سفير خادم الحرمين أكد أهمية التعاون الثقافي بين البلدين الشعر السعودي الجديد يمد الجسور مع قراء جدد وجغرافيات أخرى في المهرجان الدولي للشعر في تونس

سفير خادم الحرمين أكد أهمية التعاون الثقافي بين البلدين

الشعر السعودي الجديد يمد الجسور مع قراء جدد وجغرافيات أخرى في المهرجان الدولي للشعر في تونس

لم يعد الشعراء السعوديون يفاجئون أحدًا بشعرياتهم المتفردة، ذات الخصوصيات المتنوعة، وفقًا لكل شاعر وجوّه الخاص، بل صار المتلقي العربي ينتظر من الشعر السعودي الجديد مزيدًا من الاختراق في بنى الشعر، حصة أكبر في خلخلة معمار القصيدة، وفتحها على أقاليم جديدة. صفق جمهور الشعر طويلًا، وبعضهم صفق واقفًا للشعراء السعوديين. هكذا كان حال الدورة الجديدة من مهرجان الشعر الدولي في سيدي بوسعيد، الذي اختار السعودية لتكون ضيف شرف دورته الجديدة التي أقيمت في يونيو الماضي. مثّل السعودية التي حلت ضيف شرف، كل من أحمد الملا، وصالح زمانان، وغسان الخنيزي، ومحمد الحرز، وروان طلال، وعبدالله ثابت، وهاشم الجحدلي، وزياد السالم، وإبراهيم الحسين، وبديعة كشغري، والدكتور سعيد السريحي، والناقد عبدالله السفر، والدكتور عادل خميس، والكاتب طارق خواجي. وكان لافتًا الجهود المبذولة من السفارة السعودية والملحقية الثقافية في تونس، لإنجاح هذه المشاركة كما يليق ببلد مثل السعودية وشعراء مثل الذين مثلوه في المناسبة.

روان طلال

وشكل المهرجان فضاءً ليلتقي فيه أيضًا شعراء العالم الوافدون من مختلف الأقطاب؛ إذ حمل بروشور المهرجان أسماء مهمة، مثل: الشاعر الأرجنتيني تيوكو كاستيلا، والبرازيلي ليوناردو طونوس، والكولومبي ستيفان شومي، وأيضًا أسماء كبرى من أوربا مثل: الشاعرة الإسبانية الكبيرة راكيل لانسيروس، والفرنسي فرانك سميث، والمالطي نوربرت بوجايا، والإيطالية مارثيا كاروزو. وعربيًّا الكويتي نشمي مهنا، والأردني زهير أبو شايب، ومن النقاد صبحي حديدي. الشعر التونسي كان ممثلًا بأسماء مهمة على غرار آدم فتحي، وصبري الرحموني، ومحمد العربي، وسامي الذيبي، وهدى الدغاري، ورضوان العجرودي، وجميل عمامي، وجمال الجلاصي، وسنية المدوري، كما شارك في تقديم الجلسات الدكتور جساس أنعم.

أحمد الملا

ولم يكن غريبًا أن تنفتح القرية الأندلسية التونسية «سيدي بوسعيد»، هذه المدينة التي يسيّجها جبل وبحر وصور ساحرة، على التجربة الشعرية السعودية. فأن يحتفى بالشعر السعودي في هذه القرية بكلّ رمزيّتها، فكأنّه لقاء الفكر الشعري المتجدّد الذي يأتي به شعراء سعوديّون مع سحر الطبيعة البكر في سيدي بوسعيد. والصورة في كليّتها تحمل أفقًا جديدًا واعدًا للتعاون بين البلدين. إذن، إنّه الشعر يأتينا من السعودية لتكسر الكلمة «خشب» الحدود بين البحار والسماوات وتصير الأوطان وطنًا واحدًا… حضور الشعر السعودي في تونس، مثّل مناسبة ليتعرف إلى قراء جدد وجغرافيات جديدة.

المهرجان الشعري الذي امتدّ لأربعة أيام وافتتحه السفير السعودي في تونس الدكتور عبدالعزيز بن علي الصقر، قدم شعرًا محكومًا بالحركية. تتدفق داخله وتتسلّل إلينا منه حيوات كثيرة. فداخل هذه الحركية الشعرية وهذا الحراك الثقافي، يؤسّس لعلاقات جديدة إبداعية بين السعودية وتونس أكّدها السفير السعودي في تونس في افتتاح المهرجان، لافتًا إلى أهمية التعاون بين البلدين على جميع الأصعدة، وبخاصة الشأن الثقافي. وأكد الدكتور الصقر استعداداته المتواصلة لدعم الحراك الثقافي بين تونس والسعودية، مشيرًا إلى أنه جزء مهم من المشروع الذي يشتغل عليه منذ حلوله بتونس قبل نحو سنتين.

هذا التواصل الأدبي والشعري بين البلدين أكّده أيضًا، الشاعر السعودي الكبير أحمد الملا، مدير مشروع «جسور الشعر» الذي ترجم في إطاره الشعر السعودي إلى اللغة الفرنسية، خلال كلمته في حفل الافتتاح.

احتفاء بأنطولوجيا الشعر

هاشم الجحدلي

أن يدعو مهرجان الشعر في سيدي بوسعيد السعودية كضيف شرف، رغم أنّ ضيافة الشرف ليست من تقاليد المهرجان، فهذا يحمل أكثر من رمزيّة. أوّلًا للمجهودات المبذولة ثقافيًّا من داخل المملكة العربية السعودية من أجل التعريف بإرثها الإبداعي الفني والشعري والثقافي عامة، وهذا يتجلى في المشاريع المهمة التي يدعمها البلد، ومنها مبادرة ترجمة «أنطولوجيا الشعر» إلى اللغة الفرنسية، وما فتحته من آفاق لعدد كبير من أبرز الشعراء السعوديين، للتحليق بعيدًا بإنتاجاتهم. فتظلّ الترجمة جسورًا مهمة في التعريف بثقافات الدول. وقد كان المهرجان فرصة جديدة للاحتفاء بهذه التجربة وتثمينها. وقد عرضت الأنطولوجيا والدواوين الأربعة المترجمة إلى الفرنسية في «سوق الشعر» الذي نظم على هامش المهرجان، وقد لاقت الإصدارات اهتمامًا كبيرًا من القارئ التونسي، كشف عن تعطّش لهذه التجربة الشعرية، وفضول للاطلاع عليها وتفكيكها وفهم سياقات تطوّرها.

عبدالله ثابت

والتسويق للإنتاجات الشعرية السعودية في تونس أثار اهتمام الناشرين الحاضرين في الدورة. وهو ما يؤكد أهمية الترجمة والمبادرة بالترجمة في نسج حراك شعري سعودي فريد من نوعه داخل كلّ المنطقة العربية، ويقدم نموذجًا ناجحًا عن كيفية التسويق للشعر من خلال الترجمة لدول تتكلّم غير لغتنا العربية.

لقاءات شعرية

كان للأمسيات الشعرية عبقها الخاص بحضور شعراء السعودية، وبجمهور تفاعل كثيرًا مع التجربة. الجمهور التونسي الذي تعود التقاط بعض المعلومات والمعارف عن الثقافة السعودية، أتى ليتعرّف إلى خصوصية التجربة في مصافحة «قرب» أتاحها مهرجان سيدي بوسعيد وسمح بها الشعراء السعوديون الذين كانوا منفتحين على التحاور والتواصل والتفاعل مع الحاضرين، وخوض نقاشات بكلّ مرونة واستعداد لتقبّل نصوصهم كما يراها الجمهور. والاستمتاع كذلك بمختلف التأويلات للصور الشعرية وللبناء الرمزي لهذه الصور التي يقترحونها. فهذا التفاعل بين المبدع والجمهور مبادرة اتّصالية من قرب، تؤكد استعداد ذهنية واتصالية الشاعر السعودي للتواصل والانفتاح وكسر كل الحواجز وكسر كل قوالب التنميط والأفكار الجاهزة.

سعيد السريحي

يقول إميل سيوران: «بالشعر كما بالموسيقا، نلامس شيئًا ما، جوهريًّا، وفي الشعر يستبعد الزمن، فإذا أنت خارج الصيرورة، الموسيقا والشعر غيبوبتان متساميتان». ونقول: إننا من خلال التجربة الشعرية السعودية، كنا خارج الصيرورة، خارج الزمن والمكان، داخل «غيبوبة» تفكّرية تؤسّس لحياة أكثر سموًّا بخطابات روحية تدسّها في مسامّ الجلد كلمات صادقة، حِيكَت من خلال صور شعريّة كانت خارج التوقعات، وما الشعر إلّا هذا الهدم المتواصل للمتوقع السائد من أجل بناء متوقّعنا الذي نراه أيضًا في عيون كل شاعر رفع رأسه في اتجاه سماء وبحر القرية الأندلسيّة سيدي بوسعيد، ليقول نفسه وحضارته ورسائل أتى بها من بلده، بلدنا المملكة العربية السعودية. فلنتفكّر معًا كيف يكون إنسان من دون شعر، من دون غزل الحواسّ، من دون تنهّدات الروح، من دون بنائنا؟


معز‭ ‬ماجد‭: ‬اخترنا‭ ‬السعودية‭ ‬لتكون‭ ‬ضيف‭ ‬شرف‭ ‬مهرجان‭ ‬الشعر‭ ‬لتأثيرها‭ ‬عالميًّا‭ ‬وإقليميًّا

يرى الشاعر والمترجم التونسي معز ماجد أن الجزيرة العربية هي مهد حضارة شعرية، ومن الطبيعي أن تكون الحركة الشعرية فيها متجددة. ويوضح السبب في كون ترجمة الشعر محفوفة بالمخاطر، كما يتحدث عن المحذورات التي لا ينبغي لشاعر أن يقترفها في أثناء ترجمته للشعر. يتحدث أيضًا في حوار مع «الفيصل» عن التجديد الشكلي السطحي، والموضوعي العميق، في الشعر السعودي، وعن تجربته في ترجمة أنطولوجيا الشعر السعودي وعن مدى تقبل الوسط الفرنسي لهذه الترجمة. وبصفته مشرفًا على مهرجان سيدي بوسعيد للشعر في تونس يتطرق إلى استعدادات المهرجان وإلى ضيوفه من المملكة ومن حول العالم. كما يتحدث عن مشكلة الشعر الحقيقية اليوم في زمن الإعلام الجديد، وهل استفاد الشعر من التقنيات الحديثة والوصول السريع أم إنه في مأزق؟

الشاعر مترجمًا 

  حدِّثْنا عن تجربتك في ترجمة طيف واسع من الشعر السعودي الجديد، ماذا كان انطباعك وأنت تترجِم؟ وإلامَ خلصت بعد أن أنجزت هذه الترجمة في ضوء الشعريات العربية والعالمية التي حدث أن طالعتها وواكبتها؟ 

  لقد تعرفت إلى عدد من التجارب الشعرية الجديدة في السعودية من خلال مشاركتي كشاعر في عدد من المهرجانات الشعرية العالمية على غرار لوديف وسيت بفرنسا وبصفتي مشرفًا على مهرجان سيدي بوسعيد بتونس خاصة. ومنذ بداية معرفتي بهذه التجارب انبهرت بعمق وحداثة عدد من هذه النصوص التي تمتاز بنفس تقدمي مذهل. في الحقيقة هذا ليس بالغريب على الشعر السعودي فالجزيرة العربية هي مهد حضارة شعرية بامتياز، ومن الطبيعي أن تكون الحركة الشعرية فيها متجددة، مسائلة لذاتها ولهويتها، وراديكالية في بعض الأحيان شكلًا ومضمونًا. وفي أثناء تجربتي في ترجمة الشعر السعودي الحديث تأكد لي ذلك، وتعرفت بعمق أكثر على أصوات شعرية تحاكي الكونية، ويمكن اعتبارها في مقدمة ركب تجديد الحراك الشعري في عربيًّا وعالميًّا.

  هل من تحديات خاصة واجهتكم مترجمًا؟ 

  ترجمة الشعر هي في حد ذاتها تحدٍّ ومحفوفة بالمخاطر. فخلافًا لكل تجارب الترجمة الأخرى، لا يكفي أن تكون متمكنًا من اللغتين وقادرًا على تفكيك معاني النص والوصول إلى روحه ومآربه. حتى تكون ترجمة الشعر ناجحة، فأنت مطالب بأن يكون النص في لغة الوصول قصيدة. وهذا يعني أن على المترجم أن يكون شاعرًا في لغة الوصول من جهة أولى، ويجب عليه أيضًا أن يتماهى مع روح القصيدة الأصلية وأن يتقبلها كأنها قصيدته هو حتى يتمكن من كتابتها من جديد باللغة الأخرى.

ولما ينجح في الوصول إلى هذه الحالة من تطابق الأرواح عليه أن يحذر من أن ينحاز لنفسه في الكتابة فيقع في فخ تحريف المعنى في بعض الحالات. فهو أخلاقيًّا ملزم بمعاني القصيدة الأصلية. كل الصعوبة تكمن في هذا التوازن بين أن يكون النصُّ نَصَّك إلى حد ما ولكنك في الوقت نفسه لست حرًّا في الذهاب به إلى ما قد تريده له.

التجديد الشكلي والموضوعي

  ما أبرز الخاصيات التي يمتاز بها الشعر السعودي؟ 

  من الصعب أن نقيّم بصفة إجمالية خاصيات كل هذه التجارب؛ فهذه الأنطولوجيا شملت أكثر من أربعين شاعرًا من أجيال مختلفة. لكن يمكن القول: إنها تتسم كلها بالجرأة إذ إنها من ناحية تمردت على الأنماط الكلاسيكية في الشعر العربي، وذلك بانخراطها في سياق قصيدة النثر. ولكن الأهم من التجديد الشكلي، هنالك تجديد عميق في الموضوعات المتناولة وفي الطرح الجمالي للخطاب الشعري أصلًا. فقصائد هذه التجارب تخوض في تساؤلات فلسفية عميقة وتتجرد من زوايا النظر المألوفة للمواضيع، فتذهب بنا إلى طرح جمالي مخالف ومربك في بعض الحالات، وهذا يجعل الشعر السعودي المعاصر مواكبًا لأحدث التجارب والتساؤلات الشعرية في العالم.

  في شكل عام كيف تقيم هذه التجربة لك مع الشعر السعودي، وهل تفكر في خوضها ثانية؟ 

  كانت تجربة ثرية تعلمت منها كثيرًا وأراها محطة مهمة وفارقة في مسيرتي شاعرًا ومترجمًا. لقد تقبلها الجمهور الفرنسي والنقاد بكثير من حب الاطلاع والاحترام. على سبيل المثال، علمت منذ أيام أن جامعة لوزان بسويسرا اقتنت عددًا من النسخ لمكتبتها وباحثيها، وهذا يدل على مدى الاهتمام بمثل هذه التجارب. وسأكون سعيدًا لو أتيحت لي فرصة توسيع هذه التجربة وخوضها على المدى الطويل لنحتها بصفة دائمة في مدونة الإنسانية.

محفل الشعر وضيوفه 

  بصفتك مديرًا لمهرجان سيدي بوسعيد، هل هي المرة الأولى التي يكون فيها شعرُ بلدٍ معينٍ ضيفَ شرفٍ للمهرجان؟ 

  فعلًا هي المرة الأولى التي نستضيف فيها شعر بلد معين ضيف شرف. في الحقيقة، سنوات الجائحة كانت فرصة لتقييم مسار المهرجان في الأعوام الفارطة، ولنحاول إيجاد نفس جديد لهذا المحفل ودعم انفتاحه على ثقافة التبادل والتعرف إلى التجارب الشعرية العالمية. وبما أن هذا المهرجان له طابع عالمي بامتياز؛ إذ إنه يستقبل سنويًّا عشرات الشعراء من العالم العربي وأوربا وأميركا اللاتينية وآسيا، فهذه فرصة لاستعماله كمنصة للتعريف بالتجارب الشعرية لدى الثقافات البعيدة منا. ولقد اخترنا أن تكون المملكة أول دولة تحظى بهذه الدعوة كضيف الشرف؛ وذلك نظرًا لوزنها وتأثيرها عالميًّا وإقليميًّا، وكذلك لأننا بفضل هذه الأنطولوجيا المترجمة للفرنسية، فإننا لدينا مدونة مترجمة ووازنة فكان من السهل على ضيوف المهرجان، غير الناطقين بالعربية، الاطلاع عليها والوصول إليها.


يحيى‭ ‬سبعي‭: ‬المبدع‭ ‬السعودي‭ ‬يعيش‭ ‬اليوم‭ ‬عرس‭ ‬فنونه‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬محافل‭ ‬الجمال

قال المشرف الثقافي في الملحقية الثقافية في تونس يحيى سبعي: إن قطاع الثقافة وأوجه الإبداع في السعودية تحظى اليوم بحراك شامل، «سواء من ناحية تغيير منهجية الإدارة والتواصل مع المبدع، أو من ناحية صور تقديم الإبداع السعودي داخليًّا وخارجيًّا، وهو ما كان الرهان عليه حين عملت الملحقية الثقافية السعودية وفق تمثيلها لوزارة التعليم بالخارج، وبإشراف سفارة المملكة العربية السعودية في تونس، على قراءة المشهد الثقافي التونسي وتحديد الفعاليات التي تتوافق وتلك المنهجية في إدارة الشأن الثقافي وتحقيق متطلبات المشاركات السعودية محليًّا ودوليًّا».

وأوضح سبعي، على هامش مهرجان الشعر، أنه انطلاقًا من برنامج دعم المثقفين المعتمد ضمن إستراتيجية وزارة الثقافة، «سعت الملحقية الثقافية في عمل متكامل مع هيئة الأدب والنشر والترجمة، إلى اقتراح مشاركة الشعر السعودي في مهرجان سيدي بُوسعيد العالمي للشعر، في المدة 15-20 يونيو 2022م، وعلى نحو أوسع، وبخاصة أنه سبق ذلك إصدار أنطولوجيا للشعر السعودي تُرجِمَت بالتعاون بين إدارة هذا المهرجان ومركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي «إثراء»، فضلًا عن جدارة تلك التجارب والأصوات الشعرية التي شارك بعضُها من قبلُ في فعاليات دولية، وشكّل معظمُها أفقًا خاصًّا للتجربة الشعرية في المملكة. ومن هذا المنطلق كان التوافق مع هيئة الأدب والنشر والترجمة على حجم المشاركة ومقترح أن تكون المملكة العربية السعودية (ضيف شرف) على المهرجان في دورته (الثامنة)، وهو ما لقي تأييدًا من سفارة المملكة ودفعت بالمقترح إلى أعلى المستويات بالمملكة، فبارك سمو وزير الثقافة ذلك، كما أيّدت وزارة التعليم المقترح، وصدرت الموافقة السامية على هذه المشاركة بوجهها الحديث والمتميّز».

ويُعَدُّ هذا المهرجان العالمي للشعر، بحسب يحيى سبعي، أحد التظاهرات الحيويّة «التي تنامت عبر سنواتها السبع الماضية، ولقيت قبولًا كبيرًا لتُصبح جسرًا جديدًا باسم تونس ومساهمة لافتة في المشهد الثقافي العالمي، وهو ما يُحقق للمثقف السعودي نافذة جديدة على أسئلة الشعر اليوم ومشاركة دوره في التقارب واقتحام كل المساحات المذللة أمامه من جانب المؤسسات أولًا، وإعلان انتهاء الفترة التي كان يتعذر فيها تغطية مثل هذه المشاركات لوقوف اشتراطات تحللت أسبابها وانتهت تمامًا».

ومضى سبعي قائلا لـ«الفيصل» من هنا نستطيع القول: إن المبدع السعودي اليوم يعيش عرس فنونه في جميع محافل الجمال، فبعد مرحلة النضوج التي وصل إليها المشهد الثقافي ككل خلال العقود الماضية، هو في هذه اللحظة الحاسمة مع رؤية المملكة 2030 يزيد من تطلعاته ومزاحمة المناشط الخارجية على مساحة أكبر وبأصوات جادّة وفاعلة تُضاهي النظراء من دول العالم التي لها السبق في مثل هذه التظاهرات اللافتة. ويأتي ذلك متوافقًا مع خصوصية مهرجان سيدي بُوسعيد الذي اعتمد الانفتاح على الساحات والمقاهي وصالونات الموسيقا والمسارح والمراكز، والتخلص من الاستضافات المحصورة والمغلقة في أماكن محددة ليخلق منصّات جديدة للجمهور أولًا واتصاله المباشر مع الشعراء من مختلف الثقافات، ثم تسجيل هذا التواصل للقصيدة وتكريس عالميتها في تمازج عربي وألسنة أجنبية تُلغي فوارقها الترجمة التي اتخذها منظمو المهرجان كموضوع للدورة «الشعر والترجمة»، وعبر قراءات متعددة حول الشعر والترجمة وما السؤال الراهن للشعر وكيف ستأتي الأجوبة التي من شأنها خلق مثاقفة نوعية قوامها جدّية المشاركات وإعلان النصوص بما فيها من تألق».

وأكد سبعي أن كلمة سفير خادم الحرمين الشريفين لدى جمهورية تونس الدكتور عبدالعزيز الصقر صبّت في المنحى المهم؛ مؤكدةً دور الشعر «في تقليص الحدود وتجاوز الجغرافيا وما يُمثله من ظلال كبيرة لِقِيمة الإنسان والسلام، وهو ما شكّله المهرجان من فضاء لـ«التحام التجارب الشعرية في زمن التقنية والفضاء المفتوح على الثقافات والأفكار وتقليص الأبعاد المختلفة».. مشيرًا، أي السفير، إلى أنّ الثقافة ركيزة أساسية في رؤية المملكة 2030، فالإبداع رسالة كونية عالية بين الشعوب، والشعر جزءٌ أصيل من النسيج الثقافي على أرض المملكة والممتدّ عبر التاريخ. وإنّ مشاركة شعراء سعوديين أَثْرَوُا الساحةَ الثقافية العربية في هذا المهرجان، لَتُعَدُّ صورة للقيم المُثلى التي من شأنها التفاعل مع الآخر وتنويع الاختلاف والتعدد على أرض صلبة رايتها الشعر والقصيدة. وهو يُحققه التعاون المثمر مع مؤسسات المملكة، وفي مقدمتها وزارتا التعليم والثقافة ممثلة بهيئة الأدب والنشر والترجمة، وبإشراف تام وتنسيق على أعلى المستويات من جانب سفارة المملكة في جمهورية تونس».


أربع مجموعات شعرية من السعودية:
مسالك هروب متعددة من حصار واحد

محمد‭ ‬مظلوم‭ ‬شاعر‭ ‬وناقد‭ ‬عراقي‭ ‬

في عقد الثمانينيات، وفي أثناء الفعاليات الثقافية التي كانت تقام في العراق، ولا سيما مهرجان المربد، تعرفنا إلى بضعة أصوات شعرية ونقدية من المملكة العربية السعودية غيَّرت الصورة النمطية المتشكلة في أذهاننا عمَّا وصل إليه الشعر في المعقل التاريخي للقصيدة العربية: المكان-المهد لأكبر تحوُّل ثقافي في تاريخ الأمة من الجاهلية إلى الرسالة، ومعجم بلدان الملاحم وقصص الحب. وجدنا لدى تلك الأسماء، وأبرزها: محمد جبر الحربي وعبدالله الصيخان ومحمد الثبيتي والناقد عبدالله نور، ما يبشر بِصِلة واضحة بين تراث الشعر العربي الكلاسيكي، وتحولات الحداثة في القصيدة العربية في العراق والشام.

اليوم، وبعد عقود من ذلك التحوُّل يأتي صدور مختارات من الشعر السعودي المترجم إلى الفرنسية، مُتمثلًا في أربع مجموعات للشعراء: غسان الخنيزي، وأحمد الملا، وصالح زمانان، ومحمد الحرز، ترجمها إلى الفرنسية معز ماجد ونشرت باللغتين، ضمن منشورات (أل دانتي) لتفتح أفقًا أوسع وتصبح القصيدة الحديثة في السعودية مرئية أكثر. وفي الوقت نفسه تظهر مدى أهمية أن ينشئ الشاعر الحديث زاويته ومكانه الشخصي البديل في أرض كانت ميدانًا لفحول الشعراء، من أشرافهم وصعاليكهم ولصوصهم وخلعائهم. بيد أن الصحراء شاسعة، وهي لم تعد صحراء في الواقع، بل مدنًا حضرية مكتظة.

