أدب الطفل وتحديات المستقبل

أدب الطفل وتحديات المستقبل

الكتابة للطفل ليس عملًا سهلًا؛ لأنه ليس مجرد متلقٍّ عادي يمكنه أن يستوعب كل ما يقدم إليه، ومن ثم فإنه يحتاج إلى دراسة نفسية جيدة لمختلف مراحل نموه، فإذا كان الطفل في سنيه الأولى لا يعرف غير مفردات بيئته وواقعه، فإنه في مرحلة التعليم الابتدائي يعشق الخيال والفانتازيا والرغبة في اكتشاف العالم، هذا الأمر الذي يتغير في المرحلة من 12 إلى 17 من عمره، حيث يعود إلى الواقع من جديد، محاولًا فهم مشكلات العالم الواقعي، باحثًا عن كيفية التعامل معه.

ولم يعد الطفل الذي لديه خمسة أعوام الآن بوعي الطفل نفسه الذي كانت لديه خمسة أعوام حين انتهت الألفية السابقة؛ فالطفرة الحادثة في وسائل التواصل وما لازمها من ثورة تقنية لم تلغ دور القراءة لدى الطفل، لكنها فتحت مصادر تلقي المعرفة على اتساعها أمامه، وهو ما خلق حالة من العشوائية في المعرفة لديه، وهو ما يستدعي تعاون دور النشر والمعنيين بالكتابة للطفل وأساتذة علم نفس الطفل في تأمل الأمر، والبحث في كيفية ترشيد معرفة الأطفال بما يتوافق مع طبيعة مراحلهم العمرية واحتياجاتها.

لكن ذلك ليس التحدي الوحيد، فقد خلقت التحولات الكبرى في السنوات الأخيرة تأثيراتها الواضحة في الجميع، ولا يمكن عدّ الطفل بمعزل عما جرى من حوله من حروب وثورات وربما فوضى في بلاده، فنفسية الطفل البيضاء تحتفظ بكل شيء في داخلها، وهو ما يستدعي تعاملًا فكريًّا ونفسيًّا مختلفًا معه عن أقرانه في البلدان الأخرى، وهو ما يجعل الكاتب للطفل أمام سيل من التحديات، في مقدمتها الدعم اللازم لاستمرار الكتابة الحقيقية والجادة في مواجهة الكتابات الاستهلاكية التي يسعى وراءها العديد من دور النشر التجارية، فضلًا عن تطوير كاتب أدب الطفل قدراته التنافسية مع تطبيقات اللوح الرقمي، بما تملكه من إبهار صوتي وموسيقي ورسوم متحركة، وما تبثه الترجمات التي راجت مؤخرًا من قيم لا تتناسب مع ثقافة الطفل وقيمه العربية.

كل هذه التحديات جعلت أدب الطفل في بلداننا العربية أمام منعطف صعب، لا يمكن الخروج منه بغير التخطيط الجيد لمستقبل الطفل، عبر العناية بالأنشطة الخاصة به، وتغيير مناهجه الدراسية، وجعلها تعتمد على العقل النقدي، حيث القدرة على الدهشة وإثارة السؤال، لا على التلقين والنقل، وبما يسمح لقدراته الإبداعية بالانطلاق.

ولا يعني ذلك التنازل الكامل عن مجمل تراثنا الفكري والأدبي، فما زال التراث العربي يحتوي على العديد من الأساطير والمرويات الأدبية القادرة على جذب الطفل وإثارة خياله، فضلًا عن تزويده بالقيم الثقافية اللازمة لتعزيز روح التسامح وقبول الآخر، هذا التراث الذي يمكن إعادة تقديمه بما يتوافق مع التقنيات الحديثة وتطبيقاتها الجديدة، بحيث لا يخرج العرب من معادلة أدب الطفل ولا يتنازلون عن أفضل ما في تراثهم العظيم.

في هذا الملف الذي تكرسه «الفيصل» لأدب الطفل، يكتب نخبة من أبرز الكتاب الذين عرفوا بالكتابة للطفل، عن القضايا والتحديات والمستجدات التي يواجهها هذا الأدب الصعب.


دور الأدب في تنمية شخصية الطفل

العربي‭ ‬بنجلون ‬كاتب‭ ‬أطفال‭ ‬من‭ ‬المغرب

ليس من قبيل المبالغة أو التهويل، إذا قلنا إن العالم العربي يجتاز منعطفًا صعبًا، لا ينجو ويسلم منه إلا (السائقون الماهرون)! هذا المنعطف، يفرض التأني والتروي، والتفكير الجيد في المستقبل، والتخطيط المحكم! إذ يُخْطِئ من يظن أن هذا المستقبلَ سيُبنى في شهر أو سنة، إنما في عقود؛ لأن هدْمَ بيتٍ متآكلٍ (سهلٌ) لكنَّ بناءَه من جديد، يفرض صبرًا جميلًا، ومُددًا من ثلاثة إلى أربعة عقود، قياسًا على دولٍ سابقةٍ، كاليابان والصين وسنغافورة، على سبيل المثال! فماذا عسانا نفعل، ونحن أمام الأمر الواقع؟!

دعونا نستحضر شموعًا وقناديلَ، فربما تضيء لنا المنعطفَ جيدًا، لنمرَّ منه بسلام. وهي ليست ضربًا من الخيال، أو أضغاثَ أحلام، بل مُستقاةٌ من الواقع، ومن دول كانتْ إلى عهد قريب خاملةَ الذِّكْر، لا تُذْكر بتاتًا، فأصبحتْ، بين عشية وضُحاها، نمورًا قويةً، تهدد السِّباعَ والدَّناصيرَ!

في ثَمانينيات القرن الماضي، زار وفد من مسؤولين صينيين أميركا، وطرحوا في حوار، عَرَضًا، سؤالًا على وزير التعليم: كيف أصبحتم تتزعّمون العالمَ، وتتربّعون على عرش اقتصادياته، ولكم في كل قارة موطئُ قدم؟! فأتى جوابه على السَّجية: فكرنا طويلًا، ووجدنا ألا سبيلَ لنا إلا (العنايةَ الفائقةَ بالطفل) فإذا أهملناه، فقدنا رجل الغد، الذي يقود التنمية. لكنْ، كيف سنعتني به، أي ماذا سنقدم له، كي ننشئه ونبني شخصيته؟! وكانتِ الإجابةُ من علماء النفس والاجتماع، أنْ نهيئ للطفل تعليمين: تعليمًا نظاميًّا، وتعليمًا ذاتيًّا. فالنظامي هو الذي يتلقاه في مدرسته، والذاتي هو الأنشطة الموازية، التي يمارسها في مراكز الرياضة، ومعاهد الفنون، ومكتبات المطالعة، لكنْ…!

وهنا توقف الوزير قليلًا، يأخذ نفسه، لأن في (لكنْ) يكمُنُ السرُّ، ثم أردف قائلًا: يجب أن تعطى للطفل في مجالاتُ الإبداع والقراءة، جُرُعاتٍ من أدب (الخيال العلمي) تنشط ذهنه، وتفتح عقله، وتحلق به في سماء الخيال، أي نبتعد مسافةً من (الثقافة النقلية) ونلقي به في بحر (الثقافة العقلية)!

وصدْقا قال الوزير الأميركي، فالثقافةُ التي تسود، حاليًّا، هي الثقافة النقلية، أي «بضاعتنا رُدَّتْ إلينا». ثقافةُ الْمَضْغ والاجترار، وبالتالي، لا ننتج شيئًا، عدا القيل والقال. وهي ما نلقنه لطفلنا، سواء في المدرسة والمنزل، أو في وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية، وحتى الرقمية!

ولمّا عاد الوفد الصيني، قرر أن يغير كلَّ المناهج والبرامج والوسائل التعليمية والتربوية. لكنْ، لا تظنوا أنه استغنى أو تخلى عن تراثه الأدبي، وهو البلد الآسيوي الغني بالأساطير، والحكايات الخيالية، والأدب العجائبي والغرائبي… بل نفخ فيه من روحه، ليجعل منه (إكسيرَ الحياة) لطفله! وبالمناسبة، لا ننسى أن الصين في حقبة الثمانينيات، وأنا أذكر ذلك، كانتْ تترجم كتبًا صينية إلى اللغة العربية، في مجال القصة، ومجال العلم، ومجال الرواية… وكانت تُصدر منها ملايين النسخ، وتوزعها على العالم العربي من الماء إلى الماء بأسعار بَخْسةٍ، أكثرَ مما تنتجه وتطبعه الدول العربية مجتمعةً! وها هي الصين، الآن، تغزو القاراتِ بنتاجاتها الصناعية، وفي كل المجالات التي تخطر ولا تخطر بالبال، وكل ذلك، نتيجة العناية بالطفل!

العناية بالثقافة العقلية

إن التطور الكبير الذي شهدته أميركا والصين ودول أوربية وآسيوية، لا يعود إلى التغيير في المناهج والبرامج فقط، أو إلى العناية بالثقافة العقلية، وبالأنشطة الموازية، وسواها من المواد والوسائل التربوية والتعليمية الناجحة… إنّما إلى تغيير نظرتها إلى الطفل (عن قناعة تامة) وبالتالي، إلى المُواطن، كعنصر فعّال في التنمية. وهنا أستحضر مثالين حيين:

الأول، عكسته السينما العربية في شريط طويل: «آخر الرجال المحترمين» الذي مثّل بطولتَهُ الفنان الراحل نور الشريف في شخص (أستاذ) تاهتْ عنه طفلة في حديقة الحيوان، فاتصل بالوزير، ظانًّا أنه سيستنفر كلَّ أجهزته بحثًا عنها. لكن مديرَ ديوانه، استغرب من طلبه قائلًا: «هل تريد أن تخبر الوزير عن طفلة ضلّتْ طريقَها؟ لماذا تعطي لقضية تافهة هذه القيمة الكبرى؟!» وأصبح هذا الأستاذ، في نظر الموظفين، مختلاًّ عقليًّا!

والمثال الثاني من اليابان، فقد أرادتْ هيئةُ سكة الحديد أن تغلق إحدى المحطات النائية، بعد أن لاحظتْ أن المسافرين بها قلّوا، لكنهم عدلوا عن قرارهم، عندما علموا أنّ طفلةً (قرويةً) ما زالتْ تتابع دراستَها، فعدّلوا مَواعِيدَ القطار مع ذهابها وإيابها من المدرسة. كذلك، فإن ميزانية التعليم وثقافة الطفل في أميركا، تحتل المرتبة الثانية، ولا تقبل المناقشة، لأنّ أيَّ تخفيض فيها، يعني (تفريطًا) في (صناعة الإنسان) الذي يُشكِّل عمادًا قويًّا للبلاد.

إذن، من هنا نبدأ، ومن الطفل ننطلق، ولن تفيدَنا الحلولُ الترقيعيةُ، فهي وإن كانتْ ضروريةً، راهنا، لأنها تسد الثغراتِ، فإنّها، قَطعًا، لن تحلَّ مشكلاتنا العويصةَ، ولن تجتازَ بنا المنعطفَ الصَّعبَ!  وإذا كان بعض منْ لا ينظرون بعيدًا، يرى أن العناية بالطفل، عِبْءٌ ثقيلٌ، يُرهق ثرواتِ البلاد، فإنه ينسى أن كل الكوارث الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية التي نشهدها آنيًّا، سببها الأساس، هو إهمالنا له. فما الذي يجعل العالمَ المتطورَ يهتم بالطفولة، أكثرَ من أي مرحلة في حياة الإنسان؟ وكيف تتحقق التنميةُ الشاملةُ من تربيتنا وتعليمنا للطفل؟ وكيف نغادر الكهفَ المظلمَ، لنقف أمام الشمس؟

من الواقعية إلى الخيال الحر

لقد اكتشف العلماءُ أن الإنسان، عند ولادته، يتوافر على مئة مليار خلية في مخه، وتكون هذه الخلايا حية ونشيطة في بدايتها، وهي المسؤولة عن كل العمليات الذهنية والنفسية والحسية التي يمارسها الإنسان، شريطة أن تظل حية ونشيطة. ولكي تبقى كذلك، عليه أن يزاول، منذ طفولته الأولى، أنشطة متنوعة، كالقراءة والرياضة والفنون… وإلا فإن هذه الخلايا، ستتلاشى شيئًا فشيئًا إلى أن تندثر، فيستحيل على الإنسان إحياؤها وتنشيطها من جديد. ومن ثَمَّة، يستحيل عليه أن يندمج في مجتمعه، وأن يمتثل لقوانينه وأخلاقياته، ويحافظ على تراثهِ وعلى وطنه، وأن يسهم في تنميته وترقيته، لأنه أصبح مشلولًا، لا يتوافر على خلايا فاعلةٍ، وبالتالي، يصبح عالةً على البشرية. ولذلك، نُلحُّ على العناية بالطفل، طيلةَ السنواتِ الستِّ الأولى (على الأقل) لأنه بعد ذلك، يتخذ طريقه بنفسه، فإذا تعود، في هذا الطور الأول، أن يعتمد على قدراته الجسمية والعقلية والسلوكية، سهل عليه أن يجتاز المراحلَ الباقية. فهذه المرحلة، هي الأهَمُّ والأساسُ في بناء شخصية الإنسان، وما سيأتي، ليس إلا ترسيخًا وتكريسًا لما تلقنه وتعلمه في أثنائها.

إذا كانت المرحلة الأولى، سميتُها بـ (الواقعية)؛ لأن الطفل فيها يتأقلم مع بيئته، ويندمج فيها، فإنه في المرحلة الثانية، من سِتٍّ إلى تسعِ سنواتٍ، ينتقل إلى (الخيال الحر) ليشحذ ذهنه، ويوسع عقله، بما يطالعه، أو يسمعه من قصص خيالية، كالحكايات العجيبة. وهنا، أتذكّر ما قاله ألبرت آينشتاين عن الذكاء، الذي يُوَلِّد الابتكارَ والاختراعَ، فيقول إن الذكاء هو الذكاء، عندي أو عندك، سواء كنت أوربيًّا أو آسيويًّا أو أفريقيًّا، لكنْ ينبغي أن يتنامى، منذ السنوات الأولى من حياتنا. والحقيقة أن آينشتاين يريد أن يدفع عن نفسه تهمةً، وهي أنه (ورِث الذكاء) أو ما كان له ليُنجزَ نظرياتِهِ العلميةَ، لو لم يرِثِ الذكاءَ، كأنه يُسَيَّر من قوى خفية، ونتيجة ذلك أن من لم يرِثِ الذكاءَ لا يستطيع أن يتفوق، مِمّا سيعطي ذريعةً لكل خاملٍ. وفي حوار آخر، يُرجع الفضلَ في تنمية ذكائه إلى أمه، التي كانت تحكي له قصصا، شحذت بخيالها ذكاءه، ونَمَّتْ شخصيتَهُ.

نستنتج أن القراءةَ هي الوجبة اليومية، أي الطعام الذي يغذي خلايا المخ، ويُحَسِّن عملَها، هذا دون أن نشير إلى قيمتها في تزويد المتلقي الصغير بالمعارف والمعلومات واللغة، وما إلى ذلك. فالثقافة النقلية، تقتل الخلايا، وتقضي على الذكاء، وتُعَوِّد العقلَ على الكسل والخمول والتلقي المجاني، وتحرمه من نعمة التفكير والتخييل. فينبغي تأسيسًا على ما مضى ترسيخُ (الثقافة العقلية) التي تحفز الطفل على الملاحظة والتساؤل والغربلة والنقد، وتنأى به عن الحفظ والتخزين والثقة العمياء!

وليس هناك ما يحرك هذه الثقافةَ العقليةَ، غيرَ الأدب، كالحكايات والقصص والأساطير والنوادر والرحلات والأشعار. لأن من الخيال الذي يُغَذِّي عقولَنا، نستطيع أن نأتي بشيء جديد، وبدونه سنظل ندور في حلقة مفرغة! غير أن جرعات الخيال، ينبغي أن تكون محسوبةً بدقة، لا تتعدى الْحَدَّ، وإلا انْقَلبتْ إلى الضد؛ فهي كما أشرنا تمتد ثلاثَ سنواتِ، لينتقل الطفل بعدها إلى المرحلة الثالثة، التي نسميها بـ (الواقعية الثانية) من سِنِّ التاسعة إلى الثانيةَ عشرةَ، حيث تستأثر القضايا العلميةُ والاجتماعيةُ والتاريخيةُ باهتمامات الطفل… ويحاول فيها تحديدَ معالم شخصيته المستقبلية، وإثبات ذاته، بالتعبير عن آرائه ورؤيته لمحيطه والعالم.

هناك من يريد، عبثًا، أن يستعجل النمو، فيحرق المراحل، ضد الطبيعة. فالطفل في مراحله الأولى، يعيش طفولته، بلعبها وشغبها، باذلا طاقتَهُ الجسميةَ والنفسيةَ، في اللعب والحركة والتواصل والتفاعل مع الآخرين، وفي تلقي العلم والمعرفة، لا أنْ نمهد له الطريقَ، باكرا، إلى التكنولوجية الحديثة، من ألعاب آلية، وشبكة رقمية، وأشرطة من الخيال العلمي… لأن كل تلك الوسائل، تبسُط بين يديه (وجباتٍ) ناضجةً من الأفكار، دون أن يُشَغِّلَ فيها عقله، أي تسرق منه الفكرَ والخيالَ، وتُبْطِل لديه الرغبةَ في الاكتشاف  والابتكار والإبداع، فضلًا عن الأمراض النفسية والصحية والاجتماعية، التي تصيبه منها.


كاتب‭ ‬الأطفال لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬يدرك‭ ‬واقعهم

يعقوب‭ ‬الشاروني ‬كاتب‭ ‬مصري

في ثلاثينيات القرن العشرين، عندما كنت في المرحلة الابتدائية، وبدأت التوسع في القراءة وأنا في التاسعة من عمري، لم يكن أمامي ما يسمى «مكتبة للطفل»، كنت أقرأ ما يقرأه الكبار، وعلى وجه خاص سلسلة «روايات الجيب»، وكانت كلها مترجمة، عرفت من خلالها أحدب نوتردام والحرب والسلام وغيرهما، كما قرأت روبنسون كروزو وجلفر في ترجمات كاملة، ثم اكتشفت شغفي بالمسرح، وبدأت أكتب التمثيلية مع القصة القصيرة، وعندما وصلت إلى المرحلة الثانوية، أصبحت رئيسًا لفريق التمثيل في مدرستي، ومع بداية المرحلة الثانوية، اكتشفت كنوز روايات نجيب محفوظ ومسرحيات توفيق الحكيم في مكتبة أخي الأكبر يوسف الشاروني، كما بدأت أقرأ الدراسات النقدية حول القصة والرواية والمسرحية، ولا أتذكر أني وجدت عندئذ سطرًا واحدًا يشير إلى ما يسمى «أدب الأطفال»!

وعندما حصلت عام (1960م) على جائزة الدولة الخاصة التي تسلمتها من الرئيس جمال عبد الناصر، كان ذلك عن مسرحية للكبار، وكان عمري (29) عامًا، وعندما جاء ابني وابنتي للحياة، بدأت أحكي لهما أشهر حكايات الأطفال العالمية، مستعينًا بشرائح الصور الثابتة (البروجكتور) عشرات القصص مثل سندريلا وذات الرداء الأحمر والجميلة النائمة، وعندما تركت عملي في القضاء عام 1967م، حرصت على أن أقدم حفلاً أسبوعيًّا للأطفال في قصر ثقافة مدينة بني سويف، معتمدًا على تقديم هذه القصص من خلال الحوار والمشاركة مع مئات الأطفال، فاكتشف الأطفال قدراتي على التواصل معهم من خلال القصص، هكذا قررت أنه إذا كنت قد نجحت في الكتابة للمسرح، فإن هناك جانبًا كشفه لي الأطفال خلال التجربة معهم، لقد اكتشفت أسرار الكتابة من خلال تجربتي المبكرة مع المسرح والتمثيل وكتابة المسرحيات، ثم ممارستي قص الحكايات في حفلات قصور الثقافة.

هناك شبه إجماع على خطورة ترك صغار الأطفال أمام الشاشات، بسبب التلقي السلبي، لذلك تنبه المشاركون في تقديم كتب الأطفال إلى الدور الأساسي لمختلف حواس الطفل في التعامل مع الكتاب، فبدأت ثورة حقيقية في تقنية كتب صغار الأطفال، تهدف إلى إشراك أكبر عدد من حواس الطفل في التعامل مع الكتاب، فتزايد إقبال معظم الأطفال الصغار على الكتب الموجهة لسن ما قبل المدرسة، إنها كتب تم إبداعها لتناسب أطفالاً لم يتعلموا القراءة بعد.. كتب يقرأها الأطفال برؤية صفحاتها أو أجزاء منها تتجسم وتتحرك، تختفي وتظهر، وباللمس بالأصابع، والاستماع إلى الموسيقى والأصوات، ومشاهدة الأضواء، بل وبالشم أيضًا، فبهذه الوسائل يدرك الأطفال العالم، ويستطلعون ويتعلمون ثم يبدعون، وهو ما نطلق عليه «القراءة بالحواس الخمس»، التي تجذب صغار الأطفال بعيدًا من الشاشات.

توجد الآن في معظم الدول العربية مسابقات بجوائز سخية، في مختلف مجلات الكتابة للطفل، ولا شك أن هذه المسابقات خلقت تنافسًا واسع النطاق بين أصحاب المواهب الذين لديهم اهتمام بالكتابة للأطفال، فتزايد عدد ما يصدر من كتب للأطفال، لكن لابد من تشجيع قيام حركة نقدية نشطة في مجال أدب الطفل، كي نحقق ما نرجوه من تقدم يواكب تغيرات العصر وتحدياته، هذه الحركة النقدية يمكنها أن تقدم لنا عينًا على ما يجري في العالم في مجال أدب الطفل، وهو كثير ومتسارع ويسابق الزمن في التطور والإبداع.

فجوة في التطوير

كبرى دور النشر التي تخصص جانبًا من اهتمامها لنشر كتب الأطفال، أصبحت اليوم تضارع في مستوى إنتاجها الورقي أفضل المستويات العالمية، والدليل على ذلك حصول عدد من الكتب العربية الموجهة للأطفال على جوائز عالمية، مثل جائزة معرض بولونيا الدولي، لكن لا تزال هناك فجوة كبيرة بيننا وبينهم في تطوير كتب الأطفال، تلك التي أطلقنا عليها «كتب القراءة بالحواس الخمس»، والتي تسود حاليًّا عالم كتب الأعمار الصغيرة في أوربا وأميركا، وقد يرجع هذا إلى ارتفاع تكلفة إنتاج هذه الكتب، وعدم تفهم الأسرة العربية للدور المهم لهذه الكتب في إنشاء علاقة حب بين الأطفال والكتب منذ شهور حياتهم الأولى. أصبحنا في حاجة إلى اختيار روائع أدب الطفل في الأدب العالمي لترجمتها إلى اللغة العربية، بعيدًا من العشوائية في اختيار ما يتم ترجمته، وفي حاجة إلى أمانة الترجمة، وجودة العبارة المناسبة لعمر الطفل الذي يتوجه إليه الكتاب، وذلك لكي تدخل الترجمة في إطار «أدب الأطفال» مثلما دخل النص الأصلي في إطار الأدب في لغته الأصلية، وهو ما بدأت تقوم به مراكز الترجمة في العالم العربي.

قيم التربية

كلما كان كاتب الأطفال على دراية بواقع الأطفال الاجتماعي والنفسي والبيئي واليومي، اختار موضوعات أعماله من بين ما يعيشه الأطفال في واقعهم أو خيالهم، فإذا كان الفن يأتي أولاً في مجال إبداع أدب الطفل، فلا يمكن فصل الفنان الذي يكتب للأطفال عن المربى الذي يدرك أثر كل كلمة يكتبها على القارئ الصغير، إن مؤلف أدب الأطفال، إذا كان مسلحًا بالرؤية الواعية لقضايا مجتمعه وقضايا الطفولة، فلابد أن يساهم ما يكتبه في التربية والتغير المجتمعي. لكننا نعود فنؤكد أن أية قيمة تربوية أو اجتماعية يتضمنها العمل الأدبي، لابد أن تأتى من خلال الفن، وليس على حساب الفن، إن الدنيا تتغير من حول الأطفال، ولابد لكاتب أدب الطفل أن يتنبه لهذه التغيرات.. ونتيجة لهذا تظهر معظم الاتجاهات الجديدة في أدب الأطفال العربي أو العالمي.


النشر‭ ‬الإلكتروني‭ ‬يفتح‭ ‬آفاقًا‭ ‬جديدة‭ ‬لكتابة‭ ‬الطفل

وفاء‭ ‬السبيل ‬كاتبة‭ ‬سعودية

بدأت الكتابة للطفل منذ أكثر من ٣٠ عامًا عندما كنت محررة ثم رئيسة تحرير لإحدى مجلات الأطفال خارج المملكة، وعندما كتبت في مجلة الشبل مع الأستاذ عبدالرحمن الرويشد- رحمه الله- كانت تلك البدايات الأولى، ومرحلة للتجريب واختبار قدرتي على إنشاء نصوص للأطفال. ولكن بدايتي الحقيقية التي منحتني الثقة لأسمي نفسي كاتبة للأطفال كانت في عام ٢٠٠٠م عندما فازت مجموعتي القصصية «حكايات أمونة» بجائزة إبداعات المرأة العربية في الشارقة، والتقيت فيها كاتبة الأطفال المصرية فاطمة المعدول، حيث كانت ضمن لجنة التحكيم، وهي كاتبة مشهورة ولها ثقلها في عالم الكتابة للأطفال.

واصلتُ بعدها الكتابة والتأليف، ولم تكن تجربة متقطعة كما يظن بعض النقاد، فلدي نصوص كثيرة ولفئات عمرية مختلفة، ولكنني لا أنشر لأسباب مختلفة، منها انصرافي للبحث العلمي وللعمل الميداني في مجال ثقافة الطفل. وآخر أعمالي المنشورة قصص الأنبياء للصغار جدًّا الجزء الأول بالشراكة مع صديقتي وشريكة دربي فاطمة الحسين ونشرتها دار أسفار، ووجدت إقبالًا كبيرًا من الجمهور، وصدرت منها الطبعة الثانية. وفي هذا العام ٢٠٢١م صدر الجزء الثاني للسلسلة من الدار نفسها.

كتبت مسرحيات كثيرة بعضها أصيلة وبعضها الآخر مستمد من التراث العربي والعالمي، ومُثلت على مسرح العرائس أو مسرح الطفل الحي من خلال مسرح مكتبة «كان يا ما كان» للأطفال بمدينة الرياض. أما المستقبل ففيه الكثير الذي سيخرج إلى حيز النور، وستكون فيه تجارب جديدة أرجو أن تسهم في حركة التأليف للأطفال في المملكة.

بكل تأكيد، تواجه الكتابة للطفل تحديات كبيرة إذا لم تتجه للتغيير وتواكب العصر، وتوظف التقنية لخدمة النص الأدبي. النشر الإلكتروني يفتح آفاقًا جديدة للكتابة للطفل، تكون أكثر جذبًا وتفاعلًا مع الجمهور. أما إذا ظلت تحصر نفسها في الوسائط التقليدية كالكتاب وغيره فإنها ستعاني من هجر الجمهور المستهدف، خاصة مع تقصير المربين في توظيف الأدب في حياة الأطفال، فكثير منهم لا يراه ضرورة ولا يبذل جهدًا في ذلك.

مبادرات فردية

كثير من الجهود الموجهة لتشجيع الكتابة للطفل تأتي من مبادرات فردية أو من مؤسسات مدنية، والمؤسسة العربية الرسمية تحبو حبوًا، ولعل المستقبل يكون أفضل. وتظل معظم المبادرات منحصرة في الجوائز التشجيعية ذات الأثر القصير الأمد، وإن كان فيه جهود لإنشاء بعض الجمعيات أو المجالس، ولكن أثرها محدود ولا ينهض ليكون مشروعًا شاملًا على مستوى الوطن العربي.

لا شك أن هناك نهضة أدبية واضحة على مستوى الوطن العربي في الكتابة والنشر، وحتى على مستوى المملكة. وهناك دور نشر عربية عريقة ظلت لعقود ممتدة تواكب كتاب الطفل العالمي، وتنقل كل جديد ومميز إلى اللغة العربية، وتنشر نصوصًا عربية خالصة لأدباء مميزين تتلاءم مع بيئة الطفل العربي وحاجاته. لقد أصبحنا نجد كتبًا عربية لمعظم الفئات العمرية وإن كانت القصص المصورة لفئة ٦-١٠سنوات هي الأكثر، كما أن الأديب بدأ يخوض في موضوعات جديدة يفرضها العصر ويقدمها بأساليب شائقة تجذب الطفل، وبعيدة من الوعظ والإرشاد الذي ساد في مرحلة سابقة.

دور مركزي لدور النشر

ولكن كل هذا يقصر بنا عن المنافسة على المستوى العالمي. إن صناعة الكتاب لا يكفي فيها وجود نص جيد؛ إذ هو فقط المادة الخام التي تحتاج إلى صقل وسبك وتزيين. إن شكل الكتاب برسوماته وتفاصيل إخراجه لا يقل أهمية عن محتواه، لذا تلعب دور النشر دورًا مركزيًّا في صناعة الأدب سواء في مرحلة إعداده أو في المرحلة التي تليها وهي كيفية إيصاله إلى الجمهور. يمكن أن نقسم دور النشر الخاصة بالكتابة للطفل على فئتين: فئة تجارية بحتة لا تعنى بالمحتوى، وتروج لقيم الاستهلاك، وهي المنتشرة في كل مكان، في أكشاك الأسواق المركزية وفي محلات القرطاسية. وهذه أشبهها بوجبات الأكل السريع التي فقط تشعر الطفل بالشبع دون أن تضيف إليه ما يفيد بل قد تضره. وفئة أخرى ذات رسالة، تسعى للنهضة والتغيير، وتواجه في ذلك صعوبات كبيرة لوجستية من المؤسسات الرسمية التي تفرض قيودا وتضع عراقيل، أو صعوبات أخرى ذات علاقة بطباعة الكتاب نفسه وتوزيعه، وتكاليف ذلك باهظة، طبعًا هذا إذا توافر النص الجيد والرسام المبدع.

وكل هذه تحديات كبرى تعيق النشر الجيد على نطاق واسع، ومن ثم تبطئ عجلة النهضة الأدبية لأدب الطفل. ولعلني هنا ألمح إلى دور النشر السعودية المتخصصة للأطفال، وما تقوم به من جهد واضح وملموس أوصلت فيه كتاب الطفل السعودي إلى المنافسة العربية، بعد أن تأخر كثيرًا. ويقف وراء ذلك- في معظم الأحيان- جهود كبرى تبذلها الأديبة السعودية التي تتخذ زمام المبادرة وتخوض هذا المجال على رغم صعوبته وتكاليفه الباهظة. فهناك دور نشر برزت على الساحة اليوم تملكها أديبات سعوديات بذلن فيها الغالي والنفيس من أجل أن يصل الكتاب الجيد إلى الطفل السعودي، ويعبر عن هويته ويتماشى مع بيئته ويتلمس حاجاته والمحتوى المناسب له. وأنا متفائلة جدًّا بالمستقبل القريب، خاصة مع الجهود التجديدية في وزارة الثقافة، ومع رؤية ٢٠٣٠ التي أحدثت نقلة نوعية شاملة على شتى المستويات.


الأطفال‭ ‬والمخيلة
رحلة‭ ‬الحكايات‭ ‬في‭ ‬الألفية‭ ‬الثالثة‭ ‬واكتشاف‭ ‬الذات

لنا‭ ‬عبدالرحمن ‬كاتبة‭ ‬لبنانية

يبدو العالم الذي نعيش فيه بالنسبة لأطفال الألفية الثالثة أكثر ازدحامًا، وإغراء، وضجيجًا. عالم يختلف عن ذاك الذي عرفته أجيال آبائهم وأمهاتهم، بروافده المحدودة التي كانت مقتصرة على شاشة تلفزيون ملونة، وبرامج للأطفال لها وقت محدد، ولا تبث على مدار اليوم كما يحدث الآن، إلى جانب حضور عادي للقصص والمجلات التي تُؤلف حكاياتها بين الكلمات والصور.

لم تعد هذه المصادر هي الحاضرة فقط في عالم الأطفال منذ دخولنا في عصر العولمة، بل غدت الروافد التي تحاكي الطفولة وتسعى إلى التسلل لمخيلة الأطفال كثيرة جدًّا ومتنوعة، بل إن كثرتها تسبب بلبلة وتشتتًا بالنسبة للأهل، وتدفعهم لمزيد من الرقابة حول أطفالهم.

بيد أن كل هذه المصادر والروافد الموجهة للطفل ترتكز بشكل أساس، سواء في الماضي أو الحاضر على عنصر أولي يرافق الطفل منذ بدايات تشكل وعيه، ألا وهو «الحكاية»، فقد ظلت الحكاية الينبوع الخصب الذي يجذب الطفل لينهل منه، ويساعد على اكشاف مواهبه وما يحب في هذا العالم، سواءً من أيام حكايات الجدات ودلالاتها التعليمية الهادفة، وصولًا إلى زمن الفضائيات الموجهة للأطفال، وقنوات يوتيوب، وبرامج تعليم الرسم والأغنيات والموسيقا واللغات عبر الأجهزة اللوحية.

لم يعد الطفل الآن الذي له من العمر خمسة أعوام، يمتلك الوعي نفسه الذي كان لطفل آخر تربى مثلًا في مطلع أواخر الألفية الماضية، فالتطورات التقنية السريعة التي حصلت من حولنا في العالم كله ساهمت في حدوث تحولات معرفية أثرت في نمو الطفل وتشكل وعيه، لذا إن جعل الأطفال يحبون الكتابة والقراءة يُمثل تحديًا كبيرًا بالنسبة للأهل، في زمن تبدو فيه المغريات أكثر تدفقًا من إقناع الطفل بالقراءة، أو بالانضمام إلى ورشة للكتابة الإبداعية.

المخيلة والرسم بالكلمات

علينا أن لا نُغفل أن الأطفال لديهم مخيلة حرة، خصبة، لا تتشكل الروابط فيها بشكل منطقي كما يحصل في عالم الكبار، وإذا اعتبرنا أن أولى تجليات هذه المخيلة يبدأ في الرسم، حين يتعلم الطفل كيف يُمسك بالورقة والقلم والألوان ويرسم بشكل بسيط ما يدور في مخيلته، فإن اللحظة التي تسأل فيها الطفل عن مدلول رسوماته فإنه سوف يسارع ليحكي لك عما يقصده من وراء الرسمة، فالخيال بالنسبة للطفل يُمثل متعة كبيرة، كما تحمل رسومات الأطفال تسجيلات لانطباعاتهم عن الحياة، وعلاقاتهم بمن حولهم من أفراد الأسرة، وما نسميه اجتماعيًّا «براءة الأطفال»، هو في حقيقته النفسية ردات فعل فطرية لم تخضع لتشذيب نتاج ضغط المجتمع، وهذا ما يفقده الطفل بمرور الوقت وكلما تقدم خطوات في عبور عتبات الطفولة.

