا عام 1465م قبل الميلاد، تلك التي يصورها نقش في معبد الكرنك بالأقصر). يخبرنا هذا النقش، على الرغم من تلفه، أن الفرعون عدّ هذه الصور «حقيقية»، ووجد علماء النبات صعوبة في قبول وجود بعض النباتات المنقوشة؛ لأن الأشكال التخطيطية في هذا التمثيل ليست واضحة بما يكفي للسماح بتحديد هذه النباتات بدقة. هذا دون أن ننسى أيضًا أنه عندما رَسَمَ «دورر» نَقْشَه الخشبيَّ الشهيرَ: «وحيد القرن»، كان مضطرًّا إلى الاعتماد على شهادة من مصدر ثانوي، لكنه أكمل الرسم اعتمادًا على خياله، وقد تأثر بلا شك بما قرأه عن الحيوانات الغريبة الشهيرة، مثل التنين ذي الجسم المصفح. وقد استُخدم هذا النقش، لهذا المخلوق الذي لم يكن متخيلًا كله، حتى القرن الثامن عشر نموذجًا لوصف وحيد القرن، حتى في كتب التاريخ الطبيعي، حسب بانوفسكي.
يجب الإقرار أيضًا بأن فن الرسم الصباغي هو نشاط، ومن ثمَّ فإن الفنان سيميل إلى رؤية ما يرسمه بدلًا من رسم ما يراه (Ibid. 69). بعبارة أخرى، ينجذب الفنان فقط إلى الموتيفات، إلى جوانب معينة من المشاهد المحيطة به، التي يمكنه استيعابها في لغته الخاصة، فهو ليس ناسخًا أو كاتبًا أو آلة، بل يختار ما يجب عليه اختياره. وهو ما يثبت أن العمل الفني هو نتيجة تفاعل بين «الأسلوب والتفضيل»، بين الطبيعة والفكر، بين الحواس والخيال، فلا وجود؛ إذن، «لطبيعانية» محايدة، فالفنان، ولا يقل عنه الكاتب في ذلك شيئًا، يحتاج إلى المفردات قبل أن يبدأ في نسخ الواقع (Ibid. 71).
نقول في الأغلب، حينما نرغب في التمييز بين النشاط الجمالي والبحث العلمي: إن الجماليات لا تنتج منفعة ما، ولا تخدم أغراضًا عملية (مثل الحصول على الضروريات أو الكماليات، أو السيطرة على الطبيعة). ومع ذلك، لا يكفي على الإطلاق القول إن الجماليات حرة من أي تبعية لأي غرض، إلا أن ذلك لا يعني أن كل بحث غير عملي هو جمالي. كأن نعتقد أن العلم تحركه، في نهاية المطاف، أغراض عملية، كما نحكم عليه أو نبرر قيمته فقط بناءً على قدرته على بناء الجسور، على سبيل المثال، وصناعة القنابل، والسيطرة على الطبيعة. فهنا نخلط، ببساطة، بين العلم والتقنية.
تسعى العلوم إلى المعرفة دون النظر إلى تحقيق أغراض عملية، فهي تهتم بالتنبؤ ليس بما هو موجه للتصرف، بل بوصفه اختبارًا للحقيقة، وبالتالي يشمل البحث الخالي من المنفعة التجربة العلمية والتجربة الجمالية على حد سواء (Goodman, 1968, 242). ومصطلح التجريب -المستخدم على نحو خاص في التعبيرات الفنية المعاصرة، في الرسم والسينما، كما في الشعر والرواية- لا يشهد سوى على بحث الفنان، الذي يواجه في كثير من الأحيان نقصًا في وسائل تعبيره، عن معايير أخرى واستكشاف وسائط أخرى، فلا يختلف التجريب العلمي عن التجريب الفني إلا في الغياب التام لرؤية مسبقة، وانعدام غاية تحدد التوجه.