والواقع أيضًا أن شعر هؤلاء العصبة أقرب لشعر الصعاليك المنشقين، لكن بلا عزلات في الصحراء، بل عبر علاقات جديدة، وإن بدت معقَّدة، بوقائع الحياة المعاصرة وأمكنتها، وبلغة محجبة أقرب إلى خطابات سرية هذه المرة، اتخذت حجابًا شفافًا من مجازات واستعارات البلاغة الحديثة بما تحمله من مواربة خطيرة لكتابة نصوص مختلفة نجحت في إيجاد مكانها وإن ظلَّ هامشيًّا على الخريطة القلقة على الرغم من أن العالم كله صار ضيقًا بالنسبة للأرواح الطليقة، وهو أقرب لحيزٍ لا يزال يتسم بالتهميش إن لم نقل بالعزلة والنبذ؛ لذلك عبَّر شعر هؤلاء عن تذمر وتمرد وهروب. تذمر مما آل إليه العالم المعاصر بتعقيداته. وتمرد بحيوية على إيقاع الأيام المملة، وهروب نحو أفق آخر مرتجى. هروب يسلك مسارات شتى؛ فكل شاعر من هذا المربَّع يختار ما يناسبه من مسار في ذلك الهروب، لذلك جاء شعرهم زاخرًا بـ«القلق» و«الفزع» و«مواسم غياب» في «غيوم تغيب في غيوم» وهو ما يجمع عناوين هذه المجموعات الأربع.

غسان الخنيزي: «غيومٌ في غيوم»

يمكن وصف قصائد الخنيزي بأنها قصائد إصغاء وتأمل ونظر نحو الأعالي، لكنه إصغاء ليس صافيًا تمامًا بل ملتبس بضجيج ورؤية يكتنفها العجز وتنقصها العزيمة حتى تتشكل ألفة صورية من خلال هذه الالتباسات. إنها تأملات بانورامية في الطبيعة، لكن هذا لا يعني أن شعره رعوي. بل هو شعر مدينة وبعضه مكتوب في أكثر المدن مدنيةً وتعد مراكز ثقافية وتجارية مكتظة: قصيدة: «غيماتٌ رُكاميّةٌ، فوق هيوستن». لكنه في وسط هذا الركام والاكتظاظ المزدوج يرنو نحو البعيد محاولًا محاورة الغيوم والرياح والكواكب والمجرات. «فلنستعِرْ كوكبًا آخرَ، حياةً أخرى هي كالحياةِ التي في الحكاية/ لكنّ الفضاءَ الخارجيَّ، مملكةٌ للكلامِ ليس إلَّا/ فنحنُ محمّلون بالتكهناتِ وبالشراكاتِ المزخرفةِ: أثقلُ من أنْ نطيرَ، وأقلُّ شجاعةً من فينيق».

غسان الخنيزي

إنها محاولة للانعتاق مما هو أرضي، وبهذا المعنى هي أقرب لشعر الرومانسية الجديدة في سعيها لأن يعود الإنسان إلى ملائكيته بعد أن أحالته رحلته العصيبة على الأرض إلى شيطان رجيم في جحيم أرضي من بناء الإنسان نفسه. فالرومانسية الجديدة تمثل عودة إلى البدائية من خلال استعارة تأملات إنسان الكهف وعلاقته بما حوله من عناصر الطبيعة، حيث يبدو كل شيء بكرًا، وينطوي على كثير من الأحاسيس الخفية التي تتيح برهةً من الحرية الفردية للشاعر المتأمل، وتمدُّه بمزيد من التأثيرات الشعورية العاطفية، بل تتحول هواجسه من ريبة وخوف، إلى تجارب جمالية وصافية بديلًا عن (العالم الغائم): «ضياعُ النظرةِ هو المنظرُ الطبيعي ضائعًا في الهدوءِ/ وفي انعدامِ الصوتِ الذي تكونُهُ: الريحُ والوردةُ/ والطائرُ/ الذين يألّفون المنظرَ الطبيعيَّ الغائم».

لا أدري لماذا استخدم غسان فعل الجماعة (يألفون) وليس (تألف) هل هي محاولة لعقلنة كائنات الطبيعة وعناصرها؟ لأنَّ الطبيعة نفسها قد تصبح عالمًا من الإشارات الروحية: خريطة أخرى للبحث عن أسرار الباطن في الظواهر. الطبيعة لغة صامتة لكنها مكتوبة بتوريات وبلاغات عدة. ومن المهم ملاحظة أن غسان الخنيزي ترجم أحد أهم أعمال الشاعر الأميركي جون أشبري «صورة ذاتية في مرآة محدّبة»، وشعر أشبري يتميز بالتدفق الحر واللعب اللغوي بالمفردة والجمل المركبة التي تتمدد على قصائد مكتوبة في كتل طويلة من النثر. ويعكس تأثر رسمه لـ(صورة الذات) بمدارس الفن، ولا سيما الرسم وسائر الفنون البصرية، فقد سعى إلى ملاءمة تقنياتها وتأثيراتها مع قصيدته ليجعل منها صورة تقريبية للذات الباطنة ومدونة تعكس ظهوره الشخصي في تلك الصورة. وعلى المنوال ذاته اعتمد الخنيزي في قصائده على تقنية السرد والوصف والبناء القائم على السطور المتصلة كما النثر العادي وليس التقطيع الإيقاعي؛ لذا فهي قصائد نثرية بلا إيقاع. أقول هذا لأن ثمة فرقًا مهمًّا بين (قصيدة النثر) والقصيدة المكتوبة خارج شعر التفعيلة. كما بدت قصائده أقرب إلى لوحات انطباعية ونوعًا من الشعر الوصفي يجمع بين البصري والشعوري: «هنا مخلوقاتُ الطينِ- بمائِها وترابِها/ وهنا مخلوقاتُ النارِ- بلهيبِها كثرٌ منها مأخوذٌ بنداءِ الجاذبيةِ أو الخفّةِ/ باقتراحات التأملِ أو الحبور» حتى إنه يعمد إلى رسم لوحة تشكيلية بالكلمات داخل القصيدة: «كان حريًّا أن أكونَ نورسًا ويكونَ ظهرُكِ غيمةً بيضاء».

وإذ يتخذ هروب الخنيزي من الزمن الفيزيائي الراهن إلى الزمن الشعوري شكلًا آخر في طيف لحلم بديع نحو التاريخ والأساطير والأبطال الأسطوريين والضحايا الرومانسيين وشهداء الفكرة، فإنه يلتقي النزوعَ المعروفَ لدى شعراء الرومانسية الجديدة في شغفهم بالماضي بوصفه المشهد الروحي المثالي كما في قصيدة: «حلم آشوري»: «في المهد، دائمًا، يأتي الآشوريون هازئين من نومتي، وأنا هازئٌ من بواباتهم ومن مواكبهم الجهيمة، دائمًا». وأحيانًا يتجلى في صيحة خلاص بكابوس كافكوي أو حلم (رجيم) كما يسميه في قصيدة «افتراق»: «صحبةَ كافكا أغادركم، مبرقشًا بأسمائكم وبالأسوار. في مَهدي اللدود رأيتُ الصين تعِجُّ بالعالمين/ مخرتُ عُباب الحلم الرجيم/ والناس كُثْرٌ».

أحمد الملا: «قلق الكثبان»

منذ عنوان ديوان أحمد الملا «قلق الكثبان» ومنذ أولى قصائده «باتجاه الحيرة» يتماهى القلق بالحيرة، كناية عن المحنة في عالم من التيه، ويصبح المكان جغرافيًّا شاسعًا لذلك التيه، سواء كان مهدًا أو قبرًا، وسواء كان في (الأحساء) أو (هيوستن) حيث تدور معظم القصائد: «في الأحساء، تَكلّمَتْ نخلةٌ مُثابِرَةٌ في أحلامِي،/ سِدرةٌ خَبّأتْني في كَهْرَمَانِها،/ وأغْوَتْني في الظهيرةِ فِلقَةُ رُمّان./ لمّا جِئتُ هيوستن رأيتُ بعينينِ جاحظتينِ/ إلى أينَ امْتدَّ جَهلي بالأمل».

قلق وحيرة معبر عنهما بسؤال: من أنا في هذا المكان؟ حتى لو كان مكانًا حميمًا في دفء البيت وحميمية الأسرة أو محافل الأصدقاء؛ لأن المكان هو الحدث، وهو صورة مركبة من علاقات وتفاعلات وتصادمات بشرية، وهذا ما يغير سمات أي مكان. فالوجود الشخصي في المكان هو حالة وجودية، بمعنى أن توجد في مكان ما وتجمعك أسباب للعلاقة مع ذلك المكان. حتى إنْ تجلّت تلك العلاقة في حالة من التصادم أو النفي، فإن الشاعر محكوم بأن يوثق ذلك في مدونة جمالية مستنفرًا كل قوى الخيال الشخصي: «حظّي قليلٌ مع الناس حين يعرفونني جيدًا،/ لي حديقةُ أفكارٍ مهجورة؛/ يتراقصُ فيها جِنٌّ وأبالسة».

وعلى عكس اتجاه الخنيزي، نحو الأعالي، يعمد الملا إلى الغوص والبحث في الداخل عن عالم بديل، ليس بديلًا للعالم بأسره بل بديلًا للعالم الشخصي. وإذ رصدنا مع الخنيزي حالة بحث تبصري كوكبي، فيمكننا أن نشخص لدى أحمد الملا حالة تنقيب منجمي في باطن الأشياء، فهو يلتقط بعينيه صورة فوتوغرافية للتمظهرات الصغيرة المبذولة: المعاني المطروحة على قارعة الطريق على رأي الجاحظ، ويغوص فيها ويقلب احتمالاتها ببصيرة عابرة وبصور مكثفة ولغة تنحو إلى الإيجاز والجمل القصيرة المحكمة عكس الخنيزي حيث التدفق والتداعي في العبارات الذي يقارب الانثيال: «وها نحن ناقصين،/ يتلفّت كلّ واحد منا/ ويشكّ أن قمرًا بعين جاحظة،/ يحدّق في وحدته». وفي هذا الجو من انتهاك الفردانية تصبح حياته الشخصية نفسها خصمًا بل عدوًّا لدودًا: «تلك حياتي يا لَكثرتها يومَ هجمتُ».

المشترك بين المجموعتين مأزق الشاعر، متذمرًا بلا حلول مرة وتواقًا لبدائل مرة أخرى. إنه آخر من بقي من البشر يتذكر حياته في الفردوس قبل أن يُنفَى إلى هذه الأرض، وإنه أكثر البشر إحساسًا بوطأة البلاء الذي يحياه، منذ أول هبوط قسري لأبيه آدم. وهو الأكثر استشعارًا ببلاء اللعنة، لهذا يتوق لعلاقة أخرى مع السماء لتجديد تلك الصلة، مرة بهجاء الأرض ومن عليها، ومرة في النفور من بشرها، ومرة في تدبيج مدائح لمناقب العالم الآخر.

يصبح العالم كله منفى، ليس منفى مكانيًّا بل هو ملكوتي كوني منذ الخليقة، أو على الأقل منذ لحظة الولادة، ومنذ أول خطى بشرية على الأرض-المنفى: «نُفينا إلى هذا الكوكب/ وتبعنا شيطانٌ رضينا به/ وأرضعناه/ حتى اختفى فينا». وتصبح رحلة البحث عن حياة بديلة سلسلة إضاعات وهدر للحياة الأصلية: «ما أبحثُ عنه:/ أضعتُهُ من يدي مبكّرًا/ وأنفقتُ حياتي أفتّش عنه».

في مجموعتي (الخنيزي) و(الملا) سيرة محجبة وليست صريحة، فنحن نقرأ عن رأي الشاعرين في الحياة والعالم. لكننا لا نكاد نعثر على حياتهما أو عالمهما اليومي البسيط. صحيح أننا قد نجد ملامح سيرة في إيحاءات عبر مشاعره تجاه الآخرين وعلاقته مع ظواهر الحياة وموقفه إزاء العالم، لكنها تكاد تندرج في حقل التحليل النفسي لشخصية الشاعر وهي ظاهرة عامة، بينما تنحسر التفاصيل التي تفصح عن هوية الشخص اليومية ذات البنى العميقة. لا بد من التفريق هنا بين الذاتي والشخصي وهما حقلان لهما دراستان مختلفتان. عادة ما يكون المرئي محايدًا وعامًّا في الشعر، ثم يأتي الشاعر ليجعل منه شخصيًّا.

وإذا كان الخنيزي اتجه نحو الفضاء والمساحات المفتوحة والبرية بلا مقدماتٍ، فإن شعر الملا يحاول أولًا أن يعبر عن الضيق من خلال تجسيد مشكلته مع المساحات المغلقة: الغرف الضيقة والجدران والشوارع المكتظة. لكنه في النهاية يلتقيه في البحث حين يستذكر أنَّ للشاعر حياة وذكريات في مكان آخر: «كنتُ البدويَّ/ في الصمّان،/ والذِئبَ الجريح في الربعِ الخالي،/ بيني وبين النجوم،/ نَسَبٌ ورِفقةُ حُدَاء».

صالح زمانان: «ميثولوجيا مختصرة للفَزَع»

الفزع أحد أقدم المشاعر التي عرفها الإنسان، ولا يزال قرينًا له على مر العصور. إنه الأسطورة الخفية للأبطال، تراجيديا النفوس المكابرة. لهذا فسَّره الفلاسفة الوجوديون بأنه حافزٌ أساسي لاستنفار حيوية الإنسان. وصالح زمانان يميل للتفلسف، وينهل من الفكر الوجودي في ديوانه «ميثولوجيا مُختصرة للفَزَع». ثمة نزعة من عدمية وجودية وتشاؤمية تعبر عن واقع المأزق البشري وتتعلق بالقلق والموت والعزلة، وهو ما أضفى على عبارته الشعرية وتراكيبه اللغوية نبرة صائتة وخطابًا موتورًا وبناءً إيقاعيًّا للجملة بحيث جعلها تأتي أحيانًا موزونة في قصيدة نثر: «وقبيلةٌ من دودة القزِّ ماتت وهي تصنعُ ما تبقى من ثيابي».

صالح زمانان

كما يهتم بالحبكة: الحفاظ على البناء المحكم والمتصل للنص، وهو ما يشي بملامح واضحة لقصة داخل الشعر. فقصيدته ذات نزعة قصصية، ممسرحة أحيانًا عبر فواصل الأسطر وتعدد الأصوات ومحاولة خلق دراما موجزة كما في قصيدة «فوق جسر ونهر»، لكن بقليل من التقطيع الصوري والكسر المتعمَّد لسياق الجملة. هذا الاهتمام بالبناء وإن على حساب خلق الصور الشعرية أتاح له ميزة عن سابقيه؛ إذ نلمح إشارات لسيرة وتجربة تظهر لدى زمانان، كما في قصيدة «ذنوب بوكوفسكي». بيد أن عموم شعره بانوراما للعواطف والمشاعر والأفكار عن القحط الروحي. فالوجود محنة والمياه عطشى، والزمن وحيد منذ الأزل، منذ ميلاده، والفجر يلدُ ظهيرة عجوزًا، وصور البطل تكشف عن فرد طريد أعزل تائه، ومصير أبطال القضايا الخاسرة في الشرق يتلخص بين المنافي والمعتقلات، والمخيمات، وفي أحسن الأحوال في الحانات والمقاهي الرثة وسط غياب للصلات في عالم مغلق روحيًّا على الرغم من السيل الجارف من مظاهر خارجية عن التواصل.

إزاء هذا الكم الهائل من الأهوال لا نستطيع التفكير في خياراتنا في الحياة، علينا فقط أن نعيشها، حسب كيركغارد؛ لذلك جاء شعر زمانان أكثر فداحة وخيبة أمل من هذا العالم من أقرانه. فشخصياته منعزلة وهرمة (عزلة الرجل الكهل) وهي تجسيد واستعارة لقناع فني، بهدف إحداث انطباع واضح لدى الآخرين عن (آخرين)، وهو في الوقت نفسه حجاب لإخفاء الطبيعة الحقيقية لـ(الفرد) نفسه عن الآخرين، ويمنح القصيدة تأثيرًا متقطعًا يصور مشاعر المتحدث. «العزلةُ/ أن تكونَ طفلًا/ والعالمُ حفلةٌ/ لكبارِ السنّ!».

فالعزلة إذن اغتراب فردي وسط حشد غريب، وهو في الوقت نفسه تعبير عن انشقاق يتمثل في (الإمبراطور العاري وصرخة الطفل). وإذ يقوم البناء الموضوعي لقصيدته على ثيمة الفزع من العالم والمحنة في ليل كافكا، حيث الفراغ والعدم والمسوخ والمشرَّدون، فإن البناء الأسلوبي لقصيدة زمانان القصيرة يعتمد على الكلمة التي تقوم مقام الجملة، ويزهد في التجريد، ويستبدل الصورة بالفكرة /الصرخة. وهو ما خلق أجواء غنائيةً تصبح فيها النبرةُ أسلوبًا ومزاجًا شخصيًّا تجاه الآخرين: «خذوا كلَّ هذه المُدن/ وافسحوا طريقَ الهلاك» أو: «لا تَرْبُطُوا حصاني في الإسطبلاتِ/ اترُكُوهُ يهربْ صَوْبَ السُّفُوحِ البعيدةِ/ تفترسه الذئابُ/ ويموتُ معي/ أمتطِيهِ ونقطعُ العدمَ».

هذا النزوع نحو أَنْسَنة الأشياء وفداحة مصيرها المشابه لمصير الإنسان المعاصر تتلاحق تمثيلاته في قصائد الديوان: فصفير القطارات الحزينة على المنتحرين أمام عرباتها يكاد يشبه صهيل الخيول المحتضرة مع فرسانها. والفزاعة التي تتحول إلى صليب، والثيران المقتولة في حلبات التسلية، وقطيع الجواميس المهاجرة صوب الينابيع، لكنها تواجه مصيرها وتهلك من الظمأ لتصبح عظامها دليلًا في طريق هجرة أخرى لقطيع أو حشد بشريٍّ. وهكذا هي مصاير جميع التائهين وهكذا هي رحلة الشاعر في الحكاية الملحمية المأساوية التي تنتهي بـ(انتصار العدم) فلا يملك الشاعر سوى أن يبوح بفيض من المشاعر العفوية، ويحلم بانتحار شاعري! أو يعبر عن رهبة طفولية بدائية تجاه الأشياء والعالم. «كلما سَمِعْتُ القِطاراتُ/ صَمَمْتُ آذاني/ صوتُها لا يُزعجُني/ لكنَّ أولئكَ الذين انتحروا أمامها/ ما زالوا يَصرخونَ!».

تكتمل بانوراما الفزع لدى صالح زمانان في شبح الحرب التي تبدو كابوسًا أبديًّا في حياة الإنسان، كابوسًا يتجدد ويتغول كلما بدا الإنسان مدنيًّا في الظاهر: «كلُّ الأزمان تمضي/ إلا زمن الحرب».

محمد الحرز: «نواة لمواسم الغياب»

شعر محمد الحرز أقرب من أقرانه لشعر السيرة والتفاصيل. وإذا كانت قصائد صالح زمانان قد أظهرت ملامح لسيرة جوّانية من خلال المشاعر والأفكار، بما يمكن وصفه بسيرة ذهنية روحية، فإن الحرز يضع يديه على كل ما هو ملموس وعينيه على كل ما هو محسوس محاولًا استكشاف ما هو خفي أو كامن خلفها، ليعبر به عن طيفيَّة ذكرياته وضبابية أيامه في مساحة محدودة وعالم محدد من أمكنة وشخصيات تتحدث مباشرة بلسان الشاعر غالبًا، وبالمواربة خلف الآخر عبر ضمير الغائب أحيانًا أخرى، يعبر عن تفاصيل في المنزل والعائلة وذكريات الطفولة والتغييرات التي تطرأ على الحياة. لتكشف قصائدهُ عن مأزق هوية مزدوج: شخصي-فردي، وآخر اجتماعي-جماعي:

محمد الحرز

«كان لي في الصغر اسمٌ،/ لاحقًا أبدَلَهُ والدي باسمي الحالي./ لم أدركْ سببَ التغيير،/ ولم أحاول معرفة ذلك، لا من أبي أو أمي». حتى حين يحاول تجاوز ذلك المأزق بمحاولة توسيع مساحة الزمن الشخصي للحكاية فإن حصيلة التوسع تتكثف داخل السلالة نفسها: الأب والابن، نزولًا للحفيد وبالعكس. وما إن تتسع مساحة الحكاية أكثر قليلًا مجسدة في صورة الجماعة، ثم أكثر في صورة البلاد، حتى تصبح بئرًا تحيل رمزيتها إلى بئر يوسف: «ولأن الماء الذي تفجّر من صخرة حياتك/ هو أيضًا لم يلتفت/ ثبّتْ قدميك على الأرض/ ولا تثر غبار الحيرة في وجهك».

قد لا يغيّر الشعر المكتوب عن الحياة الشخصية تلك الحياة فعلًا، لكنه يحتجّ على مكابداتها بتوصيفها، ويحتفل بذكرياتها أو يؤبِّنها، ويمدحها أو يهجوها، لكن الأمر يتطلب مزيدًا من الجرأة على الاعتراف وتحريض ما هو مكبوت ليكون مكتوبًا أو متدفقًا بحرية: «لستُ جريئًا بما يكفي/ لأفتحَ الحنفية عن آخرِها/ وأتركَ مياه غيابك/ تتدفق في حوضِ حياتي/ بالكامل».

بيد أن الشاعر ليس مقدم نشرة أخبار عن حياته اليومية أو الظاهرية، بل مهمته الغوص في أنفاق الباطن ومناجمه. قصائد الحرز على الرغم من حميميتها تنطوي على قدر من التشاؤم منذ العنوان فهو يزرع أو يخبئ «نواة لموسم الغياب». إضافة لما يحمله العنوان من مفارقة سوداء، ثمة مسحة تشاؤمية، لكنَّها أقل عدمية مما لدى صالح زمانان، فهو يبوح بها بشفافية أكثر، ونبرة أهدأ، بالنزوع إلى نوع من الغنائية الحداثية. أقول الحداثية لأن مفهوم الغنائية الكلاسيكية تغير، وصارت له سمات مختلفة في شعر الحداثة. فلم يعد الأمر يتعلق بشكل مقفَّى، بل بمستوى النبرة وطبيعة البناء القائم على تدخل الأصوات، ولا سيما ضمير المتكلم للتعبير عن التجربة الشخصية، أو التذمر من المكابدات في زمن صعب وعالم مشحون بالقسوة، حتى إنها تقترب أحيانًا من كونها انكفاءً نحو حوار داخلي، ولو كان الحيز ضيقًا وعالمه محدودًا، وتفاصيله اليومية شحيحة، فإنه يعمد إلى محايثة سيرته الشخصية بسيرة خارجية (قصيدة: سيرة ذاتية للطريق):

«في هذه الطريق التي أقطعها بين منزلي والعمل/ عشر سنوات انفرطت كاللآلئ من عقد أيامي».

القسم الثاني من المجموعة يتكون من 22 قصيدة قصيرة، أو بالأحرى (أقصر)، ذات أسطر ثلاثة أو أربعة، فيصبح تكثيف العبارة فيها أقرب للتقطير. تقطير عبر المفردة يشبه سقوط قطرات مطر في أول الغيث على سطح معدني بإيقاع متباعد. ثم تأتي المفارقة البلاغية لخلق التوتر فيتغير المعنى، عندما توضع الكلمات فيما يتعلق ببعضها الآخر. وإذ «لا أفكار إلا في الأشياء»، بحسب عبارة ويليام كارلوس ويليامز الأثيرة، فلا بد أن تأتي الكلمات بقدر الأفكار، لتصبح الفكرة صورة مرئية بأقلِّ عدد من الكمات. إنها بساطة لا ينقصها العمق، تحمل سخرية سوداء أو فكاهة صرفًا، أو دهشة أو صدمة، وتورية في المعاني. إنها استعارة لبيت القصيد في الشعر العربي: «تمهل أيها الحطاب/ لم أبصر في حياتي شجرة/ تركض خوفًا من الفأس!».

والواقع أن بنية المفارقة أساسية في الشعر عمومًا، لكنها شاعتْ مؤخرًا في القصائد القصارـ على نحو تأليفي قصدي. وعمومًا فإن نفَس الحرز نفَسٌ قصير شكليًّا لكنه ينفث أنفاسًا لاهبة ومكثفة تعكس الضيق النفسي والاحتقان الداخلي؛ بسبب أهوال العالم الخارجي للألفية الثالثة الصادمة.


أنطولوجيا «رمالٌ تركضُ بالوقت»
من شعرية الذاكرة إلى شعرية الترجمة

رشيد حجيرة شاعر وناقد مغربي

على سبيل التقديم

أخذت، مع نهاية القرن العشرين ومطلع القرن الذي يليه، شبكة الشعر السعودي المعاصر تتشكل وتتوسع، وفق نظام بنية بلورية مؤلف من خلايا شعرية صغيرة مُشكَّلة ومرتبة بطريقة قابلة للانفلاق. وقد اقترن هذا الإبدال الذي مس بناء القصيدة الجديدة بتجذير اختيار الحداثة عند شعراء سعوديين طلائعيين استطاعوا بوعي نظري وجرأة فنية أن يعيدوا النظر في مجموعة من المسلمات والتصورات والأشكال القبلية التي ظلت متحكمة في الذائقة الجمالية، ومترسخة في المتخيل العام؛ مما منح القصيدة السعودية الحديثة مكانة معتبرة، خولت لها تثبيت المكتسبات وتطوير الاقتراحات، بناءً على معرفة شعرية حديثة في زمن جديد.