وإذا كانت القراءة تُشكل بالنسبة للأطفال اللبنة المعرفية الأهم منذ بدايات وعيهم، مع الكتب الألفبائية الصغيرة بأحرفها وألوانها الجذابة، وتطورها بين عام وآخر، واستبدال الحروف بالكلمات، والكلمات بالجمل والحكايات، فإن هذا التدرج الذي يبدأ عند البعض مع صوت الأم أو الأب يقرأ الحكاية للطفل الصغير، يتحول بمرور الوقت إلى قيام الطفل نفسه بهذا الفعل وادراكه فطريًّا أن القراءة هي إحدى بواباته نحو العالم الكبير الغامض والمجهول. إن حضور الوسائل التقنية الحديثة من هاتف محمول وجهاز لوحي وغيرها، لم يلغِ دور القراءة في حقيقة الأمر بقدر ما شعَّب مصادر المعرفة، وأربك بشكل ما ذهن الطفل الخصب القادر على هضم كل ما يتلقاه. حضور الكتاب الإلكتروني مع الصورة الملونة، يشكل جاذبية أكبر بالنسبة للعديد من الأطفال، مقارنة بالكتاب الورقي المطبوع. وفي ظني أن هذا الأمر يستحق التوقف طويلًا لدراسته وتأمله سواء من قبل كُتاب الأطفال، أو دور النشر العربية الموجهة للأطفال. فالسؤال عن القضايا التي نحتاج أن نتوجه بها للطفل العربي جديرة بأن توضع على قائمة أبحاث وملفات تأخذ في حسبانها تطبيق نظرياتها على مئات من الأطفال العرب من مختلف البلدان بغرض الوصول إلى استيعاب ما يدور في ذهن الطفل.

فالأطفال كائنات بصرية جدًّا، خاصة في عصرنا هذا الذي يقوم على الصورة، إلى جانب قدرتهم على تشكيل ذاكرة سمعية في حال اعتيادهم على سماع القصص. لقد أحدثت التغيرات العلمية والعصرية والاجتماعية، بل والسياسية التي عصفت بالعالم العربي، تحولات كثيرة لا يمكن استثناء الطفل منها، خاصة في الدول التي تعرضت لحروب وهجرات، وهذا بلا شك يؤثر في رؤيته للعالم بعد حدوث اهتزازات في الثوابت من حوله. وإذ كانت غاية الكتابة عمومًا هي المحاكاة ومنح الأمل، فإن تجليات محاكاة الواقع، وزرع الأمل والإيمان بالغد بالنسبة للأطفال يجب أن تتبلور عبر الحكايات التي نقدمها لهم، بمضمون وأسلوب بعيد من السذاجة، بل يعزز مخيلتهم الخصبة ويوازي طموحاتهم وتطلعاتهم العصرية بغرض مساعدتهم على استيعاب ما يدور حولهم، وتوجيههم للسلوك الأخلاقي السليم بأسلوب حكائي بعيد من الوعظ المباشر الذي يُنفر الأطفال.

ألعاب الكتابة وتأثيراتها

لا يمكن أن تكون الكتابة بالنسبة للطفل مهمة إلا إذا كانت عملا ممتعا، فالخيال والألعاب والضحك هي الطرق المضمونة للتسلل إلى ذهن الطفل. إحدى تمارين الكتابة تقوم على عرض صورة طفل ضاحك أمام الأطفال وسؤالهم عما يرون فيها، ما السبب الذي يدفع الطفل إلى الفرح ، ويكون عليهم الحكي أو كتابة ما يشاهدونه في حال كانوا في سن يسمح لهم بالتعبير المكتوب، يكشف هذا التمرين البسيط تركيبة الطفل من الداخل، وتساعد الكلمات البسيطة التي يصف بها الصورة على إدراك طبيعة رؤيته للعالم الصغير من حوله: أسرته، مدرسته، رفاقه، وبالتالي يساعد هذا التدريب على ترشيد الطفل سلوكيًّا ومعرفيًّا وتقويمه في حال احتياجه لذلك.

يلحظ المراقب للأطفال في سنواتهم الثماني الأولى مدى عشقهم لابتداع شخصيات خيالية، وإيجاد حكاية وواقع متخيل لهذه الشخصيات؛ يُشكل الطفل عالمًا متكاملًا لأبطاله الذين يكونون في الأغلب من الحيوانات أو الكائنات المتخيلة، وهذا يتجلى واقعيًّا في اختيار أنواع الألعاب بما يتوافق مع مخيلته، على سبيل المثال قد يجذب عالم التنانين، بحكاياته ومسلسلاته، وألعابه مخيلة أحد الأطفال لمعرفته أكثر، ولاختلاق حكايات مؤلفة من أسرة التنانين؛ لقد خبرت مثل هذه المواقف وشهدتها لعدة أعوام مع ابني « عمر» ورفاقه، وكيف تتشكل نواة العلاقة مع كائن ما يصير حضوره مهمًّا وداعمًا في حياة الطفل، إذ تستطيع الأم أو المربية المشرفة على الاعتناء بالأطفال عبر هذه الحكايات اكتشاف الميول التي يفضلها الطفل سواء في الألعاب أو في بدايات تشكيل وعيه بالحياة من حوله، وإذا كانت الكتابة عن أبطاله وحكاياتهم تشكل موهبة مبشرة بالنسبة للطفل وتحتاج إلى رعاية واهتمام، كي تؤتي ثمارها لاحقًا، لأني مؤمنة جدًّا أن الأطفال الكبار بين (13- 17) عامًا، يمتلكون قدرة كبيرة على سبر أغوار الأطفال الآخرين، والكتابة عما يشغل اهتمامهم ويعبر عن مكنوناتهم.

تأتي أهمية ورش الكتابة، ودورها في الـتأثير في الطفل انطلاقًا من قيامها بعدة أدوار فعالة تترك انعكاسًا ملموسًا على سلوك الطفل وردود أفعاله، خاصة لدى الأطفال الذين لا يحسنون التعبير عن أنفسهم بشكل دقيق. خلال ورشة الكتابة التي يكون الهدف منها أساسًا منح الطفل مساحة حرة تمامًا ضمن وسط بيئي (مكاني) يحاكي مخيلته الطفولية في اختيار الألوان والرسومات التي تشغل مساحة القاعة، كي ينطلق ويعبر عن أفكاره، وتخيلاته، وأحلامه، وطموحاته، ويكون على المشرف الاستماع لكل طفل والإنصات بعمق له ولكل ما يقوله، والانتباه لدفع الطفل الأكثر انطواءً إلى المشاركة أكثر من بقية الأطفال، وذلك بغرض منحه ثقة بالنفس، من المفترض أن تعمل الورشة على تشكيلها، أو تعزيزها وإظهارها للعلن.

المنافسة والعلاج بالفن

خلال ورشة الكتابة للأطفال التي يتجاور معها الرسم أيضًا، بحيث يرسم الطفل رسمة توافق بطله أو حكايته المتخيلة، يواجه المدرب إحساسًا تنافسيًّا مكتومًا لدى الأطفال، ولعل أكثر الأحاسيس النفسية المؤذية بالنسبة للطفل هو شعوره بأن المشرف يفضل طفلًا آخر ويمنحه اهتمامه أكثر، يترك الإحساس التنافسي بين الأطفال خلال ورشات الكتابة والرسم ظلالًا سلبية، سوف نجدها منعكسة في الحكاية التي يكتبها الطفل والتي تقدم بشكل ما فعلًا غاضبًا بشكل غير مباشر، أو عبر إحدى الرسومات التي يجسد فيها غضبه أيضًا، وإحساسه بأنه لا يحظى بالاهتمام المطلوب. فالغرض من الورشة أولًا وأخيرًا هو كشف ما يمور في نفسية الطفل إلى جانب تعزيز مواهبه وثقته في نفسه.

في ورشة الكتابة للطفل، ليس على الكتابة نفسها أن تكون عملًا إلزاميًّا، لأن هذا سوف يُنفر الأطفال من التردد على الورشة أو تكرارها. فالورشة كي تحقق غايتها الحقيقية عليها أن تُغرق الأطفال في حالة من الاستمتاع والضحك قبل أن تنقلهم إلى مرحلة ثانية لصياغة حكاية بسيطة في البداية، تتضمن أسئلة ساذجة في ظاهرها مثل الطلب من أحد الأطفال مشاركة رفاقه بإحدى الشخصيات الخيالية التي ابتدعها ثم سؤاله: «ماذا حدث له؟ أو من هم أصدقاؤه، وهل سيبقى معهم أم سوف يسافر؟» يطرح المدرب أسئلة من واقع تكوين مجموعة أفكار عن كل طفل في الورشة، بحيث تُساعد الأسئلة الطفل على تخيل بطل وحكاية وحدث بشكل تلقائي وبسيط، غايته فتح باب القصة المكتملة بالنسبة للطفل كي يدرك أن أفكاره مهمة، وأنها تتشكل وثمة من ينصت لها.

قص ولصق

هناك تمرين آخر يمكن للمدرب القيام به، وهو اختيار مجموعة من الصور: ساحر، جني، مصباح، أميرة، فارس، تنين، كنز، عملاق، بطل يركب الأمواج، رائد الفضاء، عالم في مختبره، طبيب يعالج الجرحى.. إلخ، يختار ثلاث أو أربع صور ويعطيها لكل طفل، ويطلب منهم كتابة أو سرد حكاية مستلهمة من هذه الصور. ومن الممكن للمدرب مساعدة الطفل بإعطائه جملة أو عدة كلمات مفتاحية تساعده على تكوين الحكاية. في بعض الحالات يتحول هذا التمرين إلى وسيلة معرفية يمرر من خلالها المدرب إجاباته عن أسئلة علمية تشغل بال الأطفال، وذلك حسب مرحلتهم العمرية مثل: «أين تكون الشمس في الليل؟»، أو «لماذا لون السماء أزرق؟»، «من أين تأتي النجوم؟»، «هل الصحون الطائرة حقيقية؟»، «لماذا لا يظهر القمر مكتملًا كل يوم؟».

أحيانًا يطرح الأطفال أسئلة، إجاباتها الحقيقية تفوق قدرتهم الذهنية على الاستيعاب، حينها يكون على المدرب إن لم يتمكن من تقديم الإجابات وأخذ الطفل نحو منطقة مرحة، الاستعانة بكتب علمية مبسطة الشرح توجز الفكرة وتقدم للطفل ما يُشبع مرحليًّا أسئلته.

اليوميات

بين عمر ( 9- 13)، تبدو محاولة إقناع الطفل بتسجيل يومياته البسيطة تجربة مهمة، سيكون ممتنًّا عليها فيما بعد، وقد نجحت في معظم الحالات، إذ على ما في ظاهر هذه التجربة من بساطة، فإن الطفل سوف يُسجل من خلالها العديد من التفاصيل المعرفية والحياتية والاختبارات التي يجريها في المدرسة ويكتشفها في حصة العلوم، بالنسبة للطفل إن زراعة بصلة، أو بعض حبات من العدس في قليل من القطن المبلل ومشاهدتها وهي تنمو تمثل تجربة مهمة، وهكذا سوف يجد في هذه اليوميات أشياء صغيرة ملهمة، وقد ترافقه هذه العادة في سنوات المراهقة والشباب وتقوده إلى عالم الكتابة.


أدب‭ ‬الطفل المتعة،‭ ‬والمعرفة،‭ ‬والخيال

لؤي‭ ‬حمزة‭ ‬عباس ‬كاتب‭ ‬عراقي

ننظر للعالم مرةً واحدةً، في الطفولة.          ما يتبقّى ذاكرة فحسب.

                                                                                (لويس غلوك، ت: عبدالهادي سعدون)

من بين الآداب الإنسانية، ينطوي أدب الطفل على سمة خاصة لكونه أدب المسرّة، وهي السمة التي يتقاسمها كلٌّ من كاتبه وقارئه على حدٍّ سواء، فالمسرّة التي تبعثها الكتابةُ عادةً تجد حضورها الأمثل مع أدب الطفل، لما يميّزه من خواص تجعله قريبًا من النفس التي طالما وجدت في الطفولة سعادةً لا تنقضي، الشعور الذي يزداد قوةً ورسوخًا كلما تقدّم الإنسان في العمر، فالطفولة فردوس الحياة المفتوح على الدهشة، وأدب الطفل ممارسة هدفها القبض على الدهشة والعمل على بلورتها في نصوص إبداعية تمثّل لقرائها مصدرَ إشعاع لا ينقضي.

يقول هنري كومانجو متحدّثًا عن الأثر الذي يتركه أدب الطفل في نفوس قرّائه مهما امتدَّ بهم الزمان: «إن المرء في سن النضج ينسى الكتب التي يقرؤها، ولكن قصص الطفولة تترك أثرًا لا ينمحي»، وكلُّ كتابةٍ لأدب الطفل، بهذا المعنى، محاولةٌ لاستعادة أثر خاص تُرك على أرض الطفولة، ونحن لا نُنتج أدب الطفل إلا تحت شجرة المسرّة التي أينعتها في نفوسنا قراءاتنا الأولى، الشجرةُ التي تظلُّ مورقةً أبدًا، تُزهر وتؤتي ثمارها مع كلِّ كتابةٍ جديدة.

والسؤالان اللذان يتجدّدان بتجدّد الأنواع الكتابية للطفل: ما أدب الطفل؟ وكيف يمكن التمييز بينه وبين أدب الدهشة عمومًا، العجائبي منه والغرائبي؟ وإذا عُرف الأدبُ على إنه مجموعة الأعمال الشفاهية والمكتوبة التي ترمي لتحقيق هدفٍ ذي طبيعة جمالية، فإن أدب الطفل هو «كلُّ خبرةٍ لغويةٍ ممتعةٍ لها شكلٌ فني يمرُّ بها الطفل ويتفاعل معها فتساعد على إرهاف حسِّه الفني، وتعمل على السمو بذوقه، ونموّه المتكامل، وتساهم في بناء شخصيته، وتحديد هويته، وتعليمه فن الحياة»، إن للمسرّة التي يُحدثها هذا الأدب أهدافًا بعيدة ومقاصد سامية منها ما هو نفسي ذو بعد تربوي، ومنها ما هو اجتماعي ذو بعد إنساني عام، وهي جميعًا تصبُّ في (فن الحياة) الرفيع، وتتحقّق هذه الأهداف بشرط تفاعل الطفل مع أنماط الخبرة التي تقدّمها النصوص، خبرة أنتجتها عوامل مشتركة فكرية ومادية، يعمل كتّاب أدب الطفل على استثمارها في ما يتطلّعون لإنتاجه من نصوص شعرية ونثرية تذهب بعيدًا في تأمل تجارب الإنسان وقد أصبح الكون على سعته وشموله ميدانًا لخيالاته، فهو مثلما ينظر إلى أعماق الكون متخذًا من السماوات البعيدة ومجرّاتها مسرحًا لمروياته، ينظر إلى أعماق النفس الإنسانية بما تحمله من أمنيات وأحلام ورغبات ليعبّر عن ذلك كلِّه بعد أن ينسج خيوطًا لغوية دالة قوامها المتعة والمعرفة، وإذا كانت كلٌّ من المتعة والمعرفة تعدان شرطين من شروط الأدب العامة، فإنهما في أدب الطفل تمثلان ركيزتين لا ينهض بغيرهما هذا الأدب ولا تتأسس عوالمه.

خصائص جوهرية

إن ما يحمله أدب الطفل من «مألوفية الدهشة» عامل افتراق وتمييز بينه وبين أدب الكبار الذي لا يتعاطى مع عوامل الدهشة إلا بمقدار تُهيئ له من القناعات والمسوغات ما يجعل ما هو غير مقبول مقبولًا، في حين لا تكون الدهشة في أدب الطفل إلا خصيصة جوهرية يُبنى عليها هذا الأدب ويُنتج عوالمه، فحديث الطيور، وانتقال الأشجار من مكان إلى آخر، وهبوب الرياح بعد الاحتكام لرغباتها، وسقوط الأمطار واشتعال النار وسواها من مظاهر الطبيعة وتفاعل عناصرها الحية وغير الحية، مقدمات بديهية في عالم يستمدُّ محكياته من تصورات الطفولة الحرة وعلاقاتها المرنة، ويعمل على استثمارها في خلق عوالمه التي لا تقف عند قوانين الواقع ولا تُعنى بمحدداتها بقدر ما تكون معنيةً بتغذية خيال الطفولة الخصب والاحتكام لمجالاته الواسعة، الأمر الذي جعل كتابة أدب الطفل مغامرةً جماليةً مرهونةً بمنظور الطفل للعالم وكائناته المختلفة، تنبثق من تصوراته الواسعة وتنتظم في ضوء ما يظن ويعتقد، وهي مغامرة تجلوها أنماط الخبرة الإنسانية وسبل التجربة التي لم تقف عند حدٍّ من حدود المعرفة بما يجعل من هذا الأدب مجالًا لأسئلة الطفل وقد أخذته الدهشة أمام أبسط مظاهر الكون وعلل عناصره، وذلك لا يكون إلا بتعامل خاص مع الخيال، أبرز عناصر أدب الطفل وأكثرها تأثيرًا.

إن القدرة على تشكيل صورة ذهنية لشيء غير موجود التي تبلور حدَّ الخيال، تُعدُّ ركنًا أساسًا من أركان الإبداع الموجّه للطفل، ومنه الأدب الذي يفتح الآفاق أمام ممكنات التخييل والابتكار لمواجهة عقل الطفل ومحادثة نفسه وتأمين ما يتطلعان إليه من دهشة لا تقف عند قوانين الواقع ولا تستجيب لها، وبذلك كان الخيال في أدب الطفل متقدمًا على الخيال في ضروب الأدب الأخرى، وكثيرًا ما توجّه النقد لتوصيف الخيال في أدب الكبار حينما يبلغ درجةً متقدّمةً من الابتكار بـ «الخيال الطفولي»، وهنا لا بدَّ من الإشارة إلى أن دراسة أدب الطفل من منظور الخيال وفاعليته تعود، لا شك، بكثير من الجدوى على فهم هذا الأدب وإدراك خواصه الإبداعية، إن فاعلية الخيال، بما فيها من أبعاد ذاتية وأخرى موضوعية تهيئ مساحةً جماليةً صالحةً للابتكار واستنهاض علاقاتٍ جديدةً بين عناصر الواقع مما يجعل منه واقعًا جديدًا في عالم جديد يبعث الدهشة والسرور في نفس الطفل ويمنحه من المعرفة ما يرتقي بقدراته الذهنية، بعد أن يصبَّها في أوعية لغوية ساحرة.

خيال ما قبل الفن الرقمي

ويمكننا أن نتساءل، عند هذه النقطة، عن القيمة التي يمثّلها الخيالُ في أدب الطفل، في مقابل أشكال الخيال التي تعمل الفنون الرقمية على ابتكارها وشحن ما تقدمه من أشكال سردية مختلفة بها، لنكون في النهاية في مواجهة ضربين من التجسيد الخيالي، يمكن اعتماد الفن الرقمي Digital Art بوصفه لحظة الفصل الزمني بينهما، خيال ما قبل الفن الرقمي وخيال ما بعده، ومن نافلة القول بواحدية الخيال بوصفه فاعليةً جوهريةً مشتركةً بين مختلف العلوم والفنون والآداب، مثلما هو واحد في كلِّ زمان، ما يتغير فيه أشكاله التي تتجدّد بتجدّد العلوم وتقنياتها، وهنا ينبثق سؤال على مستوى من الأهمية: كيف لأدب الطفل المكتوب أن يستعيد قوة الخيال وفاعليته كما تجسّدت في الأنماط الخرافية الأولى التي توارثتها البشرية جيلًا بعد جيل، وكيف لنا أن نُنتج، مرّةً أخرى، أدب طفل يحمل من القوة والتأثير الخيالي ما حمله أدب الدنماركي هانس كريستيان أندرسن على سبيل المثال، وقد كتب «عن الطفل في دواخلنا جميعًا، هذه النواة التي لها في الغالب مدخل مباشر إلى المخفي في شخصياتنا، ولكن المستوى المؤثر فينا دومًا، والذي يخاطب في الوقت نفسه تفكير الكبير الناضج».

إن سؤالًا مثل هذا يدعونا للتفكير، من جديد، بماهية أدب الطفل والنظر إلى فاعلية ابتكار العوالم السردية فيه، وتأمّل قدرته على تركيب عناصره لإنتاج التنوع والثراء اللذين يميزانه، إن العامل الأهم في تحديد سبل الخيال هو تأمين صلة جديدة مع الطفل نفسه تُبنى على مستجدات علوم النفس، والتربية، والاجتماع، والإفادة من منتجات علوم الاتصال الحديثة، فالخيال لا ينفصل عما تحققه العلوم والفنون والآداب من مبتكرات في فهم الإنسان، إنما يعمل على تغذيتها وفي الوقت نفسه يتغذى على ما تحققه من خطوات تقوم بالأساس على ما يقترحه من «علاقة جدلية بين الواقع واللاواقع، بين الحضور والغياب، بين الوجود والعدم، بين ما هو شخصي وما هو كلي، وثم تتكشف منجزات الخيال الابداعي عندما يهبنا صورًا تعبّر عن علاقة الإنسان بالعالم»، لتكون تلك نقطة الانطلاق لتجديد الكتابة في أدب الطفل بوصفه أحد أهم ضروب الأدب وأعلاها منزلةً وجمالًا.


غياب النقد وتفاوت في مستوى الجودة

عبدالمجيد زراقط

بدأت تجربتي في كتابة أدب الأطفال عندما كنت في قريتي، حيث أسكن في بيت بعيد عن بيوت القرية، وأجد في حكي حكاياتٍ لابني ما يلبِّي حاجته ويجيب عن أسئلته، وبعد أن هُجِّرت إلى بيروت، في أثر اجتياح العدو الإسرائيلي للجنوب اللبناني، وجد ما حكيته طريقه للنشر في مجلة «سامر» البيروتية، ولقي ما أنشره قبولًا، وهو في تلك الآونة «حكايات مخدتي»، و«مذكرات دوري»، فواصلت الكتابة والنشر في سامر والعربي الصغير وماجد وحمد وسحر والمشعل وعلاء الدين وقطر الندى وكل الأسرة، ثم أسهمت في تأسيس عدة مجلات مختصة بأدب الأطفال، وكتبت القصة القصيرة والقصة المصورة والمسلسلة والرواية، ونشرت معظم ما كتبته في مؤلفات يزيد عددها على الخمسين مؤلفًا.

أنا باحث وأستاذ جامعي، وأخشى أن أنطلق في كتاباتي الإبداعية للصغار والكبار من منظور نقدي، وقد استطعت لدى مشاركتي في وضع مناهج قسم اللغة العربية في الجامعة اللبنانية جعل أدب الأطفال مقرَّرًا، ودرسته عدة سنوات جامعية، وألفت كتابين في تاريخ أدب الأطفال العربي ونقده، وما زلت أكتب في هذين المجالين، وأنشر ما أكتبه، وأجد متعة في ذلك.

ليس في لبنان مؤسسة رسمية تنشط في مجال أدب الطفل، والأمر متروك للمؤسسات الخاصة، ومنها مؤسسات تربوية كبرى بعضها طائفي، مما يتيح لهذه المؤسسات الخاصة، أن تنشط بحرية في فضاء من التنافس، وبخاصة أن سوق النشر اللبناني عربي، مما يجعل دور النشر تراعي شروط هذا السوق، فتحرص على تجويد إنتاجها، أما المؤسسة الرسمية العربية فهي جيدة مثل العربي الصغير في الكويت، وماجد في الإمارات، وحمد وسحر في قطر.

ويمكن القول إنه توجد غزارة في إنتاج أدب الأطفال العربي، وتفاوت في مستوى الجودة، وغياب للنقد، كما يمكن القول: إن كثيرًا مما يُنتج جيد على مختلف المستويات، وبعضه يرقى إلى مستوى عالمي، وإن كان لي أن أقدم ما يؤكد قولي هذا، فهو إنتاج الأديب الكبير يعقوب الشاروني الذي أثرى مكتبة أدب الأطفال العربي والعالمي بإبداع خالد، وأمثاله ليسوا قليلين في أكثر من قطر عربي، وطبيعي أن يوجد اختلاف بين ما كُتب في مرحلة سابقة عما يكتب الاَن، فهو الآن يمر بمرحلة جديدة يواصل فيها التأصيل وتركيز الخصوصية والتجريب، إضافة إلى ما سوف تمليه عوامل «الثورة الإلكترونية» الماضية في التطور.

كاتب وأكاديمي لبناني

تحوُّل الكاتب إلى طفل لعبة صعبة

جبير المليحان

الكتابة الناجحة لقصة الطفل من أصعب أنواع الإبداع السردي؛ ذلك يعني أن تكون، وأنت الكبير المتمرس في بناء الكلمة، أن تتحول إلى طفل بنفس الرؤية المباشرة لتفاصيل الحياة. الحياة عند هؤلاء الصغار، في السن والتجربة، لعبة؛ فكل شيء حي، يتحرك، يلعب يضحك، يفرح، يتألم.. وله صوته، وموقفه مما حوله، موقفه العقلي ومشاعره. هذه القدرة على التقمص من أصعب الأشياء على الكاتب.

كاتب النص القصصي الموجه للطفل عليه فعل ذلك، بعد تسلحه بخصائص النمو النفسي واللغوي للفئة العمرية المستهدفة من النص، بعيدًا من المباشرة، والتدخل ككبير فاهم في رسالته التي يضمنها لهدف تربوي أو قيمة ما. لم أكن أكتب للطفل حتى تزوجت وجاء أطفالي. فاستفاق طفلي القديم وأنا أحكي لهم الحكايات قبل النوم. ثم شرعت بكتابتها ورقيًّا. وبدأت أحكيها لأطفال الأسرة كلهم عند اجتماع الأسرة الكبيرة في جمعتنا الأسبوعية. الأطفال هم الحكم في جودة القصة أو فشل النص. أعرف ذلك من خلال نظرات وبريق أعينهم. أما إذا أخذوا يلتفتون أو يتحدثون فأعرف أن نصي قد انحدر إلى الفشل.

الكتابة للطفل في ظل الاكتساح الإلكتروني تواجه مصاعب جمة، وتقريبًا لا أحد يلتفت إليها. الطفل لديه الآن كل وسائل اللهو التي تجعله لا يسمع ولا يفكر ولا يعي وهو منساق أمام أجهزته. إنها مشكلة كبيرة للأسرة والمجتمع. مشكلة جيل كامل ينشأ بعيدًا من أن يرى.

الكتابة للطفل في عالمنا العربي تكاد تنعى! ويهال عليها تراب النسيان؛ والكميات الهائلة من كتب الأطفال وقصصهم التي تملأ الأسواق والمكتبات والمعارض أغلبها زيف ووهم فهي إما مؤدلجة، تلقن الطفل القيم والنصائح وكأنه راشد كبير. ويطل على كاتبها بمواعظه بين سطر وآخر. أو أنها تسوق للخرافات والخزعبلات والسحر والوهم والبطولات الزائفة. إنها بعيدة من أن تشكل فكرة السؤال أو الدهشة في عقل الطفل. ولذلك لا قيمة لها.

دور النشر المتخصصة في الكتابة للطفل فعلًا متطورة تقنيًّا، لكنها متورطة فيما تقدمه من مادة غير مبنية على المعرفة والعلم. هذا جانب. والآخر: أن أغلب من يكتبون قصة الطفل بالذات يكتبون من وجهة نظرهم ككبار موجهين وواعظين، ودون سلاح بمعرفة دقيقة لقاموس الطفل اللغوي، ومراحل نموه النفسي والعقلي.. إنها عبء على تكون وتطور هذا الكائن الجميل الذي سيكبر وقد امتلأ بالحياة والأسئلة والإبداع.

كاتب سعودي

الحاجة إلى معيار دقيق

فاضل الكعبي

الكتابة للأطفال كما أراها من أهم وأخطر وأحوج الأعمال البنائية والتنموية والتطويرية لبناء الإنسان وتهذيبه باتجاهات الجمال ومعاني الحياة السوية والفاعلة، وقد جعلت تجربتي المتخصصة في هذا الميدان والتي تجاوزت أكثر من 45 عامًا في الكتابة للطفل إبداعًا متنوعًا في الشعر والقصة والمسرحية وروايات اليافعين، والتي أصدرت خلالها ما يقرب من 200 كتاب، وعن الطفل أدبًا وثقافة ومسرحًا في الدراسات الفكرية والنقدية الفاعلة أصدرت ثلاثين كتابًا، هي الآن من بين أبرز المراجع المتخصصة في هذا المجال.

هناك تحديات عديدة تواجها الكتابة للأطفال، والتي تتطلب مواجهتها بمزيد من الإبداع والتميز والتشويق، وللأسف أغلب المؤسسات الرسمية المعنية بأدب الطفل وثقافته لم تقدم ما يطمح له الطفل ولا المعنيون بالكتابة له، وظلت كتب الطفل على هامش اهتمامات هذه المؤسسات في عموم الوطن العربي، وأغلب دور النشر العربية للأسف الشديد تتاجر بنتاج أدب الطفل العربي، كما تعتمد الترجمة على عواهنها لأنها تعفيها من الالتزامات المادية للكاتب المحلي، مع أن كثيرًا منها غث وغير مناسب لثقافة طفلنا العربي.

معايير علمية

الكتابة للطفل قبل عقدين من الزمن في عالمنا العربي غير الكتابة الآن، فقد تطورت واتسعت منافذها وآليات نشرها، لكن مشكلتها أنها مازالت تحتكم إلى التجريب والاجتهاد بوعي وبغير وعي، وبين هذا وذاك تظل الكتابة للطفل في حاجة إلى المعيار الدقيق في كتابتها وآليات وصولها للطفل المتلقي، وهذا ما يجب أن يفعله النقد، لكن للأسف الشديد هذا النقد مفقود الآن، وقد سعيت قبل سنوات لإيجاد معايير علمية وفنية دقيقة لخلق نقد متخصص، حتى تمكنت من ذلك، وأكملت دراسة مهمة صدرت في الشارقة عام 2013م بعنوان «أدب الأطفال في المعايير النقدية: دراسة في الأسس والقواعد الفنية والنقدية لفن الكتابة للأطفال»، لكن مازال هناك قدر كبير من العشوائية يسود معالم الكتابة للأطفال، ودوافع ذلك تأتي من أسباب عديدة منها ما يختص بالكاتب نفسه ومنها ما يختص بالناشر وأسباب أخرى تتعلق بالقارئ ذاته، ولو أتينا لتفسير هذه الأسباب وشرحها بدقة وموضوعية لاحتجنا لمساحة أخرى وأكبر مما هو متاح لنا، ولكننا كنا قد تعرضنا لهذا الأمر ودرسناه وتحدثنا عنه بسعة أكبر خصوصًا في كتابنا الموسوم «أدب الأطفال بين الظاهر والمسكوت عنه» الصادر في دولة الإمارات عام 2017م، وفيه مجموعة آراء وأفكار وشهادات في راهن أدب الطفل العربي، وكتابنا الآخر في هذا الاتجاه الموسوم «قراءات نقدية في أدب الأطفال العربي» الصادر في القاهرة عام 2020م وغيرها من كتب أخرى عديدة لنا في هذا المجال.

كاتب وناقد عراقي

نحتاج‭ ‬أفقًا‭ ‬واسعًا

فاطمة‭ ‬المعدول

لم أكتب إلا بعد 23 عامًا من العمل مع الأطفال، من خلال ورش ومسرح الطفل، ومن خلال عملي مديرة لقصر ثقافة مختص بالطفل وفنونه، فلم أكتب من خلال تصوراتي ولا من خلال الأهل أو المدرسة أو الجامع أو الكنيسة أو غيرها، ولكن من خلال التعامل المباشر مع الأطفال، وقد ناقشت خلال تجربتي عشرات الموضوعات كالإسكان والإدمان وغيرها، ولكن بطريقة جذابة ومبهجة، بدأت رحلتي مع الكتابة للطفل في أوائل التسعينيات، وحصلت أول أربعة كتب لي على جوائز، وكان اهتمامي بشكل دائم بالعمل والبيئة، وأنا أعتبر نفسي كاتبة هاوية، لذا ليس لدي خطة بما سأقوم به في المستقبل.

الكتابة للطفل تواجه تحديات مختلفة مع الاكتساح الإلكتروني الذي نعيشه الآن. نقرأ في المكتبة الخضراء فنجد مصائب جمة عمن قتل زوجته أو قطع يده أو غير ذلك، نحن في عصر يكره التمييز بين الأقليات والأعراق، وهذا ما أتحدث عنه دائمًا مع من يكتبون للطفل، أقول لهم إن عليهم بالقراءة، فهذا ما يجعل لنا أفقًا واسعًا، لذا فأنا لست قلقة من الاكتساح الإلكتروني على ما يكتب باللغة العربية، والكتابة ستظل في مكانتها، لأن الطفل لديه رغبة دائمة في الحكايات الخيالية، وعلى كاتب الأطفال أن يقدم ما يدهشهم، ويبتعد عن الكتابة الكئيبة، حينها سيتعامل مع كتابته القائمون على التطبيقات.

هناك العديد من المشروعات المهمة للطفل في العالم العربي، فالشارقة لديها مشروعات جيدة، والإمارات لديها جائزة جيدة، لكن لا يوجد مشروع متكامل، وفي تصوري أن أفضل مشروع للطفل قدمته سوزان مبارك، لم يكن المال أجمل ما فيه، فالكتب الفائزة كانت توزع على طلاب المدارس، ويستفيد من المشروع الناشر والرسام والمؤلف وصاحب المطبعة، والناشر أصبح شريكًا أساسيًّا في أدب الطفل، إذ يتحمل مجازفة كبيرة بنشره كتبًا مكلفة، وهناك كثير من دور النشر التي وقفت إلى جانب أدب الطفل، كالشروق ونهضة مصر والمصرية اللبنانية وإلياس وذات السلاسل في الكويت وغيرها، وجميعهم أخذوا جوائز من معرض بولونيا.

كاتبة وناقدة مصرية

أحلم بكتابة قصة تخاطب أطفال العالم أجمع

هند خليفة

تجربة الكتابة للطفل من أجمل التجارب التي عشتها في حياتي. يتجسد فيها عشقي للكتابة والطفولة، ويلتقي فيها تخصصي الأكاديمي في علم اجتماع الطفولة بشغفي للكتابة للأطفال. بدأت الكتابة في سن مبكرة، وأنا في الثامنة من العمر، وكنت أرقب والدي – رحمه الله – وهو يقضي وقتًا طويلًا جالسًا خلف مكتبه يقرأ ويكتب. أختلس النظر إليه ويحلق خيالي في الأسطر التي يكتبها… مع الأيام حذوت حذوه وأصبحت الكتابة واحة الراحة التي أسكن إليها وتقربني من نفسي فتتجدد طفولتي بين الأسطر.