تداخل الحس العلمي والجمالي
تعد التجربة الجمالية بالنسبة إلى غودمان تجربة معرفية لا تتميز إلا بسيادة بعض الخصائص الرمزية، ويُحكَم عليها من خلال الفاعلية والمعايير المعرفية. فهل الحقيقة هي فعلًا الاختبار النهائي للعلم في مقابل الفن؟ هل يختلف مجال العلم عن مجال الفن اختلافًا جذريًّا، وذلك لأن الحقيقة تعني كل شيء بالنسبة إلى الأول، ولا شيء بالنسبة إلى الثاني؟ خلافًا للرأي السائد، فإن الحقيقة نفسها لا تهم كثيرًا في العلم، فالفرضيات العلمية، حتى لو كانت صحيحة، لا قيمة لها ما لم تستوفِ متطلبات التحقق أو الخصوصية التي يفرضها البحث، وما لم تؤثر في بعض التحليلات أو النتائج، وما لم تطورْ أو تُجِبْ عن أسئلة مهمة.
الحقيقة ليست كافية في حد ذاتها، ولكنها، في النهاية، شرط، فالقوانين العلمية الأكثر نبلًا نادرًا ما تكون صحيحة بما فيه الكفاية. إن العلم ينكر معطياته كما ينكر السياسي ناخبيه، فحقيقة الفرضيات، في النهاية، هي مسألة توافق مع نظريات، وتوافق الفرضيات والنظريات مع المعطيات (Ibid. 263-264).
لا يكمن الفرق في الأخير بين الفن والعلم في التباين بين الشعور والحقيقة، بين الحدس والاستدلال، بين المتعة والتفكير، بين التجريد والتجسيد، بين الانفعال والفعل، أو بين الحقيقة والجمال، بل هو فرق في هيمنة بعض السمات التي تحدد رموزًا ما؛ لأننا نفهم عوالمنا من خلال الرموز التي نخلقها. ومن المفارقات أن هذه الرموز ليست سوى نتيجة تمثلات مختلفة هي نتاج العوالم المتعددة التي يعيش فيها البشر. من هذا المنظور، العلم هو شكل من الأشكال الممكنة لفهم وإدراك الكون.
يجب الاعتراف كذلك أنه حتى في الفنون هناك تسلسل هرمي في هذه العلاقة مع العالَم، ومن الصعب تصور إمكانية أن يعبر فن ما عما يمكن لفن آخر أن يعبر عنه. لقد أثر الموقف العلمي لغاليلي مثلًا، في أحكامه الجمالية، كما أثر موقفه الجمالي في قناعاته العلمية، وبوصفه رجل علم وناقدًا فنيًّا، فقد كان يخضع للقواعد الصارمة نفسها (Panofsky, 1954, 2016,17. 58)، حيث تتوافق رؤيته لحركات الأجرام، التي تشكل نظامًا من الدوائر وأفلاك التدوير، مع فن الرسم الصباغي في عصر النهضة (القرن السادس عشر-Cinquecento) (Ibid. 67-68).
إنه يفضل، مثلًا، الرسم الصباغي على النحت، حيث يظهر كلاسيكيًّا؛ لأنه سيدافع عن الوضوح والبساطة (عدم إثقال العمل بالزخارف الكثيرة) والترتيب الجميل المميز لهذا العصر، ويكره ويحارب الإفراط والتشويه والالتواءات والرمزية والمزج بين أجناس المانييرية (maniérisme)(A. Koyré, (1966), 1973 .278) . وهذه الحجج هي نفسها التي ساقها ضد الشاعر الإيطالي تاسو (Tasso).
ومن المحتمل أن رمزية كبلر واستخدامه للاستدلالات الكوسمو-لاهوتية أثار في نفس غاليلي الرفض نفسه الذي أثاره فيه مجاز تاسو (Ibid. 286). ومع ذلك من المشروع أن نتساءل عما يؤثر في الآخر في حالة غاليلي، العالِم على الهاوي، أم الهاوي على العالِم. ربما كل فنان إلا ويؤثر فيه العالِم الذي يسكنه، وكل عالِم إلا ويؤثر فيه الفنان.
الإحالات:
– E. H. Gombrich, 1961, Art and illusion, a study in the psychology of pictorial representation, Phaidon Press, London.
– Nelson Goodman, 1968, Languages of art, an approach to theory of symbols, the Bobbs-Meril, USA.
– A. Koyré, (1966), 1973, Attitude esthétique et pensée scientifique, in Etudes d’histoire de la pensée scientifique, Gallimard.
– Erwin Panofsky, 1954, (2016) Galileo as a critic of the arts, Springs, tr.fr. Galilée critique d’art, trad. Nathalie Heinich, les impressions Nouvelles.