من هذا المنظور، أصبح الشعر السعودي الجديد مختبرًا لرؤى تفعل في المتخيل العام، ومشتلًا لإنتاج أعمال وأعلام مهيأة بأسئلتها ورهاناتها للاندماج في الحركة الشعرية العالمية. ومن تجليات هذا الانخراط، الديناميكية غير المسبوقة التي يعرفها المشهد الشعري السعودي على الأصعدة كافة، ومشاركة ثلة من الشعراء السعوديين في مهرجانات شعرية دولية، وما واكبه من ظهور ترجمات فردية لدواوين من الشعر السعودي المعاصر إلى لغات أجنبية، هذا فضلًا عن إصدار أنطولوجيات شعرية دولية بلسانين، كما هو الشأن بالنسبة لــ«رمال تركض بالوقت»، الصادرة عن دار النشر آل دانتي، سنة 2021م، التي انتقى قصائدها بعناية لافتة الشاعر والناقد عبدالله السفر، وترجمها إلى لغة موليير، بحساسية فائقة، الشاعر والمترجم التونسي معز ماجد.

أنطولوجيا في ضيافة اللغة الفرنسية

أبرار سعيد

ضمت أول أنطولوجيا دولية للشعر السعودي الجديد مترجمًا إلى اللغة الفرنسية، عينة من الشعراء الذين يساهمون كأفراد لا كجماعات، وكأصوات لا ككورالات، في صناعة مشهد الحداثة الشعرية في المملكة العربية السعودية. وهي ميزة تجعلنا لا نتردد في القول: إن هذا الديوان سيكون له، بلا ريب، دور في إعادة قراءة الشعر السعودي في سياقه المحلي والجهوي والعربي والدولي. وقد اعتمد عبدالله السفر الفهرست الأبجدي الحيادي في ترتيبه أسماء الشعراء المشاركين في الأنطولوجيا، ولم يلجأ إلى المعيار الزمني، ما دام الناظم الأكبر لحداثة القصيدة السعودية هو الحرية. وهو ما صرح به في تقديمه للعمل، فلنترك له الكلام:

«تظهر كل بضع سنوات أسماء جديدة تلتحم بأسماء سبقتها ولكن تجتمع معها على قصيدة جديدة لا تكف عن التطوّر متخفّفة من المعايير والنماذج ومن المسطرة النقدية، وبات عنوانها الحرية، يستوي في هذه تلك الأسماء التي تنتمي جيليًّا إلى التسعينيات أو إلى ما بعدها من جيل العشريّة الأولى والثانية». هكذا، وبضربة أبجدية، افتتحت الشاعرة أبرار سعيد -التي تريد أن تكون مركز هذا الدوار وغيابه العميق- الأنطولوجيا، ليختمه الشاعر ياسر العتيبي بقصيدة «أحيانًا تسقط متعبة».

وما بين ألف وياء تجاورت أصوات نخبة من الشواعر والشعراء. كلٌّ بــ«صوته الشخصي الذي يؤشر على خصوصية تجربة رغم الانتماء إلى الفضاء نفسه». وعبر خمسة وثمانين نصًّا شعريًّا أو يزيد، يسافر بنا هذا العمل في رحلة ماتعة عبر متخيلات سابحة لثلاثة وأربعين شاعرًا، لا يلتفتون قطُّ إلى الوراء ولا يتلكؤون في التقدم صوب حريتهم عبر مسالك فردية وغير مطروقة بحثًا عن كتابة شعرية جديدة في الرؤية والإنجاز على السواء، تجريبًا وتجديدًا في آن معًا، من أجل إبداع يقيم في المستقبل، حيث ريح القلق ترج شجرة الأنساب الشعرية، وماء المحو يطمس بلا هوادة مرجعياتها السالفة أو المتاخمة، كي يفتح دومًا ما تغلقه الدائرة. ذلك أن «الشعر لم ينطق بحقيقة محتجزة في الماضي البشري، بما هو زمن لحياة تكاد تتحول إلى مادة تستهوي أصحاب المتاحف». بل إنه إمكان تخييلي لغوي وإيقاعي نابع من مكابدات جمالية ووجودية صقلتها الدربة والتجربة معًا كي يصير نشيد الإنسانية الأول ومستودع أسرارها الأكبر.

من هذه الزاوية يمكن الدنو من أنطولوجيا «رمال تركض بالوقت»، بوصفها اقتراحًا جماليًّا مغايرًا ومغامرًا تتواشج عند تخوم نصوصها أسئلة الذات والآخر، وتتداخل عند مضايقها أجناس وأشكال شعرية، مما يؤشر على أن انفتاح القصيدة السعودية الجديدة على غيبها هو الانفتاح ذاته على سؤالها الحيوي الذي به يخط الشاعر إمضاءه الشخصي. فــ«في الشعر كان الناس، على الدوام، يحسون بكوْن ينشأ ولا ينتهي، متكلمًا بأسرار كل مرة يتسابقون نحوها فلا يصلون. تلك كانت طريقة الشعراء الأساسيين، في لغات وحضارات، وهم ينقلون الكلام البشري إلى مرتبة النشيد الأصفى، المتفرد واللامقارن. من نفَس إلى نفَس».

احتمالات القراءة

تختزن أنطولوجيا «رمال تركض بالوقت» أضلاعًا متعددة، وهي بهذه الخاصية تمنح القراءةَ زوايا نظر مختلفة. لكننا، في هذه الدراسة، سنسلط الضوء على محور الترجمة والحداثة بأضلاعه المُشكَّلة؛ لسببين بارزين: أولهما صدور العمل بلسانين عربي-فرنسي، وثانيهما الأثر الجلي للترجمة في حداثة منجزه النصي.

المجاورة بين اللسانين

كانت الترجمة، ولا تزال، جسرًا يصل بين حضارات الأمم، ورافدًا يغني الفكر ويجدد الأنساق لإنماء صرح الهويات بعيدًا من أوهام الأصل وأعطال الانسداد. فهي ليست عملًا غفلًا أو محايدًا يتوقف فعله وفائدته عند حد النقل من لغة مصدر إلى لغة هدف. بل اختيارًا حداثيًّا تؤطره رؤية إستراتيجية تنموية تتصل بالترجمة ورهاناتها والتحديث وآفاقه. وضمن هذا التصور الحضاري الشمولي، وفي صلبه يندرج مشروع الأنطولوجيا الدولية للشعر المعاصر السعودي.

وترجمة الشعر من القضايا الأكثر إثارة للجدال منذ القدم. وبين موقف رافض عدّها مهمة مستحيلة وآخر مؤيد قدَّر أنها صَنعة ممكنة، أنجز المترجم معز ماجد عمله من دون أن يلتفت إلى الجلبة. ولعل ما أهله للقيام بترجمة تُباري الأصل، شاعريته وتجاربه الشخصية السابقة في ترجمة دواوين شعراء تضمهم الأنطولوجيا؛ كفايات أهلته لنقل الكلام الشعري باللسان العربي إلى اللسان الفرنسي، موالفًا بين شكل القصيدة ومحتواها، وبين صورها وتراكيبها. وهو بهذا المجهود، أبطل قولة الجاحظ المشهورة حول استحالة ترجمة الشعر، وأنجز المُتعذّر محافظًا للقصيدة على مائها ورونقها، مانحًا إياها جسر عبور إلى لغة أجنبية تمتد سلطتها إلى ثقافات متنوعة.

وقد هيأ لنا إصدار الأنطولوجيا في طبعة مزدوجة عربية-فرنسية كقراء مفترضين، موجبًا لقراءة نصوص الأنطولوجيا الصادرة بلسانين بطريقة مغايرة، فنُلقي نظرة ذات اليمين وذات الشمال، لمعرفة الأصل وتفقد مآلاته. يقول أمبرتو إيكو في هذا السياق: «عندما أقرأ ترجمة شاعر أساسي لقصيدة شاعر أساسي آخر، فلأنني أعرف الأصل وأريد أن أعرف كيف آلت القصيدة عند الشاعر المترجِم». إن هذه النظرة المضاعفة، تتيح لنا إمكانية العبور ذهابًا وإيابًا بين ثقافتين متباينتين، فيما هي تسمح، أيضًا، بالإقامة في غيب لغتنا العربية وعبقريتها، والضيافة في رمزية اللغة الفرنسية وإيحاءاتها. و«على هذا النحو تبدو المنشورات مزدوجة اللغة، لا نشرًا للنص ولا نشرًا لترجمته، وإنما نشرًا لحركة انتقال لا تنتهي بين (أصل) ونسخ. فهي إذن لا تتوجه نحو قارئ لا يحسن اللغة الأصل، ولا نحو ذلك الذي يجهلها، وإنما نحو قارئ يفترض فيه لا أقول إتقان، وإنما على الأقل استعمال لغتين يكون مدعوًّا لأن يقرأ النص بينهما، قارئ لا ينشغل بمدى تطابق النسخة مع الأصل، وإنما قارئ مهموم بإذكاء حدة الاختلاف حتى بين ما بدا متطابقًا، قارئ غير مولع بخلق القرابة، وإنما بتكريس الغرابة، قارئ يبذل جهده لأن يولّد نصًّا ثالثًا بعقد قران بين النصين وبين اللغتين».

وبلا ريب، يمكن أن يحقق الإقدام على ترجمة مختارات من الشعر السعودي الجديد إلى اللغة الفرنسية، على الأقل، غايتين اثنتين؛ أما الأولى فتراهن على التعريف براهن الشعرية السعودية، بملكاتها وقوالبها، وبمتخيلاتها وجمالياتها. وفك العزلة عن قصائد شعرائها وتوسيع أفق تلقيها في مغارب جديدة؛ إنها تأشيرة عبور مفتوحة ليس إلى الثقافة الفرنسية فقط، بل إلى الثقافة الفرنكوفونية ككل. ولعلها فرصة سانحة لتشييد حوار بين الشعرية السعودية بعمقها العربي ونظيرتها الفرنسية بامتدادها الفرنكوفوني. أما الغاية الثانية فتتمثل في إخصاب تجربة شعراء الأنطولوجيا بقراءات قادمة من ضفاف أخرى، تخول لنصوصهم الخروج من ضيق المحلية ومعانقة رحابة الكونية، والانخراط بالتالي في تشكيل ديوان الشعر العالمي.

الترجمة وحداثة الخطاب الشعري للأنطولوجيا

تنتمي نصوص الأنطولوجيا الشعرية «رمال تركض بالوقت» إلى مناخ الحداثة؛ فقد جاءت حاملة لكثير من خصائصها. فبسبب حركية الترجمة، واطلاع الشاعر السعودي المعاصر وتفاعله مع ما يَعتمل في الغرب من تيارات ورؤى وتصورات، وما يموج فيه من أفكار ومذاهب ونظريات، تتصل بالشعر وعوالمه، تغيرت قوانين بناء القصيدة السعودية المعاصرة، ووقعت إبدالات جوهرية في بنياتها. فقد وجد الشعراء، الذين ضمتهم الأنطولوجيا، في تجارب شعرية تنتمي إلى سلالات مغايرة، ما يوافق سؤال زمنهم الشعري، ويتجاوب مع طموحاتهم، كلٌّ وفق تمثلاته، في كتابة قصيدة حديثة تنفصل عن مرجعية الشعرية العربية القديمة، وتنفصل في بنائها ومتخيلها عن سلطتها.

أحمد العلي

لهذا السبب، نعثر في التقديم المُركز الذي أعده عبدالله السفر، للتعريف بشعراء الأنطولوجيا وأعمالهم، على حركة نشيطة للترجمة الأدبية، باشرها ثلة من شعراء الأنطولوجيا، ذهابًا وإيابًا بين اللغة العربية واللغات العالمية، التي امتدت لتشمل أجناسًا أخرى غير جنس الشعر، حيث كانت حصة الرواية من الترجمة معتبرة.

وهذا المعطى إن كان يسمح للملاحظة العابرة أن تتفطن إلى الإغواء الذي يمارسه هذا الجنس الأدبي على الشاعر السعودي المعاصر، فإنه لا ينبغي أن يحجب عن العين الفاحصة ظاهرة انصهار المكونات السردية داخل بنية الخطاب الشعري للأنطولوجيا، وهو مشروع قراءة محتملة ومرجأة معًا، للبحث في طبيعة العلاقة بين الشعري والسردي وأشكال تحققه وتجلياته في متنها.

وفضلًا عن ترجمة أعمال روائية، ترجم أحمد العلي منتخبات من أعمال الشاعرة نعومي شهاب ناي تحت عنوان «صندوق الموسيقا»، و«أصوات الطبول البعيدة» وهي منتخبات لأشعار صوفية. كما ترجم الشاعر شريف بقنة إلى العربية: مختارات من الشعر الأميركي، وانتخب أيضًا من الشعر العالمي مئة قصيدة ونقلها إلى العربية، وعنونها بــ«بعد أن وُلدتُ حبسوني داخلي». إضافة لترجمته أشعار دريك والكُت الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1992م. وفي المنحى نفسه، ترجم عبدالله حمدان الناصر إلى العربية: «ملك الفجوات» وهي شذرات للشاعر «فيرناندو بيسوا» وهو واحد من أعظم الرموز الشعرية في البرتغال، والعالم بأسره.

إيقاع الذات بصيغة المشترك الجمعي

كانت الترجمات الشعرية من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية منهلًا ثقافيًّا لشعراء الأنطولوجيا. وأدى اطلاعهم على نماذج منها، أوربية وغير أوربية، إلى حصول انعطافة حاسمة غيرت قواعد اللعبة النصية رأسًا على عقب. كما أسهم إتقانهم للغاتٍ عالمية في تحديث القصيدة السعودية المعاصرة، التي عملت على تطوير ملكاتها وتجديد قوالبها عبر ضخ روح جديدة في لغتها، التي إن حافظت على معجمها ونحوها وصرفها العربي فإنها أبدلت بنيتها. في هذا السياق نلحظ إيغال نصوص الأنطولوجيا في همومها الذاتية بوعي شعري حصيف، ينأى بها عن كورال الذاكرة وصوت الجماعة، فيما هو يحصنها من فجاجة الفرد، وفق حساسية مفرطة في قلقها، تصيخ السمع للذات بما هو إصغاء للجمعي وللتاريخي معًا، كما ينبهنا إلى ذلك هنري ميشونيك.

وبناء على هذه الرؤية تطفو على سطح المشترك النصي ثيمات الألم والتيه والقلق والموت واللعب والخسران، والحزن والسخرية… التي تُكثَّف دوالها بصورة مشعة تمنح القصيدة صفة الدمغة الذاتية، كما نقرأ مثلًا في رثاء شريف بقنة لابنه في قصيدة «رحلت ترتدي النهار»، أو في قصيدة غسان الخنيزي «ضياعُ النظرة في يومٍ غائم»، التي نقتطف من أجوائها هذه الأبيات للتدليل على ما ذهبنا إليه. يكتب:

«المشوارُ الذي يأخذُني كلَّ يومٍ/ لحظةَ ترين ضياعَ نظرتي، أكون هاربًا من غيابِهِم المزمن/ لأنهم يموتون كلّ لحظةِ تَذَكُّر/ فيلطّخُني وجعُهُم، وأنينُهُم،/ وضِيقُ نفَسِهِم، وغيبوبتُهُم».

الترجمة وهجرة الأجناس الشعرية

نصادف في الأنطولوجيا أشكالًا شعرية عدة وافدة من ديوان الشعر العالمي، الذي أفاد منه شعراؤها، ونهلوا من مرجعياته المتنوعة، فأبدعوا نصوصًا بملكة لسانية عربية وقوالب غربية. وهو إبدال في النظر إلى الجنس الشعري، انتقل به الشاعر السعودي الجديد من بنية «قصيدة التفعيلة» إلى بنيات «الكتابة الشعرية المفتوحة»، بعد أن تحول شعر أوربا وغير أوربا، بأعلامه وأعماله، وأشكاله ورؤاه، إلى محدد مركزي للنظر في بناء القصيدة السعودية المعاصرة كما لحداثتها، التي عثرت في نظيرتها الغربية على ما ينمي رغبتها في الانتماء إلى فكرة شعرية كونية.

وقد عملت الترجمة بطابعها الحيوي على تحقيق هذه الرغبة، عبر تأمين هجرة أجناس شعرية، استقبلها شعراء الأنطولوجيا في ثقافتهم ولغتهم وقصيدتهم، فصهروا ما استقوه ضمن إطار إنساني، يوازن بين الذات والآخر. في هذا السياق، نلحظ انخراطًا غير مشروط لشعراء الأنطولوجيا في كتابة قصيدة نثر مائزة، وانجذابًا إلى قصيدة الهايكو والنص-الشذرة.

قصيدة النثر

تُبدي أنطولوجيا «رمال تركض بالوقت» شغفًا كبيرًا بقصيدة النثر، بل لعلها رهانها الأكبر. حيث يبدو العمل كأنه كتاب جينوم شعري يؤرخ لسيرة هذا الجنس في المملكة، وهو يصاغ بأيادٍ كثيرة ويرفد بمتخيلات عدة تمتح من تجارب ورؤى متنوعة. وقد وُفِّق الشاعر والناقد عبدالله السفر إلى حد كبير في اختيار الشعراء وانتخاب نصوصهم، فجعل من قصيدة النثر الخيط الناظم بين الأجيال والتجارب في الأنطولوجيا.

فابتداء من الشاعرة فوزية أبو خالد- التي يُعَدّ ديوانها الأول «إلى متى يختطفونك ليلة العرس»، الصادر عن دار العودة ببيروت، وللمكان رمزيته، في سبعينيات القرن المنصرم، وشمة دالة في مسار قصيدة النثر السعودية- ومرورًا بقامات شعرية سامقة من نظير أحمد كتوعة وأحمد الملا ومحمد الدميني وعلي العمري وإبراهيم الحسين وغيرهم، وانتهاء بعبدالله المحسن أصغر شاعر عمرًا ضمن القائمة، يبدو هذا الجنس الشعري كأنه يتجدد ويأخذ كامل زينته عند كل شاعر بشكل مدهش ومختلف؛ مما يدل على الزخم الذي عرفه ويشهده، بعدما أصبحت الشعرية السعودية الجديدة مختبرًا لتجاربه التي تبلغ ذروة نضجها في الأنطولوجيا مع نصوص كثيرة، من بينها: «الوغد»، و«الكنوز لا تُدفن في الهواء» لعلي العمري، و«أيامٌ لم يدّخرْها أحد» لمحمد الدميني، و«صدفة» لإبراهيم الحسين، التي ننتخب من أجوائها هذا المقطع المتفرد. ومما جاء فيه:

«صدفة أن نصحو، وصدفة أن نحلم، أن نعثر على أيدينا بعد النوم، وأن نتأكد من أن يدًا لم تمتد إليها، تسرقها، أو تخفيها.. الصدفة نُضْجُ السعي إليها، امتلاء الآخر بك، امتلاؤك بهذا الآخر، حدَّ عدم الاحتمال، حتى يصير حتمًا بلوغُ الصدفة، فالصدفة بلوغ إذن».

قصيدة الهايكو

يذهب العديد من الدارسين إلى أن مفهوم البيت الواحد في الشعرية العربية القديمة، يمكن أن يقابل قصيدة الهايكو في الشعرية اليابانية، فكلاهما يتواطآن على بلاغة الإيجاز والإيحاء. وعلى الرغم من كون شعر الهايكو ياباني المنشأ، فقد أصبح اليوم يكتب بمختلف لغات العالم. ولا يخرج المشهد الشعري السعودي المعاصر عن هذه القاعدة، فقد نظمت ندوات حول أصوله وسماته الفنية وامتداداته في الحقل الشعري السعودي. كما تصدى شعراء لترجمة منتخبات لأبرز شعراء الهايكو إلى اللغة العربية. في هذا السياق ترجم الشاعر حسن الصلهبي مختارات من هذا الجنس، وجمعها في ديوان «صوت الماء»، صدر عن مجلة الفيصل سنة 2016م. ومن بين شعراء الأنطولوجيا الذين أبدعوا في هذا الجنس نهجًا وتقنية، يمكن أن نمثل بالومضة الثالثة من قصيدة «ومضات» للشاعر محمد السعدي:

«العصافير التي في العينين/ خضراءُ/ وتشبه الحنين».

وبنموذج آخر للشاعرة هيفاء العيد، حيث تكتب: «ليست بريئة، ريح عبرت/ فتعرى على إثرها الشجر».

ويبدو أن الشاعرين معًا، من خلال هذين النموذجين، قد وُفقا إلى حد كبير في تمثل خصائص قصيدة الهايكو بوصفها قصيدة قصيرة مركزة مكونة من مقاطع صوتية معينة منتظمة في ثلاثة أبيات شعرية، وتتضمن كلمة موسمية موحية إلى أحد فصول السنة، تعكس إحساسًا مستلهمًا من الطبيعة وتناغم الشاعر معها.

القصيدة – الشذرة

تختلف الكتابة الشذرية عن بقية الأشكال الشعرية الأخرى، حيث يتأسس تشكيلها على الومضة بلغة متصدعة وبديعة، كأنها لطخة مائعة تنشأ مكتملة من دون شوائب، أو حاجة إلى تنقيح. والشذرة هي ثمرة تأمل عميق، كنهه إصغاءُ قلبٍ ويقظةُ حواسٍ بشكل لافت ومستديم لهسيس الكون. وآلتها لغة منفجرة من فرط تداعي صور شعرية كثيفة. وهي بمتخيلها الجامح وشاعريتها المتشظية تنأى بنفسها عن أن تكون حكمة أو موعظة.

وقد هاجر نمط الكتابة الشذرية إلى المتن الشعري السعودي عن طريق الترجمة التي جعلت الضيافة ممكنة بين شعراء عالميين تميزوا في هذا الأسلوب، من بينهم: مالكوم دو شازال وآلان بوسكيه وأنطونيو بورشيا وشعراء الحساسية الجديدة في السعودية، ومن بينهم الشاعر زياد السالم، الذي ننتخب الشذرة 19 من شذراته للتمثيل على ما ذهبنا إليه، حيث يكتب:

«إذا استقر اليقين فلا رؤية معه. اليقينُ أعمى».

على سبيل الختم

ينبغي التنويه، في ختام هذه القراءة العاشقة، بالدعم الذي حظيت به أنطولوجيا «رمال تركض بالوقت»، غير المسبوقة محليًّا وجهويًّا وإقليميًّا، من مركز «إثراء». فقد التفتت هذه المؤسسة، إلى أن تجديد الأدب السعودي عامة والشعري منه على وجه الخصوص، لا يمكن أن ينجز في دائرة منغلقة على ذاتها، بل يتحقق من خلال التفاعل مع التجارب الحضارية للأمم الأخرى، بواسطة الترجمة التي تنقلنا من بنية الاتصال إلى بنية الانفصال، كي نقف على المتشظي الذي نحدس أنه متماسك، وعلى الغريب الذي نخمن أنه مألوف، وحيث المقصد يتجاوز المطابقة إلى الاختلاف، والوحدة إلى التعدد في توافق مع الذاكرة المشتركة والإرث التاريخي الضارب في الجغرافية.

إن إيلاء العناية لترجمة أعمال نخبة من الشعراء المعاصرين إلى اللغة الفرنسية، فضلًا عن كونه أمرًا حيويًّا لإشعاع الذات وتحققها في الفضاء الإنساني، فهو استثمار في مكون من مكونات الرأسمال اللامادي للهوية الوطنية؛ لأن «علامة المملكة العربية السعودية» لا يمكن اختزالها فقط في مكون ديني أو اقتصادي أو سياسي، إلخ، بل يرفدها الأدب السعودي المترجَم أيضًا. وهذه الأنطولوجيا بصبغتها الفسيفسائية كفيلةٌ، في آن واحد، أن تقدم صورة ناصعة عن الوجدان السعودي ومتخيلاته في بهائه وتفرده إلى لغات أخرى، وبتجذير الانتماء الكوني لشعره المعاصر في ديوان الشعر العالمي بما هو نشيد الإنسانية.


المراجع:

–  محمد بنيس، الحق في الشعر، دار توبقال للنشر، المغرب، 2007م.

–  عبدالله السفر، الأنطولوجيا الدولية للشعر السعودي: رمال تركض بالوقت، دار النشر آل دانتي، فرنسا، 2021م.

–  عبدالسلام بنعبد العالي، الفلسفة أداة للحوار، دار توبقال للنشر، البيضاء، 2011م.