لكي تكتب للطفل لابد أن ترى الطفل بقلبك، لا بعقلك فقط. ما زلت أحلم أن أكتب قصة تخاطب الأطفال في العالم أجمع، وتجد لها مكانًا في المكتبات والمسارح والسينما. وما زلت أتعلم كيف أكتب للطفل، لكي تكون كاتبًا ناجحًا للطفل لابد أن يستمر شغفك مشتعلًا، وأن تنفتح على الأدب الناجح والتجارب المتميزة، ولابد أن تتجدد بما يحاذي تجدد الأطفال لكي تكسب ثقتهم واهتمامهم.

في عصر الرقمنة، شهدت القراءة انحسارًا لاسيما عند الأطفال والشباب، إلا أن جمهورها لا يزال موجودًا، ولذا في ظل هذا التنافس فإن مواصفات الكتاب الجيد أصبحت مختلفة، العصرية والجودة في الحبكة والإخراج والإبداع والابتكار، جميعها سمات مطلوبة في كتب الأطفال اليوم. وتجد هذا التجدد والجودة والجاذبية متوافرًا في كتب الأطفال الأجنبية إلى حد بعيد، وبعض الإنتاج العربي.

حدث تطور ملحوظ في الكتابة للطفل في الإنتاج العربي، وهناك بعض دور النشر المتميزة في المملكة ودول عربية أخرى. إلا أن استمرارية الحفاظ على المستوى تتطلب الدعم المؤسسي والاعتراف بالحاجة إلى التعلم والتطوير، وأيضًا التواضع من قبل الكاتب ودور النشر. كما أن الكتابة للطفل تحتاج إلى التأني في إصدار الكتاب، وقضاء وقت أطول في دراسة خصائص الطفولة في المراحل المختلفة، والاقتراب من الأطفال والكتابة من منظورهم لا من منظور الراشدين.

بعض دور النشر تنفق مبالغ كبيرة على إخراج الكتاب من حيث الورق والألوان والإخراج، إلا أن ما يأتي بين دفتي الكتاب لا يخاطب فكر الطفل وخياله وحياته، ولذلك فإن التطوير لا يقتصر على الجانب المادي، بل أيضًا في الجانب التربوي والإبداعي.

كاتبة سعودية

على كاتب الأطفال أن يضع المسطرة جانبًا

نجلاء علام

بدأت الكتابة للأطفال في منتصف تسعينيات القرن الماضي، وامتدت هذه الرحلة لسنوات سواء على مستوى التأليف القصصي والروائي والمسرحي للأطفال، أو على مستوى الإشراف على إصدار الكتب مثل سلسلتي: كتاب قطر الندى، وتبسيط الأدب العربي للناشئين، أو إصدار مجلات الأطفال مثل رئاستي لتحرير مجلة قطر الندى التي تصدر عن وزارة الثقافة المصرية.

وفي هذه الرحلة تعلمت من الطفل المتلقي، فالكتابة للأطفال يجب أن تكون سريعة الإيقاع، فالطفل ملول بطبعه، وأن تكون اللغة بسيطة، ولكنها مُعبّرة، فانتقاء اللفظ فارق عند الطفل، ولن يغفر الطفل للكاتب إن وجد المعنى مبهمًا، وأن يكون الموضوع مشوقًا وجديدًا، وعلى كاتب الأطفال أن يضع المسطرة جانبًا، ويبدأ في الحكي بشكل يبدو تلقائي. وفي رأيي أن ارتباط الكتابة للأطفال بتحديات صناعة كتاب الطفل في وطننا العربي هو المشكلة الحقيقية التي تواجه أدب الطفل، ويمكن توضيح هذه العلاقة من خلال عدة نقاط هي:

– بعض المؤسسات الرسمية، تنظر لأنشطة الطفل بعامة سواء نشر الكتب والمجلات وغيرها كنشاط تكميلي، يمكن في أية لحظة تقويضه لصالح بقية الأنشطة، والحقيقة أن الطفل هو صناعة المستقبل، وما نزرعه اليوم داخل أطفال الوطن العربي يرسم صورة هذا الوطن في الغد.

– التوزيع مشكلة كبيرة تواجه كتب الأطفال، ونحتاج لحلها بشكل جذري من خلال المكتبات الثابتة والمتنقلة، والتوزيع الإلكتروني، وكثرة المعارض، وإنشاء مكتبة في كل مدرسة ونادٍ للأطفال.

– ارتفاع أسعار كتب الأطفال بسبب ارتفاع أسعار الخامات والورق، مما يجعل معظم دور النشر الخاصة تعزف عن إصدار كتب الأطفال.

– بعض دور النشر تنظر لأدب الأطفال على أنه حدوتة قبل النوم، فإذا كانت وظيفة الحدوتة قديمًا أن تجعل الطفل ينام، فإن وظيفتها الآن أن تجعل الطفل يصحو ويتساءل وينقد ويتعلم ويكتسب خبرة وينمي خياله ولغته.

كفتا ميزان

هناك شغف دائمًا بالمقارنة بيننا وبين الغرب فيما يخص الكتابة للطفل، ومن وجهة نظري نحن وهم كَفّتا ميزان، لديهم الخيال والقدرة على الحوار مع مفردات الطبيعة والانسلاخ من التوجيه المباشر، وطرْق مناطق جديدة في أدب الطفل، ولدينا الاستلهام من التراث القصصي، وتوظيف القيمة الإيجابية والقصة المجتمعية والحكي الممتع، ومعالجة قضايا منطقتنا العربية والمشهدية وتعدد الدلالة.

ناقدة مصرية

وعي الطفل طور من الكتابة له

ضحى عبدالجبار

بدأت تجربتي بالقراءة للطفل، وكان ذلك عندما كنت طفلة، وعندما تخرجت من الجامعة عملت في دار ثقافة الأطفال التي تُصدر مطبوعتين للطفل هما «مجلتي» و»المزمار»، بالإضافة إلى كتب الأطفال، فدخلتُ عالم الأطفال من باب العمل، فتدربت على الكتابة للطفل على يد أمهر كُتّاب الأطفال، أنا الآن كاتبة أطفال على مدى (16) عامًا، كتبتُ العديد من السيناريوهات والقصص، وأنا الآن مدير تحرير لمجلة من أعرق مجلات الأطفال وهي «مجلتي»، وأسعى الآن للمشاركة في تجمعات أدباء وصحفيي الأطفال كافة، وأعمل جاهدة لخدمة هذه الفئة العمرية لكل المجتمع.

تواجه الكتابة للطفل في ظل الحضور الإلكتروني الكثيف تحدّيات كثيرة، فالطفل في زمننا، زمن الهاتف المحمول والحاسوب والبرامج الإلكترونية، في صراع مع نفسه، فهل يقرأ الكتاب والمجلة المطبوعين أم يذهب إلى الأجهزة الإلكترونية التي أصبحت متاحة في كل وقت ومكان، وتطلعه على كل الأشياء المفيدة وغير المفيدة، وتعلّمه الألعاب وتسلّيه بكل الطرق النافعة والضارة، ومع كل الأسف نجد الطفل يفضل الإلكترونيات مبتعدًا عن الأشياء المطبوعة، وعلى رغم هذا التحدي أرى أن الكتابة للطفل ستنتصر، لأن كثيرًا من دور النشر الخاصة بالأطفال تحاول تقديم مطبوعاتها إلكترونيًّا، مما يحقّق رغبة الطفل في تمسكه بجهازه الإلكتروني، واطلاعه على ما يُكتب ويُنشر له من قصص وموضوعات توعوية وثقافية وإرشادية جميلة.

هناك مشروعات مهمة مقدمة من خلال المؤسسة العربية لتشجيع الكتابة للطفل، وسأتحدث عن المؤسسات العراقية على اعتبار أنني عراقية، وأعرف مدى الاهتمام في العراق بهذه الشريحة من المجتمع، فهناك اهتمام بدعم وإصدار العديد من المطبوعات التي تخاطب الأطفال، هناك الآن ما يُقارب تسع مجلات تقريبًا كلها موجهة للأطفال، وتصدر ورقيًّا وإلكترونيًّا، هذا بالإضافة إلى السلاسل القصصية والشعرية الكثيرة.

وبكل تأكيد الكتابة للطفل في العالم الآن متطورة وجميلة جدًّا، وبصراحة استطاعت أن تتغلب على المترجم، بدليل أننا كنّا نلجأ إلى الترجمة كثيرًا، أمّا الآن فنحنُ نقلل من الترجمة لوجود المؤلف، أنا أتحدث الآن طبعًا عن النشر في صحف الأطفال العراقية، لأنني أعمل فيها وعلى اطلاع بما يُنشر.

صعوبات راهنة

هناك اختلاف بين الكتابة الراهنة والكتابة منذ عشرين عامًا، والاختلاف يأتي في الدرجة الأولى من تفكير الطفل، وسببه التطور الإلكتروني وأجهزته، ما جعل الطفل يفكر في كثير من الأشياء المختلفة، حتى أن أسئلته الآن أصبحت كثيرة ومثيرة ومختلفة عن أسئلة الطفل في السابق، وهذا استوجب تغيير طبيعة الكتابة بما يلبي متطلبات أفكاره.

كاتبة عراقية

التراث لا يشحذ خيال الطفل

لينا كيلاني

نشأتُ في بيئة أدبية كنت ألتقي فيها مشهوري حملة القلم، جعلتني هذه البيئة أنتمي إلى عالم الحرف في عمر مبكر، كنت أقرب فيه إلى الطفولة واليفاعة، وذلك عندما بدأت أنشر قصصًا للأطفال في واحدة من أهم الصحف الرسمية في سوريا وهي صحيفة «تشرين»، وتوالت من بعدها خطواتي نحو أغلب مجلات الأطفال في الوطن العربي.. وهكذا عُرفت كاتبة للأطفال، وفي مراحل تالية انتقلت بقارئي الذي لم يعد صغيرًا إلى رواية الشباب، ومن بعدها تجرأت ودخلت عالم أدب الخيال العلمي، مستفيدة من اختصاصي العلمي، ثم رواية الكبار، والقصة القصيرة. ورغم عدد مؤلفاتي الكبير، والذي وصل إلى (165) مؤلفًا ما بين قصص الأطفال، وروايات الشباب والكبار، والخيال العلمي إلا أنني أرى نفسي ما زلت في بداية طريق طويلة تمتد أمامي أكثر كلما كثرت خطواتي فيها.

أمام كاتب الأطفال فيما يتوجه به إلى طفل الألفية الثالثة تحديات كثيرة، فهذا الطفل نشأ في العصر الرقمي، وما عادت تقنعه قصص الغابة، وهو لم يتعرف إليها أصلًا في بيئته، بينما تقع تحت يده، وبصره مفرداته المعاصرة.. وهذا يتطلب خروج كتّاب الأطفال من عباءة النمطية التي سادت لوقت طويل. فالطفولة اليوم وقد تفتح وعيها مبكرًا، أصبحت بحاجة لخطاب جديد لا يستخف بقدراتها التي صقلها الذكاء الصناعي، والأجهزة الذكية، بينما أصبح الكاتب مطالبًا بنصوص تحاكي مفردات العصر حتى يستطيع أن يستقطب إليه القارئ الصغير، ثم يقنعه بما هو من داخل عقليته.

قدمت بعض المؤسسات العربية الرسمية مشروعًا مهمًّا لتحفيز ودعم وتشجيع الكتابة للطفل، وتحقق ذلك في بعض الدول العربية كامتياز لها، إلا أنه يظل إسهاما محدودًا، وليس بالقدر المطلوب منه في نطاق العالم العربي، وذلك باعتبار أننا مجتمعات فتية فيها أعداد كبيرة من الأطفال، وتستوعب نتاجًا أدبيًّا أكبر مما يطرح في الساحة.. ثم ماذا تحقق للكاتب وهو المبدع الأول لكل عمل طفلي؟ هل من مؤسسات تتبنى عشرات المبدعين من الكتّاب، أو أنها تمنحهم فرصة للتفرغ لمهمتهم الإبداعية؟ والناشر سواء أكان جهة حكومية، أم خاصة، ألن يحتاج إلى تسهيلات من نوع خاص، حتى يتمكن من إنتاج كتاب طفلي جيد مستوفٍ لشروطه من حيث الرسوم، والإخراج، والطباعة، ونوعية الأحبار التي يجوز استخدمها لمطبوعات الأطفال، وورق الطباعة؟ والأمر لم يتعد بعض الجوائز الأدبية التي تهدف إلى تشجيع كل من الكاتب، والرسام، والناشر، على رغم شروطها التي قد لا تكون مناسبة لكل من يرغب.

مازالت الكتابة للطفل في العالم العربي تفتقد إلى الابتكار الذي يواكب العصر قياسًا إلى ما ينتجه الغرب.. صحيح أنه أصبح لدينا مكتبة طفلية كبيرة ولاسيما في مصر، وسوريا، بتشجيع من الدولة إلا أننا مازلنا مقصرين في مواكبة التطور العلمي في القص بهدف إدماج الطفل العربي في عصره، والإجابة عن أسئلته حتى لا يكون مجرد مستهلك للحضارة في المستقبل، بل يشارك بها بما يؤسس له أدب الأطفال العربي. أما المترجمات فما زالت هي الأخرى تكتسح الساحة، وهي تبث قيمًا مغايرة، وتعبّر عن ثقافة قد لا تتلاقى كل أضلاعها مع الثقافة العربية. ومن جهة أخرى أقول إننا قد أهملنا التراث وهو يشع بالخيال، ولم نعطه ما يستحقه من الاهتمام، فهو يُنقل كما هو بتبسيط، وتقريب لأذهان الأطفال لا أكثر، إلا أن أطفال الجيل الرقمي لم يعد يشحذ خيالهم هذا التراث كما كان حال أجيال سبقت لم تولد في عصر الثورة الصناعية الرابعة، أو الثورة الرقمية، وهذا يدعو بدوره إلى إعادة النظر في التراث بإسقاطات معاصرة تعيد البريق لجواهره، وتصل الطفل بتراثه، وانتمائه، وهويته التي هي من ملامح وجهه.

كاتبة سورية

ينبغي ألا نغترب

أمل الرندي

ما زلت أتذكر أول قصة كتبتها للأطفال في الجامعة، حينها لم أكن أتخيل للحظة أن هذه القصة سوف تشق طريقي إلى عالم أدب الطفل، وأن هذا العالم سوف يسحرني ويوقعني في غرامه، ويصبح جزءًا من حياتي!

بمجرد أن اختار أستاذي في الجامعة، عميد أدب الطفل العربي يعقوب الشاروني، قصتي «الفيل صديقي»، لتنشر في مجلة «نصف الدنيا»، شعرت بأن أدب الطفل بات قدري، هو اختارني وأنا فتنت به، واجتهدت لأعطي فيه بكل طاقتي، فأنا أحب أن أجمع في قصصي بين القيم الأخلاقية والسلوكيات الإيجابية، في قالب قصصي ممتع للطفل لا يشعر فيه بالملل ولا الرتابة، ولا بتلقين المعلومة.

هذا هو المنهج الذي اتبعته في قصصي التي تعدت خمسًا وأربعين قصة، والحمد لله، فقد حصل كثير منها على جوائز، في الكويت وخارجها، وتدرس في مرحلة الطفولة المبكرة (رياض الأطفال)، والتقيت العديد من أطفال الوطن العربي، من خلال ورش متنوعة، ثم أطلقت «مبادرة أصدقاء المكتبة» في العام ٢٠١٨م، عندما كنت رئيسة لجنة أدب الطفل في رابطة الأدباء الكويتيين، وحققت المبادرة نجاحًا كبيرًا في عامها الأول، إذ جمعت المثلث الذي يحتاج إليه الطفل لتنمية ثقافته وحبه للقراءة (الكاتب- القصة- المكتبة)، وعلى رغم كل الظروف الصعبة أطلقنا جائزة «نجم مبادرة أصدقاء المكتبة» على المستوى العربي، فحركنا المياه الراكدة، وشجعنا الأطفال على القراءة، وتواصلنا معهم من خلال فيديوهات عُرِضَت على وسائل التواصل الاجتماعي، واكتشفنا مواهب في الشعر وسرد القصة، ففاز معنا أطفال من ١٢ دولة عربية.

عصر الصورة

الكتابة للطفل لم تعد كافية لتنمية ثقافته والارتقاء به، إذ علينا الالتقاء بالطفل بشكل مباشر، من خلال إقامة المزيد من الأنشطة التي تتيح لنا التحاور معه، واكتشاف موهبته، وتحريك حس الإبداع بداخله، والمساهمة في خلق جيل محب للقراءة والثقافة بشكل عام. هذا ما علينا أن نفعله ككتّاب عرب لأدب الطفل حيث تقصّر المؤسسات الرسمية، أو بالتعاون معها، ففي بعض الدول نلحظ اهتمامًا رسميًّا بأدب الطفل وإقامة كثير من الأنشطة، وفي بعضها الآخر نلحظ كثيرًا من الإهمال، وعلى الأدباء أن يكونوا حاضرين في الحالتين، ويؤدوا مهمتهم بكل روح إنسانية وبكثير من المبادرات، آخذين في الحسبان أهمية التطور التقني والإلكتروني في حياة الطفل، وأهمية أن ننتج قصصًا تفاعلية بمؤثرات صوتية وحركية لتزيد من متعة المعرفة لديه. فنحن في عصر الصورة والصورة المتحركة، ومن جهتي أصدرت بعض قصصي كرسوم متحركة، وعرضتها للأطفال.

شرك الماضي

هنا يأتي دور الناشر العربي، في إنتاج قصص تحاكي العصر، وتدخل في منافسة شريفة مع ما يحيط بالطفل، من وسائل لهو إلكترونية وألعاب قد تبعده من قراءة القصص، وفي الاهتمام بجاذبية كتاب الطفل من جميع النواحي، كي نحافظ على التواصل مع طفل اجتماعي يستطيع التعبير عن نفسه، بعيدًا من أي عزلة يمكن أن يقع في شراكها!

نحن اليوم أمام حياة جعلت طفل اليوم مختلفًا عن طفل الأمس، وأمام كتابة يجب أن تكون مختلفة عما مضى، وهذا الأمر شديد الحساسية، فعدم الاكتراث بتطور العالم يشكل خطرًا على نصوصنا، وإهمال التغيير الكبير الذي نعيشه اليوم ويعيشه الطفل أكثر منا، قد يوقعنا في شرك التمسك بالماضي، في حين أن المستقبل ينتظرنا، وأن الطفل الذي نكتب له ربما يكون أكثر سرعة منا في حركته نحو المستقبل.

كاتبة كويتية

سطو على المنتج الأجنبي

فرج بن دغيِّم الظفيري

كان الحضور الأكبر لي من خلال مجلات الأطفال منذ العام 1997م كاتبًا محترفًا في مجلات الأطفال (سعد، والعربي الصغير، وبراعم الإيمان، وماجد)، ثم رئيسًا لتحرير مجلة «باسم»، ثم «مَكِّيّ» و»فراس»، ثم محرِّرًا رئيسيًّا في مجلة «ماجد». وفي المجلات نشرت الكثير جدًّا من الأعمال، وبخاصة قصص الكوميكس بمختلف أنواعها، وابتكرت شخصيات جديدة، وربما من تلك الشخصية الشهيرة: شخصية لطيفة الظريفة، وجبلي، وشعلان، ومحبوب، وغيرها من الشخصيات في المجلات.

وفي السنوات الأخيرة توجّهت أكثر للتعاون مع دور النشر، وأصدرت كثيرًا من الكتب لمراحل عمرية مختلفة بدءًا من رياض الأطفال إلى اليافعين. ومن الكتب التي أعتزُّ بها كتاب «الأقدام الطائرة» الذي أصبح ضمن المقرر الدراسي لطلاب الصف الثالث الابتدائي في مدارس دولة الإمارات العربية المتحدة.

أبرز التحديات التي تواجه الكتابة للطفل هي قدرة الكتابة (كنص مقروء) على منافسة المحتوى الإلكتروني المقدّم للطفل، والذي لا يكتفي بالكتابة فقط، بل تتضافر معه عناصر أخرى رسمًا وحركة وصوتًا وإخراجًا مبهرًا.. إضافة إلى سهولة العرض ويسر التلقِّي، وهذا يوجب على الكُتّاب الحرص على الإبداع والتميّز الذي يجذب الطفل ويجعله يتخلّى عن ميزات الإلكتروني لصالح الورقي.

مشروعات كبرى

يمكن أن نعدَّ الجوائز المقدَّمة لكتاب الطفل من أبرز المساهمات المميزة من المؤسسات الرسمية، والتي تسهم في الارتقاء بكتاب الطفل وتدعم مسيرة تطويره وتميّزه، وهناك العديد من المشروعات التي ساهمت بشكل كبير في خدمة الكاتب والطفل، مثل مكتبة الأسرة، والقراءة للجميع، في مصر، 1001 عنوان، وتحدي القراءة، وهما مبادرتان انطلقتا من الإمارات، وأيضًا المعارض والمهرجانات المخصصة للأطفال وكتبهم، ولعل أبرز معرض ومهرجان هو «مهرجان الشارقة القرائي للطفل» والذي أصبح اليوم المهرجان الأشهر والأضخم عالميًّا.

دور النشر ليست على درجة واحدة، هناك دور نشر تعمل بمهنية، تستحق معها أن يقال إنها تعمل في صناعة النشر، بينما في الأغلب- ما يُسمى دور نشر- لا علاقة لها بصناعة النشر، بل هي أشبه بوسيط طباعة، إذ يُحمِّل الناشر (الطابع) تكلفة الطباعة على المؤلف، وفي هذه الحالة هو لا يهتم بالنص ولا بجودته ولا بترويجه وتسويقه، بل يهتم بالمبلغ الذي يستلمه من المؤلف، وهذا النوع من الناشرين يُسيئون لصناعة النشر.

في الغالب نحن ننظر إلى أفضل الموجود في الترجمة، ونحاول أن نقارن بينه وبين الكتاب العربي، والحقيقة أنه يوجد كتب عربية تستحق الإشادة، وتُضاهي الكتب المترجمة، لأن الأمر مرتبط بالإبداع، ولا علاقة له بموطن الكاتب أو قوميته، لكن على المستوى العام، ما يزال ما يقدَّم لأطفالنا دون المستوى المأمول، مع الإقرار بوجود جهود حثيثة للارتقاء بأدب الطفل العربي، وفي ظل هذا السعي، وقع البعض في نوعين من الاعتداء: الأول: الاعتداء بالسطو على المنتج الأجنبي وتقديمه على أنه من بُنيّات أفكاره، والثاني: اعتداء ثقافي: بنقل ما يخالف الثقافة العربية، والعادات والتقاليد الأصيلة، والحديث هنا ليس عن نقل المفيد في مجالات العلوم، وتطوير الفكر، وتبنِّي الإستراتيجيات والمهارات التي أفرزتها ثورة المعلومات، فهذا مطلب مهم، لكن المقصود هو المحافظة على الثقافة والهُوية العربية.

مزاوجة

نحن اليوم اختلفت لدينا ظروف الكتابة، ووسائلها، وظهرت تقنيات غيّرت المشهد بالكامل، وفي بعض الحالات لم تعد تنفع معه الوسائل والأدوات والأساليب القديمة، ولم يعد الطفل كما كان سابقًا، فطفل اليوم تقني، يتعامل مع التقنية بشكل كبير، والتقنية بالنسبة له صارت هي الملعب وبؤرة التركيز. وللحصول على اهتمام الطفل وجذب انتباهه إلى الكتاب، أصبح من الضروري اقتحام عالمه بأفكار مميزة، أو المزاوجة بين الكتاب والتقنية.

سأكتفي بملحوظات محدودة: ففي السابق كان العنصر الأبرز فيما يقدّم للطفل هو الجانب التربوي، ولعل أدب الطفل اليوم تجاوز ذلك، فصار ما يقدّم له أوسع من مجالات التربية بمفهومها الضيق، وصار في أدب الطفل ما يقدَّم للتسلية والمتعة، وما يقدّم لبناء المهارات المتنوعة، ومنها مهارات القرن الحادي والعشرين: مثل مهارات التفكير الناقد وحل المشكلات، والإبداع والابتكار، والتفاهم الثقافي المتبادل، بل أصبح للفلسفة حضور كبير لدى بعض دور النشر.

وبالنسبة لأسلوب الكتابة، انحسر أسلوب الوعظ والتوجيه المباشر، وأسلوب الكتابة التعليمي القائم على زيادة المفردات اللغوية للأطفال بوضع الشروح والكلمات المرادفة بين الأقواس أو في الحواشي، وكذلك الأساليب التقليدية في الكتابة، والمقدمات النمطية، والأوصاف الرتيبة، والقوالب الجاهزة لشخصيات القصص، وظهرت أساليب كتابة جديدة، تتعامل مع النص باحترافية أكبر، تكاد تختفي فيها الرتابة المعهودة في القصص.

مؤسس منتدى أدب الطفل- السعودي

التحدي‭ ‬في‭ ‬فكرة‭ ‬الكتاب‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬نوعه

أروى‭ ‬خميس

تجربتي لم تكن متقطعة، وبخاصة الكتابة، ربما الإصدارات صارت مؤخرًا متأخرة وذلك بسبب كورونا مع أنه صدر لي كتاب في ٢٠٢٠م، وكتاب آخر تم إصداره في ٢٠٢١م، وأتمنى أن يعود السوق لانتعاشه وتعود الإصدارات والمعارض لملء الأفق المستقبلي.

لو كان لكتاب الطفل في مكتباتنا ومدارسنا شأن أكبر منذ زمن لما صار الاكتساح الإلكتروني تحديًا على مستوى الأطفال والناشرين. فحتى لو تحول الكتاب للصيغة الإلكتروني هل سيكون له مكانة في حياة الطفل في مجتمعاتنا العربية؟ أجد أن التحدي في الفكرة وليس في الصيغة. حتى الآن لا يوجد مشروع مهم يحفز ويدعم الكتابة للطفل إلا على مستوى الإمارات وبعض المبادرات في بعض الدول العربية.

بالنسبة للمتابعين، نعم هناك عدد – وإن كان ضئيلًا- من الإصدارات السنوية التي قد تكون واعدة في الأدب العربي للطفل، تنمى خياله وتساعده على صياغة أسئلته الخاصة، ولكن المشكلة تبقى في توفير هذه الكتب في مكتبات الدول العربية ومدارسها وإيصالها للطفل والاحتفاء بها.

هناك عدد من دور النشر في العالم العربي التي تقدم كتبًا متطورة من ناحية النصوص والرسوم والإخراج، ولكن تظل أوعية نشر الكتب بشكل عصري ضعيفة جدًّا على مستوى جميع دور النشر، ولعل ذلك يعود للتكاليف العالية التي قد تصاحب التحول الرقمي بشكل محترف لكتب الأطفال الصادرة.

كاتبة وناشرة سعودية

أتمنى أن يثقف صانع الكتاب العربي نفسه

علي الزيني

منذ صغري وأنا أعشق الرسوم، كانت تلفت نظري أي رسمة في أي كتاب دراسي، ودائما كنت أحب الذهاب إلى المدرسة من أجل حصة الرسم، وأول عمل لي كان وأنا في الخامسة عشرة من عمري، في مصنع فساتين عرائس، كنت أرسم على الأقمشة «الباترن» الصغيرة الرسومات التي تكون على الفستان، ومن بعدها عملت في شركه عاديه بعد التخرج، لكن لم أحتمل العمل الروتيني، ولم أر نفسى فيه، فقررت أن أبدأ بتصميم الدعاية والإعلان والشعارات.

وفعلًا تعلمت برامج التصميم، وعملت شهرًا في شركه بدون مرتب، لم أكن أعرف أن هناك عملًا في رسوم قصص الأطفال، لكني وجدت إعلانًا يطلب رسامين، فذهبت وقدمت ضمن مجموعة كبيرة من الفنانين، وتم اختياري من بينهم، فعملت بعقد مدة 3 سنوات رسوم بسيطة، وقتها كنت قد التحقت بالجامعة المفتوحة، قسم الديكور، وفادتني كثيرا في التصميم وبدايات العمل، وحينها لم أكن معروفًا بشكل قوي في المجال، وانتهى العقد وبدأت بالعمل الحر على صفحة التواصل الاجتماعي. وضعت رسوماتي وبدأ يأتيني شغل رسومات بالتدريج، وفى المدة التي لم يكن يأتيني فيها عمل، وكانت بالشهور، كنت أرسل لدور النشر حتى لو رسمت دون مقابل.

ثم بدأت أدرس السوق وأتساءل ما الذي يجعل الفنانين الناجحين على هذا القدر من النجاح، وأخذت أطور من نفسي، أدرس أدوات الفنانين بشكل دقيق، وعامًا وراء عام وأنا أتطور، وأصبح الإقبال على أعمالي قويًّا. وفي سنة 2018م فزت بأول جائزة للكتاب العام بالشارقة عن كتاب «حلم أو اثنان» لدار نون، وفي 2019م جائزة اتصالات لفئة أفضل رسوم لكتاب «أنا أطير» لدار (أ ب ت) ناشرون، وفي 2020م جائزة دار الملتقى العربي عن فئة أفضل رسم عن كتاب «عدنان وطبق رمضان» لدار الياسمين، وأخيرًا 2021م جائزة اتصالات عن رواية لليافعين، رسمت الغلاف والرسوم الداخلية لها.

أرى أن الاطلاع والانفتاح ازداد في المدة الأخيرة كثيرًا، مما جعل من السهولة الاطلاع على ما يجري في الغرب وسرعة التقدم، فصرنا ندرس أدوات تطورهم بشكل أسهل بكثير من قبل، وأصبح هناك تعاون كبير بيننا، مما جعل لدينا القدرة على أن نصل لأدوات جديدة تصنع شيئًا مختلفًا يتميز به العمل العربي بشكل فريد وجديد، تمامًا كحضارتنا القديمة المميزة دائمًا بكل ما فيها.

الملحوظ أن صانع الكتاب العربي يجب أن يكون فنانًا وكاتبًا وراويًا واستشاريًّا وكل شيء، لكي يصنع تحت منظاره شيئًا جميلًا وراقيًا ويليق بعالمنا العربي، فأتمنى من كل صانع أن يثقف نفسه، ويشبع كل حواسه بكل ما هو مؤثر وغنى، ليصنع عملًا مميزًا وفريدًا نميز فيه أنفسنا، ويكون السائد هو الأجمل.

رسام كتب أطفال مصري.

كتابات‭ ‬ترقى‭ ‬إلى‭ ‬المستوى‭ ‬العالمي

عبده‭ ‬الزراع

دخلت إلى عالم الكتابة للأطفال بالصدفة، بعدما جربت واحتضنت مجلة «قطر الندى» التي تصدرها هيئة قصور الثقافة للأطفال، أولى تجاربي الشعرية والنثرية، بعدها التحقت للعمل بها سكرتيرًا للتحرير، ثم مديرًا للتحرير، ثم رئيسًا لتحريرها، وسرعان ما جذبني هذا العالم السحري بكل ما يحمل من زخم ثقافي ومعرفي نوعي، كنت شغوفًا بأن أحيط بكل دروبه، فعكفت على قراءة كل ما يقع تحت يدي من شعر، وقصة، ومسرح، ودراسات متخصصة في أدب الطفل وثقافته، وكان لفوزي بجائزة الدولة التشجيعية في شعر الأطفال عام 2003م، أثر كبير في توجهي كلية للاهتمام بكل ما يخص أدب الطفل وثقافته.

ولأن الكتابة للطفل الآن تعاني مشكلات جمة، وتواجه تحديات كبرى، في ظل انتشار الميديا الحديثة التي أخذت الطفل كلية من الكتاب ومن المجلة، وجعلته يلهث وراء هذه التقنية الجديدة والمبهرة، مما جعل المهمة تثقل كاهل كاتب الطفل، وأصبح لزامًا عليه أن يجود كتابته ويبحث عن الجديد والمختلف الذي يتوافق وعالم الطفل، كي يستطيع أن يعيده مرة أخرى إلى عالمه الأثير، بدلًا من تركه نهبًا لكل ما هو مستورد من الغرب، والذي يحمل في طياته عادات وتقاليد لا تتفق معنا، علاوة على ما يحمل من عنف، ومكر، وخداع ترسخ في الوجدان ثقافة مختلفة.

دور النشر الخاصة لا تقوم بدور وطني في مجال نشر كتب الأطفال، لأن الناشر يهمه التوزيع، ويضع عامل المكسب والخسارة نصب عينيه، وكتب الأطفال تكلف كثيرًا، لأنها ذات مواصفات خاصة، كما أنها تشاركية بين الكاتب والرسام، وبلا شك تختلف كتب الأطفال المترجمة التي تأتينا من الغرب عن كتب الأطفال العربية، سواء من حيث المضمون أو الرسومات المصاحبة أو جودة الطباعة والورق، ومن متابعتي لبعض روايات اليافعين الفائزة بجائزة «نيوبري» الإنجليزية، نجد أن الروايات لا تقل عن مئتي صفحة من القطع «الجاير»، ولا توجد بها إلا رسوم قليلة بالأبيض والأسود، وتطبع على ورق عادي، فهل يقبل أطفالنا برواية على هذا النحو، بالطبع لا، لأن الشعوب الغربية تعود أطفالها على القراءة منذ الصغر، مما يجعل الكاتب يتعامل مع الطفل على أنه قارئ محترف.

أخطاء بسيطة

هناك بعض الملحوظات حول الكتابة للأطفال، فقديمًا، كان كاتب الأطفال متأثرًا بالترجمة والاقتباس والتمصير عن الآداب الغربية، فكتب محمد عثمان جلال، وأحمد شوقي وغيرهما متأثرين بحكايات لافونتين الفرنسي، ثم اعتمد كامل كيلاني على ألف ليلة وليلة، وكليلة ودمنة في كتاباته، ولم يكن يغير كثيرًا في الحكاية، فوقع في بعض الأخطاء والقيم التي لا يصح أن تقدم للطفل، لكن الأجيال الجديدة أصبحت أكثر وعيًا في التعامل مع التراث، على رغم أن معظمهم مازال يدور في فلك القديم، دون أن يتعب نفسه في البحث عن أفكار جديدة، ولكي نكون منصفين هناك بعض الكتاب المصريين والعرب استطاعوا أن يقدموا إبداعًا متميزًا كتابة ورسمًا يرقى إلى المستوى العالمي.