–  Abdullah Alsafar, Dans les galops du sable, Anthologie de poésie saoudienne contemporaine, Poèmes, Traduit de l’arabe par Moëz Majed, les presses du réel al Dante poésie,2021.

–  Henri, Meschonnic, Critique du rythme, Verdier, Paris, 1982.

–  Umberto, Eco, Dire presque la même chose, Expériences de traduction, Grasset, Tr. Française, Paris,2006.

حضارة عربية أم إسلامية؟ غموض المصطلح وسيلة لتوظيف أيديولوجي

حضارة عربية أم إسلامية؟

غموض المصطلح وسيلة لتوظيف أيديولوجي

حضارة عربية أم إسلامية؟ قد يبدو التساؤل بسيطًا وعفويًّا، إلا أنه ينطوي في داخله على أمور أكثر تعقيدًا؛ تسببت في مآسٍ كبرى مثل قمع الأقليات الدينية والعرقية واللغوية، وصعود حركات التطرف الديني أو ما يدعى اليوم بالإسلام السياسي. فقد اعتمدت هذه الحركات على تحديد ديني للحضارة لتطالب بتطبيق ما تراه هو التفسير الصحيح للدين. وباسم الحضارة الإسلامية، تنشر إيران اليوم أيديولوجيا سياسية توسعية تقوم على إبعاد الحضور الغربي من موطن الحضارة الإسلامية بوصفه حضورًا غريبًا عن هذه الحضارة؛ كي يخلو لها السياق للهيمنة على الشعوب التي تشاركها في الانتماء لهذه الحضارة، على ما يذهب المفكر التونسي محمد الحداد، الذي يرى أن الصدام الحقيقي اليوم لم يعد بين الحضارة الغربية والحضارات الأخرى بقدر ما أصبح صدامًا داخل كل حضارة.

ويدعو مفكرون إلى جانب الحداد إلى ضرورة السعي إلى تحديد المفهوم وضبطه، وإلى الحاجة إلى إرساء مفهوم جامع يتسم بالموضوعية والعملية في آنٍ واحد، متخلصًا من الشحنات الأيديولوجية العنيفة، سواء أكانت صريحة أم مضمرة، شعورية أم غير شعورية. فتسميات الحضارات عمل إنساني قابل للحذف والتعديل، بحسب الباحث الجزائري مولود عويمر، فإطلاق اسم الحضارة الفينيقية على حضارة بلاد الشام والحضارة الرومانية على من سكن إيطاليا، في مدة زمنية معينة، وكذلك اليونانية والفرعونية والبابلية، وغيرها، كلها تسميات اجتهد متأخرون كثر من الفلاسفة والمفكرين في ضبط جوانب وأبعاد وحدود تلك المصطلحات.

ولعل اللغط الدائر حول مصطلح الحضارة الإسلامية والحضارة العربية راجع في بعض جوانبه، كما في تصور الباحث المصري عبدالواحد النبوي، إلى أن النقاش يدور حول هذا الموضوع وشعوب الحضارة الإسلامية في أضعف حالاتهم، وهو ما فرض كثيرًا من النقد والنقض الذي لا يتناسب وجوهر تلك الحضارة. ولعل من القضايا المهمة التي يجب أن ننشغل بها، كما يقول النبوي، هي دراسة التداخل بين الحضارات، وإلى أي حد أثّرت وتأثرت كل منها بالأخرى، بعيدًا من البحث في قضايا تثير النعرات القومية مثل غلبة حضارة على أخرى. ويفضل الكاتب السعودي محمد المحمود النظر إلى قضية الحضارة بوصفها نبوغًا إسلاميًّا؛ وليس عربيًّا؛ لأن العرب في رأيه، لم يسهموا بشكل فارق إلا في الخطوة الأولى، الخطوة غير العلمية وغير الحضارية، التي تتمثل في عَسْكَرة المجتمع العربي زَمنَ الفتوحات الأولى، من أجل وضع اللبنات الأساسية للإمبراطورية الإسلامية الكبرى التي ستكون مهمتها نشر الإسلام.

«الفيصل» تكرس ملف العدد لمفهوم الحضارة، سواء أكانت عربية أم إسلامية أم كلتيهما، وما يصاحب المفهوم من تعقيدات وتوظيف أيديولوجي.


نحو رؤية تكاملية وغير صدامية لمفهوم الحضارة

محمد الحداد – كاتب و أكاديمي تونسي

في روايته الشهيرة «الحضارة، أمّاه» الصادرة سنة 1972م، أبرز المغربي إدريس الشرايبي بطريقة أدبية مرحة العلاقة بين الإنسان والحضارة، بوصفها علاقة تحرّر من الهيمنة، لكنها علاقة معقدة. فالأم، بطلة الرواية، تتحرّر من التقاليد المجتمعية البالية التي تكبلها بفضل أبنيها اللذين يطلعانها على الحضارة الجديدة. لكن ما إن تصبح قادرة على التعامل مع هذه الحضارة حتى تتحوّل إلى مناضلة من أجل تحرّر بلدها من استعمار الذين صنعوا تلك الحضارة، من دون أن تشعر بتعارض بين فعل التحرر الأول وفعل التحرر الثاني. لقد عبّرت هذه الرواية التي حققت شهرة عالمية بأفضل طريقة عن العلاقة المعقدة بالحضارة. وربما حان الوقت أيضًا لتجاوز تعقيدات هذا المفهوم ومخاطره الكامنة والمتراكمة من أجل رؤية تكاملية تقطع مع رواسب الهيمنة وعقد التفوق.

لقد قطع هذا المفهوم رحلة طويلة ليصل إلينا ويصبح أحد المفاهيم الأساسية في استعمالاتنا المختلفة. وسنقدم عرضًا سريعًا لهذه الرحلة قبل أن نقدّم مجموعة من المقترحات لتحريره من الهيمنة والتصادمية، أي تجريده مما علق به من توحش.

«الحضارة» في التداول العربي القديم

بالنظر إلى غياب المعاجم التاريخية للغة العربية، يصعب أن نحدّد بدقة متى ظهرت كلمة «حضارة» وكيف تطورت معانيها واستعمالاتها مع مرور الأزمنة واختلاف السياقات، إلا أن المؤكد أن الكلمة في مبناها قديمة وسابقة على مقابلاتها في اللغات الأوربية (civilisation/ civilization). وقد ورد في «لسان العرب» (مادة «حضر») لابن منظور (ت 711هـ/ 1311م) أن «الحضارة: الإقامة في البادية»، استشهادًا ببيت شعر للقطامي (شاعر مخضرم): «ومن تكن الحضارة أعجبته *** فأي رجال بادية ترانا».

ولما كانت العلاقة قوية بين سكنى الحضر والمدن وبين رفاهية العيش والترف والظرف، فهذه من نتائج ذاك. والترف لا يوجد بين سكان البوادي، فقد مال لفظ حضارة إلى الدلالة على الترف. ولذلك نسب للخليفة الثاني عمر بن الخطاب عبارة «اخشوشنوا فإن الحضارة لا تدوم». وبقدر ما تطور العرب نحو الازدهار وانتشر بينهم الترف، استعملت كلمة حضارة أساسًا فيما ندعوه اليوم بالتقدم المادي.

أما الحضارة مفهومًا فلعل ابن خلدون هو أفضل من طورها في الفكر العربي. رأى ابن خلدون أن العمران هو «التساكن والتنازل في مصر أو حلّة للإنس بالعشرة واقتضاء الحاجات». وقسّمه إلى عمران بدوي «هو الذي يكون في الضواحي والجبال وفي الحلل المنتجعة للقفار وأطراف الرمال»، وعمران حضري «هو الذي بالأمصار والقرى والمدن والمداشر»(١). واقتبس من «الحكماء» (أي الفلاسفة) قولهم: «الإنسان مدني بالطبع»، وفسره بأنه «لا بد له من الاجتماع الذي هو المدنية/ المدينة باصطلاحهم، وهو معنى العمران». وبما أن كلمتَي مدينة ومدنية متقاربتان في طريقة الكتابة فالتصحيف وارد بينهما، ويصعب تحديد أيهما كتب ابن خلدون. من جهة، يذهب محقّقو كتابه، مثل كاترمير وإبراهيم شبوح وعبدالسلام شدادي، إلى أن الكلمة هي مدينة. لكن من جهة أخرى يبدو غريبًا أن يقسم ابن خلدون العمران إلى بدوي وحضري ثم يحصره في المدينة أي في الحضر، ولا سيما أن الفقرتين تردان في الموضع ذاته من الكتاب. فالمعنى يكون واضحًا ومستقيمًا لو كانت الكلمة «مدنية»، وعلى هذا ضبطها آخرون لكن قد يكون ذلك بمبادرة منهم. كما يمكن أن يكون النساخ قد استبدلوا مدنية بمدينة لأن الكلمة الثانية هي الرائجة. وفي النهاية، يصعب حلّ الإشكال الذي تطرحه العبارة الخلدونية.

على كل، جمع ابن خلدون في عنوان الفصل الثاني من الكتاب الأول من «المقدمة» بين العمران البدوي والأمم الوحشية والقبائل، كان يراها صنفًا واحدًا بوصفها جميعًا مجتمعات كفاف، تعيش على الحاجي ولا تبلغ الكمالي. ووضع قانونًا للانتقال من البداوة إلى الحضارة، مؤكدًا أن «خشونة البداوة قبل رقة الحضارة»(٢). بل جعل غاية الاجتماع الإنساني تحقيق هذا الانتقال، أي سكنى المدن والتمتع برقة العيش فيها. لكن في الآن ذاته، نبه ابن خلدون إلى أن هذا الانتقال يمثل من جانب آخر تقهقرًا أخلاقيًّا؛ إذ القيم السامية أكثر انتشارًا لدى البدو من الحضر، لأنها قيم فطرية فهي أقرب إلى الوضع الفطري للبشر. وبقدر ما يتعقد نمط حياة الإنسان فإنه يفقد فطريته، «فالحضارة هي نهاية العمران وخروجه إلى الفساد ونهاية الشر والبعد عن الخير»(٣). وربما كان قصد ابن خلدون من إبراز هذا التناقض بين تطور الإنسان نحو عيش أفضل وتراجع أخلاقه وفسادها تبرير وظيفة الدين، فهو الذي يحل محل الفطرة في المحافظة على القيم والأخلاق.

ثمة فكرة ثانية بالغة الأهمية لدى ابن خلدون تتمثل في تمييزه بين التطور السياسي للبشر وتطورهم الحضاري، أو بين تاريخ الدول وتاريخ الحضارات، أو بين الزمن القصير للدولة والزمن الطويل للحضارة. الحضارة بالنسبة إليه أشمل من الدولة. فعمر الدولة لا يتجاوز ثلاثة أجيال؛ جيل البداوة، وجيل الترف، وجيل الفساد والانحطاط. وقد شبه عمر الدولة بعمر الشخص الواحد، أي معدل مئة وعشرين سنة (أربعون سنة لكل جيل). أما الحضارة فيمكن أن تتواصل بعد سقوط الدولة. وكان ابن خلدون واضحًا جدًّا في بيان هذه الفكرة الطريفة: «تنتقل الحضارة من الدول السالفة إلى الدول الخالفة… وعلى قدر عظم الدولة يكون شأنها في الحضارة؛ إذ أمور الحضارة من توابع الترف، والترف من توابع الثروة والنعمة، والثروة والنعمة من توابع الملك»(٤). فالدولة تسقط وتقوم أخرى محلها، أما الحضارة فتتواصل ويضيف كل جيل وكل دولة لبنة منها. هكذا واصل العرب حضارة فارس والروم في عهد الدولتين الأموية والعباسية، وانتقلت الحضارة الأموية إلى الأندلس بعد سقوط دولة بني أمية، وانتقلت الحضارة العباسية إلى الديلم والترك، إلخ.

«الحضارة» في التداول العربي الحديث

اختار العرب في بداية العصر الحديث استعمال كلمة «مدنية» و«تمدن» بدل «حضارة» و«تحضر»، كما يبدو من خلال مؤلفات عدة صدرت في القرن التاسع عشر. وقد يكون أولها كتاب أشرنا في أعمال سابقة إلى أهميته البالغة في توجيه الوعي العربي آنذاك بقضية الحضارة، وهو الترجمة التي أعدّها حنين نعمت الله خوري لكتاب من تأليف الوزير والمؤرخ الكبير فرنسوا غيزو، وقد ورد عنوانها بالصيغة الآتية: «التحفة الأدبية في تاريخ تمدن الممالك الأوربية»، وصدرت بمصر (الإسكندرية) سنة 1881م. ثم أصدر محمد فريد وجدي كتاب «المدنية والإسلام» سنة 1898م، وجورجي زيدان «تاريخ التمدن الإسلامي» بين سنتي 1902م و1906م، ومحمد عبده «الإسلام والنصرانية بين العلم والمدنية» سنة 1903م، ومصطفى الغلاييني «الإسلام روح المدنية» سنة 1908م،… إلخ.

يمكن هنا أن يطرح السؤال الآتي: لماذا لم يستعمل العرب كلمة «عمران» الخلدونية لتكون المقابل للكلمة الغربية civilisation/ civilization؟ على الرغم من وجود مئات الكتاب حول ابن خلدون ومئات أخرى حول النهضة، فإنه لا يوجد، على علمنا، من الدارسين من تفطن إلى أهمية هذا السؤال وقدّم إجابة عنه. وبما أن المقال لا يتسع هنا للخوض المفصل في ابن خلدون ونظرياته، فإننا نكتفي بتقديم ثلاثة عناصر للإجابة:

تصّور ابن خلدون للحضارة والعمران تصوّر قديم، يعود في أصوله إلى الفلسفة الأرسطية. وهو من الصنف الذي كان منتشرًا في أوربا في العصر الوسيط وبدأت تتخلص منه مع عصر الأنوار. هو تصور يربط الحضارة بنمط السكنى والعيش ويقابل بين المدينة والبادية ويصنف شعوب البادية على أنها شعوب متوحشة فاقدة للحضارة. وهذا ما يفسر العبارات التحقيرية التي كتبها ابن خلدون بحقّ عرب البادية «إذا عرّبت خرّبت» وبحق الشعوب الإفريقية «الميل إلى الخفة والطيش». لقد أصبحت المسافة في العصر الحديث بين سكنى العرب ومعاشهم، وسكنى الأوربيين ومعاشهم، بالهوة نفسها التي كانت تفصل مدن العرب عن بواديهم وعن معاشات السود في عهد ابن خلدون. فلم يعد من صالح العرب ربط الحضارة بالسكنى ونمط العيش.

تصوّر ابن خلدون يربط الحضارة بالإقليم. بالنسبة إليه، الإقليم الرابع الذي يضم شمال إفريقيا وجنوب أوربا وجزءًا من آسيا هو إقليم الحضارة لأنه إقليم معتدل. وبقدر ما يبتعد البشر من الإقليم المعتدل فإنهم يعيشون متوحشين ولا يعرفون الدين الصحيح وتكون أحوالهم «قريبة من أحوال البهائم»، كما قال؛ لذلك حكم على سكان إفريقيا السود مثلًا بأنهم خارج الحضارة. لكن في أوربا، كانت نظرية ارتباط الإقليم بالحضارة قد تطورت منذ مونتسكيو وأصبحت تستعمل لتبرير التفوق الأوربي والزعم بأن شدة الحرارة في البلدان العربية أو إفريقيا هي عامل للتخلف. فلم يكن مفيدًا للعرب مسايرة ابن خلدون في هذا التصور.

ج- حملة الثقافة العربية الجدد، مثل حنين نعمت الله والطهطاوي وعبده وغيرهم هم أبناء الريف والبوادي، يمكن أن يعجبوا بأفكار ابن خلدون في كل المسائل المطروحة إلا ارتباط التحضر بسكنى المدن، ولا سيما أنهم في قرارة أنفسهم كانوا يرون الحضارة انحلالًا أخلاقيًّا وعدوانًا على الآخرين، بفعل تحضر مهتز في المدن الإسلامية، وحداثة متعجرفة وغازية في الغرب.

لهذه الأسباب فضّل الكتّاب العرب استعمال كلمة مدنية التي انتشرت بسرعة في القرن التاسع عشر، لكنها تراجعت في حدود الثلث الأول من القرن العشرين، واستبدلت بها كلمة «حضارة» التي أصبحت الطاغية، بل كادت كلمة مدنية تختفي من الاستعمال العام. وقد اختار عادل زعيتر هذه الكلمة ليعرّب، سنة 1945م، كتاب غوستاف لوبون «حضارة العرب» (صدر بالفرنسية سنة 1884م) الذي كان له أثر كبير في توجيه الاستعمال العربي الحديث لمفهوم الحضارة. واستمر هذا الوضع إلى اليوم؛ إذ تستعمل كلمة حضارة بكثافة للتعبير عن معانٍ مختلفة: الحضارة العربية، الحضارة الإسلامية، الحضارة الغربية، صدام الحضارات، حوار الحضارات، تحالف الحضارات، تهديد الحضارة،… إلخ.

والمهم أن نتبين أن العرب، ابتداءً من القرن التاسع عشر، أصبحوا يستعملون كلمة «مدنية» و«حضارة» من خلال مرجعيتين مختلفتين: المرجعية التراثية القديمة والمرجعية الغربية الوافدة. فمن الضروري حينئذ أن نتبين تطور معنى كلمة حضارة في الفكر الغربي لنفهم تأثيراتها في التداول العربي.

«الحضارة» في التداول الغربي

ذكرنا أن كلمة حضارة في العربية سابقة في مبناها على مقابلاتها في اللغات الأوربية (Civilization/ civilisation) لكنها في الاستعمال الحديث متأثرة بالتطور الأوربي لمعنى الكلمة. فما موجهات هذا التطور؟ لم تظهر كلمة «حضارة» في الغرب إلا في حقبة متأخرة. لقد انكب المؤرخ الكبير لوسيان فابر، أحد مؤسسي التاريخ الجديد أو ما يعرف بمدرسة الحوليات، على دراسة هذا الموضوع، ونشر بمعية آخرين كتابًا مرجعيًّا عنوانه «حضارة: الكلمة والمفهوم»(٥). انتهى فيه إلى تحديد ميلاد الكلمة بسنة 1766م، وتدارك آخرون عمله واقترحوا تواريخ أخرى قريبة. ذهب بعضهم إلى أن الكلمة استعملت أولًا لدى بعض رجال الاقتصاد الإنجليز، وأثبت آخرون أن الكاتب الفرنسي فيكتور ريكوتي (Victor Riquetti) المشهور بالماركيز دي ميرابو De Mirabeau (1715- 1789م) هو أول من استعمل هذه الكلمة في مصنف بعنوان «صديق الإنسان»، وذلك سنة 1756م، وهذا هو التاريخ الذي احتفظ به المعجم المرجعي للغة الفرنسية «لي روبارت».

نرى أن الاختلافات طفيفة، لكن المؤكد أن هذه الكلمة استعملت في سياق فلسفة الأنوار، وقد كان ميرابو صديقا لمونتسكيو وروسو، وعدّ مصنفه المذكور ضمن الكتابات التنويرية في ذلك العصر. وانتشرت الكلمة التي اقترحها انتشار النار في الهشيم؛ لأنها كانت تعبر عن حاجة ملحّة. كان هناك إحساس في أوربا بأن عالمًا جديدًا ينشأ مع فكر الأنوار والثورة الصناعية والثورات السياسية في إنجلترا وأميركا وفرنسا، يبشّر بحضارة جديدة تعوض النظام الأوربي القديم وتستبدل أركانه الأساسية مثل الإقطاع والكنيسة والحكم الفردي.

ولم يعد الدين العنصر المحدّد في هذا الشعور بالتفوق، بل الفكر الجديد والفن والصناعات، أو ما ندعوه اليوم عمومًا بالحداثة. ولقد تطورت هذه الفكرة وتبلورت بأكثر قوة في القرن التاسع عشر وانتشرت انتشارًا كبيرًا، وهذا المعنى هو الذي دافع عنه مثلًا الكاتب البريطاني المشهور ستيورات ميل في مصنف عنوانه «الحضارة» (Civilization : 1836)، فقد عرفها بأنها المقابل للتوحش.

وطبعًا، لم يحصل هذا التطور إلا بصورة بطيئة ومتدرجة، وكأنه احتفظ من المسيحية بالفكرة التطورية وبالوظيفة الرسالية وإلى حدّ ما، بالروح الخلاصية. يمثل تيار السانسيمونية مثالًا بارزًا على هذا المنحى، وكان تأثيره في العالم العربي كبيرًا. لقد ذهب مؤسسه كلود هنري دي روفروي الملقب بالكونت دي سان سيمون (1760- 1825م) إلى أن البشرية تودّع المجتمع القديم لتدخل في عصر جديد، العصر الصناعي، وأنّ على المثقفين أمثاله أن يشرحوا للبشر جميعًا مبادئ الصناعة والعلوم الحديثة وينشروا بينهم فكر الأنوار وقيم الحرية والعدل والأخوة كي يستفيدوا جميعًا من هذا الانتقال الحضاري الهائل. وقد كتب في السنة الأخيرة من حياته كتابًا عنوانه «المسيحية الجديدة»، قرئ قراءات مختلفة (هل قصد استبدالها بفلسفة الأنوار أم تجديدها حسب مقتضيات هذا العصر؟).

ولقد ساهمت هذه الحركة في نشر اللبنات الأولى والمبكّرة لمفهوم الحضارة في العالم العربي؛ إذ إن محمد علي لما بدأ إصلاحاته المشهورة في مصر، قرّب أتباع هذا التيار من المهندسين واعتمد عليهم، وقد استفادت منهم مصر في مشاريع مهمة، مثل إنشاء شبكة سكك حديدية وإطلاق مشروع شقّ قناة السويس. كان هذا التيار يشبه في تنظيمه الأخويات المسيحية القديمة، مثل الدومينيك والفرنسيسكان، الذين بدؤوا يدخلون مصر والعالم العربي في الحقبة نفسها، لكن دعوات السانسيمونيين كانت حضارية لا دينية. وكانوا يؤمنون بما ندعوه اليوم بحوار الحضارات ويرون أن العالم سيتوحد في حضارة واحدة هي الحضارة الصناعية التي ستوفر الرخاء لكلّ البشر فيعيشون كالإخوة في الأسرة الواحدة.

لكن الأفكار والأحلام الإنسانية السانسيمونية سرعان ما تبدّدت أمام المشاريع الاستعمارية المباشرة، وقد جاءت هي أيضًا تزعم أنها تنشر الحضارة والعمران (كلمة استعمار في الأصل كلمة ذات مدلول إيجابي، تعني نشر العمران). ومن هنا، بدأ المفهوم يدخل مرحلة اضطرابات معقّدة؛ إذ تداخلت قضايا فكرية وتاريخية بمواقف سياسية توسعية وإرادات للتسلط والهيمنة. ونحتاج اليوم، ونحن ندعو إلى حوار الحضارات بدل صدامها، إلى تدقيق المفهوم كي لا يبقى عامل تفريق بين البشر وتلاعب من جانب المشاريع السياسوية الضيقة.

«الحضارة»: عقدة التفوّق ومشاريع الهيمنة

أغلب الشعوب قديمًا وحديثًا، تنحو إلى الإيمان بتفوقها عندما تكون في وضع قوة وازدهار. فالغرب ليس الوحيد الذي عانى عقدةَ التفوقِ في تاريخه وجزئيًّا في حاضره. لقد شعر اليونان بالتفوق على جيرانهم الفرس عندما كانوا منتصرين في الحروب ضدهم ومزهوّين بتقدمهم العلمي. وكان الرومان يطلقون على جيرانهم لقب المتوحشين عندما أنشؤوا إمبراطورية شاسعة كانت تمثل القوة الكبرى في ذلك العصر. ولم يكن المسيحيون وحدهم الذين وضعوا ديانتهم فوق كل الديانات وعدُّوها الأرقى. لقد عبّر العرب أيضًا في السابق، عندما كانوا في عصور القوة، على تفوقهم اللغوي والعرقي والحضاري والديني. أطلقوا على من يستعمل غير اللغة العربية «أعجميًّا» ومعناه صاحب الكلام غير المفهوم، وهي عبارة تطلق أيضًا على الحيوان («العجماوات»). وآمنوا بتفوق المسلمين على أتباع كل الديانات الأخرى. وكانوا يرون ذلك طبيعيًّا، ولم يترددوا في استعمال عبارات التحقير والتهجين للحديث عن الآخر ووصف عاداته ومعتقداته(٦). لكن القضية تأخذ في العصر الحاضر أبعادًا أكثر خطورة، بحكم تقدم وسائل الهيمنة وتطور أدوات الصراع، بما يدعو إلى ضرورة الحدّ من احتمالات التصادم الناتج عن سوء استعمال كلمة حضارة.