رئيس شعبة الطفل في اتحاد الكتاب المصريين

نجوم الغانم.. مطاردة الشعر وسط أدغال بصرية

نجوم الغانم.. مطاردة الشعر وسط أدغال بصرية

نادرة التجارب التي تمزج بين أنماط تعبير عديدة، وتنجح في كل ذلك بالمستوى نفسه من الإتقان وإثارة الدهشة وتوليد أسئلة جديدة. لعله من هنا، تأتي فرادة التجربة المتشابكة للشاعرة والسينمائية الإماراتية نجوم الغانم (1962 -)، فهي استطاعت أن تحقق هذا الامتلاء، وإشباع نهم متلقٍّ يسرف في أحلامه، حين يعثر على نفسه إزاء تجربة تعد باستمرار بكل ما هو مختلف وجديد. تجربة بقدر ما تتجاوز تجارب وتتخطى أساليب، هي أيضًا تؤسس وتعمق فنًّا سينمائيًّا، أو نمطًا منه، لم تعرفه الإمارات قبلها، بالطريقة التي استطاعت هي أن تصوغه وتتيحه للفرجة.

من ناحية، لعلها الصوت الشعري الأعمق، طبعًا إلى جانب شاعرات وشعراء قلة. قصيدتها وقد تخلصت من الشوائب، تبدو نجوم الغانم كمن تمارس كحتًا مستمرًّا للكلمات، إعادة صوغ لا نهائية للعبارات والجمل الشعرية، لتبدو صقيلة كالمرايا، التي تعكس وتنم عن ذواتٍ لا ذاتٍ واحدة. هذه الشاعرة غير المقيمة في قول شعري واحد، إذا ما عددنا السينما والتشكيل شعرًا أيضًا، فهما يأخذان من الشعر، مثلما الشعر يأخذ من كل منهما، توسع من مدى تجربة تأخذ تدريجيًّا في قول ما لا يقال عادة سوى بتضافر الفنون وتشابكها. هذا القول يفيض أحيانًا على الشعر وحده، وتستكين لاحتداماته الصورة السينمائية، وينوء اللون تحت ثقله. إذن، لا بد من عين رائية، حواس متوحدة، مخيلة بدائية ومدربة في آن، لتكتب هذا القول، هذه النصوص التي تحيط بالذات وأسئلتها ومأزقها، بالعالم والمكان والأزمنة في تداخلها، بالليل كما بالنهارات.

إزاء كل نص وأمام كل فِلم وفي مواجهة كل عمل فني، يكون المتلقي على موعد مع نظرة تحديث جديدة، تطوير في زاوية ما، لهذا النص وذلك الفِلم وهذه اللوحة. وأخذ كل ذلك إلى مستوى جديد في النظر والتأمل. من هنا تلك الجدية، فيما تعنيه من تأنٍّ ومثابرة ومسؤولية، التي لا يمكن إلا أن يقف عليها المتلقي في كل عمل ممهور بتوقيع نجوم الغانم.

تدرك نجوم الغانم حدود كل فن من الفنون التي تمارسها، ثم تتمرد على هذه الحدود، فلا تعود حدودًا تحد من جموح رغبة في كتابة قصيدة أو تصوير لقطة أو تمرير فرشاة، إنما تغدو مطواعة تستفز وتستدرج وتحث على اقتحامها بوصفها حدودًا مانعة، كما هي صورتها التقليدية عند الكثير.

في هذا الملف الذي تكرسه «الفيصل» لتجربة نجوم الغانم، يشارك نقاد وباحثون وشعراء وكتاب بدراسات وقراءات وشهادات.


الكتابة‭ ‬جبل‭ ‬شاهق وحاد‭ ‬الأطراف

نجوم‭ ‬الغانم

«إن المرء ليَنتقل من مكان إلى آخر، يتطور، ثم يُقتلع من جذوره،

فيُعاد إلى المكان الذي اقتُلع منه، ثم لا يعود قيد الوجود».

                                                                              إزرا باوند

لا أعرف كيف أكتب عن تجربتي فيما أنا لاأزال أجابه كثيرًا من الأسئلة وقلة الإيمان بالثابت والبديهي وفقدان الطمأنينة. وأعتذر سلفًا لعدم وجود انتصارات بطولية لديَّ، ولعدم مقدرتي على ادعاء الإيجابية حين يتعلق الأمر بالفن. والمسألة ليست كالسباحة حيث تزداد إتقانًا لها مع تقدم السن. الأمر ليس مضمونًا على الإطلاق وقد تكبر وتجد نفسك غير قادر على كتابة حرف واحد، وقد يطول الانتظار دون أن تكون قادرًا على السباحة في غياهب الحروف.

أستطيع أن أكتب عن أسئلتي وعن قلقي وشكي؛ وهي كثيرة ومُقلقة للأسف لكنها أيضًا ليست استثنائية. وقد يكون هناك جيش من المبدعين ممن لديهم مشاعر مشابهة لكنهم يؤثرون الصمت. نعم أستطيع أن أخبركم عن علامات الاستفهام التي حملتها معي ما يقارب الأربعين سنة وما زالت شاخصة أمامي، بل إنها زادت عوضًا عن أن تنقص، ومنها مثلًا؛ لماذا نشعر بالشتات عندما يكون علينا أن نسير في درب لا نعرفها على الرغم من أنها يمكن أن تتعلق بالفن أو الأدب الذي ننتمي إليه؟ ولماذا يجعلنا الشِّعر في فوضى نفسية وذهنية عارمة حين لا يأتي بيُسر؛ ويجعلنا في شك من أمرنا حتى حين يأتي بعد عسر؟ هل من سبب لتكرار هذا الإحساس لدينا على رغم كل السنوات التي تتزايد في صناديق حيواتنا؟ سنوات التجارب والتجريب؟ وتعلم البناء والهدم؟ ثم البناء من حيث اللاشيء؟ هل من الطبيعي أن تشعر وكأن تجربتك لا وجود لها وأنت إزاء حيرة النص؟ هل يستحق الفن المعاناة الذاتية المستمرة مرة تلو الأخرى؟ وألا يوجد في الحياة ما يغنينا أكثر ويمنحنا الإحساس بالرضى عن أنفسنا والقناعة بما لدينا بدلًا من هذا العناء؟

فوضى كثيفة طاغية

لقد اكتشفت بفضل التجربة أن الكتابة جبل شاهق وحاد الأطراف، وسعيد هو من يعتاد على السير على حوافه دون أن يجرح أقدامه أو يختل توازنه. وتعلمت أيضًا أن مواجهة صفحة بيضاء أو لوحة فارغة أو الشروع في أي عمل جديد هو واحد من أصعب التحديات التي يمكن أن يواجهها المرء عندما يبدأ رحلة الكتابة أو الخلق. وهذا يشمل الفوضى الكثيفة الطاغية التي تستحوذ على كل شيء فينا. تتفاقم الفوضى وتستبد بهدوئنا إلى أن تنجلي تدريجيًّا فقط عندما نستطيع الاهتداء إلى وسيلة لترتيبها فتستتب الأمور نوعًا ما ويرتفع بصيص الضوء في مرمى البصر فيهدأ الهلع في دواخلنا.

إنها متاهة رحلة الإبداع إن كان يحق لنا أن نضع أنفسنا في خانتها. متاهة الإحساس بالغربة حتى حينما نكون في بيوتنا التي اعتدنا على تفاصيلها وطاقتها. إن فعل الكتابة لا يشبه تقلد فرشاة الرسم أو الوقوف خلف الكاميرا لأنه أكثر حدة وإزعاجًا للذات. شخصيًّا لم أشعر أبدًا أن الكتابة سهلة حتى حين تكون في شكل مقالة أو ردًّا على أسئلة الصحافيين.

هذا التوجس ما لبث يتفاقم داخلي كلما كان عليَّ أن أخطو نحو بداية جديدة، وما زال يتجلى بعدة أشكال تحمل معها الأسئلة والحيرة ذاتها والتردد نفسه؛ فأشعر وكأنني في مدينة بلا إشارات مرورية أو لوحات تدل على الأمكنة. ويستهلكني الإحساس بأنني في منتصف طريق صحراوي، في محيط، في نقطة بعيدة في الكون حيث لا توجد جاذبية ولا أرى منها أرضًا تستريح عليها أقدامي. وعلى الرغم من الطمأنينة الضمنية من أن هذه بلا شك ليست هي المرة الأولى التي تنهال فيها عليَّ هذه المشاعر كلما وقفتُ أمام تحدي الكتابة؛
إلا أن القلق الأبدي الذي يرافق كل تجربة يرسخ نفسه أكثر وأكثر مع كل محاولة جديدة ويجعلها تبدو وكأنها المرة الأولى.

خراب يتفاقم في زوايا العالم

تُرى هل لأننا نحتاج أن نبدأ من مكان ما حيث نكون جاهزين فيه معرفيًّا وفنيًّا ونفسيًّا؟ ولكن لماذا مع ذلك يتسرب الشك إلى تجاويف أرواحنا؟ أقصد الشك في أننا قادرون على إنتاج شيء ذي قيمة إنسانية وفنية مؤثرة في الآخر في زمن أصبح كل شيء فيه «تقريبًا» يفتقد للقيم الجمالية والفلسفية العميقة! هل السبب هو الخراب المتفاقم في كل زاوية في العالم أم بسبب قصورنا؟

نعم هذه باختصار القصص التي تشغلني من آن لآخر، ولهذا أهرب إلى القراءة التي لطالما كانت هي الملجأ الدائم لاحتضان التشوّش وتذويبه في آن واحد. ترى ماذا كنا سنفعل لو لم يكن هناك عظماء في الأدب والفلسفة والنقد والفنون؟ ماذا كنا سنفعل بدون العودة إلى منجزاتهم لتذكيرنا بأن كل شيء على ما يرام وأننا نستطيع التنفس برئة واحدة للكون إن عطّل الحمقى رئته الأخرى. نعم هذا هو الشيء الوحيد الآمن للأرواح التائهة في مواجهة الشتات؛ القراءة ثم التجريب في أشكال لسنا معتادين عليها حتى لا تستغرقنا الهموم ويُتلف أجسادنا الصمت أو الأرق. وإن كانت المعاناة هي قدر من يعيشون في هذا العصر بالذات؛ فلا بأس إن أصبحت هي بذاتها العمل الفني مثلما يمكن للتجريب والبحث أن يكونا هما أيضًا شكلًا آخر من أشكال الفنون.

يكفي ألا نسمح لليأس بأن يستولي على أرواحنا، لأن اليأس هو موت للحواس والذاكرة والإبداع.

لا تدعو اليأس يجد طريقه إلى حيواتكم.

قاوموه بفعل الفن وسيُشع ضوء جديد في دواخلكم.


نجوم‭ ‬الغانم‭.. ‬شاعرة‭ ‬ديناميات‭ ‬الحداثة‭ ‬بلا‭ ‬افتعال

أحمد‭ ‬فرحات ‬شاعر‭ ‬وكاتب‭ ‬لبناني

نجوم الغانم هي الشاعرة الوحيدة في دولة الإمارات العربية المتحدة التي تجمع في شخصها بين ثلاثة اتجاهات إبداعية يتكامل بعضها ببعض: الشعر، والإخراج السينمائي، والفن التشكيلي. غير أن الشعر يظل سيد الموقف لديها، إن في تجليات كلمات قصيدتها أو في بنية صورتها السينمائية أو عبر متن لوحتها التشكيلية؛ ذلك أن الشعر بالنسبة إليها (وهي بدأت منه لتطل لاحقًا على مسار الفن السابع ولعبة الخط واللون) هو وحده العنصر المولد والمشع والقادر على بلورة سلسلة لامتناهية من الرموز المتمادية بأبعادها السيميائية والدلالية وأنساق العلامات المنشبكة داخل صيغ التعددية الفنية أو الإبداعية التي تصدر عنها.

وفي معرض كلامها للصحافة عن بعض مفارقات العلاقة بين الصورة الشعرية في القصيدة ونظيرتها في اللقطة السينمائية، كانت الشاعرة نجوم الغانم قد حسمت موقفها بالقول إنها تنحاز للصورة الشعرية في المتن اللغوي.. أما لماذا؟ فلأنها ذات قدرة إيحائية أكثر «على سرقة أنفاسنا والذهاب بخيالنا إلى آفاق غير محدودة». وإذا كانت اللقطة السينمائية تقترح العديد من المعاني الدلالية المركبة، من وجهة نظر الشاعرة، إلا أنها في المحصلة تظل «تفتقد لسحر آخر يختبئ في اللغة» على حد تعبيرها.

وكم تذكرني تجربة الشاعرة الغانم الإبداعية المثلثة هذه، بالشاعر والروائي والسينمائي الإيطالي الكبير بيار باولو بازوليني (1922 – 1975م)، والذي كان لي شرف اللقاء به في روما عام 1974م، أي قبل سنة واحدة من اغتياله بسيارة تعمدت دهسه حتى الموت، وسؤاله عن جمعه بين محمولات الشعر والرواية والإخراج السينمائي دفعة واحدة، فأجابني: «أنا شاعر في الأساس، ومن الشعر أطللت على كتابة الرواية ومزاولة الإخراج السينمائي، أو قل، مثلًا، إن الشعر نفسه هو الذي قادني إلى فن السرد وعالم السينما أو الصورة المتحركة، ومن ثم هيكلة الترميز المكاني والزماني عبرهما. هكذا، (والكلام لبازوليني) فندائي الداخلي كان دائمًا نداء شعريًّا، سحريًّا وتأمليًّا، ولا يستطيع العقل، على الرغم من سطوته الكبرى، أن يحيط بهذا النداء. ومن هنا تراني أجنح في بعض أعمالي السينمائية إلى اللامعقول تعبيرًا عن المعقول نفسه، وإلى الحياة بذاتها تعبيرًا عن مختلف تضاريسها المعقدة والبسيطة. هكذا فأنا مهروس هرسًا بالشعر والشعرية في كل أداة أو صيغة إبداعية أطل منها، وأرى أن الصورة الشعرية في القصيدة المكتوبة، تظل أغنى وأعمق بكثير من نظيرتها التي توحي بها الصورة السينمائية».

وبالدخول إلى العالم الشعري لنجوم الغانم (مواليد دبي عام 1962م) نلحظ أن هذه الشاعرة التي بدأت مشوارها الشعري بكتابة قصيدة التفعيلة، ثم انعطفت في اتجاه كتابة قصيدة النثر كتوجه إبداعي تجريبي مفتوح، وأصدرت ستة دواوين شعرية حتى الآن، سجلت خلالها مسارًا شعريًّا انطلق من قصيدة البساطة الذكية التي تتصف بصفاء الوجدان وسلاسة اللغة، مرورًا بقصيدة التكثيف والهدوء والهمس المتحلل من كل شيء إلا العلامات الشعرية التي تتوخاها الشاعرة، وصولًا إلى القصيدة التي تنطلق على وجه الإجمال من فاعلين مركزيين لديها: ذهني وبصري يؤلفان معًا نسقًا شعريًّا شديد التركيب والبث المرئي المحسوس. وهذا التقسيم العام، في المناسبة، ليس تقسيمًا منهجيًّا أو نقديًّا صارمًا للتوجهات الكتابية الشعرية لدى الشاعرة الغانم، بقدر ما هو محاولة مبدئية للإمساك بخطوط بانورامية رئيسة لفضاء ما كتبته من شعر حتى الآن، يتخلله طبعًا إنجازها لقصائد تجريبية أخرى كثيرة متفلتة من أي تصنيف أو تحديد.

متاهة واحدة

قصائد نجوم الغانم تشكل في غالبيتها نوعًا من حكايات صغيرة تحاول من خلالها الشاعرة صوغ التحولات التي طرأت على الذات.. ذاتها العربية الخليجية في مواجهاتها لعالم معولم يضيق على بعضه الآخر كل يوم. وكان أن ذهبت هي مباشرة إلى جزء مركزي بالغ الأهمية من مركزيات هذا العالم: الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي، إما للدراسة أو للاستشفاء أو للمشاركة في المهرجانات الشعرية والسينمائية أو للسياحة الثقافية أو أية حالة من حالات المثاقفة المستمرة مع هذا العالم، سواء من داخل بلدها هذه المرة أم من خارجه، فكان أن اكتشفت في النتيجة أن هذا العالم في إطاره التفاعلي المختل والممتد على مساحة المعمورة، بات عبارة عن متاهة واحدة يتشظى فيها الإنسان بوجوده القلق وقيمه المتبددة وأحلامه المحبطة وخيبات حبه المتواصلة.. علاوة على تمزق الأفكار لديه وإحساسه بالوحدة القاتلة التي تشله عن أي فعل إيجابي تجاه نفسه وتجاه الآخر، فيسقط إذ ذاك في غربته ويأسه ودَوَخَانه المستمر، الذي تشهد عليه حتى الطبيعة نفسها، وتصير، بالتالي، جزءًا لا يتجزأ منه:

«رأسي دائخة في رطوبة الشاطئ/ وأفكاري مثل عيني تشوشها الغيوم المدلاة/ من السماء القصية/ فأجدني لا أقوى على الإمعان/ في تفاصيلي الصغيرة/ أو التحديق في مقلتيك/ وترتعش أصابعي/ حين تلقي السؤال/ إن كنتُ قد تداويت ذاك النهار/ لكنك لا تنتظر إجابة/ أو تلتفت للصمت الطويل/ الذي يتبع الأسئلة/ وإنما ترتشف قهوتك/ متشاغلًا بوجوه الغرباء/……./ تتصفح أمواج الرمال/ الصغيرة في فراغ الأخيلة/ وأطلال البيوت التي هجرتها أرواحنا/ رأسي تدوخ في حرارة القلق/ متشبثة بأفكار الهروب/ وقلبي تقضه هواجس الغياب/ تنتفض أغصان الوحدة/ في ريبة الانتظار/ ولا أقوى على منحها ماء الطمأنينة/ أو حتى دعوة السماء/ لبل شعرها بالمطر».

وتحاول الشاعرة جاهدة إنقاذ نفسها من سطوة الأقدار، ومما ألم بها من محن نفسانية مهلكة فتحت أمامها أبواب الأحزان على مصاريعها، ولم تتح لها حتى فرصة الامتثال لأفكار النأي والابتعاد:

«جئت أفاوض الأحزان التي لم تدعني/ أمتثل لأفكار البعاد/ ولم ترأف بأدمعي حين احتقنت/ مستنجدة بالأزمنة/ توسلت الغياب أن يسكت مواجعي/ أو أن يعيدني إلى المرأة/ التي كنتها قبل أن تمطر/ آلام الليالي الفائتة….» ولا فائدة معها من أي رجاء مقبل، فالعالم الذي يدور حولها أو تدور حوله الشاعرة هو دائمًا في حالة المراوحة الصِفرية. لقد توقف الزمن لديها وصار صفرًا عملاقًا، اللهم إلا من زخات الآلام والبكاء حتى الامتلاء كما تعبر: «كلما رفعت رأسي للسماء/ ازدادت زخات الآلام/ وامتلأت أواني القلب/ بالبكاء». وحتى الأشجار التي كانت حارسة بيتها، باتت معاناتها واحدة معها، وهذا الألم الممض ما انفك يحرق دواخلهما بأنين واحد معمد بماء القلب الواحد والنبض الواحد: «يأتيني أنينها/ الأشجار التي كانت حتى عام مضى/ حارسة البيت/ وسيدة أروقته/ فأفتح لها دهاليز القصائد/ لتقرأني/ وتتذكر أن ماءها/ سيكون من ماء قلبي».

بين آلان باديو وابن عربي

وعندما تكتب الشاعرة نجوم الغانم عن الحب بالطريقة التي تكتب بها، تراني أنحاز إليها كأنثى لها كينونتها فائضة الخصوصية هنا، وهي خصوصية لا تتفوق فيها على مبدأ الصدق والأحاسيس العشقية التي تند عنها تجاه من تحب فقط، وإنما تتجاوز ذلك لتجعل من الحب مشروعًا وجوديًّا وحدثًا استثنائيًّا «يُغير فردين إلى الأبد» على حد تعبير الفيلسوف الفرنسي آلان باديو، والذي يرى أنه من الضروري أن نصبح غير أنفسنا عندما نحب، ذلك أن الرغبة الأنانية ليست حبًّا، وبالتالي فإن نزع فردية الأنانية هنا بات شأنًا لا بد منه في أي عملية حبية متبادلة. «وفكرة أن نعيش منذ الآن فصاعدًا اثنين، أن نتشارك الموقف ذاته، ولكن من وجهتي نظر»، هي المطلوبة بحسب آلان باديو؛ فالحب، كما يردف: «ليس هو أو هي، بل ذاك الذي يتجاوزهما إلى الـ «نحن»، وينسجم مع ذلك الواحد والآخر من دون أن يحدث أي انصهار في أي وقت؛ فالانصهار ليس سوى وهم موصول، لكن نعم، في الحب يظل يربط الإنسان نفسه بآخر من أجل أن يشكل ذاتًا حرة متبادلة معه أو معها».

من جهة أخرى، أخال الشاعرة نجوم الغانم ترفع الحب إلى سمت فضاءات الأمكنة والأزمنة، وتفيض بأنوثتها عليهما وعلى الناس فيهما، عشاقًا ومعشوقين. وكم تذكرني هنا، وتذكر قارئها العام استطرادًا، بقولة محيي الدين بن عربي: «كل مكان لا يؤنث لا يُعول عليه». ومن فصول الحب عندها هو ترك الآخر لخياراته أيضًا على رغم الألم الضمني الذي يسببه لها ذلك: «ابق بعيدًا لتكتب القصائد/ استغرق في التفاصيل/ التي لا تنتمي لأحدنا/ وإن شئت/ طلق الأزمنة/ التي كانت فيها ظلال وأقانيم/ طالما يجعلك هذا/ أكثر قابلية للحياة»……… «إننا مهما أمضينا من أزمتنا معًا/ فإن الغداة لن تكون لكلينا/ وإنك ستمضي لعاداتك المألوفة/ وتتوارى في أطياف البعاد/ وأن علي أن أحيا/ الاحتضار تلو الآخر/ قبل أن يمكنني نسيانك تمامًا».

وتخاطب الشاعرة من يهمها أمره حبيًّا هنا فتسأله: ماذا تعرف عني؟ وتجيب: «في كل ليلة أذهب للنوم/ تأتيني المشاهد برنات الانكسارات/ في كل ليلة/ أعقد مع الأحلام المواثيق/ كي تدعني وشأني/ لكنني كلما استيقظت صباحًا/ وجدت جرحًا غائرًا فوق يدي».

مخاوف ذات عيون كبيرة

تشتغل الشاعرة نجوم الغانم على قصيدتها بأناة وصبر ولا تتوانى عن اختراع أسلوب شعري خاص بها لا يشبهه أسلوب شعري آخر، متكئة في ذلك على ثقافتها الشعرية والنقدية ومقارناتها الواعية بالنتاج الشعري العام الذي رسخه صعود قصيدة النثر في الإمارات بخاصة، ودول الخليج بعامة، ومعهما بالطبع الوطن العربي برمته، وهو وعي دفع بالشاعرة إلى إبداء مسؤولية مضاعفة تجاه عملية الكتابة الشعرية وانتقاء أنساق مغايرة لها، كي تأتي قصيدتها، على الدوام، جديدة ومبتكرة، لغة ومضمونًا. كما أن اشتغالها بالسينما والفن التشكيلي عمقا من ارتباطها بالإبداع العالمي وما يصاحبه من حراك نقدي وثقافي طليعي، ما أهلها لبلورة تجربة شعرية أكثر نضجًا وتكثيفًا وتحديثًا جديًّا، يبتعد ما أمكنه من التنميق اللفظي أو الشكليات الفانتازية لذاتها، وهو الأمر الذي يؤكد لنا، في كل لحظة، أننا أمام شاعرة واثقة من مقاربات ديناميات الحداثة بلا افتعال.

ومما زاد في غنى قصيدة الشاعرة نجوم الغانم النثرية تعدد الأصوات فيها، وكذلك الحوار، وبخاصة الداخلي منه؛ فهو ينم عن اتساع ذات الشاعرة وانقسامها على نفسها، وازدياد القلق الذي يعصف بها، خصوصًا عندما تصبح ذاتها الشعرية والموضوع شيئًا واحدًا. ولا غرو، فالشعر ابن الحياة، والحياة مرآة التناقضات التي تهزنا وتخلخلنا من داخل، ولا تستقر بنا على حال. وعليه فمُهمة القصيدة هنا ليست جمالية وفنية فقط، بل معرفية أيضًا، توسع من مداركنا العقلية، وميزان فهمنا العام للأمور، وتطورات الواقع البشري المعقد، واستيعاب متغيراته، الأمر الذي يجبر الشاعرة على اتخاذ مواقف الضرورة القصوى تجاه قضايا الإنسان ومشكلاته الذاتية والموضوعية العميقة؛ إذ إن العزلة أو الانقطاع عن هذا العالم لن تفيد بشيء؛ وهذا شأن زاوله، ولا يزال، كثير من الشعراء والفلاسفة والمبدعين، حتى باتت العزلة شأنًا كلاسيكيًّا روتينيًّا منفرًا، بينما غدا جوهر الموقف الإبداعي المفارق الآن، هو أن تكون في قلب الاحتدامات السائدة، في لبها وفي تفاصيلها، إنما دائمًا من موقعك أنت وحريتك أنت وتوهجك الإبداعي أنت.

ومن مهمات القصيدة بعد جعل الناس يعيشونها ويتمثلونها كصورة فنية في الظاهر لفكرة كامنة في الأعماق، ولا ينقطع البتة السلك الخفي المشدود بينهما. ولا غرابة في ذلك، فقصائد نجوم الغانم هي من النوع الذي يُقرأ ويُعاش ويُتمثل في حالاته الفكرية وتحولاته الفنية، هكذا بكل جذب وشغف، وتلك مسألة تسترعي النظر وتستثير التأمل.

من جانب آخر، نلحظ أن كثيرًا مما ترسمه الشاعرة من قصائد يمكنه أن ينتمي افتراضًا أو في الواقع.. لا فرق، إلى ذاك النوع الذي تتماهى فيه الصور الشعرية في القصيدة بالصور الإيحائية في الفِلم السينمائي، مكونة جميعها (أي الصور)، وعلى ضفتي المشهد الإبداعي الواحد ثنائية: شعرية كلمات القصيدة المتفوقة من جهة، في مقابل شعرنة النص السينمائي المتفوق من جهة ثانية، وكمَثَلٍ على ذلك نقدم هذا النموذج الإبداعي الذي أتت به شاعرتنا وحمل عنوانًا لافتًا: «مخاوف ذات عيون كبيرة»: «ترتفع أنفاسه في الغرفة المحاذية/ فيما دقات قلبه تعبر الجدران/ وخطواته تهيم في الرواق/ كانت تسمعها/ تصعد وتهبط الدرج/ أو تقترب من بابها متوقفة في التوجس/ وعند الصباح/ يُلقي نحوها النظرات/ لكنه لا يدنو أكثر/ ولا يبوح بتوقه للمسها/ فتعرف أن عليها الرحيل/ خوفًا من أن تقع في حبه ثانية».

على مستوى آخر، لا تكترث الشاعرة نجوم الغانم لمسألة الغموض والوضوح في القصيدة التي تكتبها؛ فتلك إشكالية نقدية كبيرة فرضت نفسها على قصيدة النثر العربية أكثر بكثير من نظيرتها قصيدة التفعيلة، وجرى التنظير، استطرادًا، حول قصيدة النثر حتى الإملال والتخمة، وفي المحصلة مضت الشاعرة بقصيدتها متجاوزة كل التنظير المشكو منه، وركزت على الشعر الذي يتحرى النظر والتجربة التي تولده فقط، وفي إطار لغة شعرية غالبًا ما تُلمح أكثر مما تفصح، وتتزيا بمفردات ذات رشاقة لافتة تبثها مناجاة داخلية شفافة، تلونها شاعرتنا بماء الصور، سواء أكانت درامية أم متفائلة.

والأجمل بعد أن الشاعرة نجوم الغانم كانت تقوم، أحيانًا، بفعل الاختفاء داخل كلمات قصائدها، وهو اختفاء تأتي نتيجته «السرية» أكثر حضورًا وتوقًا وَوَلَهًا بالنسبة إليها، خصوصًا عندما يحين أوان إفصاحها عنه، والظهور به، حتى ولو كان أمره مفجعًا ومخيبًا للآمال: «القمر البرتقالي/ يتدلى كقلادة بين الأشجار/ والسحاب يقتحم المدى/ بأمواجه المُصطخِبة/ عيناي تؤلماني/ وبصري يتماهى كأنه في رماد/ أكان ذاك هو القمر/ أم مقلتي التي لم تعد/ تعرف هيئة الأشياء؟». وتقول شاعرتنا في نص شعري آخر بالغ الحفر والتأثير، وهو نص تزداد أهميته في كيفية تفاعله، لا في عدد كلماته: «يدعوني للمبارزة/ ويعرف أنني عزلاء/ أملك يدًا بلا أصابع/ وأخرى قطعها للتو».

وتستدرجنا الشاعرة نجوم الغانم في أحايين كثيرة إلى ما لا نتوقعه، وتجعلنا أسرى استغوارها الشعري الذي يقوم على طبيعة وجودية خاصة بها، تجتاحها الجراحات والأضداد من كل صوب، ولا سبيل لصدها سوى بالعودة إلى الفطرة الأولى للكائن/ الإنسان فيها، وهو كائن لا ينجح في تحقيق مهمته إلا بعد أن يقوم بدوره في بعثرة العوالم والكائنات الخارجية من حوله، ويصفي دبيبها ثم يرميه في «صفوة اللاوعي» لديه، ويجري ذلك كله بقوة ناعمة تفوق أية قوة أخرى ضاجة بذاتها، وبمن حولها كمثل هذه القصيدة ذات المنزع الوجودي الإنساني والحاملة عنوان: «وعود تبلى في غبار الأزمنة»:

«أنتظر بارقة/ أهرب فيها احتقان الليالي الوحيدة/ والجراحات المتبقية على الفؤاد/ ويخونني احتباس صوتي/ والتنفس/ عندما تحاصرني المواجع/ ويخذلني جسدي/.. كما في حلم/ تضللني أصداء/ تأتي من الأنحاء المجاورة/ لكنني لا أعرفها/ فأخرج حافية إلى الخلاء/ مدججة بالمخاوف/ وخسائر السنين/ ولا ترأف بعواطفي/ شجيرات الجاردينيا التي رعتها/ مزن روحي/ واحتضرت في غيابها/ أطيار البساتين/.. أنتظرك/ وأنتظرك/ مقاومة أنهار البكاء/ فتتعمد ألا تأتي/ محصنًا بالمبررات/ وأتعمد ابتكار الحكايات لطفلتي الصغيرة/ لكنها تؤثر الانتظار/ حتى تبيض الليالي/ وتتبدد آمالها».

هذا وفي كل حال شعرية مولدة لقصيدة جديدة تبتكرها نجوم الغانم، يبرز ذلك «الإيقاع الهوياتي» الشعري الخاص بها، والمختلف بنموذجه، في الوقت نفسه، عما سبق وكتبته من نماذج شعرية؛ الأمر الذي يحول إجمالًا دون وقوع قصائدها في شرك التكرار وأفخاخ الاستنساخ. وفي يقيني أن ذلك هو من الإيجابيات القصوى التي ينبغي التنويه بها والتركيز عليها في عموم تجربة شاعرتنا النابهة والمصممة على مسارها الشعري المستقل.

والملفت بعد في خارطتها الشعرية أن إحساسها الثقافي المركب لا يطغى البتة على حيوية الشعر لديها، إلا أنها تعرف أيضًا متى توازن بين المعادلتين، وكيف تشكلهما في لحظة شعرية واحدة، تؤكدها أشعة المعاني الساطعة من قصائدها حينًا، والخافتة في أغلب الأحيان، والخفوت هنا يضارع السطوع، بل ويبزه أهمية إبداعية. ونستدرك فنقول إن التأمل من جهة، وفعل الإصغاء من جهة ثانية يتنافسان في كثير من القصائد التي تحتويها دواوين نجوم الغانم، ويؤكدان كلاهما على أن الشعر يتعدى خطاب اللغة التي تحمله، ليصير وعيًا فنيًا يراهن على قارئ ذكي وناقد أذكى، تكون مهمته تقديم خلاصة نقدية تقييمية إبداعية جديرة بالكون الشعري الذي تفجره شاعرتنا.

ثم إن نجوم الغانم تستبدل الصدق العميق بالوضوح المعجز الذي تمليه عليها حالاتها النفسية المستبدلة: في هبوطها وصعودها، في ثوابتها وتقلباتها، في إقدامها وإحجامها، في نشوة الذكرى لديها، كما في غيبوبة الحس كذلك، فالذكرى لديها حس نابض أيضًا، وهذا الحس هو الشعر في بعض صميمياته، انطلاقًا من أن الشعر لا حدود جازمة للتعريف به حتى الآن، ولن تكون له أية تعريفات لاحقة.. وهكذا فالشعر نفسه هو وسيلة مستمرة لاكتشاف الشعر، وماهية طبيعته ذات المفارقات المتنوعة والمتحولة. وسيظل الشاعر الحقيقي يرى، عبر قنطرة قصيدته، يقظته الحياتية والإبداعية بأجلى ما تكون عليه الصورة.

وعي الموت والتوتر فيه

وللموت حصته في شعر نجوم الغانم أسوة بغيرها من شاعرات وشعراء الأرض، من قبل، ومن بعد، وبالتأكيد في زمننا الحالي. وعلى العموم لا أدري لماذا وضعتني أشعارها التي تناولت الموت أمام مفارقة ذاتية ويقينية دفينة، خرجت معها بأن ليس الموت هو غياب الكائن وإنما الكائن هو من أجل الغياب. وفي كل الأحوال هي ذكرتني بكلام للشاعر اليوناني الكبير يانيس ريتسوس حين سألته عن معضلة الموت في مقابلة أجريتها معه في منزله في أثينا عام 1988م. قال لي ما ترجمته: «ثمن الكائن البشري مستمد دومًا من زائليته، وهذه الزائلية تشبه قصيدة أبدية يجدر بالجميع قراءتها».

صحيح أن الموت هو الذي يرصدنا ليحصدنا كبشر منذ خلقنا، ومعنا سائر الكائنات الحية بالطبع، لكن الأصعب من الموت البيولوجي هو الموت في الحياة نفسها. وشاعرتنا، مثل أي شاعرة حقيقية أو شاعر حقيقي، تحمل بنفسها وعي الموت والتوتر فيه، ولذلك يتبدى لها بأشكال مختلفة وصور متباينة: «الذؤابات ترتعش فوق طاولتي/ وكأنها ترعى سهر جنازة/… الليل يبيض كعيني أعمى/ وبصيرتي تتأمل العابرين/ يتهادون في خطواتهم/ نحو الموت/… سقط الكثيرون من القلب/ ويسقط الباقون».