وعلى عكس التيارات المثالية التي كانت تحلم بنشر الحضارة الحديثة بين كل البشر ليستفيد منها كل إنسان، اتجهت المشاريع الاستعمارية نحو الهيمنة على البشر بدعوى نشر الحضارة بينهم. ومن المفارقات أن هذا التوجه لم يقتصر على المفكرين العضويين للحضارة الصناعية بل شمل أيضًا أكبر نقادها. فكارل ماركس مثلًا سخّر حياته لمقاومة الرأسمالية وكشف آليات عملها وتزييفها للوعي، لكنه برّر استعمار الجزائر والهند بدعوى أنه الثمن الضروري لتحضر تلك الشعوب. وبالمثل، دافع ألكسيس دي توكفيل في كتابه «الديمقراطية في أميركا» على نظرة متوازنة بين الدين والحضارة الجديدة، لكنه أقصى الإسلام من إمكانية هذا التوازن بدعوى أنه مناقض لأسس هذه الحضارة.

تجسّدت عقدة التفوق في نظريات عنصرية أيضًا، وهذا موضوع يحتاج إلى بعض التفصيل. لقد راجت مقولة العرق منذ منتصف القرن التاسع عشر، وعُدَّت في حقبة ما حقيقية علمية؛ ذلك أنها ارتبطت بتطوّر علم اللسانيات المقارنة وعلم الأعراق أو الإثنولوجيا، وبدا بديهيًّا للكثيرين آنذاك أنه توجد عقلية بدائية وعقلية متطورة، وعرق آري يضم الهنود والأوربيين، وعرق سامي يضم اليهود والعرب. ثم تحولت هذه التقسيمات إلى أيديولوجيات سياسية، فاشية ونازية واستعمارية ومضادة للسامية، وكانت وراء عمليات الإبادة الفظيعة التي ارتكبها الفاشيون والنازيون ضدّ مجموعات بشرية معينة.

في ظل سيطرة المقولة العرقية، امتزجت فكرة الحضارة بفكرة العرق. وفي هذه الظرفية بالذات، بدأ التلاقح بين الثقافة الغربية وثقافة الشعوب الأخرى، بما جعل هذا الامتزاج مؤثرًا في تحديد مفهوم الحضارة. هذا أمر يدركه جيدًا المتخصصون في الفكر العربي في القرن التاسع عشر، فهم يعرفون مثلًا كم كانت أفكار أرنست رينان (1823- 1892م)، حول التقابل بين الآرية والسامية، وأفكار غوستاف لوبون (1841- 1931م)، حول الاختلاف البنيوي بين الحضارات، مؤثرة في تشكل المفهوم العربي الحديث للحضارة.

وهنا لا بدّ من تقسيم العنصرية إلى قسمين: عنصرية توسعية ترى أن العرق الأعلى ينبغي أن يسيطر على الأعراق الأدنى ويتولّى تمدينها وتحضيرها، وهذا ما قاله رينان مثلًا في محاضرته المشهورة عن «الإسلام والعلم» التي ألقاها سنة 1883م(٧). وعنصرية «نقوية» تؤمن بأنّ العرق الأرقى ينبغي أن يتعايش مع الآخرين دون الاختلاط بهم أو محاولة السيطرة عليهم. لذلك كانت هذه العنصرية مناوئة بقوة للحركة الاستعمارية لأنها تؤدّي إلى الاختلاط العرقي وتدنيس الحضارة الغربية. وليس من المصادفة أنّ إيطاليا وألمانيا، حيث ظهرت الفاشية والنازية، لم تكن بلدانًا استعمارية كبرى، بالمقارنة بفرنسا وإنجلترا حيث كانت نظرية الحضارة الكونية من جهة، والعنصرية التوسعية من جهة أخرى، أقوى حضورًا.

من هنا كان من أكبر المفارقات أن النظرية العنصرية بالمعنى الثاني هي التي ساهمت إلى حد كبير في نشأة المفهوم الجديد للحضارة في الفكر العربي (وفي ثقافات أخرى عدة كانت تعاني الاستعمارَ). فغوستاف لوبون، وقد كان عنصريًّا إلى النخاع، هو الذي أبهر العرب بكتابه «حضارة العرب» وبمواقفه المناوئة للاستعمار. وقد ترجمت كل كتبه تقريبًا إلى اللغة العربية. وفي كتاب «حضارة العرب» الصادر سنة 1883م، قدّم لوبون دراسة تأليفية جامعة ورائعة، فصّلت بدقة علمية ثراء الحضارة العربية وعظمتها. وقد كتب كتابين آخرين، عنوان الأول «حضارة الهند» (صدر سنة 1886) والثاني «الحضارات الأولى» (1889م)، يتجهان أيضًا في ذات الاتجاه. لقد كانت ثلاثتها ردًّا على الأيديولوجيا الاستعمارية التي استعمرت الشعوب «البدائية» في أميركا وأستراليا واستعمرت الهند والعالم العربي بتعلة نشر الحضارة، وكان هذا الردّ قائمًا على إثبات امتلاك هذه الشعوب لحضارتها الذاتية. وكان غوستاف لوبون، مع ذلك، يؤمن بتفوق العرق الآري والحضارة الغربية ومتعاطفًا مع الفاشية حتى إنه كان من الكتاب المفضلين لدى زعيمها موسوليني.

في الواقع، إن هذا التوجه لمعارضة التوسع بحجة المحافظة على التفوق هو توجه مستمر إلى اليوم وإن تخلص من المقولة العرقية. فكتاب صمويل هنتغنتون «صدام الحضارات» (صدر سنة 1996م) لم يقرأ في الغالب قراءة سليمة. لقد ظن كثيرون أنه دعا إلى أن يحارب الغرب الحضارات الأخرى، لكنه في الحقيقة كان يدعو إلى أن ينأى الغرب بنفسه عن الحضارات الأخرى؛ كي لا يفقد تفوقه. فمن وجهة نظر هنتغنتون، يمثل العلم والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان قيم الحضارة الغربية التي لا يمكن أن تصبح مقبولة لدى حضارات أخرى، مثل الإسلام والصين؛ لذلك حذّر من صدام الحضارات إذا ما أصرّ الغرب على فرض قيمه على الآخرين. وفي المحصلة، إن نظريته تستتبع أيضًا أن الحضارات غير الغربية حضارات غير متلائمة مع العلم والحرية وحقوق الإنسان. لقد استبدل هنتغنتون بمفهوم العرق مفهوم الحضارة، وخلط خلطًا متعسفًا بين الحضارة والدين، كي تستقيم له نظريته.

صدام الحضارات والصدام داخل الحضارات

رأينا أن النظرية العنصرية في الحضارة تنقسم إلى صيغتين؛ صيغة توسعية وصيغة نقوية، وإن الظرفية الاستعمارية جعلت العرب والهنود وغيرهم من الشعوب المستعمرة يرحبون بالصيغة النقوية ويعيدون توظيفها لصالحهم، نسفًا لفكرة غياب الحضارة لديهم وحاجتهم إلى الحضارة الغربية، وتمسكًا بما أصبح يدعى في القرن العشرين «الأصالة». لقد اقتبسوا من الغرب مفهوم الحضارة الذي يعني القواسم المشتركة، لا بين البشر ككلّ، ولكن بين مجموعة بشرية محدّدة. فغيّروا مجرى التوظيف الأيديولوجي للمفهوم. ففي حين استعمل بعض الغربيين الحضارة لتبرير الاستعمار والهيمنة، فإن الشعوب المستعمرة حولته ليصبح مستندًا قويًّا لحركات التحرّر من الاستعمار ووظفته توظيفًا قوميًّا (مع العلم أن القومية ذاتها مفهوم غربي في الأساس وظف بدوره لمقاومة الاستعمار الغربي).

ولقد كان لكتاب «حضارة العرب» لغوستاف لوبون دور كبير في عملية التحويل هذه، إضافة إلى أن الشيخ محمد عبده أصرّ، وهو يحمل لقب مفتي مصر، على أن يذهب بنفسه ليشكر لوبون على كتابه. ولعلنا نتوقف هنا على حادثة طريفة. فالشيخ عبده كان رجلًا شرقيًّا متعوّدًا على أن تحصل الزيارات من دون مواعيد مسبقة؛ لذلك لم يتسنّ له لقاء لوبون بعد أن تجشّم عناء التنقل إلى بيته البعيد من باريس. هنا تبرز أيضًا الفوارق الحضارية: هل تحديد الزيارات بمواعيد مسبقة هي خاصة الحضارة الغربية أم يمكن أن تتحوّل إلى سلوك كوني للإنسان بحكم الطبيعة المعقدة للحياة الحديثة؟

حقّق هذا التوظيف القومي للمفهوم فائدة متأكدة في حقبة مقاومة الاستعمار، لكنه طرح بعد ذلك، وإلى اليوم، مشكلات عويصة نكتفي بالإشارة السريعة إلى بعضٍ منها. إذا افترضنا وجود قواسم مشتركة بين مجموعة بشرية معينة، فهل سنتحدث عن حضارة عربية، كما فعل لوبون، وكما اختار عادل زعيتر عندما نشر الكتاب معربًا سنة 1945م، أم نفضّل حضارة إسلامية، كما فعل الإيرانيون عندما ترجموا إلى الفارسية كتاب لوبون (ترجمه إلى الفارسية محمد تقي فهرادي سنة 1935م)؟ فاختيار كلمة عربية قد يفهم منه تهميش مساهمات غير العرب، أي أنه يستبطن نظرة عرقية للحضارة. أما اختيار كلمة إسلامية فقد يفهم منه تهميش مساهمات غير المسلمين وما اقتبسه المسلمون عن الحضارات الأخرى، أي أنه يستبطن نظرة دينية للحضارة. بذلك يكون الخطاب القومي حول الحضارة قد ارتطم بالصعوبات ذاتها التي وقع فيها الخطاب الغربي.

ثم ماذا يفعل المصريون بالتراث الفرعوني والأهرامات، والعراقيون بالتراث البابلي والسومري، والتونسيون بقرطاج والقائد العظيم حنبعل، هل هو جزء من حضارتهم؟ إذا عددناه كذلك فلا يصحّ عليه صفة العروبة ولا صفة الإسلام بما أنه سابق على كليهما. وإذا لم نعدّه كذلك ألغينا جزءًا مهمًّا من الذاكرة القومية ومن التراث الحضاري التليد.

ليست المسألة مجرّد مماحكات فكرية وترف مثقفين، فهي في الحقيقة قد تسببت في مآسٍ كبرى، مثل قمع الأقليات الدينية والعرقية واللغوية، وصعود حركات التطرف الديني أو ما يدعى اليوم بالإسلام السياسي. فقد اعتمدت هذه الحركات على تحديد ديني للحضارة لتطالب بتطبيق ما تراه التفسير الصحيح للدين. وتحولت القومية ذاتها إلى مشروع توسعي، فغُزِيَت الكويت مثلًا سنة 1990م بتبرير من فكرة الوحدة القومية العربية. وباسم الحضارة الإسلامية، تنشر إيران اليوم أيديولوجيا سياسية توسعية تقوم على إبعاد الحضور الغربي من موطن الحضارة الإسلامية بوصفه حضورًا غريبًا عن هذه الحضارة؛ كي يخلو لها السياق للهيمنة على الشعوب التي تشاركها في الانتماء لهذه الحضارة. وباختصار، فإن الصدام الحقيقي اليوم لم يعد بين الحضارة الغربية والحضارات الأخرى بقدر ما أصبح صدامًا داخل كل حضارة. وهذا أمر بارز للعيان في الشرق الأوسط خاصة، لكنه ينسحب أيضًا، وإن بدرجة أقل، على الحضارة الهندية وحضارات أميركا اللاتينية.

لا تتوقف المخاطر عند هذا الحدّ، بل يوجد ما يمكن أن يكون أعظم منها على المدى البعيد. فدعوى وجود حضارة «قومية» منفصلة عن الحضارة الكونية يمكن أن يوظف أيضًا باتجاه الانغلاق على المكتسبات الإنسانية المادية ثم خاصة الفكرية، مثل مكتسبات العلوم أو التجارب العالمية في تنظيم الدولة أو المبادئ الكونية لحقوق الإنسان وغير ذلك. من جهة أخرى، كثيرًا ما استعمل مفهوم الحضارة في تناقض مع مفهوم الوطنية، و«الأمة» في تناقض مع مفهوم الوطن. فالأمة، العربية أو الإسلامية، معرّفة تعريفًا حضاريًّا غائمًا، كانت عاملًا رئيسًا في إضعاف الدولة الوطنية التي ظلت في وضع «الدولة العالقة»(8)؛ لأنه ينظر إليها كمرحلة انتقالية مؤقتة في انتظار تحقق الوحدة العربية من وجهة نظر بعضٍ، أو الخلافة الإسلامية من وجهة نظر بعضٍ آخر. لذلك نجد مراجع كثيرة في الحديث عن الحضارة العربية أو الإسلامية لكن من النادر أن نجد مراجع تتحدث عن حضارة كل بلد عربي وإسلامي على حدة.

مفهوم الحضارة: ضرورة التحديد والتجديد

من الضروري حينئذ، أمام التوظيفات الخطيرة لمفهوم الحضارة، أن نسعى إلى تحديد المفهوم وضبطه، وأن نتخلص من عقد التفوّق بمختلف أصنافها، ومن مشكلات الحقبة الاستعمارية أيضًا وسياقاتها. نحتاج اليوم إلى إرساء مفهوم جامع يتسم بالموضوعية والعملية في آن واحد، متخلصًا من الشحنات الأيديولوجية العنيفة، سواء أكانت صريحة أم مضمرة، شعورية أم غير شعورية.

لا بد من الإقرار أولًا بأن هناك حضارة كونية جامعة، اشتركت البشرية في تشييدها على مدى عشرات القرون، وليست ملكًا لطرف دون آخر. لقد كان ابن خلدون محقًّا عندما فصل تاريخ الدول عن تاريخ الحضارة، مشيرًا إلى أن تطور الحضارة لا يرتبط بمصير الدول والأعراق أو الأديان التي تشكلها. بعبارة حديثة، ميّز ابن خلدون بين المدى القصير والمدى الطويل في التاريخ، فالحضارة هي مدى طويل. وهذه المعاينة تصح على الحضارة المادية، كما كان يقصد ابن خلدون، أي البناءات والمعالم وغيرها، وتصح أيضًا على المكتسبات الفكرية. فلولا الأبجدية الفينيقية لما تطورت اللغات، ولولا تطور اللغات لما تطور الفكر. ولولا اكتشاف النار وتدجين الحيوان لما انتقل الإنسان إلى العصر الزراعي، ولولا العصر الزراعي لما ظهر العصر الصناعي ثم العصر الرقمي الذي نعيشه الآن.

لقد تطورت كل العلوم على مدى طويل جدًّا، فلولا أرسطو لما وجد ابن رشد، ولولا ابن رشد لما وجد كوبرنيكوس، ولولا كوبرنيكوس لما وطئت أقدام الإنسان سطح القمر. إن الباحثين في تاريخ العلوم وفي تاريخ الأديان يسلمون بهذا المعطى أكثر من الباحثين في التاريخ السياسي والاجتماعي لأنهم متعودون بالعمل على زمن طويل جدًّا. والحضارة هي الزمن الطويل الذي استغرقه الإنسان ليصل إلى ما هو عليه اليوم. وخصائص الإنسانية مشتركة بين جميع البشر في كل الأزمنة والأمكنة وهي التي تميّز الإنسان من الحيوان، وتتمثل في الانتصاب على القدمين وتجاوز حجم المخ في الجمجمة 1200 سم3 والقدرة على الترميز واستعمال اللغة. هذه الحقائق ثابتة علميًّا، ومن المسلم به أن أذكى حيوان لا يبلغ حجم مخه حجم المخ لدى أغبى الأغبياء من بني الإنسان، وأنه توجد أنظمة تواصلية بين الحيوانات لكن لا توجد لغات حيوانية.

ولا معنى للقول: إن «رغيف الخبز وإناء الفخار مقياسان أصدق للتقدم الحق من الوصول إلى القمر والعودة بقطع من حجارته؛ لأن رغيف الخبز نعمة لا يتأتى منها إلا الخير، وإناء الفخار اختراع أدخل على حياة الإنسان تيسيرًا بعيد المدى، وكلاهما نقطة تحول في تاريخ الإنسان. أما الأهرام أو قصور فرساي أو ناطحات السحاب أو مركبات القمر فماذا تعني؟»(9)، فهذا القول مردود من نواح عدّة.

أولًاإن رغيف الخبز ظهر عندما اكتشف الإنسان النار واخترع الحجارة المصقولة، ومنذ اللحظة الأولى التي استعمل فيها الحجارة للطحن والنار للطبخ، فإنه قد استعملهما أيضًا للحرب، بل لا شيء يسمح بأن نفترض أنه اكتشف النار واخترع صقل الحجارة لصناعة الرغيف ثم استعملهما للحرب، من الممكن جدًّا أن يكون الترتيب عكسيًّا وأن الحاجة إلى حماية نفسه كانت سابقة على الحاجة لصناعة الرغيف.

ثانيًا– لو اكتفى الإنسان بالحاجيات من دون الكماليات لَمَا تطورت الحضارة، ولظل الإنسان على عاداته الأولى مثل الحيوانات التي لم تغيّر على مدى التاريخ طرق أكلها أو عيشها؛ فالكمالي هو الذي يحدّد خاصة الإنسانية.

الأهرامات أو قصر فرساي تظل إلى اليوم عنوان هذه المغامرة الإنسانية الرائعة، أما أكل الرغيف، على أهميته، فلا يميّز الإنسان من الحيوان. صحيح أن بناء الأهرامات مثلًا حصل على حساب آلاف من العبيد ماتوا تحت الأنقاض، وأن الأهرامات في ذاتها ليس لها نفع إلا للفراعنة، لكنها ساعدت في تطوير تقنيات البناء التي استفاد منها لاحقًا الجميع. وساهمت أيضًا في شعور العبيد بأنهم بشر وأن عليهم أن يتحرّروا من العبودية، فنشأت بذلك فكرة الكرامة الإنسانية والمساواة بين البشر، إذ يرجّح المؤرخون أن العبيد الذين سخّرهم الفراعنة لبناء الأهرامات هم اليهود الذين خرجوا من مصر بقيادة النبي موسى وتحدّوا الفرعون وعبدوا الإله السماوي بدل عبادته.

لكن هذا الاشتراك البشري في حضارة جامعة لا يلغي حقيقة التنوع والتعدّد في المسارات الحضارية؛ لأن التاريخ لا يسير على خط واحد، ولا يوجد علاقة مباشرة بين الشخص الذي اكتشف النار والشخص الذي اخترع الصاروخ، ولا المجموعة البشرية التي كانت أول من عرف الصفر والمجموعة البشرية التي كانت أول من اخترع الإنترنت. وفكرة هيغل القائلة: إن التاريخ يبدأ من الشرق ليحط به الرحال في الغرب فكرة سخيفة، فلا يوجد لا مركز واحد للحضارة ولا مستقر ونهاية لها. وها هو مركز العالم يتحول اليوم إلى اليابان والصين والنمور الآسيوية ولم يعد لأوربا الدور الأكبر فيه، مثلما بدأت الحضارات الكبرى سابقًا في الشرق الأوسط ثم اتجهت نحو الأفول. فلا وجود لنهاية للتاريخ، لا بالمعنى الذي قرّره هيغل في فلسفته للتاريخ، ولا بالمعنى النيوليبرالي الذي دافع عنه حديثًا فرانسيس فوكوياما في كتابه المشهور «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» الصادر سنة 1992م. ولا نحتاج إلى أن نختار بين نظرية فوكوياما في «نهاية التاريخ» ونظرية هنتغنتون في «صدام الحضارات»، فهما يجتمعان معًا على الخطأ في قراءة التاريخ والحاضر والمستقبل(10).

الحضارة والدين

لنعد إلى ميرابو وقد ذكرنا أنه أول كاتب غربي يستعمل كلمة حضارة. يوجد أمر مثير للتعجب هو أن العديد من الباحثين سارعوا إلى استنتاج أن الكلمة قد نشأت مع الثورة الفرنسية، لتكون البديل عن الدين الذي ثار عليه الفرنسيون مع ثورتهم على النظام الاستبدادي، بحكم العلاقة الخاصة التي كانت تجمع الملكية والكنيسة في فرنسا. والحقيقة أن هذا بعض ما حصل لاحقًا، كما ذكرنا، لكن لا علاقة لميرابو به. فالعديد من الباحثين ظن أن المقصود بميرابو الثائر الفرنسي المشهور الذي كان أحد أعلام الثورة الفرنسية(11)، والحال أن أول من استعمل الكلمة هو أبوه الذي كان يكرهه كرهًا شديدًا، ولا علاقة له بالثورة الفرنسية فقد توفي قبل انتصارها بأيام (توفي يوم 11/ 07/ 1789م). صحيح أنه كان كاتبًا تنويريًّا وصديقًا لمونتسكيو وجان جاك روسو، لكنه كان أيضًا من كبار النبلاء وشخصًا متدينًا على الطريقة التقليدية. ولم يكن يدور في خَلَدِهِ فكرة إقصاء الدين من مجال الحضارة، بل بالعكس، تحدث في كتابه «صديق الإنسان» عن الدين عنصرًا من عناصر تهذيب الجنس البشري وقادحًا لتطور الحضارة(12).

لم يكن كل فلاسفة التنوير معارضين للدين، وإن كان أغلبهم معارضًا للكنيسة أو ناقدًا لها لأنها ساهمت في تكريس الأفكار القديمة وتقديسها ومنع التجديد والإبداع. على سبيل المثال، رسم المستنير الألماني الكبير ليسنغ في مسرحيته المشهورة «ناتهان الحكيم» المنشورة سنة 1779م، مثالًا للتسامح المنشود وجعل أحد أبطاله صلاح الدين الأيوبي. وقد مثل السلام بين الأديان، اليهودية والمسيحية والإسلام، طموحه الأكبر. وهو موقف مختلف عن فولتير مثلًا صاحب المقولة الشهيرة «اقضوا على هذا الوحش» (يقصد الكنيسة) وصاحب مسرحية «محمد» التي استعار فيها شخصية نبي الإسلام ليهاجم بابا الكاثوليك، وقد تفطنت الكنيسة لحيلته فمنعت المسرحية من العرض. من المرجح أنه كان سيغير رأيه لو عاش في القرن العشرين ورأى أن الحروب لم تعد دينية فقط، فالحرب العالمية الأولى أسفرت عن عشرين مليون ضحية، والحرب العالمية الثانية عن خمسين مليون ضحية، ولم يكن للدين علاقة لا بالأولى ولا بالثانية، بل كانت حروبًا قومية واستعمارية لتقاسم العالم.

بعد القرن الثامن عشر، قرن الأنوار، تدعم مفهوم الحضارة باكتشاف الأوربيين للحضارات الكبرى، الهندية والصينية والإسلامية، وفك شفرات لغات الحضارات الأقدم في التاريخ، مثل السنسكريتية والهيروغليفية والمسمارية. وفي هذا السياق، سياق القرن التاسع عشر، اكتشف الأوربيون «الإنسان البدائي» بفضل البعثات الإثنولوجية في المناطق المعزولة عن العالم، وسط أدغال أميركا وأستراليا. وهناك نتيجة بدت مشتركة من كل هذه الاكتشافات، وهي الحضور القوي للدين في كل الحضارات البشرية، القديمة ومنها والأقل قدمًا، فالدين كان الصانع الأول للإنسان.

لقد اضطلعت الأديان بأدوار تأسيسية في الحضارة الإنسانية، وذلك عبر ترسيخ قيمة الأخلاق، وإن كان مضمون الأخلاق متغيرًا حسب العصور والثقافات. واضطلعت بدور حاسم في تميز المجموعات البشرية وتقوية التضامن بين أفرادها، وتعني كلمة دين باللاتينية التجميع والارتباط (religare/ religio)، وإن ترتب على هذا التضامن أحيانًا شعور بالعدوانية تجاه المجموعات الأخرى. وتواصل الثقافات الحديثة، عن شعور أو بطريقة لا شعورية، الكثير من بنياتها الدينية القديمة، وقد رأينا كيف تَعَلْمَنَتْ كلمة حضارة مع السانسيمونيين لتواصل سمات المسيحية في صياغة حديثة. ويمكن أن نذكر أيضًا الأيديولوجيات الخلاصية مثل الماركسية التي عوّضت الملكوت الإلهي (الفردوس) بالمرحلة الاشتراكية التي تحقق للبشر كل مطالبهم وتمنحهم الحرية والعدل والسلام.