وحتى عندما تفتح الشاعرة الكتاب، يكون هناك موت خصوصي للكلمات وللعينين معها أيضًا:

«افتح الكتاب/ الكلمات تذهب مع الحكايات/ وعيناي تبيضان». وكذلك ترى الشاعرة الموت وتفهمه على طريقتها، حتى في الموسيقا: «حتى عندما أدير الموسيقا/ لا أرى سوى صور النعوش/ تقترب نحوي».

لعل من النافل، أخيرًا، أن نشير إلى المهارة الإبداعية التي قدمت وتقدم خلالها الشاعرة الإماراتية نجوم الغانم تجربتها الشعرية الخصبة؛ والتي تخرج فيها بالتأكيد عن المألوف، شكلًا ومحتوى، ولكن بنسيج قصائد سائغة وذات «عذوبة درامية» تشد إلى بلاغة الوضوح المعجز وغير التكراري. بوجيز العبارة، أعمالها الشعرية لا تتفاضل، بل تتباهى، تتكامل وتتجاوز ذاتها.


نجوم‭ ‬الغانم‭ ‬في‭ ‬مختاراتها‭ ‬الشعرية ‭»‬العتب‭ ‬المتبقي‮»‬
مجازٌ‭ ‬متاحٌ‭ ‬للخروج‭ ‬من‭ ‬مأزق‭ ‬الهوية‭ ‬الجندرية

محمد‭ ‬مظلوم ‬شاعر‭ ‬وناقد‭ ‬عراقي

حين نقارب تجربةً ما في الشعر النسوي العربي من المهم استكشاف تاريخ تشكل الصورة النمطية للمرأة عمومًا ومراجعة الجذور التي أسهمت في تشكيل تلك الصورة ومقارنة تجلياتها بين التراث العربي وتحولاتها في النقد الحداثي وما بعد الحداثي الغربي، وفحص مدى الاختراقات التي حققتها نساء كسرنَ الإطار الشمولي بوصفه حصارًا واخترْنَ رسم صورةٍ شخصيةٍ عن تجاربهن مغايرةٍ للنمط وخارجةٍ عن ذلك الإطار.

فتراثٌ مديدٌ كالتراث العربي أمدُهُ قرون من تكريس الصورة النمطية للمرأة، لا يمكن تغيير مساره وتجديد بنيته بسهولة من خلال اختراقات هامشية وتمردات محدودة، ولو استعدنا بعض عناوين كتب التراث التي عنيتْ بأدب المرأة سنجدها تكرس تلك الصورة بتصنيف نوعي للنساء: جوارٍ، وإماء، وقيانٍ، وربات خدور في أحسن الأحوال كما في كتاب «أشعار الجواري» للمفجع المصري و«الإماء الشواعر» لأبي الفرج الأصفهاني وصولًا لعصر النهضة في عنوان كتاب اللبنانية زينب طيفور «الدر المنثور في طبقات ربات الخدور»، ومن المهم كذلك استذكار عبارة لبشار بن برد، ترد في عدد من كتب التراث ويضع فيها أشعار النساء في مرتبة أدنى: «لم تقل امرأة شعرًا قط إلا تبين فيه الضعف، فقيل له: أو كذلك الخنساء؟ قال لا: فتلك لها أربع خُصى».

عبارة بشار تدفع إلى إعادة النظر في مفهوم الفحولة الشعرية، فهي غير مرتبطة بالذكورة والأنوثة العضوية، بل تكتسب جدارتها بالخصوبة ونوعية العطاء، وبهذا المعنى فإن الخنساء تمثل استثناء وخروجًا على الهوية (الجندرية) فهي شاعرة مجيدة، وعارفة بجيد الشعر من ضعيفة، إذن فهي مثقفة شعريًّا، وهذا هو الأساس في مفهوم الفحولة لأن الفحولة ترتبط بالقدرة على تمييز الشعر الجيد لدى الشعراء الآخرين وكتابة كم معقول من الشعر الجيد في الوقت نفسه. فحين سئل رؤبة بن العجاج عن الفحل من الشعراء قال: «هو الراوية، إنه إذا روى استفحل». ويشرح ابن حبيب هذه المقولة بقوله: «لأنه يجمع إلى جيد شعره معرفة جيد شعر غيره، فلا يحملُ نفسه إلا على بصيرة».

ويحفل التراث العربي بكثير من نماذج الرفض الأنثوي للهيمنة البطريركية الشعرية، كما في نموذج الهجائيات بين النابغة الجعدي وليلى الأخيلية وهو شعر نقائض قائم أساسًا على سجال الذكورة والأنوثة العضوية والمباهلة الثقافية عل أساس الجنس. كما في بيت الأخيلية الشهير الذي ترد فيه على خصمها الجعدي: وعيَرتني داءً بأمكَ مثلهُ / وأي جوادٍ لا يُقالُ لها هَلا/ مجاز التذكير والتأنيث.

وفي تجربة نجوم الغانم الشعرية تبرز مظاهر عدة لما تسميه الناقدة الأميركية جوديث باتلر (مشكلة الجندر) بوصفه هوية مكتسبة وفق المعطيات الاجتماعية تنعكس تمثلًا واعيًا ولا واعيًا في العطاء الشخصي، وهي مشكلة متأصلة، ويمكن تقصيها في ثنايا مختارات نجوم الغانم الشعرية الشاملة «العتب المتبقي» التي تغطي أكثر من ثلاثة عقود من تجربتها الشعرية متضمنة دواوينها السبعة منذ ديوانها الأول «مساء الجنة» الصادر عام 1989م وصولًا إلى «ليل ثقيل على الليل» (2010) فمنذ القصائد الأولى في هذه المختارات تبرز استعارة صوت المذكر وتبني قناع الشاعر الفارس وأمير الصعاليك: «أنا عروة بن الورد/ ماذا دهاك؟». وكذلك في «مقطع من قصيدة متاهات»: «علمتكَ ارتكاب المُلابسات/ منحتكَ سيفي وسرج القصيدة/ وإذ آمرُكَ أن تخلي النهار من كهولته/ فلأني أبيحُ لكَ الفتنة َ/ زاهدًا في القتال». وكذلك الحال في قصيدة «المسافرُ من ليلٍ إلى ليلٍ» من ديوان «رواحل»: «واقفًا/ كدعامة بيت طاعنة في الشيخوخة/ منتظرًا هبوط المساء/ وحفنة الأنجم تضيءُ الدهاليز».

ترى جوديث باتلر أن (الجندر) يمكن أن يكون مكتسبًا ويتم اختياره بحرية. وفي الوقت نفسه يمكن أن يكون مصيرًا محتمًا مسبقًا. وإن كلًّا من الاحتمالين ممكنٌ، لأن (الجندر) يختلف عن (الجنس) لكونه مصنوعًا مما هو نفسي أو اجتماعي أو ثقافي وليس عضويًّا. لذلك يترجم أحيانًا بالنوع الاجتماعي لأنه نتاج اجتماعي لاحق وليس طبيعيًّا مسبقًا، وهو (تجنيس) وليس جنسًا عضويًّا. لذا يترجم في أحيان أخرى بـ (الجنوسة) من هنا فإن الجندر يرتبط أكثر بقضية المرأة، وقضايا النسوية، فهو يتحكم بالوظيفة الاجتماعية للمرأة والدور والتراتبية وفق التقاليد والثقافات. ومن هنا تأتي أهمية فحص التذكير والتأنيث المجازي في شعر نجوم الغانم، لأن التذكير والتأنيث المجازيين لا يعبران تمامًا عن حقيقة تراتبية كما يقول المتنبي: وَما التَأنيثُ لاسمِ الشَمْسِ عَيبٌ/ وَلا التَذكيرُ فَخرٌ لِلهِلالِ.

وهذا المجاز (الجندري) هو ما ركزت عليه دراسات باتلر بشكل واضح في قراءة متعمقة لتفكيكية دريدا خاصة في التصنيف النوعي للمذكر والمؤنث في اللغة من حيث الأسماء والضمائر المسندة واشتقاق الكلمة، والمذكرات والمؤنثات المجازية وتأويلها، ثم معالجتها ضمن محيط المشكلة الجندرية.

مضمون آخر لمشكلة الجندر يمكن ملاحظته في شعر نجوم الغانم، وهو مأزق الهوية داخل (النوع الاجتماعي) نفسه وما يخلقه من دراما مركبة بفعل صراع مزدوج ثنائي الأبعاد للخروج من هذا المأزق. ففي تراث الشعر العربي ثمة صورٌ تراتبية عدة للمرأة: الحرة، والأميرة، والوصيفة والأمة والجارية، وكذلك صورة مزدوجة جندريًّا (الغلامية) وقد دأب النقد العربي على تكريس هذا الفهم، فعادة ما يعرف الشعر النسوي بأنه الذي يحمل مضامين تخص المرأة، ويعبر عن شؤونها اليومية وقضاياها. غير أن شعر المرأة في التراث العربي يتسم بالندرة من حيث الكمية قياسًا إلى شعر الرجال، سواء كانت تلك الندرة حقيقية، أو بدتْ مفترضة بسبب قلة الرواية، ومعظم ما وصل لنا من أشعار النساء يتصف بنبرة الرثاء، إنه في الواقع شأن نسوي نمطي لدى المرأة.

نتذكر هنا مراثي الخنساء لأخويها وأبنائها ومراثي ليلى الأخيلية لحبيبها توبة بن الحمير، ومرثية الفارعة بنت طريف، لأخيها الوليد، ومرثية قتيلة بنت النضر لأخيها.. بينما اتسمت نماذج الشعر العربي الحديث، بشيوع الشعر الإيروسي، وعلى رغم أن هذا الاتجاه الأنثوي في الشعر العربي بدا متأثرًا بتوجهات الشعر الأميركي والأوربي لا سيما بعد الثورة الشبابية، إلا أن التراث العربي لا يفتقر كذلك لهكذا أشعار لكنها غالبًا ما تتمثل في مقطوعاتٍ ونُتفٍ للجواري والقيان، ونادرًا ما نجده في شعر (الحرائر). إذن فهناك (شعر حرائر) رصين وحزين وهناك (شعر جوار) يتسم بالمجون والمرح. بل إن المرأة قد تكون ضحية نفسها أحيانًا، حسب سيمون دي بوفوار، حين تكرس تلك الصورة النمطية في أدبها أو في خياراتها في الحياة، لهذا أدانتها بوفوار لأن العديد من النساء، برأيها، آثرنَ السلبية والخنوع وانعدام الطموح، لذلك فهي تعتقد أن تحرر المرأة لن ينجح إلا بفعل إرادة تفاعلية موحدة بين الرجال والنساء.

رثاء لموت معنوي

شعر نجوم الغانم لا ينتمي لأي من هذين الاتجاهين، وبالتالي لا يمكن تجنيسه وتصنيفه على أنه شعر نسوي محض، بل هو شعرٌ فحسب، موضوعاته إنسانية وهي موضوعات لا علاقة لها بأي تصنيف على أساس الجنس، فموضوعاتها إنسانية وأساسية في الشعر الوجداني، وبلاغة شعرها وشكله ينتميان للفن الشعري الحديث بشكل عام. بيد أن شعر صاحبة (الجرائر)، إذا ما أُخضعت قراءته إلى معيار (جندري) صارم، سيبدو أقرب إلى شعر (الحرائر) فشعرها زاخر بنبرات الرثاء، فهي تكني عن نفسها بـ (سيدة الرثاء) لكنه ليس ندبًا لأشخاص موتى، فهي لا ترثي موتًا عضويًّا بل يكتظ شعرها بعوالم موت معنوي، موت الأشياء وما ينطوي عليه من حيرة ومتاهات وفقدانات وغيابات متتالية وكم لا يستهان به من قصائدها يستكشف تاريخ الروح وسطوة الذكريات والألم الروحي، فالموت بالمعنى الصوفي المجازي كما يعرفه ابن عربي: «حياة مطموسة، وذلك لأن الحياة انقسمت قسمين: أحدهما الحياة المبصرة، وهي حياة التأليف، والأخرى الحياة المطموسة، وهي حياة التفريق المسماة موتًا». وبهذا المعنى فإن شعر نجوم الغانم من هذا الجانب يشتغل في صميم الحداثة عبر اهتمامها بتجليات (الموت في الحياة) أكثر من ندبها للموت الجسدي.

شعر نجوم الغانم شعر وجداني، لكنه شعر بوح أكثر من كونه شعر اعتراف، صحيح أن شعر البوح وشعر الاعتراف كلاهما ينتمي للشعر الغنائي. فكلاهما مناجاة داخلية ورثاء للذات. إلا أننا لا نكاد نعثر على شعر اعتراف نسوي صريح في الشعر العربي، كما هو الحال في الشعر الغربي، وهنا يمكن التدليل عن الفرق بين الشعر العربي والشعر الغربي بنماذج واضحة، كما لدى (سيليفا بلاث) و(آن سيكستون) في شعر الاعتراف الغربي ولدى (نازك) في شعر البوح، والمشترك بينهما أن كلًّا منهن أنهتْ صلتها بالعالم على طريقتها، فبعد شعر الاعتراف لم يبق أمام بلاث وسكستون إلا الانتحار، وبعد شعر البوح انتهتْ نازك إل العزلة والصمت. وإذا ما كان شعر البوح قرينًا بالرومانسية التي لم تكن نازك بعيدة منها، فإن شعر الاعتراف في الأدب الأميركي ارتبط بحركة ما بعد الحداثة، كان شعراء ما بعد الحرب العالمية الثانية، ولا سيما شعراء جيل البيت الأنموذج الواضح له.

وشعر نجوم الغانم برأيي أقرب لشعر البوح كما لدى نازك، فعلى رغم أن شعرها شخصي إلا أنها لم تتوغلْ عميقًا في مناطق محظورة عادة ما تجرأ شعر الاعتراف على اختراقها، فشعرها يقدم التجربة الشخصية والشؤون الداخلية التفصيلية بعيدًا عن الانخراط في شعر القضايا الكبرى، وإذا كان كل شيء في عالم الألفية الثالثة يشكل تهديدًا حقيقيًّا لوجود الإنسان كيانًا ومصيرًا، فإن الانتباه لتلك الشؤون والإصغاء لها يشكل نوعًا من الحصانة والملاذ لتفادي العالم الخارجي المليء بالمخاطر. أحيانًا تبرز تفاصيل (الحياة المنزلية) في شعر نجوم بديلًا لعناصر العالم الخارجي، بيد أن هذا العالم الوجيز والزاهد يصبح في لحظة مكانًا أثيرًا وأثيريًّا وفي الوقت نفسه تخلق داخل حدوده الضيقة عالمًا شاسعًا وفضاء تحلق فيه في رحلة خيالية تعويضًا عن قهر مستحكم في الواقع.

فنيًّا: تجمع نجوم في قصائدها بين التأليف والتجربة. فتخلق نصًّا متوازنًا بين التجريب الفني والقول أو البوح الشعوري. فبينما يقوم شعر التأليف على البلاغة والتجريب، يتسم شعر التجربة بالصراحة، كما أن شعر التأليف يعتمد بشكل أساسي على اللغة وجمالياتها تاركًا للقارئ حرية استنباط المعنى من القصيدة أو بعض عباراتها وبهذا فهو لا يهتم كثيرًا بالمعنى أو يرجح التعبير المضموني، بل يتبنى فكرة أن القصيدة ليست سوى بناء جمالي داخل اللغة نفسها وبواسطتها. وعلى رغم أن نجوم تحاول الجمع بينهما، إلا أنها كاتبة تجربة أكثر من كونها مجرد مؤلفة فن وإن تبدى في شعرها بعض النزوع إلى تشكيل صور سريالية داخل القصيدة لكنها صورٌ عابرة وليست مركزية في شعرها: «مقدمًا لها صندلا ً من حطب الجنة/ سيدٌ في عربةٍ تجذف ذهب السماء…/ الرجلُ الذي يقودُ قطيع الثلج».

الاغتراب بين العزلة والوحدة

مضمونيًّا: تحفل قصائد نجوم بأجواء الاغتراب والعزلة والوحدة والانتظار والغياب ووطأة الذكريات، وهي أجواء متداخلة ببعضها غالبًا، وفي كثير من الأحيان يتخذ كل منها أبعادًا وأشكالًا عدة، فللاغتراب تجليات شتى. إذ ثمة اغتراب مكاني جماعي يصبح قرينًا للتيه: «لسنا هناك/ ولم يعد لنا مكان هنا». واغتراب زماني فردي مركب كما في قصيدة «غربات»: «بعد عامين أو أكثر/ رجعتُ/ فوجدتُ النزلاء قد تبدلوا/ لم تكن الروح في مسكنها/ وصرتُ أنا كالغريبة». واغتراب يتخذ شكل الانطواء والعزلة كما في قصيدة «عَتمة مُختلفة»:

«أجلسُ معَهُمْ على الطاولةِ/ رُوحي لمْ تعُدْ هُناكَ». بل إن الاغتراب لدى الشاعرة يتخذ منحى أكثر قسوة فهي غريبة حتى وهي في أحضان الليل، وهنا نستذكر غربة «عاشقة الليل» نازك، لا سيما قصيدتها إلى (كيتس) وهي تبوح عبر معشوقيها الليل والشاعر الذي اختطفه الموت مبكرًا، وبوحها بحضرتهما، بيد أن نجوم لا تقوى على البوح لليل بل لا تجد فيه حتى ما تحلم به في حضن الليل: «نمتُ في حُضن الليل/ لكنني لم أحلمْ بشيء».

ليل (نجوم) لا يشبه ليل (نازك) المعهود فهو هنا أكثر وحشة، وهو تمثيل قاسٍ للعتمة، وهنا نجد (نجوم) تعبر، وأن بشكل مضمرٍ ولا واعٍ، عن تورية بلاغية بين حقيقة اسمها الشخصي (نجوم) ومجازه اللغوي الدلالي فتبدو كنجمة وحيدة تتأمل في منتآها بكل ما يحيط بها من بشر وعوالم تنغمر في ظلام سحيق: «هذهِ الليلة ُ تشبهُ كلَ تلك العتماتِ/ وَهي أكثرُ وَحشة/ تركتُ الليل/ يُشعل لملائكته كبريت الموت/ وانزويتُ في ركني القديم/ أتهجى الأصدقاء/ الذين انسلوا كصوف من سجادة السنوات» ثم تلجأ في موضع آخر إلى بلاغة الطباق: «الليلُ يبيض كعينيْ أعمى/ وبصيرتي تتأملُ العابرينَ».

ففي هذين السطرين تداخل مكثف لصور بلاغية تحتشد في لحظة مكثفة: الليل والنهار، البياض والسواد، العين والعمى، البصيرة والتأمل، الفرد المتأمل والحشود العابرة، ولو استفضنا في تحليل موسع لهذين السطرين، يمكن أن نصل لخلاصة مهمة لواحدة من السمات الأساسية في شعر نجوم الغانم، سواء من الناحية الفنية البلاغية أو الثيمة المضمونية والنزعات النفسية. هكذا يصبح الانزواء بوصفه (عزلة) ملاذاَ وهروبًا من الوحدة بما تنطوي عليه من (وحشة).

وفي شعر نجوم علاقة ملتبسة بين الوحدة والعزلة، رغم أن ثمة فرقًا نوعيًّا بينهما تعبر عنه في مواضع كثيرة من شعرها، فالوحدة قسرية، وهي قرينة السأم: (السأَمُ شقيقُ الوَحْدةِ) لهذا فهي تنطوي على ألم نفسي ووحشة روحية، بينما العزلة اختيارية وجودية، وكثيرًا ما تؤدي إلى تكثيف الوعي بالذات، وإعادة اكتشاف الآخرين والأشياء عبر خلق هذه المسافة الضرورية لتوسيع الرؤية، وتجنب الانخراط في الحشد، لذا نرى الشاعرة تصور لنا الوحدة حصارًا روحيًّا قاسيًا يوازي الجحيم في عالم ضيق بالأساس: «لا نافذة ً تُطِل منها إلى الفرارِ/ ولا حتى ثقبًا / تهربُ منه جحيمَ وَحْدتِها». بينما نراها بالمقابل تتغنى بالعزلة بوصفها فسحةً في ذلك الحصار:

«لأبدأ الكتابة، يكفي أن أعد قدحَ القهوة/ وأوصِدَ البابَ/ أنْ أخونَ الجموعَ لِوَهلةٍ/ فَقَط لِوَهلة».

إقصاء المرأة الشاعرة يؤدي إلى عزلها وبالتالي عزلتها، لذا ترتكب الخيانة! وأية خيانة؟ إنها خيانة الحشد بالعزلة والاعتكاف، لوهلة، إلى الذات وإلى الشعر. (خيانة) بريئة وطفولية تتيح لها أن تصغي لعالمها الداخلي وتأنس لانفرادها. كما أن إغلاق الباب هنا ينطوي في العمق على نوع من الطباق البلاغي، في دلالة مضمرة لأنها في الواقع تفتح أبواب الباطن، وتتيح لظلامها الداخلي أن يتنزه بحرية وربما يضيء على ورقة الكتابة، وفي الواقع تحفل قصائدها بكثير من هذه النماذج التي تتغنى بالعزلة وتكرسها بوصفها نافذة للإطلال على عالم آخر تشعر بالانتماء له وتتيح لها (الرؤيا) الإشراقية وتجنبها (الرؤية) الكابوسية لعالم مليء بالذعر، فتعمد للانفصال عن عالم الآخرين: «سنتوارى في وحدتنا».

ذلك أن العزلة نفسها، ومع أنها قد تبدو فسحة ذهنية وروحية وبرهة زمنية يتسنى فيها للذات التأمل في مطموراتها وإعادة اكتشافها، إلا أنها (تضيق) وتغدو نوعًا من الوحدة، وشكلًا من أشكال الحصار المحكم. فاين المفر؟ تبحث نجوم عن الطمأنينة والحنان في حضن آخر، بعد أن افتقدته في حضن الليل وضاقت بها عزلتها التي ظنتها ملاذًا، لذا تحلم بالتلاشي، وهذا التلاشي تسميه الغياب: «عندما تضيقُ بنا عزلتنا/ نختار الغياب/ الذي جربنا رأفته».

لكن حتى النوم، بوصفه بئرًا من أحلام، واختفاء، وغيابًا وتلاشيًا، يبدو عصيًّا على الشاعرة أحيانًا، ومسكونًا بأشباح الوحدة: «لا تنامُ/ خوفًا منْ أنْ تزدادَ عليها/ الوَحْدة».

تقول سرديات التراث العربي: «أقل ما في العزلة أنها إذا امتدت واستمرت بصاحبها صارت هجرة». وهجرة نجوم هجرة إلى الداخل، حيث يصبح المنفى الذهني الشخصي فردوسًا داخليًّا وخيارًا شخصيًّا. إنه تعبير عن انشقاق الفرد عن عالم لم يعد على وفاق معه. وفي التراث العربي فإن العزلة في عالم الفتنة تصبح عصمةً وحكمة: «غرفتي البارعة في اليقظة/ تقترض مني عزلتي/ متى؟ الآن/ وأنا أغالبُ الحيرة في مصير الخليقة/ أيتها الحمقاء التي أخليتُ لها الكرامات/ أكاد أسمعُ مشاورات الرعود تدنو/ لتعلن انفجارها في ليلة/ مُنعَ فيها تجول أفكاري».

إنها ثنوية قسرية بين عالم كوني وآخر أرضي وهي أفكار مكبوتة، ومحظور عليها التجوال في عالم الآخرين، وتلك هي محنة أخرى تكرس الشعور الشخصي بالتهميش والإقصاء. من هذه الثنوية غالبًا ما تنتشل نجوم صورها المشعة، من عالمها الداخلي أو ما تسميه «عتمة المخيلة» ثم تظهرها للعيان ملونة بالكلمات، لذا لن يبدو غريبًا أنْ تعنون أولى مجموعاتها الشعرية بـ «مساء الجنة» لأنها تميل إلى تكوين خلاصة صفائها الشعري من مزج المتناقضات في عالم ثنوي تحاول من خلاله خلق تناغم وتوافق، بديلًا من التنازع والصراع.

وفي شعر نجوم ثمة نزعة إلى أسلوب تشكيل في البناء والتعبير، أسلوب يبدو أكثف من ظلال وأشف من ملامح، تعبر به عن علاقة خيمائية بين القصيدة واللوحة فكلاهما عمل فردي ذهني، والفنان والشاعر كلاهما إزاء لوحته البيضاء أو ورقته البيضاء، في علاقة مباشرة يتسنى من خلالها للفنانة أن ترسم الكلمات بالخطوط والألوان، بينما تتيح للشاعرة تجسيد الصور بالحروف والكلمات. وعمومًا فبين الصورة والكلمة علاقة متممة فلكل كلمة شكلها التصويري، والقصيدة المفتقرة للصور قصيدة خاملة ولن تحوز جدارة الشعر، واللوحة الشحيحة بالتعبير عن المشاعر لوحة باردة وذات بعد واحد، ولن تحظى بميزة الفن. لهذا نحن نتحدث عن شاعرة فنانة وفنانة شاعرة: «تحسست القصائد التي كتبتَها/ منذ عشرة أعوام وأكثر من مساء/ كانت اللغة ثملة مثلك/ الصور أخف من نسائم/ أول الصباح/ والعشق برتقالي ودافئ/ كخيط الشفق».

التباس الذكريات والانتظار

ثمة موضوعان آخران ملتبسان في تجربة نجوم الغانم وهما موضوعا الذكريات والانتظار، ولأن كليهما مرتبط بفكرة الزمن، فعادة ما ينوس هذا الالتباس بين كونه عبئًا ثقيلًا أو برهة للترقب والأمل، ومن المهم هنا التذكير ببرغسون ومفهومه الشعوري للزمن الشخصي والذي يتجسد بمقولته الشهيرة: «نحن من نمضي حين نقول إن الزمن يمضي». وعلى رغم أن أينشتاين أعلن دحضه لهذا الفهم بنظريته النسبية وثورته الفيزيائية عن الزمن كتب بورخيس عبارته المذهلة عن علاقته الشخصية مع الزمن: «الزمن هو المادة التي خلقنا منها… إنه نار تلتهمني، لكني أنا النار». وفيما يتعلق بشعر نجوم الغانم في موضوع أثر الزمن في ثيمتي الذكريات والانتظار فإننا إزاء فهم شخصي شعوري أقرب للفهم البرغسوني البورخسي للزمن.

قصيدة «الذكريات المستبدة… الذكريات» نموذج لهذا التأرجح والالتباس، فثمة ذهاب شعوري نحو الذكريات «تذهب مثكولًا كطفل» ثم إياب غنيمته الخيبة والعودة إلى ما يشبه السجن «كفراشة أُودعت توًّا زجاج الأبدية». غير أن استبداد الذكريات يدفع الشاعرة إلى تبني استبداد مضاد يلتبس فيه دور السجين بدور السجان:

«سألملم الذكريات/ وإن تطلب الأمر/ سأحكم إغلاق الخزائن عليها/ وأدعي أنني أضعت المفاتيح». ولأن استبداد الذكريات أضحى عناءً مزمنًا بحيث طغت على تفاصيل حياة الشاعرة فراحت أشباحها تلاحقها، بل تواجهها في كل مكان حتى في خزانة الملابس يحفل شعرها بمحاولات لا تكاد تتوقف للنسيان بوصفه تعويذة لطرد تلك الأشباح والضد النوعي لاستبداد الذكريات وافتراسها لحياة الشاعرة: «تذهب للذكريات التي تراكمت/ في خزائن ملابسك/ تاركة رائحتها في قلبك/ وفوق شفتيك. / مبلبلًا بالتفاصيل الجارحة/ ولسع الآلام في جسدك/ تنهال في الصمت النهائي/ متوهمًا أنك تبتعد في النسيان». هكذا يصبح النسيان نوعًا من (الوهم الجميل) واللذة الموجعة أحيانًا «أنتِ تَقترِبينَ من لذةِ النسيانِ» وفي أحيان أخرى يصبح نوعًا من الخطيئة التي يستعصي عليها اقترافها: «لم تَعُدْ تَقوى على اقْتِرافِ النسيانْ». لذا تأمل في ملاذ لاهوتي يحنو عليها وينجيها من سم الذكريات: «يُجلِسُها في حُضنِهِ/ ويَسقيها حليبَ النسيانِ».

أو: «شَكرَتِ الله َ مليًّا على أُعطياتِه/ شَكرَتهُ عميقًا لأنهُ مَنحها/ أنْ تختارَ بينَ أنْ تتخلصَ/ من ذكرياتِها/ أو ذاكِرتِها». وسط هذا العناء يصبح الانتظار تجربة بديلة واستعاضة عن زمن متحقق بزمن ممكن ومحاولة لتسلية اليأس بخلق الوهم بالأمل قبل أن يقود للإحباط والهرم الروحي، لأن انتظار الشاعرة انتظار لا زمني حيث وقائعه منسية وأمدُهُ مجهول حتى لتبدو فيه الشاعرة كائنًا انتظاريًّا ما قبل الذاكرة: «لا أكادُ أتذكرُ/ مُنذ ُ متى وأنا في الانتظار».

وفي مكان آخر يتحول إلى غاية بحد ذاته وحياة بديلة حتى كأنه الشيء الوحيد المعتاد في حياتها التي لا يبدو أن ثمة أملًا في تغييرها: «أنتظرُ/ لأنني اعْتدتُ أن/ أنتظرَ». ولعل قصيدة «الشتاء الثاني» نموذج واضح للانتظار الذي لا خيار آخر سواه على مر الفصول: «أنتظرُ/ إذْ لا يَسعُنيْ/ سوى الانتظارِ». وإذا كان الانتظار ينطوي على تعبير عن الشوق والأمل، لكنه قد يتحول إلى زمن قحط وفصول يأس ليصبح بالتالي نوعًا من فوات الأوان. وهو إذا يعبر عن انقطاع مع لحظة ما في الحاضر، فهو توقع وترقب وتعلق بلحظة آتية: «مر الغُرَباءُ أمامَ شُرفَتي/ اِبْتسمَ بعضُهم/ سألَني بعضُهم إنْ كنْتُ/ بانْتِظارِ أحدٍ». هذا الانكشاف أمام الآخرين العابرين: أن تكون متلبسًا بالانتظار، يتحول إلى نوع من العري الروحي والعار النفسي أو على الأقل ينال من الهيبة: «كمِ امْرأةٍ مِثلي كسَرَ الانْتِظارُ هَيبَتَها/ وجعلَها تقِفُ في السنَواتِ/ كحِصانٍ يَتألمُ دونَ أنْ تُطلقَ عليه/ رَصاصةُ الرحْمةِ».

ثمة انتظار بينولوبي ذو مسحة إغريقية وهو ما يتجلى كذلك في قصيدة «من انتظار لآخر… هكذا تبعثر ليلها» حيث نداءات السفن البعيدة ومشقة الأسفار، وانتظار الغائب الذي لا تتعرف عليه عند عودته، وثمة انتظار لمستقبل صورة الذات منعكسًا في مرآة الآخر عبر تداخل الأزمنة بين الأجيال كما في «قصيدة المرمر الداكن» بحوارية بين الجدة والحفيدة. وهي في الحقيقة حوارية داخلية ربما من طرف واحد وليس بين طرفين، لأن الحفيدة التي كانت طفلة ستصبح جدة.

على رغم أن السمة الفنية الأوضح لشعر نجوم الغانم هو الإيجاز في العبارة والكثافة في الفكرة، فإننا نجدها أحيانًا تميل إلى السرد والاستفاضة، كما في قصيدة «مملكة الظنون» وهي قصيدة رؤيا تنتمي لعالم السحر وذات فضاء غيبي تميل فيها إلى التدفق الحر للغة وغرابة في الصور والمشهدية وتصور خلالها بعبارات لاهثة تتناغم مع إيقاع هروبها رؤيا كابوسية بلغة تقترب من الهلوسة، مشحونة بأجواء عالم كافكوي، عالم علوي في الظاهر لكنه في الجوهر ينطوي على كثير من مشاهد علم سفلي يزخر بحالات الهروب والمطاردة والمتاهة ويوجز إلى حد كبير محاولاتها في الخروج من مأزق سحيق: «فجأة تحولتْ إحدى الغيماتِ إلى امرأةٍ تتقدمُ نحوي وأنا أركض بحثًا عن مأوى، أصِبتُ بما يُشبه الحب؛ لكنها كانت تتعقبُني من قلعة إلى قلعة، من غرفة إلى غرفة، صرختُ لا تتقدمي أكثرَ سوفَ تسحقني كهرباؤكِ، تركتها في إحدى الحجرات جالسة ً كمُدرسةٍ من العصور الغريبة تحتسي الدروسَ وتبكي، تحتسي الدروسَ والفصْلُ خالٍ إلا من الأدراج بينما أنا في الخارج مَنكودة ٌ، أصعَدُ سلمًا وأهبط سُلمًا آخر بحثًا عن كهف».


رمزية‭ ‬الليل‭ ‬في ‭‬‮«‬ليل‭ ‬ثقيل‭ ‬على‭ ‬الليل‮»‬
ودلالاتها‭ ‬المتشعبة

محمد‭ ‬آيت‭ ‬لعميم ‬ناقد‭ ‬مغربي

«ليل ثقيل على الليل»، عنوان ينطوي على دلالات ترميزية، بحيث يصير الليل محملًا برموز عديدة، تجعله في التجربة الشعرية لنجوم الغانم مسؤولًا عن توليد شبكة من المعاني والدلالات المرتبطة بالتجربة الذاتية وبالعوالم الباطنية للذات الشاعرة. دلالات تتولد من دقة الإنصات لصمت الأنا في عزلتها الشامخة، وفي هواجسها، إنصات يحاول الغور في بئر الأعماق، حيث ماء المعنى في أكثر من موقف ومحطة في الديوان ينهمر مطرًا، أو ينبجس من عين أو يتطامن فوق أمواج المحيط. يحضر الليل ومشتقاته، ويحضر الماء، وتلك متلازمات لاشعورية متواترة في ذاكرة الشعرية العربية، فغالبًا ما يستدعي الليل البحر، فهذا امرؤ القيس يقول عن ليل الهموم: وليل كموج البحر أرخى سدوله/ عليَّ بأنواع الهموم ليبتلي.

الليل ورمزية البحر مكونان يحبلان بأجنة دلالية، تنمو في أكثر من اتجاه، فهذا حكيم المعرة يلتقط هذه العلاقة الوطيدة بين الليل والبحر والصحراء يقول: ليلتي هذه عروس من الزنج عليها قلائد من جمان/ هرب النوم عن جفوني فيها هرب الأمن عن فؤاد الجبان/ قال صحبي في لجتين من الحندس والبيد إذ بدا الفرقدان/ نحن غرقى فكيف ينقدنا نجمان في حومة الدجى غرقان.

سنعمل في هذه الدراسة على استجلاء هذه الرمزية الليلية في ديوان «ليل ثقيل على الليل» للشاعرة الإماراتية نجوم الغانم، التي جمعت في تجربتها بين فنين يعتمدان الصورة بوصفها هوية مؤسسة لجوهر الفن، هما الشعر والسينما، هذا التجاور بين هذين الفنين يتفاعل بشكل قوي لدى الشاعرة، حيث نلمس، سطوة المشهدية، والمقاطع، وحسية الصور، والسرد، واللقطة، كلها مجتمعة في بناء القصيدة لديها، ناهيك عن الانسيابية، في حركية القصيدة، مما يضفي على تجربتها نوعًا من الحيوية في تمثل العالم الخارجي، والعالم الباطني لديها.

وسيكون دليلنا في هذه النزهة في مسالك الحديقة المتشعبة لتجربة الشاعرة الإنصات لقولها الشعري واستنطاق منطوقه ومفهومه، مرتبطين بالتجربة الحسية التي تتعرف بها الشاعرة عن العالم، وكيف يتكشف لها من خلال الإمساك به عبر اللغة والصورة والتخيل، ولن نقف عند الرمزية المكرسة والمألوفة، بل سنعمد إلى إزالة غبار الألفة عن طبقات الغرابة التي يؤسسها القول الشعري الذي يسعى إلى الانفراد والتفرد، وبذلك فإن النص الشعري لديها يبني متخيله الخاص وأسطورته الشخصية من خلال طبيعة العلاقات التي يشكلها النص بين عناصره البارزة والمخفية، فبين هذين المستويين سيتكشف لنا عمق ما تريد الشاعرة إيصاله لقارئها المفترض.

الازدواجية الرمزية لليل

توقفت الكتابات التي تناولت رمزية الليل، عند الطابع المزدوج لهذه الرمزية، كما فعل ذلك جيلبر دوران، في كتابه الرائد، «البنيات الأنثروبولوجية للمتخيل» وكما فعل غاستون باشلار، في كتابه «الماء والاحلام» و»الأرض وأحلام يقظة الراحة» وفي «لهب شمعة»، فتحيل رمزية الليل إلى الخوف المتجذر القادم من السواد الذي ورثناه عن الأسلاف الأوائل، وإلى القلق الذي يعترينا من مواجهة الفراغ والصمت المطبق، ويحيل أيضًا إلى الجانب المظلم للأشياء (الظلام، السديم، الجحيم)، ومن هذه الناحية اكتسبت هذه الرمزية نوعًا من السلبية، إذ الليل معتم ومظلم، وخطير ومضلل ومقلق.

هذا الجانب الثقيل من الليل، كما أشار إليه عنوان الشاعرة التي لها نصيب من الليل في اسمها، فالنجوم لا تسطع إلا في الليل، فهناك جانب بخفة هائلة، يوحي به الليل، فهو  مناسب للتأمل، وهو لحظة للتجدد والانبعاث، فهذه الازدواجية في رمزية الليل نستشفها من وظائف الليل والسمات التي تميزه، من خلال مرونة الاستعمال، وتعدد الجهات التي يشير إليها، إذ يمكن لليل أن يكون رمزًا للنوم والموت، ولكن أيضًا يرمز لليقظة الروحية وانبعاث الحياة من بطن الظلمة، إذ الضوء لا يمكنه أن يوجد إلا وسط الظلام، فمن الليل يبزغ القمر والنجوم، والفجر بضيائه، وبه تظهر توهجات الشمعة والشعلات الملتهبة، ويبزغ منه أيضًا العديد من العناصر التي ترمز للوعي والتي نحاول اختراقها عبر فوضانا النفسية.

فالليل رديف المجهول، والسديم الذهني، والكوابيس، هذا الوجه المتوحش في الليل يفرض علينا أن نضيئه ونروضه. وفي الثقافة العربية، يحيل الليل إلى الأسرار، وأيضًا إلى الليونة والأنوثة، ومن ثم اشتق منه العرب اسم ليلى، التي كانت ملهمة الشعراء، لما لليل من أسرار وخبايا ومكنونات. وليس الليل بالضرورة رديف الكسل واللانشاط، فهو يشكل لحظة مثلى للكتابة والصلاة والتأمل، إذ يمكنه أن يتحول إلى لحظة لليقظة النشيطة، والملاحظة الدقيقة، واتخاذ القرارات الصعبة، كما أن لحظات الأرق القاسية، غالبًا ما تكون منتجة، والأمثلة على ذلك لا تعد ، فلسان الدين بن الخطيب ذو الوزارتين، ويقال له أيضًا ذو العمرين، لإصابته بأرق مزمن، غالبية كتبه الخالدة ألفت في هذه الحالة العصية، حيث الليل نهار، وأيضًا الكاتب العالمي بورخيس كان مصابًا بالأرق وكتب في هذه الوضعية نصوصًا خالدة. وقد أشار غاستون باشلار لهذا الارتباط بين الليل والكتاب، بقوله: «أسهر وحيدًا في الليل مع كتاب مضاء بلهب شمعة، كتاب وشمعة- إنهما جزيرتان مزدوجتان للضياء- يواجهان عتمات مزدوجة، عتمات الروح وعتمات الليل» (غاستون باشلار، «لهب شمعة»).

اقتناص تموجات الروح

أظهرت الشاعرة نجوم الغانم في مجموعتها «ليل ثقيل على الليل»، مكنونًا شعريًّا، عبر اختيارها الجمالي لقصيدة النثر، التي أفسحت لها المجال لتتكئ على تجربتها الحياتية وتنحت منها صورًا جديدة، بشحنات تقتات من دقة الملاحظة، واقتناص تموجات الروح والبحث عن صيغ تعبيرية تلائم هذه التموجات، كما تمكنت عبر غوص عميق في بئر الذات من استيلاد تداعيات موضوعاتية تعمل على تشبيك حقول دلالية متشاكلة، بمنطق شعري يجعل العبارات تتصادى فيما بينها محتفظة بنوع من الملاءمة بين عناصر الصورة والخيال المشكل لها فجاءت مجموعتها الشعرية منتظمة في موضوعات يسلكها خيط ناظم يحافظ على تماسك التجربة ووحدتها، فعلى الرغم من التنويع في طرائق الكتابة، بين الطول والمقطع، والفقرات المضغوطة، فإن الفضاء النصي ينهل من معين واحد، تظهره دلالات عناوين النص الأساسية والفرعية، فالمجموعة انتظمت في العناوين الآتية: ماء المساء، شتاءات تغرس دبابيسها في قلوبنا، الأيام المفزعة، بيوت زجاجية وأخرى، الضوء يشرب في الفضاء ويتمدد، الحكايات تفتح كتابها… المدن تقرأ، من دفترها ذي الأوراق البنفسجية.

الليل مولدًا للمتخيل

إن اشتغال الليل في ديوان نجوم الغانم، يعد النواة المتحكمة في نمو المتخيل الشعري في هذه التجربة، فمنذ الوهلة الأولى، يتكرر الليل في العنوان، لتبئير هذه الموضوعة، التي جاءت مصاحبة للثقل، ومن ثم فإن ما سيتناسل عن العنوان الذي ينطوي فيه عالم الديوان وينضغط، كله يوحي بهذه الجانب المعتم من الليل، وما يصاحبه من وحدة وعزلة ومخاوف وهواجس، فالإهداء لم يتقصد أحدًا، بقدر ما تم إهداء العمل برمته «إلى الليالي الوحيدة، الجديرة بكل هذا» (الديوان، ص2). ثم يأتي العنوان «ماء المساء» ليؤكد فرضيتنا التي أومأنا إليها في البداية، وهي المصاحبة بين الماء والليل، فالماء في هذا السياق يحيل إلى رمزيته المدمرة والمرتبطة بالقسوة، وهذا ما يفصح عنه العنوان الدال في القصيدة الموالية، تحت عنوان «شتاءات تغرس دبابيسها في قلوبنا».

لنتأمل هذه المقاطع من النص، حتى نقف على ما ذهبنا إليه في هذا السياق حول ليل القصيدة في هذه المجموعة الشعرية، ففي قصيدة «ماء المساء، قصائد نمت فوق الجدران» ندرك منذ الوهلة الأولى أننا في جو من العزلة داخل الغرفة، التي نمت فيها هذه القصائد، فهذه الوحدة القاسية المرتبطة بوجع الفقد، والانتظار، والأرق، وهواجس الخيانة، والعجز عن النسيان، ستخيم بظلالها على دلالات النص وليليته، تقول:

«لنطرق باب الليل فإن أجابت أرواحه فلأنها مستيقظة/ ولأنها مستيقظة/ فستصغي لصوت خوفنا الذي يشبه/ صراخ الطيور المهاجرة في العتمة/ كل منا يشبه الآخر عندما نفر/ ويكون علينا ألا تترك أثرًا/ في مكان/ ولا حتى في ذرة هواء/ لنطرق باب الليل/ ونحلم أنه سيفتح لنا/ كقلوب الأمهات/ يشتعل قلبها بالريبة/ وينطفئ الأمل في صوتها/ تنتظر أن يداويها ملكوت الله، أو أن يبتلعها موج المحيط، لأنها/ لم تعد تقوى على احتراف النسيان/ كقلوب الأمهات التي تنام باكرًا/ لئلا تكيد لها اليقظة/ تضع قلبها بقربها على الطاولة/ وترجو الأحلام أن ترفع صلواتها/ الخافتة إلى سماء مفتوحة/ تطمئن للحظة/ ثم تهب من فراشها مذعورة بالظنون/ توجه إصبعها مهدد الليل/ برميه بنار حزنها لو تركها تكتوي بجمر الخيانة/ كسائر الأمهات تقبل أن تخزها/ شوكة الموت على أن يقتل قلبها سكين/ الغفلة» (الديوان ص8)

فباب الليل مدخل يسمع منه صوت الخوف الشبيه بصراخ الطيور المهاجرة في العتمة، فاستدعاء الطيور يتشاكل مع الرغبة في التحرر من الأثر، من ثقل الذكرى، والرغبة في المعراج الليلي والحلم بفتح ابوابه، لتصل الصلوات الخافتة إلى سماء مفتوحة، فبوح الشاعرة في هذا المقطع مسكون بالريبة والإحساس بالخيانة وانطفاء الأمل، حيث أصبحت بين خيارين، إما أن تداوى من كل هذه الآلام في ملكوت الله، أو أن يبتلعها موج البحر، مرة أخرى يظهر البحر وموجه وسط العتمة الليلية، رامزًا لجانبه المظلم والمدمر، بحيث يرتبط في النص بالرغبة في الموت، فالشاعرة «كسائر الأمهات تقبل أن تخزها شوكة الموت، على أن يقتل قلبها بسكين الغفلة» (الديوان ص8)

تتواتر في المجموعة صور الفقد والانتظار، فتقفز إلى الذهن صورة بينيلوب التي تخيط الذكريات في انتظار عودة أوليس إلى إيثاكا، هذه الصورة النموذج تختفي وراء صيغ تعبيرية في القصيدة، فالمرأة التي تشبه نفسها، «تستلقي بانتظار أن يأتي» (الديوان ص 27) فهي: «تنتقل بين الظلال بين ظلال الحكايات وخرائب التواريخ لم تنته حربها من القساوة ولم تتحرر أزقتها من الكوابيس». (الديوان ص27)

يظهر المكان والزمان في تجربة الشاعرة محفوفًا بالمخاطر، فالحياة تتحول إلى مصيدة وإلى محيط للغرق، وكأن المياه كلها بلون الغرق على حد تعبير سيوران، فالآخر: «يطاردها كقرصان، يريد لها أن تغرق في محيط الحياة». (الديوان ص26)، والطريق توصل الشاعرة إلى حافة الخريف، «وكم مرة غررت بي خرائط الطريق وكنت اتبع حواس الفصول فتتساقط أجفاني كأوراق الخريف»، صورة تشي بعمق الإحساس بالتيه وبالنهايات الكئيبة، ضمنها تلك الصورة التي تتساقط فيها الأجفان التي تحمي العين من القذى، كما تتساقط أوراق الخريف، للدلالة على موت ونهاية لحياة كانت مفعمة بالخضرة، حتى الأيام معادية هوجاء تخبط خبط عشواء، لتمحو الذكرى. تقول: «تقترب الأيام ببصيرة الأعمى وتدوس ما تبقى من الذكريات» (الديوان ص11)، «وإذا كانت الأيام العمياء تدوس ما تبقى من الذكريات معلنة توقف كل شيء، حيث هناك تعلمنا أن لا شيء لنا ولا حتى أحدنا للآخر» (الديوان ص24)، فإنها أيضًا فخ تعلق فيه الروح، «الروح المعلقة كسمكة في سنارة الأيام/ تهزها الريح فتتساقط زعانفها/ تتساقط أجنحتها وقشرها وعيونها/ معلقة في الوقت، ترقص في الهواء/ وتنسى إن كان الموت قد فاز بها أو لازالت باقية لعقاب الحياة» ( الديوان ص 27 )

موضوعة السأم والوحدة والقلق والأرق

تستشعر الذات الشاعرة في أكثر من مقطع وفي أكثر من نص في مجموعتها مرارة الخيبة، والإحساس بالسأم، جراء عزلتها ووحدتها في غرفة بدأت تتقلص كي تجعلها في قوقعة، وقد مرنت قولها الشعري كي يتسع لكل هذه الأحاسيس، وتنويع نمط الخطاب حولها، ويدل هذا الإمعان في تنويع الصيغ الحاملة لهذا الكم الهائل من الأحاسيس القاسية، على وعي عميق بالتجربة المعيشة، وعلى القدرة على اقتناص العبارة الملائمة لإخراج تلك الشحنات من مكامنها، فموضوعة السأم والوحدة، والقلق والأرق، تتواتر بشكل مستمر، وتتشكل عبر وفرة الصور والأخيلة التي تمتح موادها من المعيش أو من التخيل الميتافيزيقي، وغلبة تشخيص المعنوي، وإضفاء نوع من الحياة على الأشياء، والمادة الصماء، ففي هذا المقطع الذي يشتمل على بعض من عناصر التيمات المهيمنة، وعلى طريقة بناء الصورة الشعرية، التي نلمس فيها عناصر مشهدية وسردية نلحظ قوة الشاعرة في التحكم في عالمها الشعري وطرائق صوغه، تقول: «السأم شقيق الوحدة/ والوحدة تطيل تنورتها/ كل يوم شبرًا/ تضيق الأوهام ذرعًا بي/ فتذرع دمي مثل نمل جائع/ ثمة حفيف يقترب تتحرك أقدام على/ الدرج».

فالذات الشاعرة، الواقعة تحت تأثير صدمة جرح عميق تفننت في تصويره وكانت تحذوها الرغبة في النفاذ إلى الأعماق من أجل تشريحها واستنفاذ ممكناتها التعبيرية والتصويرية، من خلال تأمل ينحو نحو اقتناص تحولات الكائن أمام وطأة الانتظار والغياب والفقدان، مما يجعل هذه التجربة الذاتية تصير شمولية وموضوعية، مما جنب التجربة الإيغال في الغنائية، وهذا المنحى يجعل القارئ يتفاعل مع نص نجوم الغانم، لأنه قد يجد ذاته في لحظة من لحظات هذه التجربة، التي تتحدث عن المشترك الإنساني، تقول: «أغفو بين الألم والألم/ لأستريح من وهم الانتظار/ أحرس النهار من أوله حتى أقصاه/ مسمرة هناك في جناح الغرباء/ بانتظار صدى قد يأتي وقد لا يأتي» (الديوان ص146)

فالهجر والانتظار، لحظات يعيشها الإنسان في مجرى حياته، لكن اقتناص هذه اللحظات وإضفاء شعرية حولها، وإخراجها من نطاق الثقل النفسي إلى خفة القول الشعري هو ما يعطي للتجربة الشعرية فرادتها ونوعيتها وتميزها، ولكي توصل الشاعرة لنا هذه الأحاسيس المشتركة، ببصمة ذاتية تلجأ إلى المجاز في إسناد العلاقات بين الكلمات، لتولد منها معنى خاصًّا، فلكي تحدثنا عن أرقها والاحساس بوطأة الهجر، تستدرجنا عبر دروب ومسالك، مفعمة بالحركية وخلق المشهدية، تقول: «يغرر بي النوم/ فتساوره نفسه أن يرحل/ متكئًا على أطراف أصابعه/ يدفع الصمت في الحجرات/ ويوصد الباب/ تاركًا للهجر ما شاء من الدهور/ لبناء أعشاشه في شجرة القلب/ تمنحه الظلمة شالها/ وأقدامها/ وتشق له المحيط كعصا موسى ليعبر/ كان ذاهبًا للسفر منذ متى وهو ذاهب إلى/ السفر؟» وفي تنويع آخر حول موضوعة الأرق، تحدثنا الشاعرة عن مأزق آخر حيث تغادر الأفكار في ليل الأرق الطويل، «في الليل تأخذ الأفكار كتابها/ وتذهب هي أيضًا/ وأتساءل أما من كائن/ يمكن أن يسهر معي» (الديوان ص147)

هذا الخوف من الليلة البيضاء والصفحة البيضاء، تروضه الشاعرة باللجوء إلى العد لتنشيط الذاكرة، حتى لم يعد يطيعها العد. فالأيام تمر في غياب أسمائها، والزمن يقضمها باحتيال، حتى أنساها قصتها، لذلك فهي تحتاج إلى نوع من الترويض لترميم ذاكرتها، «كم على الإبقاء على عادة سرد أجزائها لتنشيط ذاكرتي وكيف سأرتب ما يسقط منها لتكتمل القصة». (الديوان ص17)

للإمعان في تعميق صور الأرق الليلي، واستدعاء القمر، كثيرة هي الصور التي ارتبطت بالقمر ورمزياته، وقد استحضرها الشعراء في لحظات نفسية مختلفة، وكل لحظة تصبغ القمر بحمولتها النفسية لتنعكس على صفحة القمر، فهذا ابن المعتز يجلد القمر في إحدى لحظاته النفسية التي ارتبطت بالقمر، وأحوجته للسهاد: يا سارق الأنوار من شمس الضحى/ يا مثكلي طيب الكرى ومنغصي أما ضياء الشمس فيك فناقص/ وأرى حرارتها بها لم تنقص لم يظفر التشبيه منك بطائل/ متسلخ بهقا كلون الأبرص. (ابن المعتز، الديوان).

لكن نجوم الغانم تنظر للقمر نظرة مغايرة، ولا تحمله مسؤولية أرقها، بل تقدمه بنظرة عميقة لمفهوم هشاشة الزمن، تقول: «القمر يسير فوقنا/ ويهبنا ظله/ فنخطو فوق مراياه ونخشى/ أن تنكسر تحت أقدامنا/ فنجرحه/ أو نخدش تراب الأرض/ القمر يشق دربه بيننا/ ويذهب للنوم/ نحن لا نستطيع» (الديوان). إن استدعاء  القمر كمرآة، استعارة متجذرة، في الأدبيات الأصيلة، يذكر بورخيس إحدى الاستعارات، تصف القمر بأنه مرآة الزمن، للدلالة على هشاشة هذا المكون الزمني المسؤول على الدورة الزمنية، وعلى التحول، فنجوم الغانم تمكنت من العثور على هذه الاستعارة، من خلال إحساسها بهذه الهشاشة، التي لمحناها في أكثر من موضع في ديوانها، مما يجعلنا نذهب إلى أنها تنحت صورها من خلال غوصها في بئر الذات، والإنصات لمياهها العميقة، فهي تخشى أن تكسر مرايا القمر فتخطو على الظلال باحتراس، كي لا تجرح المرآة، أو تخدش التراب، متأملة سير القمر لكي يغفو، كطفل، فيما هي تحرس الليل ويستمر الأرق والسهاد. ويعود القمر للظهور في لحظة أخرى يصير ضوؤه مصدرًا للأنس وغزل الحكايات، لتذكرنا نجوم بقصة بينيلوب بحبر خفي، تقول: «العابر يلتقط ضوء القمر/ ليغزل به حكايات أخرى للمساء ويداوي/ العتمة الجاثمة فوق البحيرة» (الديوان، ص45).

يأتي القمر كمحفز على غزل الحكاية، وهذا يذكرنا بتقاليد الحكي التي كانت تتم في الليل، ولا تروى بالنهار، حكايات تقوم بوظيفة استشفائية، تذكرنا بالحكاءة الليلية شهرزاد التي داوت ظلمة نفسية شهريار الدموي. حضور العتمة الجاثمة على البحيرة، صورة عميقة تحبل برموز ظلامية ضاربة في اللاشعور، فالبحيرة المظلمة، تتواتر بكثرة في الرموز الظلامية، لقد برهن باشلار، معتمدًا على الدراسة الجميلة التي قامت بها ماري بونابارت، أن إدغار ألان بو، كان شاعر «البركة الموحلة» المميز. ولون الحبر يرتبط عند الشاعر بالمياه الجنائزية المشبعة برعب الليل . وكما يقول باشلار، فإن المياه عند إدغار بو، هي جنائزية للغاية، وهي المثال الجوهري للظلمات، والمادة الرمزية للموت. هكذا تتوصل المياه لأن تصبح دعوة مباشرة للموت (البنيات الأنثربولوجية للمتخيل، جيلبير دوران، ص70). يتواتر في ديوان نجوم الغانم كل هذه الرموز الظلامية والليلية، بكل هذه الحمولات الجنائزية، فالبحيرة دائمًا معتمة، والليل يستدعي الحبر، تقول:

«خرجت من حبر الليل إلى حليب/ النهار» (الديوان، ص130)، حيث إن هناك رغبة في الانعتاق من محبرة الليل السوداء، إلى تغذية الروح بحليب النهار، وتصطبغ الأشياء التي هي في الأصل جميلة، باللون الأسود وتتشح به، تقول: «والآن أيمكنني أن أذهب؟/ أحمل سلتي من كرز الأيام الأسود/ وتوت الفجر الداكن/ أأذهب بهذه الباقة من الآلام التي/ منحتني إياها السنوات مدعية/ أنها ستعينني لأن أكون روحًا/ طيبة» (الديوان ص37)

للموت حضور قوي في الرمزية الليلية عند الشاعرة نجوم، وكأنه انعتاق، فقد رأينا كيف حضر القمر في أكثر من سماء لديها، ونعلم أن القمر «يمثل في الواقع المظهر المأساوي الأول للزمن، ففي حين أن الشمس تبدو شبيهة بذاتها دائمًا، باستثناء بعض حالات الكسوف النادرة، ولا تغيب إلا مدة قصيرة عن أعين الناس، نرى القمر كوكبًا يكبر ثم يصغر ويختفي، إنه كوكب مزاجي يبدو خاضعًا للزمن وللموت» (جيلبير دوران، ص76). نجد في الديوان إحالات لهذه الرمزية المقلقة للظلام والليل، وتنعكس على الاختيارات التصويرية عند الشاعرة، بحيث يختار لاشعور النص لديها علامات تعمق هذه الموضوعة، تقول: «النافذة المثبتة في الجدار/ كسماء متسخة منذ قرون/ سربت لنا ما استطاعت من خيوط/ الصباح بعد أن ذاب الضوء في الظلمة/ وصارت الأصوات غائمة كأننا/ ذهبنا للرحيل بأرجلنا/ فوجدنا الرمل يفتح فمه لأحلامنا».

وفي مقطع آخر، تقول: «ويمكننا أن لا ننام لتبقى/ أنفاسنا مفتوحة العينين/ قابضة على اليقظة كطوف/ يديرها في الماء كيف يشاء/ لن ندع أعيننا تخوننا بالفرار/ إلى النعاس/ سنتشبث بالموج ونجذب معنا/ طوفنا ليلتهمنا البحر/ فيبلل الله أرواحنا بالموت/ ونذهب إلى قيامته» (الديوان ص 23) لليل تجليات، وكما سبق الذكر فالرمزيات ذات بعد مزدوج، حيث نرى الليل في قصيدة «الربع الأبيض من الليل» أنه سيلقي برحاله في الجوار لتسمع أنفاسه تهبط في قلبها، لتصيبها دوخة العتمة الثقيلة وقساوة الصمت الرابض عند قدميها، سيطول ذلك الليل، بينما هي تلوح لكائناته الخفية وأشباحه كي تتقاسم معها المساء، إنها لن تدرك قيمة تلك العتمة إلا بعد وقت متأخر، فهي عتمة لا تفارق ولا ترافق، إنها حين ستفعل هذا مع العتمة «ستطلق شهقة النجاة وتنظر حولها وحينها ستعرف أن الليل اكثر رأفة من ضوء النهار» (الديوان ص 50).

الرمزية التدميرية لليل

لقد تجلت فرضيتنا التي انطلقنا منها حول الرمزية التدميرية لليل المنطوية على مصاحباتها، كالحبر والقمر والمياه السوداء، والبحيرات المعتمة، والبحار المحتقنة، التي تدور في فلك الرعب والموت، في قصيدة «قلب العالم»، حيث عمدت الشاعرة لتشريح التحولات التي أحدثها النفط تقول: «لم نعرف ذلك البحر المحتقن/ بخوف أمهاتنا إلا بعد أن رفع/ رأسه عاليًا وأكل أقدام الأوطان/ تلاطم قرب بيوتنا/ رمى عليها موجه الملبد/ بالقار الأسود/ وأخذ أسماكنا/ قالوا الحرب آتية/ لم تأت بجنودها/ ولكن أرسلت لنا ذخائرها/ عرفنا أن المعركة يمكن أن تقتلنا/ دون أن تهبط على أرضنا/ صلت الجدات ليموت النفط/ وصلى العالم لئلا يستجيب الله/ لهن» (الديوان ص44).

على سبيل الختم، تمكنت الشاعرة من صوغ عالمها التخييلي مستثمرة جل الرمزيات الليلية في ازدواجيتها، وبحسها الشعري وذائقتها، وشغلت متخيلها إلى حدوده القصوى كي تتجول في المسالك المتاهية لليل وللأعماق الباطنية في الذات الشاعرة، وديوانها «ليل ثقيل على الليل» ينطوي على معانٍ ودلالات تحتاج وقفات مطولة، كي يبوح بكل مكوناته ومكنوناته.


وثائقيات‭ ‬نجوم‭ ‬الغانم
بين‭ ‬سردية‭ ‬البناء‭ ‬وشِعرِية‭ ‬المُعالجة

إبراهيم‭ ‬الملا ‬شاعر‭ ‬وكاتب‭ ‬إماراتي

احتفظت وثائقيات نجوم الغانم بقدرتها على الإغواء البصري انطلاقًا من وعي جمالي تماهت في متنه وهوامشه أطياف ومرجعيات القصيدة والسينما والتشكيل والموسيقا، وكأنها وثائقيات تنحت في الكتلة الجامعة بين الواقع والمجاز، وبين المرئي والمتخيّل وبين المشخّص والمجرّد.

وكأني بنجوم أيضًا تطارد شغفها الذاتي وسط أدغال بصرية، تفرضها طبيعة الفِلم الوثائقي باعتباره: «ضمير السينما»، والناطق باسم المهمّش والمغيّب والمسكوت عنه، اللصيق أيضًا بشخوص استثنائيين تناوبت عليهم ظروف العزلة والانكفاء والغربة بشقيها المكاني والوجودي، واستطاعوا التكيف مع هذه الظروف وترويضها وتجاوز تحدياتها من خلال الانشغال الإبداعي والاستغراق المهني، وبخاصة تلك الانشغالات الخاصة بالأنثى، وسط محيط محتشد بتابوهات اجتماعية، وأحكام ثابتة وجبرية وانتقائية في معظم الأحيان، عطفًا على ما قدمته أفلام نجوم الغانم من إضاءة مكثّفة على مواقع أثيرة يتدفق منها التاريخ وتتراكم فيها «النوستالجيا».

تتنفس أفلام نجوم الغانم في هذا المناخ المشبع بالجدل والصدمة والجمال، لأنها وثائقيات تنبش في روح الأشياء والشخوص والأمكنة، لا تكتفي بالانطباع الخارجي، ولا تناور في منطقة محايدة، بل ترتحل إلى ما وراء الصورة، وتجتهد بشكل حثيث للانفلات من صرامتها، إنها تجوس في متاهة المعنى، لا في وضوح المقصد، مستعينة «بآلات ذهنية حادة» لصنع مادتها الفلمية، محاطة بهذا الهاجس المحتدم فيها، والمتطلّع لصياغة مشروع يُؤبِّد المنسيّ والغائب والمتسرّب من حضن الذاكرة والزمن، ويحيل القصص المتفرّدة بمحتواها الإبداعي والإنساني، إلى قصص حية ومتماوجة ونابضة في وعي المشاهد، في بصره وبصيرته أيضًا، لقد تخطّى هذا المشروع مركزيته الذاتية الحالمة، وبات مؤثرًا في المهرجانات السينمائية ومنصات العرض التي شاركت فيها نجوم محليًّا وعربيًّا وإقليميًّا، لقد استند مشروعها في تأكيد حضوره على خطابه الحميمي والجمعي في آن، وعلى نمطه التفاعلي أيضًا، وأسلوبه التعبيري، وهاجسه الثقافي.

الاندماج بين «الرؤية» و«الرؤيا»

إن المتتبع لتجربة نجوم الغانم منذ اشتغالها على الأفلام الروائية القصيرة في أواخر التسعينيات، وحتى آخر أفلامها التسجيلية الطويلة، يجد أن التطور التصاعدي في أعمالها، لم يكن نتاجًا لحماس فردي، أو لرغبة شخصية في اختبار أدواتها الإبداعية داخل حقول تعبيرية متنوعة، بل جاء هذا التطور أو النضج الفني نتاجًا لاختمار وتراكم ومداومة وبحث متواصل عن طاقة الاندماج بين «الرؤية» و«الرؤيا»، فالرؤية هي بنت ملامسة ومعاينة وقياس، بينما الرؤيا هي بنت تخييل وتخلّ وطهرانية شعرية وأنطولوجية، ومن هنا فإن التحام التشخيص بالتجريد، سيخلق دون شكّ تناغمًا مثيرًا للدهشة بين الأنداد والأضداد والمتناقضات، إنه هذا التباين الجمالي النابع من فهم الأبعاد العميقة في المساحة الخصبة بين الشيء وجوهره، وبين العابر وأثره، وبين الضوء وظله، وبين النص وصورته.

انشغلت نجوم منذ بداية عملها في إنتاج الأفلام التسجيلية، بسؤال مركزي يمس الهوية والمكان والروح الجامحة لشخوص مجهولين، وآخرين معروفين، ولكن لم يخترق أحد من قبل طبيعتهم الخارجية، لينفذ إلى دواخلهم، وينقّب عن أسرارهم، وآلامهم وأفراحهم وتصوراتهم، وأسئلتهم الحارقة، ولحظاتهم الحميمية، وتجلياتهم الغائبة عن الرصد الحقيقي، وعن الانتباه الواضح والمسدد إلى عمق هذه الشخصيات، وإلى أصل شغفها وغوايتها وتميزها.

فبمشاركة الباحث والشاعر خالد البدور، رمت نجوم الحجر الأول في المياه الراكدة للفِلم التسجيلي بالإمارات، من خلال فِلمها القصير: «بين ضفتين» ثم واجهت التحدي الأكبر والأهم في هذا المجال من خلال فِلمها التسجيلي الطويل: «المريد» لتتوالى أفلامها بعد ذلك في سياق تصاعدي ومتفرع فنيًّا وموضوعيًّا من خلال أفلام مهمة حظيت بجوائز وإشادات نقدية ومتابعات إعلامية في المهرجانات والمناسبات الفلمية المتعددة التي شاركت  فيها، ونذكر من هذه الأفلام: «حمامة»، و«أمل» و«صوت البحر»، و«عسل ومطر وغبار» و«سماء قريبة» و«أحمر أزرق، أصفر»، و«آلات حادة» والتي استطاعت من خلالها نجوم أن تضع بصمة إبداعية لاهبة على الساحة السينمائية بالإمارات، وأن تحقق نقلة نوعية في التعاطي مع الفِلم التسجيلي، وتخليصه من النمط التلفزيوني المكتفي بالشكل الظاهري والانطباعي لموضوعاته.

هنا قراءة مكثفة لعدد من وثائقيات نجوم الغانم الأخيرة، والتي امتازت بسردية البناء، وشعرية المعالجة، ضمن اجتهادات فنية جامعة بين الكشف والترميز، والبوح والتأويل، والإظهار والتورية، والاستئناس والنقد. في فِلم «عسل ومطر وغبار» تأخذنا انتباهات الحنين إلى تخوم مرهفة، ونداءات قادمة من طفولة الأرض والذاكرة الجمعية، عندما تقتفي نجوم أثر جامعي العسل في جبال الإمارات، استنادًا إلى دراسة للكاتب والشاعر الإماراتي عبد العزيز جاسم، ليضيء الفِلم على التقنيات الفطرية للعسّالين المحليين، اعتمادًا على حدسهم المكثّف، وخبراتهم التراكمية المتوارثة، ودربتهم الذاتية المعنية بقراءة إشارات الطبيعة وعلاماتها، مثل دلالات الطقس، ورسائل نجم (سهيل) من أجل اقتناص الذهب السماوي في جوف المغاور وحضن الكهوف ومساكن الأشجار.

يستهل الفِلم مشاهده النوستالجية بالتركيز على فضاء سمعي وبصري مزدحم بأزيز النحل وحركته وكأننا ننصت لتراتيل غامضة ومألوفة في آن، يتداخل المشهد الضاجّ بحيويته، مع صوت خارجي للراوية الشعبية وهي تشرح تأثير ظهور نجم سهيل في أصحاب المهن القديمة مثل البحارة والمزارعين وصائدي العسل في الحقول والجبال، حيث يتحوّل هذا النجم الشاخص في المخيلة الشعبية إلى أمثولة للخصب والبشارة والولادات الجديدة في الذات والمكان.

يتتبّع الفِلم أثر ثلاث شخصيات رئيسة هم: غريب اليمّاحي، وعائشة النقبي، وفاطمة النقبي، في ثلاث مناطق بالإمارات، والتي ظلت مدة طويلة محمية من أضواء المدينة وضجيجها، وهذه المناطق هي: دفتا، ووادي سنا، وشيص، أما ظلال وانعكاسات عنوان الفِلم «مطر وعسل وغبار» فكانت موزّعة برشاقة على مفردات الحياة اليومية لهؤلاء الشخوص وتلك الأمكنة.