مقترحات على سبيل الخاتمة

الحضارة هي تراكم التطور البشري الذي لا يحمل بالضرورة معنى الأفضلية، ولا يحصل على مسار واحد. وهي أيضًا مجموع المميزات التي تحدّد اختلافات مجموعة معينة عن أخرى في مسارها في هذا التطوّر، مثل الدين واللغة والعادات. وهذه المميزات تتشكل على المدى الطويل ويمكن أن تتغير أيضًا على المدى الطويل. ويمكن أن نقصر كلمة حضارة على المعنى الأول ونطلق على هذا المعنى الثاني كلمة ثقافة. والدين أحد العوامل المؤسسة والفاعلة في الحضارة، وفي تميز الحضارات والثقافات بعضها من بعض، وقد يرتبط بالمجموعة التي تميزت به (الديانات القومية والعرقية) أو يتضمن منحى كونيًّا (الديانات الرسالية أو الدعوية).

وتشترك الحضارة والثقافة، أو الحضارة بالمعنى الأول والمعنى الثاني، في صفة الجماعية. فهما إنتاج جمعي في كل الحالات. وكذلك الدين هو ظاهرة جماعية، ولئن ارتبط بشخصيات تأسيسية أو نموذجية فإنه يميّز المجموعة التي تدين به بعقائد وطقوس مشتركة. أما الإنتاج الفردي فهو الفكر. فنقول مثلًا الفكر الفلسفي لأنه من إنتاج أشخاص محدّدين. أو ننسب الفكر لشخص بعينه فنقول مثلًا الفكر السياسي لهيغل.

وقد انتشر في الخطاب العربي منذ سبعينيات القرن العشرين استعمال كلمة تراث. وقد أشار الجابري، وهو من أشهر العاملين في حقله، إلى أن الكلمة لا تجد لها مقابلات دقيقة في اللغات الأخرى. وميّز بين الموروث والتراث، وعرّف التراث بأنه الجزء الذي يظلّ فاعلًا في الحاضر، لكنه سمح لنفسه بأن يختار ما ينبغي أن يكون فاعلًا ومتواصلًا(13). فإذا أخذنا التراث بالمعنى الأول، أي ما ظل حاضرًا بذاته، فإنه يكون مرادفًا لكلمة ثقافة. وإذا ما أخذناه بالمعنى الثاني، أي ما يراد له أن يكون حاضرًا، فإنه يكون مرادفًا لكلمة فكر. وعليه، لم تعد لكلمة تراث فائدة. وقد استعملت أيضًا كلمة «عقل» في المعنى ذاته (نقد العقل العربي لدى الجابري، نقد العقل الإسلامي لدى أركون)، وهي ترادف أيضًا كلمة ثقافة. ويمكن أيضًا الاستغناء عنها. فالدراسات التراثية هي جزء مما يطلق عليه بالدراسات الحضارية أو الثقافية.

نرى هذا التحديد التكاملي كفيلًا بأن يوفّر أدوات الضبط المنهجي لمصطلحات ومفاهيم ظلت تستعمل بطرق مضطربة وتستبطن كثيرًا من المسلمات، بعضها يؤدّي إلى سوء الفهم وتأجيج الصراع، وبعضها يستعمل للمغالطة والهيمنة أو الانغلاق والتعصب.


هوامش:

(١) ابن خلدون (عبد الرحمن)، كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر، الكتاب الأول: المقدمة، تحقيق إبراهيم شبوح، تونس، الدار العربية للكتاب، 2006م، ج 1، ص 67.

(٢) المرجع الساق، ص 218.

(٣) المرجع السابق، ص 221.

(٤) المرجع السابق، ص 291.

(5) Febvre (Lucien) et autres, Civilisation : Le mot et l’idée. Paris, la Renaissance du livre, 1930.

(٦) يراجع كتاب: العظمة (عزيز)، العرب والبرابرة، المسلمون والحضارات الأخرى. بيروت، رياض الريس للكتب والنشر، 1991م.

(٧) نشرنا النص معربًا وكاملًا لأول مرة في كتابنا: قواعد التنوير، بيروت، دار الطليعة، 2009م، ص 47- 67.

(٨) الحداد (محمد)، الدولة العالقة: مأزق المواطنة والحكم المدني في المجتمعات الإسلامية، تونس، دار التنوير، 2018م.

(٩) مؤنس (حسين)، الحضارة: دراسة في أصول وعوامل قيامها وتطورها، ط2، الكويت، سلسلة عالم المعرفة، الكتاب 237، 1998م، ص 11 (ط 1: 1978م). وللإشارة، فإن هذا الكتاب الذي افتتحت به سلسلة كتب «عالم المعرفة» من أول الدراسات المعمقة والجيدة لمفهوم الحضارة الصادرة باللغة العربية، كما أن سلسلة كتب «عالم المعرفة» تمثل أقدم مشروع ثقافي عربي متميز يتواصل إلى اليوم، وقد صدرت ضمنه العديد من الترجمات لكتب مفيدة في موضوع الحضارة.

(١٠) يراجع فصل: ضد فوكوياما وهنتغتون معًا، من كتابنا: الدولة العالقة، مرجع مذكور، ص 255- 262.

(١١) انظر مثلًا: مازليش (بروس)، الحضارة ومضامينها، تعريب عبدالنور خرافي، الكويت، سلسلة عالم المعرفة، الكتاب 412، مايو 2014م، ص 23.

(١٢) يراجع حول حياته وأعماله: Henry (Gilles) ; Mirabeau père. Paris, Tallandier, 1989.

(١٣) الجابري (محمد عابد)، التراث والحداثة: دراسات ومناقشات. بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2015م.


نبوغ عربي أم إسلامي

محمد علي المحمود – كاتب سعودي

هو -في تقديري- نبوغ إسلامي؛ وليس عربيًّا؛ لأن العرب لم يسهموا -بشكل فارق- إلا في الخطوة الأولى، الخطوة غير العلمية وغير الحضارية، التي تتمثل في عَسْكَرة المجتمع العربي زَمنَ الفتوحات الأولى، من أجل وضع اللبنات الأساسية للإمبراطورية الإسلامية الكبرى التي ستكون مهمتها نشر الإسلام بالترغيب والترهيب، في عملية متعددة المستويات: واعية وغير واعية بالنسبة للفاعلين، صريحة وغير صريحة بالنسبة للفعل. وسيعمل الإسلام حينئذٍ على تشكيل وحدة مُبَاطِنة للوحدة السياسية، وستندمج فيها الغالبية الساحقة من الأعراق ذات الإرث الحضاري العريق، وسيعيد هذا الإرث الحضاري السابق تشكيلَ الإسلام ذاته؛ ليصبح أفقًا تواصليًّا لأبناء الإمبراطورية الناشئة، وبالتالي فضاءً للإبداع العلمي والحضاري.

إذن، «عربية الإسلام» لا دور لها في المنجز الإبداعي الحضاري، بل ربما كان دورها في الاتجاه المضاد الذي تَمثَّل في «التيار النقلي»، حيث التمسك بالمستويات الدنيا للتعقل الديني، أي حيث الأثري الفوضوي والحشوي، خالقًا منها «وَعْيًا عامًّا»، وَعْيًا دينيًّا أحاديًّا. لكن، ومع دِينِيّته الخالصة؛ يُرَاد له أن يتجاوز المجال الديني الخاص إلى كل المجالات، بوصفه «حقيقة الحقيقة»، أو «الحقيقة الشاملة المطلقة» التي لا حَقَّ وَرَاءها: نهاية تاريخ الحقيقة!

هذا الوعي العام الذي أراده التيار النقلي هو «الوعي السلفي» الذي كان يَتَمثّله أصحابه كرؤية لاهوتيّة، وكرؤية وُجُودية، وكمنهج عملي في التعامل مع الأشخاص والأشياء، مع عالم الشهادة ومع عالم الغيب. وَعْي كهذا، من الطبيعي أن يصبح الإبداع في تصوره مجرد ابتداع وضلال. ولكمال الحقيقة عنده، ولاستنفاد طاقتها على يَد مُحَرِّرِيها الأوائل/ السلف؛ يُصبح كل جهد يتجاوز فهمَ هؤلاء السلف عبثًا في أحسن الأحوال، وهَدْمًا مُتَعمَّدًا في أسوأ الأحوال.

من هنا نفهم لماذا بدأ «النبوغ الحضاري» في الزمان اللاعربي، وأيضًا، في المكان اللاعربي. في العصر الأموي العروبي، كان الجمود/ تقليد الأسلاف فضيلة، أو دعوى فضيلة يدعمها زَهْوُ الانتصار العسكري. في الحقبة العربية الخالصة/ الأموية، لم يكن ثمة إبداع. ليس هناك أي مظهر نبوغي/ حضاري؛ قبل أن تندمج الأجناس/ الأعراق الأخرى في المدى الإسلامي، قبل أن يتكلم العقل الأممي/ غير العربي بلسان عربي، ويأخذ طريقه إلى مفاصل اتخاذ القرار السياسي، قبل أن يصبح أبناء الحضارات العريقة السابقة على الإسلام هم عصب الدولة الإسلامية في دواوينها/ وزاراتها وفي مراكز الإشعاع العلمي.

حتى عندما بدأ تنافسُ مُدُنِ العلم في أرجاء الإمبراطورية العباسية يستحث الهِمَمَ لتحقيق المنجزات، لم يكن للبلاد العربية الخالصة/ جزيرة العرب أي نصيب في غير المنقول/ المرويات. فالتدوين الذي هو الخطوة الأولى للتدبّر العقلي، لم يبدأ إلا مع بداية الدولة العباسية، تلك الدولة التي لم يكن العرب عمادها، بل كانت -في جوهرها- ضد العرب، أو انقلابًا على العرب. والروح العربية الخالصة لم تكن تميل للتدوين، وابن حنبل رمز التيار النقلي كان يُعَبِّر صراحة عن كراهيته لكتابة الكتب. وأشهر المؤلفات في حدود المكان العربي الخالص/ جزيرة العرب، وهو موطأ الإمام مالك، لم يكن أكثر من سرد للمنقولات الأثرية، ثم التعليق العفوي عليها، أي لم يكن كتابًا بالمعنى الحقيقي! 

حتى الإمام الشافعي «العربي» الذي وضع أسس علم أصول الفقه، لم يضع ذلك إلا بعد خروجه إلى العراق ودخوله في جدال طويل مع المتكلمين ومتعاطي الفلسفة، ومع تيار أهل الرأي (وجلهم من الأعاجم).

هذا في الشأن الديني إبان بداياته ذات الملامح العربية. وأما علوم اللغة والبلاغة (وهي الأشد خصوصية بالعرب) فسدنتها الكبار من غير العرب. ليس سيبويه وأبو علي الفارسي وابن جني والسيرافي وابن فارس…إلخ العمالقة في النحو والتصريف فحسب، وليس الجاحظ والجرجاني… إلخ الرواد الكبار في البلاغة فحسب، بل حتى العربي/ الخليل بن أحمد إنما تَخلّق في وسط علمي غير عربي، ويستحيل تصوّر الخليل قد وضع ما وضع وكتب ما كتب؛ لو لم يخرج من عُمان ويستوطن العراق.

هذا في علوم الدين وعلوم اللغة. وأما علوم العقل من فلسفة وطبيعيات، فالأغلبية الساحقة من المترجمين والمبدعين (الفارابي، وابن سينا، وأبو سيلمان المنطقي، ومسكويه، ويحيى بن عدي…) كانوا من غير العرب. وفي العموم، كانت «الروح العلمية» التي تسري في مفاصل الإمبراطورية الإسلامية روحًا غير عربية. وهذا ما لاحظه أحد أهم مؤرخي الفكر العربي/ أحمد أمين في كتابه «ظهر الإسلام» عندما ذكر تعدّد الأجناس، وقارن بينها في اهتماماتها وخصائصها، فنصّ على اهتمام الفرس بالعلم، في مقابل اهتمام العرب بالأدب والشعر، دون الفلسفة والعلم، إلا أن العرب -كما يقول أمين- يستعينون بغيرهم من الموالي في تجميل دولتهم بالفلسفة والعلم. وطبعًا، كلام ابن خلدون أشهر من أن يستعاد في هذا السياق.


الانتماء الحضاري في أبعاده الكونية.. أسئلة التعدد والاختلاف

أسامة الزكاري – باحث مغربي

ظل سؤال هوية الحضارة العربية الإسلامية مرتبطًا بقضايا مركزية في رسم معالم مرجعياتها ومنطلقاتها وروافدها وعطائها. ويعود هذا التناسل المسترسل لأسئلة تفكيك خطابات العرب الراهنة، إلى النزعة الاحتوائية المطلقة التي ظلت تختزل حصيلة عطاء هذه الحضارة في بعد عرقي ضيق يتمثل في الأصل العربي، بموازاة مع تمركز صارم وتشبث قطعي بالإحالة إلى المرجعية الدينية الإسلامية. وعلى الرغم من أن كل الآراء المهتمة بالموضوع ظلت تُجمِع على أهمية الدور الكبير الذي كان للعناصر غير العربية، مثل الفرس والأكراد والأمازيغ والهنود، في صنع عناصر النبوغ الذي ميز التراث العربي الإسلامي، فالمؤكد أن سمة التصنيف النمطي المتمركز حول يقينيات العرق والدين، ظل يؤطر كل مجالات التصنيف وحقول العطاء وخلاصات الاجتهاد.

عطاء الأقاصي

لقد أضحت هذه الخاصية تحمل عناصر التنافر غير المقبول وغير المبرر لاعتبارات متعددة، يتداخل فيها الانتماء الهوياتي مع المحددات التاريخية والإثنوغرافية التي تصنع الطابع الفرداني للهوية الحضارية للشعوب وللأمم. فعلى المستوى المجالي، ظل عطاء الأقاصي خصبًا، غزيرًا، ومتنوعًا، ومحتضنًا لمجمل المجالات الجغرافية الواسعة التي وصلها المد الإسلامي خلال فجر العصر الوسيط. وفي مجمل العلوم الدقيق، والتأملات الفلسفية، والمدونات الجغرافية، والتصانيف التاريخية، والاستيهامات الإبداعية، كانت لصيغة «العجم» دلالتها المركزية في تحنيط توهج الحضارة العربية الإسلامية. وبهذه الصفة، نجح الفاتحون في احتضان إسهامات فكرية إنسانية رائدة وتكييفها مع ضرورات الشرط التاريخي الذي فرض تصنيفًا تنميطيًّا خلق تطابقًا هلاميًّا بين الانتماء العرقي العربي والديني الإسلامي من جهة، وبين التجديد والابتكار الحضاريين بالنسبة لكل المناطق التي انتشرت فيها العقيدة الإسلامية من جهة ثانية. ففي مجالات علمية دقيقة، مثل الرياضيات والفلك والطب والفيزياء والكيمياء، وفي المجالات الرحبة للعلوم الإنسانية مثل الفلسفة والآداب وعلم الاجتماع وعلم النفس وعلوم اللغة واللسانيات، برزت أسماء من خارج دوائر الانتماء العرقي والديني الضيق الحصري، لتقدم إسهامات نسخت هوية الأصل، وأعادت تركيب نظيمة الخلق والإبداع والعطاء بشكل اختزالي يلغي عبقرية الأمم «الأخرى» المتساكنة داخل ضفاف مجالات العالم الإسلامي الرحبة. نسوق هذه الملاحظة، ونحن نستحضر أسماءً كان لها وزنها وأثرها الفعال في إثراء رصيد الحضارة العربية الإسلامية من خارج الدوائر الهوياتية الضيقة التي أشرنا إليها آنفًا، من أمثال البيروني، وابن المقفع، وابن ميمون، والفارابي، وابن سينا، وابن رشد، وسيبويه،…

تثير هذه الملاحظة نقاشًا مركزيًّا حول البعد التفاعلي في عطاء حضارات الأرض على اختلاف فروعها ومظانها وينابيعها. فكيف يمكن قراءة التراث الفلسفي لابن رشد -على سبيل المثال لا الحصر- من دون العودة لينابيع التفكير الفلسفي الأرسطي الإغريقي؟ وكيف نقرأ علم اللوغاريتمات التي طورها الخوارزمي من دون العودة للوقوف عند معالم النبوغ الهندي في علم الرياضيات؟ وكيف نستلهم قواعد الجبر والهندسة من دون الانفتاح على قاعدة طاليس الهندسية؟ وهل كان بمقدور الشريف الإدريسي إنجاز خريطته الشهيرة للعالم من دون النهل من مدونات بطليموس؟ وهل يمكن فهم بنية التفكير لدى المتصوفة من دون استحضار الأبعاد الروحانية العميقة للغنوصية وللتراث المسيحي الشرقي؟ وهل يمكن رسم آفاق التفكير داخل معالم «المدينة الفاضلة» للفارابي من دون القراءة المتأنية المستلهمة لتفاصيل «جمهورية أفلاطون»؟ وفي العصر الحديث، هل يمكن استيعاب الأفق الفكري والسياسي لعبدالرحمن الكواكبي في كتابه «طبائع الاستبداد» من دون العودة للتأمل في مضامين كتاب «العقد الاجتماعي» لروسو وكتاب «روح القوانين» لمونتسكيو؟…

الهويات القاتلة

من المؤكد أن التفاعل الحضاري في إطار مبدأ الأخذ والعطاء، يظل أمرًا ثابتًا وتؤكده الابتكارات الإنسانية، قديمها وحديثها. أضف إلى ذلك، أن تطور مناهج العلوم الحديثة أضحى يبعدنا -أكثر من أي وقت مضى- من مداخل تصنيف العلوم حسب انتمائها العرقي أو الديني. فلا وجود لرياضيات عربية، ولا لرياضيات فارسية، ولا لرياضيات صينية، ولا لرياضيات سلافية،… ثمة علم للرياضيات ساهم في تطويره كل حضارات الأرض. والشيء نفسه ينطبق على باقي العلوم الأخرى…

لا يمكن أن نسمي الإبداع الحضاري باللغة المستعملة في التعبير عن المضامين، ولا بالعقيدة الدينية للمبدع، كأن نقول -مثلًا- كيمياء إسلامية أو مسيحية أو يهودية أو بوذية… فكل اختزال للإبداع البشري داخل خانة هوياتية ضيقة، يشكل خنقًا له وتقزيمًا لمضامينه الإنسانية والكونية الواسعة. ولعل هذا ما دفع بمؤرخ كبير من وزن فرنان بروديل، رائد مدرسة الحوليات بفرنسا، للحديث في أطروحته العلمية، عن الحضارة المتوسطية، نسبة إلى البحر الأبيض المتوسط، بروافدها المتعددة، الإغريقية والرومانية والمصرية والفينيقية والمسيحية والإسلامية… بمعنى، أنه دافع عن الانتماء الأرحب لمجال إنساني واسع يتجاوز العقائد المحلية و«الهويات القاتلة» حسب التعبير الأثير للمفكر أمين معلوف، وهي العقائد والهويات التي ربطها بروديل بالبنيات الطويلة المدى والممتدة في الزمن، بشكل يتجاوز اللحظة السياسية والحدثية الحصرية الضيقة التي تربط عطاء حضارة ما بقوة الدولة في مجالات سياسية واقتصادية مهيمنة. ولعل عجز العقل العربي عن فهم وعن استيعاب هذه المحددات، مسؤول عن حالة الرفض المعمم تجاه الإبداعات «الأخرى» التي رأت النور داخل الدولة الإسلامية، مما كان يوصف بنعوت «جاهزة» تمتح منطلقاتها من ثنائية الكفر والإيمان، من قبيل الزنادقة، وأهل البدع، والشعوبيين، والمهرطقين،… وهو الأمر الذي شكل/ ويُشكل حجرًا على العقل العربي نفسه الذي أُرِيدَ له أن يتنكر لروافده السابقة على الإسلام وأن ينسخها من حصيلة تراكم التميز في مجال الإبداع الإنساني، مثل التراث الأمازيغي والكردي والقبطي والعبري والفارسي… فالتراث العلمي والإنساني يظل تراثًا علميًّا وإنسانيًّا بغض النظر عن محدداته الهوياتية المرتبطة بالأصل أو بالعرق أو بالجنس أو باللغة أو بالدين.

إنه عقل الإنسان الذي ينتج المعرفة، ومداركه التي تصنع الإبداع، وملكاته التي تصقل الهوية الجماعية، ومخياله الذي ينثر قيم الجمال والمحبة. ليست هناك حضارة أرقى من أخرى، ويكفي العرب والمسلمين فخرًا أنهم أضافوا أرصدة ثرية داخل سجل الإبداع البشري، وتلك ميزة لا يقدر قيمتها الاعتبارية إلا من اختار استثمار نبل العرق وسماحة العقيدة من أجل تعزيز قيم الانتماء للإنسان، كل الإنسان.


حضارة عربية أم إسلامية أم عربية إسلامية

الريح حمد النيل أحمد الليث – أكاديمي سوداني جامعة أم القرى

الجدل الذي يظل يثار منذ مدة حول مصطلح الحضارة الإسلامية في مناسبات علمية وثقافية وفكرية وفي أوقات وأماكن مختلفة والدفع به إلى الواجهة على حساب الحضارة العربية بهدف نفي الصلة بين الحضارتين، انطبق عليه نفي النفي إثبات، إثبات أن العرب وهم مادة الإسلام كانوا ذوي حضارة قبل أن يسلموا، وعلى حضارتهم قامت حضارة الإسلام بعد أن أسلموا، فتوسع محتواها واتسع مداها فدخلت في إطارها حضارات الشعوب غير العربية المسلمة وثقافاتها، فنهلوا من لغتها العربية، لغة القرآن الكريم، لغة الوحدة الحضارية المتعددة المتنوعة، فتمازجت الحضارتان فكانت الحضارة العربية الإسلامية.

فالحضارة مثار النقاش الموصوفة بالعربية أو الإسلامية يجب ألا تدعونا إلى أخذ اللفظين بمعناهما الحقيقي، حيث إن وصفها بالعربية أو الإسلامية، لا يعني إطلاقًا أنها نتاج محض لسكان جزيرة العرب الذين اعتنقوا الإسلام وهم وحدهم الذين أسهموا فيها، بل هما إشارة إلى جميع الشعوب والأمم التي تكلمت اللغة العربية، وعاشت في دار الإسلام في ظل حكم الخلافة الإسلامية، بصرف النظر عن الجنس أو الدين، من ثم فهي إسهام شاركت فيه شعوب أخرى مع العرب، الفرس والمصريون والسوريون والمغاربة والإسبان والأرمن، هذا من جهة اللغة، أما من جهة الدين يدخل في مصطلح الحضارة (الإسلامية) مع المسلمين (ليس العرب فقط) النصارى واليهود وكذلك المجوس والصابئة.

بيد أن هذا التعدد والتنوع الذي أدى إلى ثراء الحضارة الإسلامية العلمي والمعرفي لا ينفي أن العرب الذين تنسب إليهم الحضارة الإسلامية كانت لهم حضارتهم الخاصة بهم قبل الإسلام، إلا أنهم لم يكونوا على علم بها. الجديد أن الدين وهو الإسلام أسهم في إنشاء حضارة ذات طابع عربي إسلامي، وهو ما يتناغم مع إسهام الجزيرة العربية في الحضارة عن طريق الأديان قبل الإسلام، وهو مؤشر إلى أن قيام الحضارة الإسلامية التي لم تظهر في القرن السابع الميلادي، حيث انشغل العرب بالفتوحات أكثر من انشغالهم بالحضارة، جاء نتيجة لعوامل مزج بطيء شأن كل حضارة، على رأسها عامل اللغة العربية التي أصبحت لسانًا حضريًّا لما أقبلت الشعوب غير العربية على تعلمها وهجرت لغاتها(١).

ولا مندوحة عن القول: إن الحضارة الإسلامية هي الحضارة العربية قبل أن تكون الإسلامية عطفًا على أن الإسلام رسالة العرب، وأن العرب مادة الدولة الإسلامية، وأن الشعوب التي دخلت في نطاق دولتهم أخذت منهم قبل أن يأخذ العرب منهم، اللغة العربية، فكان الرجل المسلم يتكلم اللغة العربية ويكتبها بدرجة تجعله عربيًّا خالصًا، متخطيًا الحواجز السياسية للبلاد المختلفة فأين ما ذهب يجد نفس اللغة والدين، فظل العلماء المسلمون لقرون طويلة بمختلف أجناسهم يكتبون اللغة العربية التي اغتنت وأغنت الفكر وعملت الترجمات العربية للعلوم والفلسفة اليونانية على انتشار الأفكار واللغة انتشارًا لا نظير له(٢).

يبرز بجلاء هنا العمق العربي للحضارة العربية والامتداد الإسلامي لها الذي شكل قوة الدفع والطاقة اللذين لم يتوافرا لحضارة غيرها، وهو ما جعلها قادرة على الاستمرار وتجاوز عوامل تدهور الحضارات وتراجعها وانتهائها لاعتمادها على عنصر واحد عند النشأة، وعناصر عدة عند البناء والتأسيس ومسايرة الحضارات الأخرى ومنافستها والتفوق عليها بفضل التنوع الحضاري والثقافي للشعوب التي اعتنقت الإسلام، فصارت عامل وحدة وتماسك حضاري بدلًا من أن تكون عامل تمزق وتفتت.