تستنطق الكاميرا هنا دواخل الشخصيات الثلاث، وترصد تدفقات الحكي والضحك والحزن والانتشاء، والبصيرة والحكمة، والبساطة المتحررة من ثقل التردد ومجابهة تلصّص الكاميرا وفضولها، وكان للمونتاج المتماهي مع الحكايات المروية على لسان الشخصيات الثلاث دورٌ في الربط بين الصيغة الشفهية للراوي والصيغة البصرية للمخرجة، وحملت أغلب المشاهد دلالات موحية ورسائل ضمنية لإنقاذ الموروثين المادي وغير المادّي في المكان، وحمايتهما من التغيرات الهائلة في المنظومة البيئية بعد هجمة التلوّث والتمدد العمراني والتوسع الصناعي، والخوف بالتالي من ضياع واندثار الكثير من مكتسبات الطبيعة الفطرية، وملامح الحياة القديمة، وانقراض المهن التقليدية المنبثقة من عمق التاريخ وطول الجغرافيا، والمتصلة أيضًا بأرواح كبيرة ظلت وفية لإرثها وجذورها قبل أن تداهمها الانعطافات المفاجئة والتحولات العنيفة التي أربكت هدأة المكان، وقست كثيرًا على ما تبقى فيها من بهجة وجاذبية وافتتان.

تجربة فنية جامحة

في فِلم «أحمر، أزرق، أصفر» تتناول نجوم الغانم التجربة الإبداعية والحياتية للفنانة التشكيلية الرائدة نجاة مكي، ضمن مشروعها السينمائي المتواصل لتوثيق المسارات الجمالية والإنسانية لشخصيات نسائية اختارت الانحياز «للاستثناء» وعدم الخضوع للشرط الخارجي المعيق لحريتها، والمناوئ لرهانها على الاستقلالية والتفرد.

يرصد الفِلم التجربة الفنية الجامحة لنجاة مكي والمكتنزة باقتراحات لونية ونحتية ساهمت في تطوير الفنون المعاصرة بالإمارات، وتحقيقها قفزة نوعية أسلوبًا وممارسةً، حيث تتسلل الكاميرا إلى بواعث الشغف الذاتي لدى الفنانة، واشتغالها المرهف على تلبية نداءاتها الروحية وامتلاك لغتها الفنية الخاصة، لتكون هذه اللغة هي سمة ومناخ وهوية المنجز الإبداعي الثري للدكتورة نجاة مكي. تم تصوير الفِلم بين الإمارات وفرنسا، وعملت فيه نجوم على الولوج إلى الحياة الشخصية للفنانة، وإضاءة مساحات لم يسبق التطرق لها حول المكامن والدوافع التي جعلت من الفنانة مكي نسيج وحدها في المشهد التشكيلي المحلّي، من خلال حضورها المستقل والمتطوّر في الوقت ذاته، ضمن مسيرة طويلة وممتدة زمنيًّا وإجرائيًّا.

يتلمّس الفِلم أيضًا التأثيرات والمصادر التي استقت منها نجاة مكي ثقافتها وثيمات أعمالها، واطمئنانها لوعيها الخاص بقيمة وأهمية الفن، وبفيوضاته الجمالية على المتلقّي، كما يلقي الفِلم الضوء على الصعوبات التي واجهتها الفنانة سواء في حياتها اليومية، أو في طرحها لموضوعاتها المختلفة عن السائد، ويوثّق الفِلم في جانب كبير منه المدة التي أقامت فيها مكي بمدينة الفنون بباريس مدة أربعة أشهر، ضمن برنامج إقامة الفنانين، ليفصح الفِلم عن أهمية البيوغرافيا في قراءة تطورات الشخصية أفقيًّا وعموديًّا، وكذلك ملاحقة التفاصيل اليومية وحتى الهامشية في حياة الفنان، من أجل الاقتراب من طقوسه وفهم شخصيته ومنابع إبداعه.

وبدا فِلم «أحمر، أزرق، أصفر» وكأنه يقرأ الحالة التشكيلية العامة في المكان انطلاقًا من تجربة نجاة مكي الشخصية، حيث يفتح لنا منافذ كبيرة للغور في خفايا ومسارب الفن التشكيلي، خصوصًا ما يتعلق بالجوانب التجريدية والشعرية التي تميل وتنتصر لها نجاة مكي، وجاءت المادة البصرية للفِلم متخمة بالظل والضوء واللون، وكأنها مادة متماهية مع حركة الفرشاة وإغواء «الباليته» والفضاء النحتي والبصيرة المتحفزة لليد وللآليات الذهنية لدى الفنانة. نجح الفِلم في الاقتراب من دواخل الشخصية المبدعة، وملامسة دوافعها ومرجعياتها التي صنعت وكوّنت لديها هذا الألق الروحي والبريق المعرفي، وهذا الانتماء المطلق للفن، والقراءة المختلفة للوجود.

عالم سحري يحتفل بعزلته

في فِلم «سماء قريبة» توثّق نجوم الغانم السيرة الذاتية والمهنية لأول مالكة إبل في الإمارات تقرر المنافسة بسباقات (مزايين الإبل) وتحديدًا المزاد الخاص بالإبل في أبوظبي، وهي فاطمة الهاملي التي يكتمل وجودها الأصفى والأنقى وسط «سفن الصحراء» ذات الدلالات المكتنزة بحضورها في مخيال البدو، وفي مشهدية القوافل القديمة ورحلات المقيظ بين السواحل والواحات الداخلية، يأخذنا الفِلم بمعية البراري البكر، المُشرعة على التأملات، وعلى دهشة متجددة وموعد سحري مع سماء قريبة، تكاد تلامس نجومها تراب الوجد، يجسد الفِلم مقولة (فاطمة الهاملي) الصادرة من حدس أنثوي فائض بالحنان، كما بالشموخ المندلع من الرمال العالية وكأنها قامة من ذهب.

يتلمس فِلم «سماء قريبة» تلك التفاصيل المرهفة في العلاقة العاطفية الجوّانية المتبادلة بين فاطمة وبين النوق والجمال والهجن المحيطة بها في مزرعتها، والتي تخاطبها فاطمة بشيفرة بدوية وفطرية خالصة، وعلى رغم اندفاعة فاطمة الهاملي وعزيمتها وقوة شخصيتها في أثناء المسابقة ومزايدات البيع، إلا أننا نكتشف في مسارات الفِلم وتنقلاته الزمنية، أنها امرأة مسكونة بالوجع والفقدان، خصوصًا في المشاهد التي تتحول فيها الكاميرا إلى ما يشبه مرآة للبوح ورجع الذكريات، لا تقاوم فاطمة دموعها عند أول مواجهة مع تبعات الموت والغياب، واستحضار صورة زوجها الراحل، وصورة والدها الذي ورثت منه القوة الذاتية والثبات على المواقف، تبوح فاطمة للكاميرا بكثير من آلامها، عندما انفصل والدها عن أمها، واضطرت أن ترافقه وهي ما زالت في الخامسة من عمرها، وكيف عزز هذا الانفصال القسري إحساسها بالوحشة، الذي انعكس تاليًا على تكوين شخصيتها المستقلة، واتخاذ قراراتها والإصرار على تنفيذها في مجتمع ذكوري ومحيط تقليدي يضع المرأة دائمًا في الهامش، وفي حيّز الاستلاب والإقصاء.

وتبدو المفارقة واضحة عندما تستخدم فاطمة هاتفها النقال وتتعامل مع وسائط التواصل الحديثة، بينما هي غارقة في ضباب الماضي، ومنهمكة بهذا العالم السحري المحتفل بعزلته حتى آخر حبة رمل في ليل الصحراء الطويل، مفارقة ستذوب تدريجيًّا في الحرارة العاطفية والدفق الوجداني والفضول والكبرياء والشغف الذي تختزنه فاطمة، وتعبّر عنه بشفافية يخالطها طموح لا يمكن له أن يصطدم بسقف أو حاجز، تطمح فاطمة إلى أخذ «مطيّتها» معها وأن تسافر وتمثّل الدولة في بلدان العالم المختلفة لتقول للجميع إن المرأة الإماراتية وبزيّها التقليدي وقدرتها على التحدي، تستطيع تخطّي المستحيل، وتذويب الوهم المتصلب في أذهان كثيرين.

استطاعت نجوم الغانم أن توازن بين الحدث الخارجي المحيط بالشخصية الرئيسة، وبين التقاطاتها الذكية للنوازع الداخلية فيها، وأن تقتنص من خلال زوايا الكاميرا وإمكانياتها تلك الأبعاد الموحية في الطبيعة الصحراوية، مستخدمة اللقطات العلوية القارئة لقاموس الكثبان والتلال، واللقطات الأخرى المقرّبة والمتجاوبة مع التفاصيل الجسدية للإبل والهجن، ولحضورها الحميمي في المعيش اليومي لأهل الصحراء، كي تحرّر تاليًا الصوت الخفي والظلال المتوارية والحدوس المنزوية في دواخل فاطمة الهاملي نفسها.

سرد بصري ومرئيات ناطقة

في فيلمها «آلات حادة» نرى نجوم الغانم وقد أوفت بوعدها في الكشف عن عوالم ومناخات وفضاءات الفنان التشكيلي الرائد حسن شريف من خلال عمل موغل وبانجذاب عاصف نحو المختبر الإبداعي الثري لهذا الفنان الإشكالي والاستثنائي صاحب الرؤى التحطيمية والأخرى الإشراقية، والتي نراها مبثوثة في مشاهد الفيلم بجرأة وصرامة، وبصيغة تهكمية وخادعة في أحيان أخرى، خديعة مماثلة لوقوف الفيلم نفسه على البرزخ الفاصل بين وجود الفنان المشتبك آنيًّا مع الصورة كروح وذاكرة، وبين غيابه الأكيد والقاطع كحضور وجسد.

يخترق فيلم «آلات حادة» الحدود الافتراضية بين التوثيق كبرهان على حالة مضت، وبين التقاط اللحظة الحية، والعيش فيها، وتلمّس تفاصيلها الحارة والطازجة، إنها الديمومة المتواصلة لقامة فنية عالية وشائكة ما زالت تعمل على رغم غيابها على المستوى الذهني للفنانين الشباب المنتمين للتيار المفاهيمي، ما زالت شخصية حسن شريف تغري المعنيين بالفن المعاصر لملء فراغات نقدية كثيرة فيها وحولها، وبخاصة أنها شخصية شهدت نضالًا فكريًّا مريرًا وطويلًا، وعاشت مغامرة التجريب الفني إلى أقصاه، وإلى آخر مدياته المتجاوزة لعنصر الفقد ذاته.

تجول كاميرا نجوم الغانم وسط مرئيات ناطقة داخل ورشة حسن شريف بمنطقة البرشا في دبي، تتحرك الكاميرا في مشاع بانورامي داخل المكان، وبنفاذية مبرّرة في خيالات صاحب المكان، وكأنها تقدم سرديات بصرية لا فكاك من سطوتها وغوايتها، وبخاصة أنها تترافق مع سجالات الفنان نفسه، مع بوحه واعترافاته وتعبيره عن فلسفته ورؤيته للوجود ولتأثير الفنون في هذا الوجود، بوح متمهّل واستعادي، شائق وشاهق، تصدّره مراجعات ذاتية وحكايات طفولة بائسة، وأساطير وخرافات وأحلام وقصص شكلت ملمح البراءة المتوحشة فيه، وطبعت الخدوش النقية في دواخله.

جاءت الفواصل الشعرية التي كتبتها نجوم الغانم في الفيلم، من أجل التمهيد لانتقالات مشهدية تتحرك بخفة ورشاقة وسط غابة من العلامات والعناوين والمحطات التي تشكّل في النهاية «كرونولوجيا» حسن شريف، يأتي الشعر هنا بصيغته الكاليغرافية كنصوص وتأملات بدت مثل كتل بصرية موزعة بوعي يلامس النسق التركيبي في الأعمال الأخيرة لحسن شريف، وبما يتطلبه هذا النسق من بناء أو تجهيز يتعدى الشكل النهائي للعمل، ويذهب بعيدًا نحو ضفاف وآفاق يشتغل فيها التأويل، ويسافر فيها الوعي إلى ما وراء اللوحة، وما وراء المنحوتة.

خضع فيلم «آلات حادة» لسطوة الفنان، لكاريزما تسكنه بالأحرى، كاريزما لا يدّعيها، ولكنها مطبوعة فيه، ومحيطة به مثل هالة مسترخية، ومثل ضوء أليف، لا يملي الفيلم على الصورة اجتهادات وإضافات تأتي من خارج الكادر، فكل العناصر البصرية فيه مصاغة على حجم وقياس المركز الذي تشعّ منه الفيوضات والرؤى والتحولات المشتبكة بسيرة حسن شريف والذي بدا في الفيلم وكأنه عصيّ على التصنيف، وأن الانعطافات القوية والهبّات العاصفة في حياته هي التي كوّنت شخصيته المتمردة على الأطر الاجتماعية والقوالب الفنية، إنه فنان يعيش يوميا لحظة التغيير، كما أن تكنيكه في إنتاج أعماله الفنية هو تكنيك قائم على مراوغة الزمن، وكسر تراتبيته المتراوحة بين الماضي والراهن والمستقبل، موضحا في ثنايا الفيلم أن فلسفته الفنية قائمة على الجمع بين المتناقضات، والمزاوجة بين الأضداد، فهو يجمع بين الربط والقطع، والبتر والوصل، وكأنه يمارس لعبة شهرزاد في سرد حكاياتها اللانهائية أمام شهريار، مشيرًا إلى أن مفهومي الفراغ والهدر هما مفهومان مهمان في آلية إنتاج الأعمال التشكيلية المعاصرة.

يخبرنا الفيلم أننا أمام شخصية بذلت كل ما تملك للعيش في فضاء «الكونتراست» المولّد لجماليات التباين والافتراق، والانهدام والانبعاث، والصلابة والهشاشة، والغريزة والقانون، والحرية والخذلان، تماما في تلك المسافة الذهبية التي تتّسع فيها المعاني وتضيق فيها العبارات، إنها «قوة الروح» التي تمتّع بها حسن شريف كي يهتدي بالغموض كلّه في الوضوح كلّه، ويرتفع فوق الجميع، متفرّدا واستثنائيا ولا يشبهه أحد.


مرايا‭ ‬الذات في‭ ‬تجربة‭ ‬نجوم‭ ‬الغانم

عزيزة‭ ‬الطائي ‬ناقدة‭ ‬عمانية

الحديث عن التجربة الشعرية للسينمائية والكاتبة الإماراتية نجوم الغانم، يقودنا إلى أبرز تحولات الرؤية المتكاملة في أعمالها الإبداعية. ولسنا هنا معنيين بكتاباتها الصحفية، أو منتجها السينمائي، بل سنخصص الشهادة للحديث عن إبداعها الشعري الذي يعكس منتج جيل حقبة على مدار نصف قرن من الزمن خرجت من ظلاله الشاعرة نجوم الغانم، وشاعرات من الإمارات يلتمسن الحداثة الشعرية، وحققن شهرة ملحوظة أمثال: ظبية خميس، وميسون صقر، وصالحة غابش، وصولًا إلى شيخة المطيري وسليمة المزروعي، وحمدة العوضي، ولا تزال الساحة ترفد بأخريات حققن حضورًا إبداعيًّا وحراكًا تنافسيًّا في المشهد الثقافي الإماراتي.

ولقد شكل اسم نجوم الغانم بين هؤلاء جدلًا في بنية القصيدة والثيمات الشعرية التي تطرقت لها؛ خاصة إذا أدركنا أنها ذات تنوع إبداعي يتأرجح بين تقديم سيناريو الحكاية دراميًّا، وتشكيل الصورة المتخيلة شعرًا؛ مما جعل من دلالات هذا التغاير والتجاوز تتقارب فيه الدوال الإبداعية متكاملة بين الرؤية الشعرية، والمشهد الدرامي، حيث نستمع لصوت «الأنا» المسيطرة على العالم من شرفة الواقع: «أنظرُ للمدى / الأسوارُ شاهقةٌ / والأحزانُ كذلك».

تحولات المجتمع

يلحظ القارئ لمنتجها الشعري – حتى الآن – تجلي حضور الذات الأنثوية الشاعرة وعلاقتها بالمجتمع (الناس، والمكان، والزمان)، وتشكيل الصور المشهدية من ذاك المزيج بين الرؤية الحسية والبصرية معًا؛ مما يسر لها إبراز تحولات المجتمع، وتأثيره في الأنثى بكل ما يحمله من انكسار وانحسار في تقادم متزن بين الأصالة والحداثة، بين القرية والمدينة، بين الموروث والمستورد؛ وأثر ذلك في حياة جيل من الإناث في مجتمع شرقي له إرثه وأعرافه الخاصة به. فهي قادرة على تصوير انكسارات الذات الأنثوية، ومد جسور متينة للحوار مع مجتمعها، وإسقاط تساؤلاتها للعالم قاطبة وفق رؤية شعرية جديرة بالنظر، مستلهمة ذلك كله من فسحة الأمكنة الساكنة في ذاكرتها، راصدة انعكاس الزمن بين عشية وضحاها؛ لكأنها ترسم لوحة مشهدية، أو تجسد فِلمًا سينمائيًّا قوامه الصورة الشعرية المتخيلة. إيمانًا منها أن البوح بالكتابة هو المخرج من المأزق الذي تعيشه الأنثى في بلد يتقدم ويتطور ويتسامق: «لأبدأ الكتابةَ / يكفي أنْ أعد قدح القهوة / وأوصد البابَ / أنْ أخونَ الجموعَ لوهلة / فقط لوهلة».

فنجوم الغانم مشحونة بألم الأنثى وانكساراتها، وعذاباتها المضطربة مقابل حلمها الذي يسير بها صوب قدرتها على تحقيق الذات، ومواصلة إثبات وجودها الإنساني مع كل بارقة نفسية تدفعها إلى مد التواصل الموازي مع الآخر/ الرجل من جهة، ومع ثوابت المجتمع من جهة أخرى، وهي بهذا تكرس الضمير الجمعي، لأنها على يقين أن الصوت الجمعي أكثر صدى على المتلقي، وأبلغ تأثيرًا في الصوت المجتمعي: «نعبرُ مثل ظلالٍ على حجرِ الطريق/ تتعقبنا انكساراتنا الشقية/ ويفرقنا سيف الفصول/ نمضي/ نقبضُ على التنهيدةِ الهاربة/ من صدورنا كي لا ينتبه إليها أحد».

هذا ما تراه نجوم الغانم في الخلاص المتاح لذات الأنثى، هو القبض على معاناتها لحفر مأزقها الوجودي. فمن الشقاء الذاتي الذي تأتى من المأزق المجتمعي، لا سبيل لها إلا القبض على جراحها والمضي بأحلامها. مما هيأ لها الانطلاق عبر تلك الظلال. كما تقترن في عالمها الفوضوي بجنونه واضطرابه الرغبة في الانفلات من واقعه الضبابي، والمظلم: «سيدةُ الرثاء/ غرفتي البارعة في اليقظة/ تقترضُ مني عزلتي/ متى؟ الآن/ وأنا، أغالبُ الحيرةَ في مصيرِ الخليقة / أيتها الحمقاءُ التي أخليتُ لها الكرامات / أكادُ أسمعُ مشاوراتِ الرعود تدنو / لتعلنَ انفجارها في ليلة».

هذا الدفق الشعري كله يمنحنا سلاسل متغايرة، ومتكاملة في تجربة شعرية سينمائية تنحو صوب التنامي والتكثيف. فالمتأمل في قصائدها منذ ديوانها الأول، تستوقفه حميمية التجربة، ووضوح الرؤية، وسلاسة التعبير؛ مما مكن أصالة تجربتها المراوحة المستمرة بين الصوت الذاتي النابض بالصدق، والتحرر من ثوابت المجتمع وقيوده؛ ناهيك عن الصوت الجمعي المهموم بالواقع العربي، وبقضايا العدل والحرية والمساواة، ففي قصيدة «على أعتاب الأسرار المؤجلة» تصور مشهدًا سابرًا من الذات إلى المجتمع: «نائم/ وجهه في اضطراب/ فضاؤه ملوث بالظنون/ قال للأسطورة: / ماذا كان يفعل السحرة بأرجلهم الطويلة/ قرب الخلجان؟؟؟ / عاصف بالمهالك/ يستدرج النبوءة/ مقدمًا لها صندلًا من حطب الجنة/ سيد في عربة تجدف ذهب السماء / سيد يبدد الفصول بأبهة / فإذا ما اعتكرت الشواطئ بحوريات البحر المنتحرات / تنازعه أسراره المؤجلة».

هوية الأنثى

تبلغ قصائد الغانم ذروة التركيز والشاعرية، فهي حريصة في دواوينها على إبراز أفق جديد من حيث تكوين رسم الصورة، وبنية قوام القصيدة، وطبيعة المعجم الشعري المتجدد بين ديوان وآخر. سنجد أن تكرار المعاني التي تؤسس لهوية الأنثى جلية؛ إلا أن هذا التكرار يعتمد على فرادة المعنى في السياق بين نص وآخر، بل بين ديوان وآخر؛ وكأنها تريد إضاءة العتمة الكاشفة عن ذاك الحيز الضيق بين تجسيد جسد القصيدة، ومشهد تجسده السينما حد التوازي والتناقض في آن عند بلورة هذه البنية الشعرية في صورتها المركزة، والتي تتحول فيها الغنائية إلى شظايا شعرية مثقلة بتبئير ذات الأنثى، وما تكشف عنه من توترات تختلج في نفسها كجسدها وتوترها وعشقها وأمومتها وحلمها وثقافتها، بل كيانها بأكمله، وهويتها الأنثوية وعلاقتها بالآخر.

«ذاتَ سهرةٍ/ غفوتُ ململمةً قلبي في ثوبي/ كانت الليالي تُخاتلني لتُجهزَ عليَّ/ فيما كانت الأقمارُ التي عشقتُها تتدبرُ الأمر/ والنجومُ تناولُها الشفرات/ استيقظتُ/ وجدتُ الأحلامَ مذبوحةً كعصافير/ وتحت وسادتي عُدةُ الموت». هكذا تتجلى «الأنا» الأنثوية في هذا الصوت الراسخ الذي يتصدره ضمير المتكلم، جاعلا من «الأنا» هي الفاعل الوحيد في النص، ومحيلًا كل المؤثرات المتفاعلة في بنية النص إلى مفعولات تجهلها الذات الشاعرة؛ مما جعل الفعل الشعري يتفاعل مع الفعل الجسدي لدرجة التماس الخفي ميتافيزيقيًّا وحسيًّا.

إن التجربة الشعرية عند نجوم الغانم لها وظيفتها التي تزداد تصويرًا وعمقًا كلما ازدادت كثافة ونصاعة، الأمر الذي جعل قصائد كل ديوان من دواوينها له فرادة الرؤية، لأن الشاعرة تدرك أنها امرأة تعبر عن منظورها الخاص، ورؤيتها المتفردة إلى العالم من حولها. مما جعل قصائدها تعبر عن تحققها الاجتماعي، والذاتي كامرأة تملك زمام تحققها الإبداعي النصي، وكشاعرة لها تجلياتها الخاصة بها.


وصفٌ‭ ‬لِمَا‭ ‬هي‭ ‬فِيه

أحمد‭ ‬الشهاوي ‬شاعر‭ ‬مصري

الشاعرةُ نجُوم الغانم لم تترك خُطوتَها الأولى أو الأخيرة على رمل الصحراء في بلدها الإمارات: «لا ملامحَ لأجسادِنا فوق الرَّملِ/ لسْنَا هُناكَ/ولم يعُد لنا مكانٌ هُنا». بل حفرَتْ ذاكرةً جديدةً للقصيدة العربية في المكان الذي عاشت فيه (مع اثنتين أخريين هما ميسون صقر، وظبية خميس، اللتان عاشتا بين القاهرة والإمارات)، وخرَجتْ منه إلينا، ومن حُسن الحظ (لها وللمُتلقِّي) أنها أصدرتْ أغلبَ كُتبِها الشعرية «خارج المكان» الذي احتواها؛ ولذا وصلت قصيدتُها إلى المُتلقِّي العربي، وبخاصة الشعراء والمهتمون بالشعر الجديد في البلدان العربية.

كما كان لارتباطها المبكر بمجلات طليعية، وشعراء مهمين يكتبون نصًّا مُغايرًا ومُختلفًا في منطقة الخليج العربي أو خارجها أكبر الأثر في النضج الشعري، منذ ديوانها الأول «مساء الجنة» 1989م، حين كانت في السابعة والعشرين من عمرها، وهي السن التي نشر فيها أغلب الشعراءِ العرب، وهذا النشر المبكر جعل نصَّها مُتاحًا، كما منحها فُرصةَ تعميقِ تجربتها، ومُساءلتها، وتقليب أرضها، والخوض في طرقٍ مُتنوَّعةٍ في الكتابة، وبخاصة أنها مقلة نسبيًّا في النشر، وليست غزيرة الإنتاج مثل الشاعرتين ميسون صقر أو ظبية خميس، وربما تأتي هذه القلَّة (ثمانية كُتب شعرية)؛ بسبب ذهابها نحو مجالها الذي درَستْهُ أكاديميًّا، وتخصَّصتْ فيه، وهو السينما كِتابةً وإخراجًا.

ولا شكَّ أنَّ من يُطالع شعرَ نجُوم الغانم (1962-) سيلحظ مدى التأثير العميق والمباشر لفنون السينما في نصِّها، وظهور المشهدية فيه بجلاءٍ وسطوعٍ، مُستخدمةً تقنيةَ التقطيعِ والحذْفِ والاهتمام بالصورة والتشكيل البصري، وهو رافدٌ مهمٌّ أغنَى تجربتها، وجعلها تتصلُ أكثرَ بتراثِها المحلي، والبيئة وكائناتها، والمكان الذي يتردَّدُ صداه داخلها، وهو مكان ليس خارجيًّا، بل هو باطني بشمسِه وظلالِه، وما يحملُ من ذكرياتٍ وأطيافٍ وأحلامٍ، والزمن الساكن والمتحرك، أو بمعنى آخر الثابت والمتحول الذي عاينتْهُ منذ طفولتها وحتى آخر جُملةٍ شعريةٍ كتَبتْها:

«لم يعُد بإمكاني حتَّى استعادة الأزمنةِ/ وما عُدتُ أفهمُ/ لماذا علينا/ الانتحارُ في المدَاراتِ ذاتها/ ونحنُ نعرفُ أنَّ أجسامَنا تزدادُ هشاشةً/ كلما رشقناها بالجِراحِ/ ولماذا على الليالي/ أن تبيض في شيْبِ/ الصَّباحاتِ/ وتذبلُ سعفةُ المكانِ/ فلا يبقَى لدينا ما نقتاتُهُ».

«ظننتُ أنَّ البيوتَ أوطاننا/ الأحلامَ أشجارها/ ونحن الفُصولْ».

الحنين لأول منزل

نجوم الغانم وهي تكتبُ عن المكان الآخر المُتعيَّن أو المُتخيَّل، لا يضيعُ المكانُ الأولُ، ولا يغيبُ، ويظلُّ حاضرًا بتاريخِهِ وظلالِه التي لا تبهتُ في الروح أبدًا، حتى وإنْ تلاشى أو تشوَّه، أو ضَاعَ أثره الفيزيقي.

جرَّبتْ نجومُ الغانم أشكالًا شتى في الكتابة الشعرية؛ فكتبتْ- مثلًا – الكتابَ القصيدة، كما في «الجرائر» (جمع جَريرة، وهي الجِنايةُ والذَّنْبُ)، وهي لم تنس أن بعضَ أسلافِها من الشعراء مثل ابن الرومي، الفرزدق، النابغة، الأحوص وسواهم، قد تناولوا «الجرائر» في كتاباتهم: «ونازلِ دارٍ لا يُريدُ فِراقَها *** سَتُظْعِنُهُ عمّا يُريدُ الجَرائِرُ» النابغة (… – 18 قبل الهجرة/ 605م). و«الجرائر» صدرتْ في كتابٍ سنة 1991م. كما كتبتِ النصَّ القصيرَ الذي يشبه الشذرة، أو هو شذرةٌ بالفعل، وليس «الهايكو» كما ظن البعض، و«القصيدة البورتريه» التي تنهل من الفن التشكيلي كأنَّها تلم تفاصيلَها الحياتيةَ الدقيقةَ التي تلتقطُها بخبرة عينِ السينمائية العليمة، ومعرفة العارف المهجُوس بما وراء الأشياء، ويومياتها العادية في لوحةٍ هي للفسيفساء أقرب.

(ذلك الفن الذي اهتم بتفاصيل الأشياء والخوض في تلافيف أعماقها، نافذًا من خلال المواد الجامدة إلى معنى الحياة، إنه فنُّ التلاحُم والتشابُك الذي عبَّر في دلالاته عن أحوال أمةٍ …): «كقصيدةٍ أثملتها اللغةُ/ أخطُو نحو التماثيل/ وقلبي يهفّ لرذاذِ الماءِ/ باحثةً عن أبجديةٍ/ لقول المعاركِ المُصطخبةِ في رأسِي».

الصورة الفنية

نجُوم الغانم شاعرةٌ تسيرُ «للأنحاء كُلها»، متيمةً ومشغولةً «بالأفعال والصفات»، تواصلُ دائمًا رحلتَها عبر ذواتها، وأزمنتها التي تحضرُ بقوةٍ، لديها خبرةٌ شعريةٌ، تستطيعُ بها أن تحرِّرَ نصَّها من أثقاله، وتجعله متقشِّفًا؛ كأنه مشهدٌ سينمائيٌّ، أو لوحة تشكيلية تجريدية، واضحة المعالم والعناصر، لا زخرفةَ فيها ولا تعقيدَ.

تكتبُ الصورةَ الفنيةَ التي تسعى إلى تمامها وكمالها، عبر قطعٍ صغيرةٍ مُتنوِّعةٍ تقطعُها، وتحكِّكُها وتصُوغُها ثم تنفخُ فيها من رُوحها القلقة، مُؤلَّفةً من أشكالٍ كثيرةٍ تستخدمُ فيها ألوانًا شتَّى، بحيث يخرجُ النصُّ الشعري في النهاية من تحت يديها مُتماسكًا، ومصنُوعًا أو مخلُوقًا من عناصر كثيرة أسطورية وصوفية وباطنية ومكانية، ونجوم الغانم في مجمل نصوصها تجمع نثارها وشظايا روحها، وتنظمها في حبل روحها الهش أو المتين– سيان عند الشاعر– لتعطي في المحصلة أشكالًا كثيرة داخل النص الواحد، مع المحافظة على الإيقاعين اللوني والبصري في تكوين الوحدة الشعرية التشكيلية التي تظهر لمن يتلقى النص في النهاية، كما أنها لا تغفل إيقاع الخط المنساب أو المتقطع أو المحذوف أو غير المرئي: «هلْ صارتْ أَصابِعيْ خَبيرةً بمَواضِعِها/ على الجُدْرانِ حينَ أَسيرُ/ مُغْمَضةَ العينَينِ/ أَيُمْكنُنيْ تَعَلُّمُ فَتْحِ خزائنِ الحِكْمةِ».

نجوم الغانم شاعرةٌ لم تُضِعْ «حاسّةَ المعرفة»، لكن سؤالها هذا هو ما يشكِّلُ قلقًا لمتابع تجربتها الشِّعرية، على الرغم من أنه سؤال قديم كانت قد طرحته شعريًّا قبل سنوات، لكنه يظل قائمًا؛ فالخوف هاجس مزمن ويلح في تعاقبه: «أينَ وضعَتْني الْمُفْتَرَقاتُ؟ / ماذا سقَطَ أيضًا في مُنتصَفِ/ المسافةِ غَيرُ كلماتِ القصائِدِ/ غيرُ الحُبِّ مِنْ جَوفِ القلبِ».


الذاهبة‭ ‬إلى‭ ‬السينما
بتحريض‭ ‬من‭ ‬الشعر

بهاء‭ ‬إيعالي ‬شاعر‭ ‬وصحافي‭ ‬لبناني‭ -‬‭ ‬محمد‭ ‬أبو‭ ‬لوز ‬صحافي‭ ‬أردني

تتنقل الشاعرة والسينمائية والتشكيلية نجوم الغانم بين ثلاثة عوالم إبداعية، انتقالاً يحكمه اتساع الرؤية وضيق العبارة، وإحدى وسائل توسيع العبارة هي التعبير عن الرؤى بقوالب متعددة داخل اللغة الفنية نفسها، وقد دفعت الصُّدف بنجوم الغانم لأن تسبح في ثلاثة جداول تنبع من النهر الكبير نفسه. ولأن الإبداع بالنسبة لها مغامرة فلسان حال تحليقها بين الأنواع الفنية يقول: إذا غامرت «فلا تقنع بما دون النجوم».

توزع نجوم الغانم أوقاتها بين هذه الفضاءات، فتذهب إلى الفِلم بتحريض من القصيدة وتعالج الداء بالرسم، كما فعلت مع السرطان. وبالشعر والفن والسينما تلتقط العابر وتدفع به إلى طاحونة الزمن لتُخلده في صورة شعرية من الكلمات أو الصور، كما تتجاوز بهذه الأدوات الفنية هشاشة النفس باحثة عن فضاء أقل صخبًا. تجربتها المتنوعة لفتت الانتباه وقوبلت بالحفاوة التي تستحقها.

هنا شهادات لعدد من الشعراء والكتاب حول تجربة الشاعرة الإمارتية.


التي‭ ‬تكتب‭ ‬لترشق‭ ‬الوجود بغضبٍ‭ ‬وعتابٍ‭ ‬طويلين

العربي‭ ‬رمضاني – كاتبٌ‭ ‬وروائي‭ ‬جزائري

تستدعي الشاعرة نجوم الغانم رموز الطبيعة لتجاوز هشاشة النفس والبحث عن فضاء أقل صخبًا، ويأتي حضور الليل والبحر والقمر كتجلٍّ لرغبةٍ عارمةٍ في تبديد ثِقل الوجود بلغة بسيطة، لكن صورها الشعرية الكثيفة تتخذ مشهدًا يتفرع إلى صورٍ لا تكسر أفق الانتظار بقدر ما تترك إيقاعًا جماليًّا متميّزًا لدى القارئ. ومن هنا يتجلّى الشعر عند نجوم فسحةً مناسبةً لمناجاةِ الغيم والملائكة والطفولة الأولى لهندسة عالم السكينة المتحرر من ركام الحُزن والخيبة.

في ديوانها «ليل ثقيل على الليل» تبحث الغانم عن ذاتها في مدن تشبه مخيلتها المكتظة بالمطر والغيم والثلج والعصافير. بيلباو، مونبلييه وحواضر أخرى، كانت رصيدًا كثيفًا بالحياة الملونة، وبكلماتٍ تنساب بهدوءٍ قدمت على ضوئها الشاعرة لوحاتٍ موغلةً في التنوع والثراء الجمالي ومستجيبةً لرغبتها في قتل الليل وتجاوز الانكسارات في المدن اليابسة، كما تصفها من خلال التركيز على تفاصيل إنسانية هاربة لم تغفلها الشاعرة ونقلتها بصيغة يوميات.