وإن لم يذكر التاريخ الشيء الكثير عن حضارة العرب قبل الإسلام إلا أن الشواهد الأثرية في جنوبَيِ الجزيرة العربية وشمالَيْها، وما كانت عليه مكة من الحضارة في المجال التجاري، تؤكد أن العرب لم يكونوا كما ظلوا يوصفون به من تخلف مطلق، فكانوا يتشاورون ولهم دار للشورى أشبه بالبرلمان، وأفادتهم خبرتهم التجارية الكبيرة ومعرفتهم بالناس وأحوالهم واختلطوا بأقوام أهل حضارة وكان لهم نظام شبه قضائي، وأمثال حكم جامعة وأيام عرفت باسمهم وتاريخ ملك قبل الإسلام، وثقافة تفردوا بها، وعلم بأوقات مطالع النجوم ومغاربها والأنواء والكواكب ومطالعها، وعادات وديوان أخبار، وسجل حروب وأحداث، وكنز لغة وبلاغة هي لغة القرآن هو شعرهم، وآداب ناضجة ولغة راقية قبل الإسلام، وأخلاق كريمة عرفوا بها كالشجاعة والنجدة والصبر على المكاره وغيرها يسّرت لهم القيام بنشر الدعوة الإسلامية والدفاع عنها قبل ظهور الإسلام وبعده، فاستطاعوا في أقل من قرن إقامة دولة عظيمة وحضارة من أنضر الحضارات التي عرفها التاريخ(٣)، فأسهموا إسهامًا كبيرًا في تقدم الحضارة الإسلامية، ضابطهم في ذلك ألّا إكراه في الدين، ومن ثم لا إكراه في الحضارة، فلم يُؤْثَرْ عنهم إجبارهم أحدًا على ترك دينه أو التخلي عن حضارته أو أنهم هدموا أثرًا حضاريًّا، بل حافظوا على ما وجدوه من حضارات في البلاد التي فتحوها، وهو ما يدل على أنهم قوم متحضرون قولًا وممارسة، وأن حضارتهم أصل.

بتعبير أدق يمكن وصف الحضارة العربية أنها البوتقة التي انصهرت فيها حضارات الشعوب غير العربية التي دخلت في الإسلام، وأسهمت تلك الشعوب فكريًّا مع العرب في إنتاج مكون حضاري علمي ثقافي فكري هو الحضارة الإسلامية، وللتوفيق بين دعاة الحضارة الإسلامية وأنصار الحضارة العربية، مزج الحضارتين في حضارة واحدة هي الحضارة العربية الإسلامية بالنظر إلى القاسم المشترك وهو اللغة، والباعث الموحد وهو العلم، والأصل الجامع وهو الإسلام.


هوامش:

(١) عبدالمنعم ماجد. تاريخ الحضارة الإسلامية في العصور الوسطى. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 2004م، ص9-20.

(٢) نبيلة حسن محمد. في تاريخ الحضارة الإسلامية. دار المعرفة الجامعية، 1997م، ص8-14.

(٣) أبو زيد شلبي. تاريخ الحضارة الإسلامية والفكر الإسلامي. القاهرة: مكتبة وهبة، 1433هـ/2012م، ص60-62.


حضارة واحدة وهويات متعددة

صابر عرب – باحث وأكاديمي

لا توجد حضارة عربية خالصة أو ضاربة في عمق التاريخ، فهي حضارة بلدان دخلت الإسلام واكتسبت الثقافة الإسلامية، ببعدها العربي والتاريخي سواء حضارة الرافدين أو اليمن أو مصر، كل هذه الحضارات تبلورت في الحضارة العربية الإسلامية، وهي لها جذور ممتدة في هذه البلدان، واكتسبت البعد الإسلامي، وهي في عمقها حضارة متعددة الروافد والهويات، والحضارة العربية الإسلامية التي دخلت بلدانًا ذات خلفيات تاريخية وتعمق بالبعد اللغوي، فقد كانت اللغة هي العمود الفقري لنشر الحضارة، حتى حين ذهبت الحضارة العربية إلى الأندلس انتقلت إليها اللغة، فاللغة بكل صياغاتها وجمالياتها وأبعادها البلاغية كانت إحدى الوسائل المهمة لنشر الحضارة العربية.

كتاب كبير

لن نستطيع أن ننزع الحضارة الإسلامية من بعدها التاريخي، والدليل على ذلك أن مصر في القرنين المنصرمين (التاسع عشر والعشرين) كانت ترتدي عباءة إسلامية، لكن في جانب منها الحضارة العربية، وفي العمق وفي الدم كانت الحضارة المصرية القديمة ذات سبعة الآلاف عام التي لم تخرج من ثقافة المصريين ولا سلوكهم، وهذا ما حدث في أبناء حضارات العراق والشام والأندلس وفارس، فحين نقول الحضارة العربية الإسلامية نعني الحضارة العربية الإسلامية، وهي حضارة ليست منزوعة السياق، فكل قطر كان له بعده وعمقه التاريخي، وهو أمر أشبه بالغطاس الذي ينزل إلى أعماق الماء، بينما الظاهر على السطح هو البعد العربي الإسلامي.

ويمكن القول: إن مصطلح الحضارة العربية الإسلامية أشبه بعنوان كتاب كبير، والعنوان الذي يندرج تحته هو التعدد، فكل حضارة تشكل هوية وثقافة مختلفة، ومن ثم قامت الحضارة العربية الإسلامية على أكتاف علماء ومفكرين من بلدان عدة، وكل هؤلاء جاؤوا من ثقافات متباينة، ولا نستطيع أن نختزل الحضارة الإسلامية في شكل واحد من هذه الثقافات، وإلا فإننا نكون قد تنازلنا عن هؤلاء الأفذاذ الذين أضافوا إلى الحضارة الإسلامية، فأشهر مَنْ كَتَبَ في اللغة والتفاسير كانوا من الفرس والأتراك والمستعربين؛ لذا لا يمكن القول: إن الحضارة العربية الإسلامية، ذات بعد واحد، فهذا المصطلح أشبه بكتاب كبير تحته فصول متنوعة.

التراث العبء

لكننا الآن نعيش ما نسميه بالتراث العبء، ذلك الذي يكبل المرء من قدميه ورجليه، فما زلنا نعيش بين مفهومين متناقضين، العقل أم النص، فبعضٌ يرى أن كل ما جاء في القرنين الأولين من الإسلام مقدس، وهذا غير صحيح، فقيمة الحضارة بما كتب عنها في مجالات الحضارة والآدب والفن والهندسة بجانب ابن عربي والغزالي وابن رشد، نعتبر ذلك كله في سلة واحدة، ويجب أن نفرق بين ما يمكن أن نسميه التراث البناء، والتراث العبء، الذي به قدر من التزيد واختزال النص، ونفرق بين الشفافية البناءة بالمعنى الإنساني، إذا قرأت ما قال به ابن رشد وأبو حامد الغزالي ومحمد عبده ومحمود شلتوت ومصطفى عبدالرازق وغيرهم ممن فهموا الإسلام بالمعنى الحقيقي، وصولًا إلى الشيخ عبدالمتعال الصعيدي الذي أعتقد أنه واحد من أكثر من فهموا الإسلام والشريعة والحضارة الإسلامية، وهو تلميذ الشيخ محمد عبده، أقول: إن هؤلاء شكلوا فهمًا حقيقيًّا للنص، وصاغوا مرحلة مهمة من تاريخنا، إلى أن وصلنا لما نحن فيه من نكسات الآن، حيث الجمل المنزوعة من سياقاتها، والأحاديث غير المتسقة مع سياقها التاريخي، فقد عم الجهل بشكل كبير، وحين نأتي لقضية تتعلق بمصالح الناس نجد الناس عنها غافلة، وهناك العديد من القضايا التي أثيرت بلا معنى ولا أهمية، مثل قضية سلمان رشدي، فلم يكن أحد يعلم من هو سلمان رشدي إلا بعدما حدثت الضجة عليه. لكن مصر في العموم كانت سباقة في سياق الليبرالية الفكرية، فهناك من كان يكتب (لماذا أنا ملحد)، ويرد عليه من يكتب (لماذا أنا مؤمن)، وظل الأمر بهذا الفهم الثقافي الواعي حتى اعتلى المناصب أناس معدومو الوعي بمقاصد الشريعة، وبمقاصد الحضارة.

في النهاية أنا أميل بالطبع إلى مصطلح الحضارة العربية الإسلامية، فالاثنان عملة ذات وجهين، لا نستطيع أن نفصل أحدهما عن الآخر، لو قلنا الحضارة العربية فقط سنقلص من قيمتها، فقد اكتسبت هذه الحضارة قيمتها من اللغة التي عبرت حضارة وتاريخ الشعوب المكونة لهذه الحضارة، حتى المستعربين من هذه البلدان المختلفة لم يكن لهم قيمة إلا حين كتبوا بهذه اللغة، فانتشرت كتاباتهم وعمت، من هنا نقول: إنه لا يمكن نزع الشق الإسلامي بعيدًا من العربي، فكلاهما أضاف للآخر، ولولا الإسلام لما انطلقت كل هذه العلوم، ولما أثريت الحضارة العربية بكل هؤلاء العلماء والمفكرين.


الحضارة العربية والإسلامية.. مقاربة أولية

عبدالواحد النبوي – باحث مصري

بادئ ذي بدء لنا أن نعلم أن تسميات الحضارات عمل إنساني قابل للحذف والتعديل والتغيير، وأن إطلاق اسم الحضارة الفينيقية على حضارة بلاد الشام، والحضارة الرومانية على من سكن إيطاليا في حقبة زمنية معينة، وكذلك اليونانية والفرعونية والبابلية وغيرها كلها تسميات اجتهد متأخرون كثر من الفلاسفة والمفكرين في ضبط جوانب وأبعاد وحدود تلك المصطلحات في غير زمن نشأة حضارة من الحضارات، ولا شك أن عوادي الزمن وتطور التفكير العلمي جعل هناك ضرورة لإعادة ضبط ومراجعة لما في بعض جوانب هذه المصطلحات، ولا نغالي إذا قلنا: إن أهل بعض تلك الحضارات في الأزمنة الأولى وبخاصة في مراحل التأسيس لم يطلقوا على أنفسهم تلك التسميات.

ولأن الأمر دخل في حالة من الجدل وبدت النظرية القومية واضحة بل طاغية في بعض الأحيان في مجالات العلم، وهو ما رفع من درجة حرارة النقاش والتنظير حول مصطلح الحضارة وصبغها بصبغة قومية لتتمايز الشعوب بعضها من بعض، وهو ما يجعل بعضهم يفقد أطراف البدايات الأولى للقضية والأسس التي قامت عليها كل حضارة؛ فحضارة العرب السابقة على ظهور الإسلام التي كانت ضيقة المساحتين المكانية والزمنية علاوة على تركزها في أطراف الجزيرة العربية كانت ذات سمات وقيم استمر بعضها بعد مجيء الإسلام وتلاشى كثير منها بعد ظهوره ودعوته لأسس حضارية ثرية ومتنوعة تمحورت حول أسس بناء الإنسان والعمل على كل ما يرتقي به، وأطلقت العنان للعقل ليقوم بدوره في الرقي بالسلوك الإنساني وإعمار الأرض والإيمان بأن القوة المنشئة للكون ليست بشرية.

فجر الحضارة

لقد ظلت الحضارات القديمة تتحرك وتتغير وتبني وتهدم بحثًا عن أفضل النظم والقيم التي تناسب مجتمعها إلى أن نضجت وأخذت صورتها الأخيرة كنتاج فعل لشعب، بمعنى أن التجربة أنتجت قيمًا ومبادئ ومعالم حضارة شعب من الشعوب، أما الحضارة الإسلامية فقد جاءت أولًا بالقيم والأسس والمبادئ التي بنيت عليها الحضارة.

والدارس لكل ما أتى إلينا من مصادر المعرفة منذ بزوغ فجر الحضارة الإسلامية لم نرَ من خلالها أي تصادم مع الحضارات السابقة عليها أو المعاصرة لها مثل الحضارة العربية أو الحضارات الأوربية أو الشرقية على اختلاف تنوعها، بل سمحت لشعوب تلك الحضارات بالفخر بما أنجزوه سابقًا طالما أنه لم يهدر قيمة الإنسان ودوره في الحياة والبناء والأمثلة على ذلك كثيرة وشاهدة، وقد انفتح رجال الإسلام على تلك الحضارات ونقلوا عنها من دون أن تصيبهم أمراض عصور التعصب، وبدا واضحًا قيم التسامح والاعتراف بفضل الحضارات السابقة فلم تحرم الحضارة الإسلامية أية امتدادات لحضارات سابقة أو تطورًا لها بعد ظهور الإسلام إلا ما تنافى مع القيم الإنسانية والحفاظ على الإنسان بوصفه هو محور التحضر والرقي والاهتمام، ولم نجد من ينكر استخدام مكونات الحضارات السابقة المتسقة مع تلك القيم، ولعل أكبر شاهد على ذلك ما تزخر به البلاد الإسلامية من شواهد معمارية وفكرية وثقافية وفنية لحضارات سابقة على ظهور الإسلام؛ فالحضارة الإسلامية رحبة تتسع للاختلاف في العقائد والتفكير طالما أن كل فرد يؤدي واجبه في المجتمع ويلتزم بقيم السلام والأمن والبناء.

والحضارة الإسلامية أكثر مرونة وتكيفًا مع تغير الأزمان فقد وضعت الأسس العامة التي تصلح للتطبيق في أي مكان وفي كل زمان فقواعدها في إدارة نظم الحكم تصلح لكل بقعة في الأرض ولكل شعب من دون ارتباطها بمكان معين أو ظروف معينة مثل ما حدث قديمًا، ومثل ذلك النظم الاقتصادية والاجتماعية وغير ذلك من جوانب وقيم الحضارة الإسلامية. فالقاعدة الفقهية الحضارية «يدور شرع الله حيث تدور مصلحة المسلمين» هي من تحكم حركة الحضارة الإسلامية فكل ما فيه مصلحة فهو واجب القيام به.

ولنا أن نؤكد أن المسلمين سواء كانوا عربًا أو غير عرب في قرون البناء والتأسيس للحضارة الإسلامية لم ينصرفوا لوصف حضارتهم بأسماء شعوب سكنوا إقليمًا من الأقاليم وبخاصة إقليم «مهد رسالة الإسلام»، على اعتبار أنه «لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى والعمل الصالح»، و«العمل الصالح» هنا على إطلاقه وليس «بالعمل الصالح الديني» فقط، وقد مزجت الحضارة الإسلامية بين منتج المنتمين إليها على اختلاف لغتهم وأماكنهم وعاداتهم المحلية وأزمانهم، وبذلك قدمت منجزًا حضاريًّا أوسع وأعمق وأشمل يتمدد كلما تمدد هؤلاء.

إن القول بفكرة عروبة الحضارة التي جاء بها الإسلام هو قول سيفقدها كثيرًا من الإبداع الحضاري من غير العرب الذين كانوا رقمًا مهمًّا في المنجز الحضاري الإسلامي لا يستطيع أحد أن يعوضه أو يَحُلّ مَحَلَّه؛ وفي حالة استبعاده يصاب البناء الحضاري الإسلامي بالعوار ويصير ناقصًا مشوهًا غير مؤثر لا يؤدي وظيفته التي جاء من أجلها، وقد يقود إلى صدام داخلي وصراع بين أبناء الحضارة الإسلامية أنفسهم عرب وغير عرب، كما أنه سوف يدفع كثيرًا نحو خلق صدام حضاري عالمي مع الحضارة الإسلامية وجعلها خصمًا لكثيرين لا يؤمنون بالإسلام وحضارته، وهو ما ظهر واضحًا وبقوة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي حيث طفت إلى السطح كتابات كثيرة تبشر بصدام حضاري كبير، أحد أطرافه الحضارة الإسلامية.

ولعل اللغط الدائر حول مصطلح الحضارة الإسلامية والحضارة العربية راجع في بعض جوانبه إلى أن النقاش يدور حول هذا الموضوع وشعوب الحضارة الإسلامية في أضعف حالتها، وهو ما فرض كثيرًا من النقد والنقض الذي لا يتناسب وجوهر تلك الحضارة.

التداخل الثقافي

وهناك خوف من تكريس مصطلح الحضارة العربية الإسلامية بأن يكون هناك مصطلحات أخرى على هذا النسق مثل الحضارة الإفريقية الإسلامية والحضارة الآسيوية الإسلامية وغير ذلك، وما أراه أن الحضارة الإسلامية ارتبطت بأمرين اثنين كبيرين الزمان والمكان؛ فمنذ أن جاء الإسلام في القرن السابع الميلادي بدأ بناء حضارته التي تمددت في أركان كثيرة من العالم وسمح لبقاء مفردات الحضارات الأخرى، فلا يجب أن ننفخ في نار الصبغات القومية في جسم الحضارة الإسلامية، فلكي نفهم الحضارة الإسلامية بشكل متكامل وواضح ونحكم عليها بشكل علمي دقيق لا بد أن تبقى بشكلها المتكامل الذي بنيت في مدة ازدهارها، ولا يعني ذلك تجاهل الحضارات الأخرى التي سبقتها أو واكبتها ولكل له صفاته ومقوماته، فليَبْقَ اسم الحضارة الإسلامية كما هو، ولتَبْقَ الحضارة العربية كما هي؛ كُلٌّ في نطاقيه الزماني والمكاني.

وإذا سايرنا فكرة صبغ الحضارة الإسلامية بالصبغة العربية فإننا نحاول أن نخلق مصطلحًا قد يراه بعضٌ معوجًّا، ولا يعبر عن واقع الحضارة الإسلامية بكل مكوناتها؛ ومنهجًا لم يتبعه منظري الحضارات الأخرى، فالأوربيون لم يفعلوا ذلك مع الحضارة اليونانية، وكذلك مع الحضارة الرومانية والشعوب الأخرى لم تتطرق لمثل هذا الرأي وهذا الوصف مثل الشعوب التي نشأت على أراضيها الحضارة الفينيقية وغيرها من الحضارات الإنسانية الأخرى.

ويجب أن نؤكد أن التراكم الحضاري الإنساني حَكَمَه أسس ومعايير محددة ارتبطت بضوابط التعاقب وأدواته، وهو أمر فرض نفسه وعلينا أن نحترم ضوابطه للمحافظة على خصوصية كل حضارة تكونت عبر التاريخ الإنساني، ولعل من القضايا المهمة التي يجب أن نشتغل بها هو دراسة التداخل بين الحضارات؛ وإلى أي حد أثرت وتأثرت كل منها في الأخرى بعيدًا من البحث في قضايا تثير النعرات القومية في غلبة حضارة على حضارة أخرى، أو بِمَ نسمي هذه الحضارة أو تلك، أو غلبة شعب حضارة على شعب ساهم في بناء حضارة.


ما العلاقة بين الحضارة العربية والإسلامية؟

عدنان عويّد – كاتب وباحث من سوريا

سؤال مشروع يطرح نفسه علينا اليوم ونحن نعيش حالات عصيبة من فقدان الهوية بسبب مواقف أيديولوجية صماء، أو بسبب عواطف جياشة تدفعنا لنكران الذات والتمسك بانتسابات تعود لجذور ثقافية لا تخلو من الدور الأيديولوجي أيضًا. من هذا المنطلق يمكننا أن نعود للنظر في ذاتنا، والبحث عن حقيقة وجودنا وانتمائنا كعرب، وذلك من خلال طرحنا السؤال الآتي: هل نحن ننتمي للحضارة العربية أم للحضارة الإسلامية؟

للإجابة عن ذلك علينا أن نتعرف أولًا إلى معنى الحضارة، فالحضارة هي نظام حياة، تُحدِّد معطياته طبيعة العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والخلقية لمجموعة بشرية تقيم في منطقة جغرافية محددة، تفرض شروطها بالضرورة وتأثيراتها البيئية والمناخية على حياة الإنسان عامة، والحضارة تبدأ إرهاصاتها الأولية حيث ينتهي الاضطراب والقلق في حياة شعب من الشعوب، ويبدأ استقرار هذا الشعب في بيئته الجغرافية، فإذا ما أَمِنَ الإنسان على وجوده ومارس نشاطه الحياتي لإنتاج خيراته المادية والروحية، ستتحرر في نفسه دوافع التطلع نحو تنمية وتطوير ذاته وبلورة هويتها، وبعدئذ لا تنفك الحوافز الطبيعية والاجتماعية من جهة، والروحية والإبداعية لديه من جهة ثانية، تستنهضه للمضي قدمًا في طريقه إلى فهم الحياة وبناء حضارته فيها.

والحضارة في سياقها العام، هي دلالة على الرقي والازدهار في جميع الميادين والمجالات. ولا يمكن حصرها في الجانب المادي فقط كالمباني والقلاع والقصور، أو اختزالها في أنماطٍ سياسية كالإمبراطوريات والأسر الحاكمة والدول والطوائف والمذاهب، بل بما تنتجه أمةٌ ما من سمات وخصائص تميزها عن الآخر. نعود لسؤالنا المشروع: هل نحن ننتمي للحضارة العربية أم الإسلامية.. أم للحضارتين معًا؟ وعلى هذا، علينا أن نتعرف إلى جوهر هذه الحضارات الثلاث ومعطياتها.

حضارات العرب

أولًا- الحضارة العربية: على الرغم من أن هناك من يقرر أن الحضارة العربية هي حضارة القبائل العربية التي انتشرت في صحراء الجزيرة العربية، وهذا الإقرار يفتقد في رأيي إلى البحث العلمي والتقصي لتحديد من هم العرب وأين انتشروا، وبناءً على هذا الإقرار من جانب بعض الباحثين بأن العرب هم تلك القبائل العربية المنتشرة في الجزيرة العربية قبل الإسلام، فإن هذا التحديد غالبًا ما يسيء للعرب وحضارتهم بحيث تتجلى منتجات هذه الحضارة البدوية فيما قدمه هؤلاء البدو من لغة وشعر وفروسية وغير ذلك من معطيات وقيم الحضارات البدائية. لذلك هذا ما يساهم في تشوه العرب حضاريًّا، وهذا ما لعبت عليه الحركات الشعوبية منذ بدء انتشار العرب وتداخلهم مع الحضارات الأخرى بفعل ما سمي الفتوحات الإسلامية، حيث راح كثير من الكتاب والمفكرين والأدباء ممن ينتمون للحضارات الأخرى وبخاصة الفارسية، يعملون على تشويه العرب وإظهار ضعف انتمائهم الحضاري وتردي قيمهم.

أما حقيقة العرب وحضارتهم، فتكمن برأيي في الشعوب العربية التي انتشرت تاريخيًّا في بلاد المغرب وسوريا والعراق إضافة إلى القبائل العربية التي قطنت شبه الجزيرة العربية. حيث استطاعت هذه الشعوب أن تؤسس لحضارات عريقة قبل الميلاد، ربما اتسمت هذه الحضارات بسمات خاصة دلّت على كل مكون من مكوناتها، مثل: الحضارات الآشورية والفينيقية والآرامية والكنعانية وغيرها من حضارات أخرى انتشرت في بلاد الرافدين، إلا أن مجموع هذه الحضارات استطاع فيما بعد أن يفرض نفسه تاريخيًّا كحضارة واحدة هي الحضارة العربية التي قدمت للعالم عطاءات كثيرة، إن كان على المستوى المادي ممثلًا في البناء المعماري والتقدم الصناعي والزراعي في ذلك الوقت، أو على المستوى الثقافي والحقوقي، حيث قدمت هذه الحضارات أول أبجدية في التاريخ وأول قانون تشريعي. أو على المستوى السياسي، حيث تشكلت دول لها حكوماتها ونظامها الإداري… إلخ.

تنوعات الإسلام

أما الحضارة الإسلامية، فهي الحضارة التي تشكلت مع ظهور الدعوة الإسلامية، وما حملته هذه الدعوة من رؤى توحيدية، وقيم إنسانية نبيلة كالدعوة إلى العلم والمساواة وحرية الرأي وغير ذلك. إلا أن هذه الدعوة جاءت أولًا لقبائل الجزيرة العربية، حيث شكلت قيمها البدوية الأساس القيمي والأخلاقي والثقافي لهذه الدعوة. إن كان بالنسبة لتأثرها بقيم الأحناف أو الصابئة، أو تأثرها بقيم الحضارات الأخرى التي انتشر فيها الإسلام تحت مظلة الفتوحات، مثل الحضارات الفارسية والهندية والرومانية واليونانية. على العموم نستطيع القول: إن الحضارة الإسلامية قدمت على المستوى المادي الكثير من الجوامع، وفنون الأرابيسك والخط العربي، أما الجانب الفلسفي فقد قدم الفلاسفة العرب والمسلمون الكثير، ولكن المحزن أن كل ما قدموه في هذا الاتجاه (الفلسفة أو الأدب أو الفن) وبخاصة ما يحمل البعد العقلاني منه، قد حُورب وهُمش أو أُقصي من الساحة الفكرية والعملية فيما بعد من جانب القوى السلفية الأصولية الامتثالية، حيث حورب الشعر لغوايته، وحورب الرسم والنحت لكونه يجسد أشخاصًا تذكرهم بآلهة الأصنام السابقة للإسلام، وحورب فن الموسيقا والغناء لأنه يلهي الناس عن عبادة الله.. وهكذا تبين لنا تاريخيًّا كيف ضاع من الحضارة الإسلامية، أو الحضارة العربية الإسلامية كل القيم الإبداعية العقلانية مثل: الفلسفة والشعر والفن والأدب. لتبقى علوم الفقه والكلام واللغة، وسيادة النقل على العقل.