وفي ديوان «ملائكة الأشواق البعيدة» تحاول الغانم تجاوز البُعد ورسم الأشواق المُشتعلة دومًا واستذكار لحظات الحب العابرة، وذلك في استدعاءٍ لا ينقطع للقمر والبحر والعزلة وسطوة الليل في تأجيج المشاعر، فتدون هواجسها الدائمة وأعطاب الروح، وتكتب لترشق الوجود بغضبٍ وعتابٍ طويل أو مساءلةٍ لفظاعةِ ما يعلق في الروح من كدمات عميقة.

بنضج المرأة تراقب الحياة والأشياء وتلتقط العابر إلى طاحونة الزمن وتُخلده بصورةٍ شعريةٍ لا تكف عن السيلان، مُثبّتة في جدارٍ شاهقٍ يلامس القمر ومطوقٍ بالأشجار وغير بعيدٍ من البحر.

«لا وصف لما أنا فيه»، هنا تعود الغانم مرّةً أخرى إلى صخبِ المدن وثرائها الطبيعي والإنساني بحثًا عن أفقٍ يتجاوز اليباس، وبعدسة الشعر لا تخطئ في جمع صخبِ الحياة وتفكيكه وربطه بالذات ورصد تفاعلات كل ذلك، وباللغة تسكب روحها المتوجسة والحالمة على مساحة من البياض الهارب من عتمةٍ ثقيلةٍ تلاحق حياتها الآخذة في التكرار بشكل يجعلها أكثر تمردًا. ويتعزز دور الحب في شذراتها الشعرية بشكلها القصير والسردي الطويل نسبيًّا، وتنسج في هذا الديوان جملةً هائلةً من الحالات النفسية من قبيل الانكسار والحلم والرجاء والرغبة لتصل إلى بوحٍ عارٍ يتناوبُ بين العدمية والتمسك الصارخ بالطبيعة لكونها رمز الحياد والنقاء واللون المفضل للشاعرة في تلوين بشاعة وجودية متجذرة وسد ثقوبٍ واسعةٍ في جدار الحياة.


عرابة‭ ‬صناعة‭ ‬الفِلم‭ ‬الوثائقي في‭ ‬الخليج

علا‭ ‬الشيخ

نجوم الغانم من الشخصيات التي تستحق إعطاءها صفة تخصها، فهي فعلًا «عرابة صناعة الفِلم الوثائقي» ليس في الإمارات فقط، بل في الخليج كله، وليس كل من صنع فِلمًا تسجيليًّا أو وثائقيًّا يستحق أن يطلق على نفسه تسمية مخرج، لكن الحال يختلف مع الغانم التي، على الأقل في صناعتها، تدرك الفرق بين التسجيلي والوثائقي، وتدرك معنى خطورة هذا النوع من الأفلام. هي التي بدأت كغيرها مع صناعة الفِلم الروائي القصير، لكنها أدركت سريعًا أن عليها إعطاء قيمةٍ لصناعة الوثائقي في ظل شبه انعدامٍ لهذه الفئة من الأفلام في الخليج العربي.

نجوم الغانم، الشاعرة والفنانة الحساسة، وهذه الحساسية هي التي، على ما يبدو، تقودها إلى الشخصيات التي تريد أن تحكيها وتقدمها للناس. ومع فِلمي «الحديقة»، و«آيس كريم» الروائيين القصيرين، بدأت تخطو نحو عالم الصناعة، وبدأ من شاهد تلك الأفلام يلمس أنه أمام مخرجةٍ تريد أن تقدم المختلف، وهذا فعلًا ما حصل، لتنقل بعدها إلى صناعة فِلم «ما بين ضفتين»، عام 1999م. ترصد من خلاله حكاية ضفتي خور دبي.

عقب هذا الفِلم ابتعدت الغانم قليلًا من المشهد، لتعود مع «المريد»، أول فِلم وثائقي طويلٍ من إنتاجها وإخراجها، وفيه تحدثت عن الشيخ عبد الرحيم المريد، أحد مشهوري المتصوفين الإماراتيين، وكان هذا في عام 2008م. وبعد هذا التاريخ تحديدًا استطاعت الغانم أن تكوّن لها اسمًا ضمن أسماء صنّاع الفِلم الوثائقي في المنطقة، ولم تتأخر كثيرًا، عن فِلمها التالي «حمامة»، عام 2010م، والذي تناول حكاية البلاد عبر الشخصية الرئيسة في فِلم «حمامة الطنيجي»، امرأة يكفي أن ترى وجهها والخطوط فيه لتدرك معنى رواية التاريخ عبرها، تحديدًا منطقة «الذيد» في الشارقة.

ومن هذا الفِلم تحديدًا، تدرك أن ثمّة خطًّا تريد أن تتطور فيه الغانم، عن طريق الشخصيات التي تريد من خلالها أن تروي ما حدث وما يحدث وما هو المتوقع، شخصيات نسوية بامتياز تحضر معها، كما «حمامة»، و«الأمل»، و«سماء قريبة» الذي عرف فيها المشاهد قصة أول مالكة إبلٍ تخوض مسابقات المزاد الذي يقام في العاصمة أبو ظبي، وقدمت أيضًا فِلمها الوثائقي «عسل ومطر وغبار» (2016م) الذي لا يقل عذوبة عن الشعر الذي تصفه. وفي عام 2018م ذهبت الغانم وكاميراتها وإحساسها إلى عالم الفنان التشكيلي الراحل حسن الشريف، الذي غادر قبيل عرض الفِلم الذي تناول حياته ويومياته، ضمن وثائقي حمل عنوان «آلات حادة».

عادة ما يتم تعريف نجوم الغانم بالشاعرة، ولكن من يتتبع مسيرة وطريقة صناعة أفلامها الوثائقية يدرك أن الحس السينمائي في داخلها أصيل، فهي السينمائية الشاعرة، حتى في قصائدها تشعر وكأنك أمام صف شعر يصلح لأن يتحول يومًا ما إلى فِلم، فشعرها بحد ذاته سينما.

ناقدةٌ سينمائية فلسطينية


البحث‭ ‬عن‭ ‬خلاص‭ ‬فردي

محمد‭ ‬ميلود‭ ‬غرافي

لا حدود للشعر موضوعاتيًّا وفنيًّا في تجربة الشاعرة نجوم الغانم. فمنذ مجموعتها الشعرية الأولى «مساء الجنة» مرورًا بـ «منازل الجلنار» و«ملائكة الأشواق البعيدة» و«لا وصف لما أنا فيه» و«ليل ثقيل على الظل» و«أسقط في نفسي»، وهي تحفر في مدارات الشعر بما يقتضيه الوعي بزئبقية الكائن الشعري وغموضه الفاتن وانفلاته الآسر من تخوم الشكل كمعطى سابق عن التجربة الشعرية أو كقاعدة موروثة عن أنماط الشعر العربي قديمه وحديثه. وإذا كان ثمة شيء قارّ في تجربة نجوم الغانم فهو ذلك الحبل السُّرّي الذي يربط بين مجموعة شعرية وأخرى في توافق دال على تطوير التجربة دون المساس بجوهرها.

هكذا يشكل المساء بؤرة الزمن الذي يحظى أكثر من غيره باحتفال خاص. إنه المساء الذي «يقصر في الغياب» ويضخم الشعور بالوحدة، المساء الذي «يطل كأرملة/ تمضي ليلتها ترشف القهوة/…لكنها لا تنام/ خوفًا من أن تزداد عليها الوحدة»، أو هو ذاك المساء الذي تنكسر عليه أحلامنا «ونحن مازلنا في أول الليل»… وهذا كله استقراء لحالات نفسية تؤثث شعريًّا لتجربة البحث الدائم عن خلاص فردي أو جماعي وفلسفيًّا للتأمل في كينونة المصير البشري في عالم تفك فيه الحياة «شرائطها/ من حول قلوبنا/ وتتركنا بين الموت والموجة».

لذلك يظل الحزن هو أحد هذه العناصر الثابتة في الفضاء الشعري لنجوم الغانم. لكنه حزن لا تستكين فيه ذات الشاعرة ولا ذوات الآخرين إلى الأسى والاستسلام، بل يتحول في غالب الأحيان إلى حافز على المضي قُدُمًا على رغم العتمات وضبابية الأفق «الآن سأسير لأنني/ لم أعد أعرف كيف أعود…» «لن أسقط من جديد/ وإن فعلت فإنني/ سأحلم بيدك تمتد لترفعني…». وإذا تأملنا معجم المجموعات الشعرية كلها لنجوم الغانم سنجد «الضوء» و«الشمعة» حاضريْن بقوة في كل تلك العتمات وتلك الأماسي الحزينة.

ما يميز تجربة الغانم أيضًا هو أن الأنا لا تحيل دومًا على ذات الشاعرة. كأننا بنصوص نجوم الغانم تقاوم تلك النرجسية التي تطغى على الشعر العربي وتحوله إلى سِيَرٍ ذاتية لشعرائها. هذه الأنا هي في أحيان كثيرة أنا متكلّم آخر لا تريده الشاعرة أن يتماهى بالضرورة معها أو مع تجربتها الخاصة.

لذلك قد يكون هو المسافر الذي لا ينتبه إليه أحد و «لا تفتح له الأبواب» أو بكل بساطة ذاك الأنا الجماعي الذي يعبر عنا جميعًا. لذلك تتعدد الضمائر في نصوص الشاعرة في أخذ ورد بين المتكلم (فردًا أو جماعة) والمخاطب والغائب (فردًا أو جماعة أيضًا).

وفي خضم هذه التحولات التي تنفلت من قيد النمطية والمألوف والتي تحتفي بحرية تامة في اختيار الشاعرة لموضوعاتها الموغلة في جزئيات الحياة وتقلباتها النفسية والموضوعية، ثمة اشتغال على النصوص الشعرية بلغتها وصورها ككائنات «خارج حدود التوقع» (كما يقول عنوان إحدى قصائدها)، وهو بلا شك ردّ اعتبار مهم للدهشة كعنصر جمالي فعال في تشكيل النص الشعري وضمان قوته في ذائقة المتلقي.

من اللامتوقع مثلًا أن يوهمنا ضمير المتكلم في إحدى نصوص مجموعتها الشعرية الأولى على أنه ذات الشاعرة قبل أن تصدمنا نهاية النص في لعبة لغوية ماكرة بعكس ذلك تمامًا: «علّمْتُكَ ارتكاب الملابسات/ منحتك سيفي وسرج القصيدة/ وإذْ آمركَ أن تُخلي النهار من كهولته/ فلأنّي أبيح لك الفتنة/ زاهدًا في القتال. أنا/ أنا عروة بن الورد/ ماذا دهاك؟»

شاعر ومترجم مغربي مقيم في فرنسا


قصائد‭ ‬تتعالى‭ ‬فيها‭ ‬أصوات‭ ‬الوجوه

محمد‭ ‬يويو

حين يتوافق الشعر مع الصورة، متحركة كانت أو ثابتةً وإن في أبسط مدلولاتها، يثبت حضورًا وهوية خاصة أقرب إلى الواقع بحسب طبيعة الباعث، وربما تجاوز إلى المواجهة والتحدي مع قيم يدافع عنها، وما سواها اُعتدّ تحريضًا وخطورةً على مركزية الذائقة، وفعلًا أكثر فداحة يضمر في تضاعيفه ردمًا لأسسٍ مضمّخةٍ بأنسامِ العقيدة الآمنة. فهذا الشرود عن بيت الأب وتجنيد بلاغة الريشة والصورة في بيت الجدة خدمة للشعر، يجعل من الكلمة شباكًا خفية تتصيد الجمال والهدوء، وينم عن حنكة ودهاء ومخاتلة ترنو إلى عقد علاقة انفعالية للصورة في تجلياتها الثلاثة. ترتسم مقومات محددة لتجربةِ نجوم الغانم، وتتكشف من ثناياها طبيعة هذه الشخصية الساكنة المربكة بكثرة اللافتات والأقواس ووجوه الرماد، في محاولة لتوثيق مقبرة الذاكرة من رواسخ وممسوخات وملامح تتشكل بالقطعة الألفين، لتُظهر عمقًا إنسانيًّا ونسقًا ممتزج العناصر، وذلك في حياة رخيّةٍ تجد مسرحها في محافل أرواحٍ وحناجرَ تحدّ من أجيج نقمتها في اليوم الأوحد مكتفية بالإشارة والتلميح دون الإحاطة والاستقصاء، مع الإبقاء على كينونةٍ لا تشذّ لغتها عن معياريّةٍ أصيلة، بنفحةٍ حداثيّةٍ تتحدى منطق الكتابية والتصويرية، فتتلاقح مع الأدب العالمي وتتأثر بتكنيك الشذرة الشعرية.

تتعالى في قصائد نجوم الغانم أصوات الوجوه، وجوه أطفالٍ ونساء وجنادب وملائكة، في مغامرة شعرية تضوّعت وجدانيتها في تأليفاتٍ للقيم الخالصة، وإذا كانت السينما والتشكيل ضروبًا من الكلام، وإن اختلفت أدوات التعبير، فهي تتناغم على نحوٍ أحدث وقعه الخاص في النفس، على نحوِ صورٍ ملتقطةٍ بعنايةٍ تعبّر بواسطتها عن عوالمها الخبيئة تحريكًا وسموًا في ذاتية مواربة. وبين كثرة الشواهد، وخلف ضباب الموسيقى القصصية، تتعانق تقاطعاتها مع القلق الوجودي الدفين، ولا تكتفي بالمرئي، بل يتخلّلها جولات ماورائية على حافة التعب، جولاتٌ تتّصف بروحانيّةٍ عميقة لا سيما عندما يبدو الحضور مهدّدًا، لتستنفر الذات المبدعة مخيالها ويحضر السؤال الذي لا يغيب «والآن، أيمكنني أن أذهب؟» وهي بهذا أقدرُ على التوغل بالخيال الإدراكي تارّةً والخيال الوجداني طورًا إلى هذا العالم بأستاره المجهولة في تساؤلٍ ملحاحٍ عن كنهِ الموجودات وإعادة تشكيل حقيقتها. «أستقبل شلالات السماء/ وبروقها/ أمنحها شعري/ وثيابي/ وزوجي الذي أضعته منذ قليل/ وألقي إلى الضفاف بصرخات الفرج المجلجلة». لتنطلق إلى معارج الاستيحاء بما تلهمه ضروب الأحاسيس وجمل المرئيات.

شاعرٌ وصانع محتوى مغربي


تكتبُ‭ ‬قصائدها‭ ‬وهي‭ ‬تمشي

فاروق‭ ‬يوسف

نجوم الغانم شاعرة سفر، أسفارها هي البنية الداخلية لما تكتب والمحيط الذي يتغير وقعه بين حالة حزنٍ وأخرى، لا وقت لديها للوصف ولا وقت لاكتمال العلاقة التي تقوم بين المسافرة والكائن الشعري الذي يسكنها، كما لو أن هواءً شعريًّا ينحرف بها عن المواجهة. إن المواجهة الحقيقة هي أن ما يُرى ليس بالضرورة ما يُعاش، فالشاعرة غالبًا ما تكون في مدينة لتكتب عن أخرى. «أيتها البلاد لا أفهم كم أخفيك وكم أستعيدك»، وهي لا تُخفي أو تستعيد المدن التي تمر بها أو تغادرها باعتبارها أمكنة للتحول بقدر ما تتأبط الزمن، بكل حالاته، ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا، لا لشيءٍ إلا لأنها تثق بأشياء كثيرة كلها تصدر عن الشعر. ولأن الشعر يسكن الأزمنة كلها ولا زمان له، فإن ما يتسلل من مشاعرها ليس حنينًا، وهي حين تتذكر تبدو كما لو أنها لم تفرغ بعد من التلذذ بوقع الحدث. غير أنها في الوقت نفسه لا تأبه كثيرًا بـ «ما تركناه خلفنا»، فلا شيء يخفف عنها شعورًا عميقًا بالغربة، حتى الحب بنظرها هو ضربٌ من الغربة، وغالبًا ما يعبئه سوء الفهم بحكايات متضاربة. ثمّة حقيقة واحدة هي الأكثر وضوحًا في شعر الغانم وهي الغربة، غربتها الشخصية، غربتها عن الصورة التي تجد نفسها محورًا لها.

يُخيل إليَّ أن يوميات الشاعرة مليئة بالتجارب البصرية التي لا تُخفي مصادر إلهامها، حتى وإن تحوّلت إلى لغةٍ مختلفة. الغانم مولعة بالتركيب، تركيب المشهد الذي تسعى إلى أن يكون القاعدة التي تبني عليها قصيدتها. كما أن الطبيعة تشكّل خلفيةً متماسكةً لذلك المشهد. غير أن سيّدةً تكتب قصيدتها وهي تمشي لا بد أن تستوحي لغتها من المطر والأشجار وحجارة الطريق والمشاهد التي تمر بها، ففي كل جملها هناك شيء مما يُرى، وهو الشيء الذي يمكن ألا تقول عنه شيئًا، غير أن رائحته تظل ممسكة بكلماتها. قصائدها هي نتاج الأماكن التي عاشت فيها أو مرت بها، ونجوم الغانم شاعرة مسافرة بين المدن وبين المعاجم، كل خطوة منها قصيدة وكل قصيدة هي فكرة عن كلامٍ لم نقله من قبل.

شاعرٌ وناقدٌ عراقي


كأنها‭ ‬الفراشة

نصار‭ ‬الحاج

«أرتقبُ الأصدقاء/ لأنني أتذكرُ/ أنَّ لي روحًا/ تقوى على الابتسام معه».

الكتابة عن الشعر ليست نزهة سهلة ولا هي لغة تسلّم مفاتيحها دون غوصٍ عميقٍ، وتواصلٍ يتخلق من خلال الإمساك بخيوط التجربة الشعرية التي امتلكت أدواتها وأنتجت منجزًا شعريًّا حقق جمالياته وفنياته وتقنياته الملفتة، لكن بلا شك الكتابة عن الشعر هي نزهةٌ ممتعةٌ بين عوالم لا تنتهي من الجمال الدافق في حقول الكتابة، إنها السير على أسلاك الروح الشفافة ومداعبة السيول المنهمرة في وديان الشعر النقية. وهذا هو الحال مع تجربة الشاعرة نجوم الغانم التي ظلت ومنذ سنوات تسقي تربة الشعر من دمها وتبذر قصائدها في حقول الشعر فاكهة لضوء الحياة.

إنها كتابةٌ في حقل المحبة وتجوال في سماء زاهية تأخذ القارئ بخطفة رشيقة منذ الوهلة الأولى وعبر عناوين شعرية ملهمة مثلما هي عناوين الكتب شعرية لنجوم الغانم التي أخذتني إلى عوالمها برقة النسيم المنعش، ومنها «ملائكة الأشواق البعيدة»، «ليلٌ ثقيلٌ على الليل» و «لا وصف لما أنا فيه». عناوين تقول إن هذا شعر وليس نوعًا أدبيًّا آخر، إنه الشعر وحده بكامل شغفه وروحه العابرة لعوالم الحياة وما فيها من حركة لا تهدأ وملامسة كل جامد وأنسنته والدخول معه في خطاب موغل في الأحاسيس والمشاعر الإنسانية، كأن تقول: «سأدع كل شيءٍ في مكانه/وحتى الغبار/الذي تكدّس فوق الأشجار…» لتعرف هي أيضًا كم تتألم أجسادُنا حين لا يمسها أحد. ونجدها في موضع آخر تهربُ إلى البحر وتدعو النوارس لتقاسمها الصلاة وفطور الصباح.

نجوم الغانم تهدي كتبها الشعرية إلى الليالي الوحيدة الجديرة بكل هذا، وإلى الحياة حتى عندما تقسو وتكتب ما بين الموت والموت في الهجرات وتلويحاتها وتقول:

«أيقظتني العاصفة/ كزائرٍ لوحته الأسفار/ سألتني موقدًا ورداءً دافئًا/ كشفتُ لها قلبي / فعبرت الأوطان».

تلك هي الكتابة الشعرية عند نجوم الغانم، كشفٌ متواصلٌ للمخبوء، ومغامرةٌ جسورةٌ في الذهاب بالشعر إلى حريته الكاملة، عابرًا كل الدروب الشائكة والمناطق الوعرة إلى رؤى جديدة ومخيّلة شاعرية شرسة في اقتناص جملٍ شعرية باهرةٍ ومبتكَرةٍ، قادمةٍ من ينابيع شعرية دافقة تلامس الروح بيسر، وتبلّلُ اليومي وقهره الفاجر بقصائد ندية وشفافة ونقية لا يشغلها سوى إنجاز كتابةٍ شعرية تسهم في تنقية أرواحنا واللجوء للغةٍ أكثر بوحًا وشغفًا، تحقق سمو الشعر وجوهر رسالته بوعيٍ صارمٍ وبذخٍ تمتلكه الشاعرة نجوم الغانم وتفصح عن كل ذلك كتابتها الشعرية المبذولة عبر دواوينها.

شاعرٌ سوداني


شمعة‭ ‬تتراقص في‭ ‬المشهد‭ ‬المتجمد

محمد‭ ‬صرخوه

«جاءت تقرأ مايكل أنجلو/من السقف حتى أخمص قدمي آدم/رأسها ملقى فوق كتفيها/وجسدها يلتف في دائرة بلا محور/كانت مصلوبة في أيقونات الأروقة/لكنها سعيدة/جاءت تتأمل القبة وملائكة الفردوس/وتردد لحنًا شرقيًّا».

يخضع النص (أيّ نص) لمحور الطاقة اللغوية، بقطبَيه السالب النثري والموجب الشعري، وما بينهما تأتي النسبة والتناسب. ولعل أكثر ما يحدد مقدار الميل الشعري في لغة ما، هو مقدار الكثافة، وما يندرج تحتها من أدوات، كالإيحائية والرمزية، والتي تعتمد غالبًا الكناية كأداة مثلى في صنع طبقات التأويل.. تحقيق هذه العناصر ذات الميل الشعري في النص يشبه إلى حدٍّ كبير ضربات الحظ في لعبة قمار.. حيث تصطف عناصر متشابهة في صدفةٍ أو لحظة ما، فيكون الناتج فيضانًا.. أو رياضيات بمنطق شعري، يكون فيه العدد الناتج من عملية جمع 1+1 مساويًا مئة وتسعة وتسعين.. وذلك ما يدعوه جون كوين بصدع النظام.

تحضر هذه الرياضيات الشعرية بجودة عالية في نصوص نجوم الغانم، ذات الاعتماد شبه الكلّي على المشهد اللحظي. إذ غالبًا ما تعتمد مبدأ الفقرة الواحدة في نصوصها.. تكتب الجمل ذات الشحنة المنخفضة بشكل نثري صريح وبسيط.. ثم تختم بشحنة صاعقة.

تقول نجوم الغانم: «على المقهى الرصيفي/تحدثنا قليلًا/راقبنا العربات وسائقيها/المارة/والمترجلين/كان علينا احتساء قهوتنا سريعًا/قبل أن تتدحرج أمواج الليل صوبنا/وتضيّعنا أبواب المدينة الغريبة».

بين تعصب المتحجرين الذين قد يحجب الشعر نفسه عنهم في هذه والمنفلتين الذين يرونه شعرًا دون معرفة السبب.. تظهر رياضيات النص.. تبدأ نجوم الغانم فقرتها بجمل يغلب عليها الطابع النثري المباشر من «المقهى الرصيفي» حتى بلوغ «قهوتنا سريعًا».. وحيث يعتقد المتتبع لمسار الطاقة اللغوية ذات الإيقاع الهادئ المباشر أن الخاتمة ستأتي نثرية، تفتح نجوم الباب على أمواج الليل.

لا تنتمي دحرجة الأمواج ولا الأبواب التي تضيّع أهلها.. لمنطق الجمل النثرية السابقة عليها. الأمر الذي أحدث الصدع في المنطق الرياضي للنص بشكل متقن لتنقلب الشحنة السالبة موجبةً دون حاجة لما يقوم به بعض الشعراء في نصوصهم من تمهيد وتفسير وإيضاح لا يزيد نصوصهم إلا ورقًا.

لعل ما يميّز نصوص نجوم الغانم أيضًا هو اعتمادها على تجميد اللحظة، وتحريك عناصرها كما فعلت في نص مستهل هذا المقال، بما يكفي من قدرة على التوصيف لإحداث العمق في المشهد المتجمد وإيجاد البعد الثالث للصورة.. الأمر الذي يحسب بجدارة لنجوم ويميز تقنيتها في التصوير عن تقنية القدماء الذين كانوا يرسمون الصورة كما هي جاثمة على لحظتها بالقليل من المكيجة لإظهارها جميلة.. أما نجود فقد تميّزت بتطوير الفن التصويري في النص من خلال تحريك العناصر في المشهد الواحد دون إحداث تتابع زمني.

شاعر وكاتب كويتي


ذات‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬العالم

صبحي‭ ‬موسى

بدأت نجوم الغانم كغيرها من أبناء جيل الثمانينيات بكتابة قصيدة التفعيلة حيث كانت الموجة السائدة عربيًّا وقتئذ، على رغم وجود قصيدة النثر منذ الخمسينيات والستينيات، لكن الاعتماد عليها كموجة أساسية في الشعر العربي الحديث تأخر إلى منتصف التسعينيات، مما جعل كثيرًا من أبناء الثمانينيات يصدرون دواوينهم الأولى في إطار النص التفعيلي، ثم سرعان ما تحولوا إلى النص النثري الذي احتل موقعًا متميزًا في المشهد الشعري مع تسعينيات القرن، فكان أول أعمال الغانم «مساء الجنة» الصادر عام 1989م منتميًا لقصيدة التفعيلة روحًا وإيقاعًا ولغة، وفيه قدمت نفسها للوسط الثقافي الإماراتي والعربي بوصفها صوتًا جديدًا قادرًا على الإضافة الشعرية، صوتًا ينتمي إلى منجز النص العربي الحديث منذ وضعت نازك الملائكة وبدر السياب وصلاح عبد الصبور قواعده، حتى وصلت روافده إليها كشاعرة شابة.

وسرعان ما أصدرت بعد عامين ديوانها «الجرائر»، وهو في عوالمه أقرب إلى قصيدة التفعيلة، لكنها مع الديوان الثالث «رواحل» كتبت النص النثري، فانتقلت من العام إلى الخاص، ومن الكلي إلى الهامشي واليومي، وراحت الذات تتجلي بوضوح، كأنها كانت تبحث عن قصيدة النثر كي تتلاقى معها، وتنتج من خلالها صدق التجربة الشعرية المتوهجة بداخلها، والتي مزجتها بحس سريالي معبر عما يجتاح النفس من هموم وهواجس: «صرت ُ مثل سُلحفاة ٍ عجوز ٍ على سطح كوكب وعر ليس بيني والفضاء سوى ريح عاتية وغيومٍ مزيَّنةٍ بالماس. فجأة تحوّلـَتْ إحدى الغيماتِ إلى امرأةٍ تتقدّمُ نحوي وأنا أركض بحثا عن مأوى».

هكذا تشكلت ملامح قصيدة نجوم الغانم وفق سياق قصيدة النثر، سواء من حيث الشكل أو الرؤية الداخلية، كاشفة عن ذات قلقة لا تقر في مكان، لديها هواجسها التي لا تنتهي، هذه الهواجس التي تسربت في سياق نص أقرب للطرح السريالي، مما خلق خصوصية واضحة لنصها الشعري ضمن ما يكتب في نهاية الألفية الثانية.

مع بداية الألفة الجديدة، وتحديدا عام 2000م، قدمت نجوم ديوانها الرابع «منازل الجلنار»، الذي تخلصت فيه تمامًا من روح قصيدة التفعيلة وإيقاعها ولغتها، لتقدم نصًّا نثريًّا خالصًا، تتجلى فيه الذات بوصفها مبتدأ كل شيء ومنتهاه، وحيث التفاصيل الصغيرة هي الأدوات التي تعبر بها عن علاقة الذات بهذا العالم، حيث الذات الشاعرة تتجسد فيما يحيط بها من أشياء، لتعبر عنها بوصه جزءًا من روحها، أو أن روحها هي التي تسكن فيها، وليصبح البعد النفسي أحد أهم الركائز في النص الشعري لديها: تركتُ الليل/ يُشعل لملائكته كبريت الموت/ وانزويتُ في ركني القديم/ أتهجى الأصدقاء/ الذين انسلـوا كصوف من/ سجادة السنوات،/ الجدَّات اللاتي أخذن قمحهن/ وخبز الصباح الساخن معهن/ واختفين.

توالت الأعمال التي أكدت على أن نجوم الغانم أحد أهم الأصوات الشعرية في عالمنا العربي، فصدر لها «لا وصف لما أنا فيه»، ثم «ملائكة الأشواق البعيدة» و«ليل ثقيل على الليل» و«أسقط في نفسي»، حيث ترسخت المدرسة الشعرية المعبرة عن الشاعرة وجيلها وما تلاهم من أجيال، لتكون الغانم إحدى أيقونات هذا النص، بدءًا من الانحياز إلى السرد كتيمة أساسية في الكتابة، مرورًا بالرؤية الرومانسية للذات والعالم، وصولًا إلى اللعب مع الزمن بوصفه المعبر هذه الرؤية: لا أحدَ يَعرِفُ السنواتِ مِثلَنا / نَرعاها في فِناءِ بيتِنا / وحينَ يَضيقُ الفِناءُ / نُخَبِّئُها في أحْشائِنا / حتّى يَلْتبِسَ الأمرُ علَينا / فنَظُنُّها أَجِنّتُنا.

شاعر مصري

رحيل حسن حنفي أحد أبرز رموز اليسار الإسلامي

رحيل حسن حنفي أحد أبرز رموز اليسار الإسلامي

رحل الخميس الماضي المفكر والفيلسوف العربي الكبير حسن حنفي عن 86 عاما، شهدت معظمها سجالا لم ينقطع حول كتبه ومشروعه المثير للأسئلة. عرف صاحبالتراث والتجديدبكونه أبرز رموز اليسار الإسلامي ومؤسس علم الاستغراب. درس الراحل في جامعة القاهرة، ثم أكمل دراساته العليا في جامعة السوربون، وعمل في جامعات عربية وأجنبية. من كتبه: التراث والتجديد (4 مجلدات)، من العقيدة إلى الثورة (1988)، حوار الأجيال من النقل إلى الإبداع (9 مجلدات)، موسوعة الحضارة العربية الإسلامية، مقدمة في علم الاستغراب، فيشته فيلسوف المقاومة، في فكرنا المعاصر، في الفكر الغربي المعاصر،

حوار المشرق والمغرب، دراسات إسلامية، اليمين واليسار في الفكر الديني، من النص إلى الواقع، من الفناء إلى البقاء، من النقل إلى العقل، الواقع العربي الراهن، وحصار الزمن.

من مقولاته في حوار نشرته “الفيصل” معه: هناك خطر حقيقي من وصول الإسلام السياسي إلى السلطة.. ومشكلتنا أننا نريد الانتقال من الدين إلى الثورة دون تحويل الدين إلى فكر.

الثقافة المغربية لا تتحمل إلا نجما واحدا. ومحمد عابد الجابري لم يكمل مشروعه لأنه شعر بأنه مازال في ثقافة مغاربية اسلامية لا تستسيغ كثيرا موضوع العقل العربي… ونظرا لأنه يعيش في بيئة إسلامية كتب تفسيرا تقليديا للقرآن صدر أخيرا، ولا يعلم أحد عنه شيئا.

كانت نصيحتي لنصر أبو زيد ألا يدخل معركة مع عبد الصبور شاهين لأنه يمثل جناحا أقوى منا. الخطاب السلفي يعرف كيف يأخذ، ولكنه لا يعرف ماذا يأخذ. الناس يسألون عن الغيبيات لكنهم يتجاهلون السؤال عن الفقر وغلاء الأسعار والحروب الأهلية.

وقد خص الراحل “الفيصل” بسلسلة مقالات، نعيد هن نشر بعضها وأيضا نعيد نشر الحوار.

حسن حنفي: النخبة الثقافية تقع في أخطاء جسيمة بسبب تملقها للجماهير ورجال الدين

العلمانية أسُسها في القرآن وجذورها في التراث القديم

الثورة بين التنمية والحرية

كورونا بين الشرق والغرب.. سقوط العلم وانهيار الحداثة في أوربا وأميركا

العرب بين اليأس والأمل

إخفاق الحداثة الغربية وصعود موجات التدين في أوربا

من المشاريع العربية المعاصرة إلى الربيع العربي

القوانين الطبيعية والحرية الإنسانية

معرض الشارقة الدولي للكتاب يختار طالب الرفاعي «شخصية العام الثقافية»

معرض الشارقة الدولي للكتاب

يختار طالب الرفاعي «شخصية العام الثقافية»

اختار معرض الشارقة الدولي للكتاب في دورته الأربعين التي تنطلق في 1 نوفمبر 2021م الكاتب الكويتي طالب الرفاعي شخصية العام الثقافية. وذكر البيان الذي نشره المعرض أن اختيار الرفاعي، جاء بناء على ما يقدمه من عطاء وما يبذله من جهود حثيثة داعمة للشأن الثقافي العربي.

بدوره قال الروائي طالب الرفاعي إن تكريمه باختياره شخصية العام الثقافية، «بقدر ما يخصّني فإنه يخصّ تكريم بلادي الكويت، ومؤكد أنه يعني تكريم جميع زملائي الأدباء والمثقفين، فما أنا إلا نتاج تلك النهضة الفكرية الكبيرة التي عاشتها الكويت منذ صدور مجلة “العربي” عام مولدي في 1958م، وما تلاها من حركة فكرية وإبداعية كبيرة، وصل تأثيرها النيّر إلى أقاصي أقطار وطني العربي الحبيب».

وأضاف في تصريح نشرته الصحف: «إن تكريمي باختياري “شخصية العام الثقافية” ومن الشارقة تحديدًا، شارقة الفكر والإبداع والثقافة، الإمارة التي فرضت إشعاع فكرها على العالم العربي والعالم، واستحقت بجدارة اختيارها عاصمة عالمية للكتاب عام 2019م، إنما يمثل مسؤولية كبيرة سأسعى ما أمكنني لتحمّلها، وتأكيدها بمزيد من العمل والعطاء الإبداعي والثقافي بصفتي الشخصية، وبأمسيات “الملتقى الثقافي” الذي أسسته وأديره منذ العام 2011م، وكذلك “جائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية”، التي أشرف بأن أكون رئيس مجلس أمنائها».

وختم الرفاعي قائلًا: «للشارقة الحبيبة، لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان القاسمي، ولأصدقائي أهل الشارقة والإمارات الكرام جزيل الامتنان والتقدير».

وكانت “الفيصل” نشرت ملفًّا حول تجربة الروائي والقاص طالب الرفاعي، شارك فيه عدد كبير من النقاد والكتاب، تناولوا منجزه الأدبي من زوايا عديدة، نعيد نشره هنا إلكترونيًّا، مشاركة له في التكريم.

طالب الرفاعي