حضارة العقل

إن ما نريد الوصول إليه في هذا الاتجاه، هو القول: نحن العرب ننتمي أولًا للحضارة العربية بكل تفريعاتها التي تعود إلى ما قبل الميلاد، ونحن ننتمي ثانيًا للحضارة الإسلامية لكون الدعوة جاءت بداية على أرض العرب وحملها العرب للعالم الآخر. بيد أن هذه الدعوة بعد الفتوحات تخللها كثير من التفسيرات والتأويلات التي عملت على تقسيم الدعوة ذاتها إلى فرق ومذاهب وطوائف لم تعد تخدم الحضارة العربية، هذا إضافة إلى محاربة كل القوى العقلانية والعمل على إقصائها أو تصفيتها بدءًا من الجعد بن درهم وغيلان الدمشقي مرورًا بابن المقفع وابن رشد، وصولًا إلى فرج فودة ونصر حامد أبو زيد.

من هذا المنطلق نقول: لنعد إلى حضارتنا التي أثبتنا فيها وجودنا التاريخي.. لنعد إلى عقلانيتها والمواقف الحضارية التنويرية فيها التي افتقدناها منذ مئات السنين.. لنعد إلى حضارة العقل، ولنتصدَّ لحضارات النقل التي فرضت نفسها علينا مئات السنين أيضًا باسم المقدس.


الحضارة، إسلامية أم عربية، نحو تفكيك وإعادة بناء مستمر

ليس بعد ظهور الإسلام حضارة عربية

أحمد الزيلعي – باحث وأكاديمي سعودي

الحضارة الإسلامية من أرقى الحضارات، فهي حضارة هذبها الإسلام وطورها وارتقى بها، وجعلها متفردة في كل شيء، وازدادت تطورًا ورقيًّا بافتتاح البلدان، وانضواء شعوبها إلى حظيرة الدولة الإسلامية، فاستثمرت الحضارة الإسلامية مقومات البلدان المفتوحة، وثقافة شعوبها، وموروثها الحضاري فاكتسبت الحضارة الإسلامية لذلك مزيجًا فريدًا من ثقافات عدّة، ظهرت بصورة واضحة في العصور العباسية التي شهدت فيها الحضارة الإسلامية أرقى درجات تطورها وتقدمها وازدهارها.

أما من يقول بوجود حضارة عربية، وحضارة إسلامية فيعود ذلك إلى ظهور الفكرة القائلة بإطلاق الدولة العربية على عصر النبوة والخلافة الراشدة وخلافة بني أمية، والدولة الإسلامية على عصر الخلافة العباسية، والدويلات التي تسير في فلكها.

وفي اعتقادي أن هذا التصنيف ليس دقيقًا ومنحازًا فليس بعد ظهور الإسلام حضارة عربية، إلا إذا قُصد بها الحضارات التي ازدهرت فيما يعرف بدويلات المدن أو الممالك العربية التي ازدهرت في عصور ما قبل الإسلام. أما في العصور الإسلامية فإن دولة الإسلام ابتدأت مع اليوم الأول لهجرة النبي ﷺ إلى المدينة المنورة، وجميع الفتوحات التي تمت في الخلافة الراشدة والخلافة الأموية فتوحات إسلامية، شاركت فيها عناصر عربية وغير عربية ومنهم البربر على سبيل المثال لا الحصر الذين شكلوا أغلبية الجيوش التي فتحت الأندلس واستوطنتها.

أما نبوغ غير العرب أو الموالي، واشتغالهم بالعلوم أكثر من إخوانهم العرب فلا يعطي مبررًا لتسمية الحضارة بالحضارة الإسلامية؛ لأن جُلّ من اشتغل بالعلم من العجم هم عرب اللسان أي مستعربون إلى حدّ كبير، واشتغلوا بالعلم في ظل الدولة الإسلامية، وفي خدمتها، وكتبوا إنتاجهم العلمي في أغلبه بلغة العرب؛ ولأن وظائفهم التي تخصصوا فيها تقتضي بروزهم فيما برّزوا فيه من مختلف العلوم التي تفرغوا لها، على حين أن العرب انشغلوا بالحكم والإدارة وقيادة الجيوش، ومع ذلك فقد برّز كثير من العرب في مختلف العلوم والفنون والآداب، وخلافها من المقومات المساعدة على ارتقاء الحضارة الإسلامية وتطورها وازدهارها.

أما علاقة الحضارة الإسلامية بالعولمة فهذه ليست وليدة الساعة، بل هي قديمة قدم الحضارة الإسلامية نفسها، فما كادت شمس العرب تسطع على الغرب حتى تشرّب الغربيون تلك الحضارة، ونهلوا من موردها العذب ومعينها الصافي من خلال ما ترجموه إلى لغاتهم من مختلف مضامير العلوم التي اخترعها، واستنبطها المسلمون، أو تلك التي أخذوها عن غيرهم، وعملوا على تطويرها، والإضافة إليها وتصديرها فتلقفها الغربيون، واعتمدوها في مدارسهم وجامعاتهم، وعلى أسسها الراسخة بنوا مقوماتهم الحضارية، ونهضتهم المَدَنِيّة الحديثة، ولا تزال آثار الحضارة الإسلامية في حضارة الغرب حتى اليوم، محل إعجاب كثير من العلماء الغربيين وتقديرهم واهتمامهم بها وبصنّاعها.

تعددية الفعل الثقافي في حضارة واحدة

إبراهيم بيومي – غانم باحث ومفكر

إطلاق الأسماء يخضع لحيثيات كثيرة، سواء كان هذا الاسم موضوعًا كبيرًا كموضوع الحضارة، أو كان صغيرًا كطفل مولود، فأنت تضفي على شيء اسمًا كي تميزه من غيره، أما ما يتعلق بالتسميات في تاريخ هذه الأمة، هل هي حضارة عربية أم إسلامية أم عربية إسلامية، فهذا خاضع للقاعدة نفسها، حين تجد تسمية فعليك أن تبحث عن خلفيات من يستخدمه، من وجهة نظري الشخصية إطلاق اسم الحضارة العربية لا يستوعب هذه الحضارة موضوعيًّا ولا تاريخيًّا، وإنما يكتسب وجهًا من وجوهها، وهو الوجه العربي، أما إطلاق اسم الحضارة الإسلامية فهو يشمل جميع الأوجه؛ لأن الذي أنشأ هذه الحضارة وحدد لها مقاصدها هو الإسلام، هذه الحضارة نبعت من بين صفحات القرآن الكريم، قولًا واحدًا لا يختلف في ذلك إلا أصحاب الأيديولوجيات والنزعات القومية والسياسية.

أما من الناحية العلمية فهي الحضارة الإسلامية التي نشأت في المساحة من المحيط الأطلسي إلى الهند والصين، وهذا لا يحذف الملامح الخاصة لكل منطقة من مناطق هذه الحضارة، فهناك ملامح آسيوية، وأخرى أوربية، وثالثة إفريقية، ورابعة عربية بالطبع، إذن هي حضارة متعددة الروافد الحضارية والعرقية والجغرافية، يميزها أن لها مرجعية معرفية واحدة، ومكونات اجتماعية وجغرافية ودينية متعددة، وإذا انتفى العنصر الديني غير الإسلامي، وأقصد هنا المسيحي أو اليهودي أو الديانات الأخرى غير السماوية، من عالم الأمة الإسلامية فإنها تفقد صفتها الإسلامية، فشرط أساسي في التكوين الاجتماعي للأمة التي وصفت بأنها إسلامية أن يكون بها غير مسلمين، هذا شاهد في القرآن والسنة والتاريخ والواقع، فعندما يقول الله عز وجل (كنتم خير أمة أخرجت للناس) فأنتم في وسط أناس آخرين، والخيرية هنا ليست استعلاء، ولكن أن تكونوا وسطهم، وتوضحوا لهم رأفة الإسلام وعظمته، وعندما ذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة، وضع ما عرف بصحيفة المدينة التي أقر فيها وجود المشركين، وهم أسوأ أنواع البشر من وجهة نظر العقيدة الإسلامية، كما أقر بوجود اليهود والنصارى، فقال: المسلمون ومن لحق بهم من اليهود والنصارى أمة واحدة من دون الناس.

شرط الحضارة

شاهد آخر من التاريخ وهو أنه لم يحدث طوال 1143 عامًا، هو عمر الحضارة الإسلامية أن وجد مكان ليس به مسلمون، هذا على المستوى الاجتماعي، أما على مستوى السلطة والإدارة فلم يحدث أن خلت الإدارة من اليهود والمسيحيين، أما على المستوى العلمي والثقافي، لم يحدث أن خلت الحضارة الإسلامية من العلماء من غير المسلمين، مثل: ابن العسال وموسى بن ميمون وغيرهما، وقد عرض لهذا الأمر كتاب د. عبدالعزيز القوصي (غير المسلمين في الحضارة الإسلامية)، ومن ثم لم يحدث حتى اليوم أن كان هناك مسلمون يعيشون في عزلة عن غير المسلمين، وهناك عَلَم حديث ومعاصر وعروبي حتى النخاع وهو د. عبدالرحمن عزام، مؤسس الجامعة العربية، يقول: إن وجود مفهوم الأمة شرطه وجود غير المسلمين؛ لماذا؟ لأن هذا المفهوم من الأصول الموجودة في القرآن والسنة حسبما رصدنا آنفًا، وإن أخرجنا غير المسلمين من الحضارة الإسلامية فإننا نكون قد انزلقنا إلى الطائفية والعنصرية، وهذا ضد القيم الإسلامية، فشرط الصفة الإسلامية هو وجود غير المسلمين.

أما القول: إنها حضارة عربية لأن البدايات كانت عربية فهو قول خاطئ، وليس مخطئًا فقط، لأنه يتعمد ارتكاب الخطأ، فمنذ اليوم الأول لهذه الحضارة يوجد سلمان الفارسي، وصهيب الرومي، وغيرهما، ولعلنا نتساءل عما يسمى بالامتداد السابق للحضارة العربية، هل في داحس والغبراء وغيرها من أيام العرب؟ أما عن حمير وسبأ فهذه حضارات عريقة، لكنها لم تكن عربية خالصة، كانت بذرتها عربية، ولكن كان بها أجناس من الفرس والهنود، سبأ كان بها أجناس كثيرة، وهل كان سليمان عليه السلام عربيًّا؟! فمسألة النقاء العرقي واحدة من الأفكار العنصرية، ولم تظهر إلا في القرن الثامن والتاسع عشر، هناك فليسوف غربي قال: «إن الأدميين هم العنصر الآري ومن حولهم من الأوربيين، أما الآخرون فهم كائنات تعيش في الأرض»، تصور أنه لم يُسَمِّنا ولم يعدّنا من البشر.

أصل عنصري

أما الحديث عن اللغة التي قامت عليها الحضارة الإسلامية، فهناك فارق بين أصل النشأة والمنشأ نفسه، فأصل النشأة هي لغة الكتاب، وهي لغة اللسان العربي، وهذه اللغة منفتحة على نفسها، ففي الدراسات اللغوية هي أصل اللغات الأخرى، وفي كتاب فقه «اللغة العربية» للويس عوض، قدم دراسة علمية مهمة، لكنه وصل إلى نتائج غير موضوعية، ولا تستند إلى المقدمات التي انطلق منها، إلا أنني استفدت من هذا الكتاب أن اللغة العربية هي أم اللغات، والذين دخلوا فيها دخلوا بسهولة، واستوعبوا علومها بيسر، وكتبوا بها مثلما كتبوا بلغاتهم، وهذه المفاضلة بين العربية وغيرها هي اصطناع على الأصل العنصري الأوربي، فلغتنا تجمع ولا تفرق، وديننا يخاطب الإنسان قبل أن يلتمس صفات أو عقائد، وهذه عظمة الإسلام، وسر من أسرار انتشاره.

أما عن نبوغ غير العرب في الحضارة الإسلامية، وإن كان ذلك يعزز القول: إنها حضارة غير إسلامية، فقد كان الراسخ بينهم هو العلم، وإفادة الناس، هذا لا يقلل من وجود العمق العربي، فهذه المسألة لها بعد عقائدي أصيل، ومن يفكر في ذلك يبتعد من أصل الموضوع، فالأصل هو العربي، ولو قلنا: إن الذي فهم هذا هو العنصر العربي فقط نكون قد خرجنا عن المسألة العلمية، ودخلنا إلى السياسة والأيديولوجيا، فلكي نفهم تاريخ هذه الأمم التي حدثنا عنها القرآن فلا بد أن نذهب إلى تواريخهم، فالإسلام دعوة مفتوحة وليس منغلقة كاليهودية، وهذا بأمر النص المؤسس ولا خيار لنا فيه، وإن نخالفه فنحن نبتعد ونصبح قوميين أو أيديولوجيين.

الحضارة هي إجابة عن سؤال كيف نعيش، ويختلف عن سؤال الثقافة، التي تعني لماذا نعيش، فسؤال لماذا هو الذي يتعرض لصفة العقيدة وما يستقر في ضمير الإنسان، ومصادر الحضارة الإسلامية من القرآن والسنة تقر الأمم الأخرى على ما هم فيه، ومن ثم فسؤال لماذا أعيش يقر العقيدة للكل، حيث يمكن لكل إنسان أن يعيش بالمعتقد الذي يراه صائبًا، وما ينفعه وينفع الناس به، أما سؤال كيف نعيش، وهو سؤال الحضارة، فيتعلق بالوسائل التي تذلل صعوبات العيش، فإذا رجعنا إلى أصل المسألة نجد أن الحضارة التي تشتمل على أكبر عدد من المكونات ليست عربية ولا آسيوية ولا إفريقية ولا أوربية، وإنما هي الفكرة الإسلامية المجردة التي تحتوي على كل هذه الدوائر.

الحضارة العربية الإسلامية

مها علي آل خشيل – أكاديمية سعودية

الحضارة العربية الإسلامية موضوع شائق، ومتجدد؛ فقد مثّلت بعمقها العربي الإسلامي محطة رئيسة على الخريطة الحضارية الإنسانية، ويكتسب الحديث عنه أهمية إضافية في هذه المدة التي ازدادت فيها التحديات أمام الهوية الحضارية للعرب والمسلمين، والجدل الذي يثيره بعضٌ حول هويتها، وزعم وجود فجوة بين جوانب هويتها العربية والإسلامية.

والعلاقة بين العرب والثقافة العربية والحضارة الإسلامية علاقة تلازم وتكامل، فلا يمكن تجريد الحضارة الإسلامية من عمقها العربي، فهي حضارة عربية إسلامية، لأسباب عدة؛ فقد سبقت الثقافة العربية الإسلام زمنيًّا، وكانت البيئة التي اختارها الله تعالى لتكون مهدًا ومنطلقًا للإسلام، وأعلى من شأن اللغة العربية حين اختارها سبحانه وتعالى لتكون لغة القرآن الكريم، وبعَثَ خاتمَ النبيين نبيَّنا محمدًا عليه الصلاة والسلام من أبنائها، وكلَّفه بحمل دعوة الإسلام إلى العالم أجمع.

وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم حمل العرب رسالة الإسلام إلى خارج الجزيرة العربية، ومع انتشار الإسلام انتشرت اللغة والثقافة العربية، وعلت مكانتها لدى الشعوب التي دخلت في نطاق الإسلام دينًا ومواطنة، فدخلت معظمها مرحلة (تَعَرُّب)، للضرورة الدينية أولًا، فهي لغة القرآن الكريم، ولغة سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولغة التشريع الإسلامي، وللضرورة المدنية ثانيًا، فامتزاج ثقافات الشعوب التي انضوت تحت لواء الإسلام كان يتطلّب رابطة ولسانًا مشتركًا بين الجميع، وهو ما قدّمته اللغة العربية، التي أصبحت إطارًا ثقافيًّا مشتركًا، وكان لها دور رئيس في صياغة الهوية الحضارية للمسلمين على اختلاف مشاربهم. فبذلك هي حضارة عربية؛ لأنها عربية اللغة، كان للغة العربية المكانة العليا فيها، وإسلامية؛ لأنها انبثقت من المبادئ والقيم التي جاء بها الإسلام، وعلى رأسها المساواة، فلا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.

ومن المعلوم أن الحضارة الإسلامية لم تشيدها قومية واحدة، فقد اختلط العرب بغيرهم من الأمم التي دخلت الإسلام، وتفاعلت هذه الأمم التي جاءت من ثقافات متنوعة مع العرب وثقافتهم، وامتزجت معًا، وكوّنت أمة واحدة، وحضارة واحدة. وإسهام الشعوب المسلمة بما فيها العرب في الحضارة الإسلامية كان مصدرًا من مصادر قوتها واستمراريتها وتجذرها في المناطق التي انتشر فيها الإسلام، بما وفّره من إطار جامع توثقت في ظله الصلات بين الثقافة العربية والثقافات الأخرى التي عاشت في تناغم وعطاء في ظل القيم الإسلامية وما وفرته من مناخ حيوي وبيئة داعمة للإبداع.

إسلامية الحضارة ليست قطيعة مع جذرها العربي

مولود عويمر – باحث جزائري

حضارتنا هي نتاج جهود الإنسان الذي عاش في فضائها الجغرافي الفسيح بغض النظر عن أصوله الإثنية، فالعلماء والفلاسفة والأدباء والمفكرون والقادة الذين بنوا هذه الحضارة كانوا ينتمون لأصول متعددة سواء كانت عربية أو غير عربية، مثل: الفرس والأتراك والبربر والصينيين والهنود والمغول؛ لذلك أنا أتكلم عن الحضارة الإسلامية وما انطلق من الجهد المبذول بعد ظهور رسالة الإسلام وما تبع تطوّرها في القرون التي جاءت من بعد، وشاركت في بنائها كل الإثنيات والقوميات والثقافات المختلفة، بينما أتحدث عن الحضارة العربية الإسلامية إذا وضعت أيضًا في الحسبان كل ما قدمه العرب في القرون السابقة للبعثة المحمدية، أو إذا اكتفيت بالنظر إلى اللغة التي أنتج بها كل هذا الرصيد الحضاري، وهي اللغة العربية، فلا شك أن للعرب حضارة سادت قبل ظهور الإسلام، ويكفي أن أشير هنا إلى مشهد من مشاهد التحضر، وهي الكتابة التي تعدّ مرحلة متقدمة في سيرورة التمدن والتقدم. فالعرب دوّنوا حياتهم الاجتماعية وتراثهم الثقافي والأدبي ونشاطاتهم الاقتصادية في نصوص نثرية وشعرية خلّدها التاريخ وما زالت تدرس إلى يومنا هذا.

اعتراف بالتنوع

غير أن ما عرفه العرب من ازدهار في مجالات مختلفة في العصور القادمة مثّل منعطفًا حاسمًا ومرحلة جديدة متطوّرة جدًّا في مسار حضارتهم. فليس هناك قطيعة تاريخية أو الاستهانة بدرجة تحضر العرب قبل الإسلام، وإنما هناك استمرارية تاريخية وتمدد في الزمن والمكان، وأدى هذا المجتمع الممتد والمنفتح والمتنوع إلى تحقيق هذا التراكم الحضاري الإنساني الذي مسّ كل مجالات حياة الناس.

ووصفها بالحضارة الإسلامية هو اعتراف بالتنوع الثقافي ضمن الوحدة الحضارية. هذه الثقافات المتعددة شكلت الروافد التي التقت في بحر الحضارة الإسلامية التي انطلقت في خطوتها الأولى من بلاد العرب، واختار المنتسبون لها اللغة العربية لسانًا لهم، فضلًا عن لغاتهم الأصلية، ومن ثم التحاق الشعوب المختلفة بمسيرة الدولة الإسلامية، والانتماء لحضارتها والإسهام في ترقيتها وتطويرها، قد قام على الرضا النفسي والقناعة الذهنية والدينية بتلك المنطلقات، ولم تقم على الضغط والقهر والغلبة، وهكذا كان الإقبال على تقديم قيم مضافة إلى هذه الحضارة -مثلما فعل سيبويه والبخاري والطبري والفارابي والخوارزمي والرازي والبيروني وابن سينا والزمخشري وابن معطي الزواوي…، والانتماء إليها مع المحافظة على بعض الخصوصيات الثقافية والدينية ـ دليلًا قاطعًا على اندماج كل تلك الشعوب والقوميات في هذه الحضارة الكبرى المشتركة.

والحضارة واحدة، لكن تصنيفها يختلف على حسب الزاوية التي يركز عليها الإنسان وفق حيثيات مختلفة، وقراءات متباينة لتراثها، وتأويلات للسياقات التاريخية التي رافقت المراحل المختلفة لتأسيسها وبنائها، ولا أرى في حضور واحد من التسميات أو مغالبة مصطلحات معينة على الأخرى ما ينقص من شمولية هذه الحضارة وعظمتها، أو ما يقلص من إسهاماتها الإنسانية في العصور السابقة.

تحدي الراهن والمستقبل

فالعالِم الذي كان ينتج فكره، أو الأديب الذي كان يؤلف كتبه، أو القائد الذي كان يفتح البلدان، أو يدافع عن الديار، كان يفعل كل هذا ضمن رؤية واضحة تتمثل في بناء حضارة واحدة تتسع لجميع المنتمين إليها شرقًا وغربًا، والتحدي القائم الآن هو استمرارية عطاء الحضارة العربية والإسلامية في الوقت الراهن وفي المستقبل بجوهر واحد بغض النظر عن تعدد أو اختلاف المظهر.

فالأوربيون على سبيل المثال رغم تعدد لغاتهم وأعراقهم واختلاف مذاهبهم الدينية وتنافسهم الاقتصادي الشديد فيما بينهم فإنهم يعدُّون أنفسهم أصحاب حضارة واحدة، ويتفقون على أن مواصلة تقدمهم وهيمنتهم التقنية والاقتصادية والثقافية لن تكون إلا في التكتل والعمل المشترك الموحد.

ولا شك أن الصراعات الأيديولوجية القائمة بين التيارات المختلفة الموجودة في العالم العربي والإسلامي، كانت وراء كل هذه الاختلافات في وجهات النظر حول قراءة التاريخ وتفسير مساراته وتصنيف التراث وتأويله، فهناك علماء ومفكرون حصروا الحضارة في بعدها اللغوي، فيفضلون دائمًا مصطلح الحضارة العربية؛ لأن اللغة العربية هي التي كانت لغة المبدعين والمكتشفين والمخترعين. وهناك من حصر القضية في العامل الجغرافي؛ لأنها ممتدة في فضاءات تقع خارج خريطة العالم العربي لتشمل مناطق شاسعة من آسيا الوسطى والجنوبية الشرقية، وجنوب أوربا وشمال إفريقيا، وغيرها، ومنهم من حصرها في العامل الديني، فيرى أنها قبل كل شيء هي حضارة إسلامية؛ إذ إن الإسلام هو روح هذه الحركة التاريخية ومحركها الدائم، ولكن هذه التسمية تُقصِي في نظر الذين يعارضونها فئات اجتماعية أخرى مثل المسيحيين واليهود الذين ساهموا بقسط وفير في بناء هذه الحضارة. فالأنسب إذًا هو جمع كل هذه الاعتبارات وتسمية حضارتنا بالحضارة العربية والإسلامية.

خلاف اصطلاحي

عبدالله الرشيد – شاعر وأكاديمي سعودي

يرفض بعضٌ تسمية «الحضارة الإسلامية» بهذا الاسم على اعتبار أن الحضارات في التاريخ عادة ما تسمى على اسم قوميتها، مثل الحضارة اليونانية، والفرعونية، والرومانية، والصينية… إلخ، ولكن في حالة وصف تلك المدة الزاهية في العصر الذهبي في تاريخ العرب والمسلمين فإن الاسم الشائع هو «الحضارة الإسلامية» وليس «الحضارة العربية» ويدور ويطول الخلاف بين الطرفين، من يرى أن تسميتها بالحضارة العربية هي الأصح، ومن يرى أن الأصوب هو الحضارة الإسلامية. ومن وجهة نظري أن الخلاف اصطلاحي ولا مشاحة في الاصطلاح، وكل طرف ينظر للموضوع من زاوية تدفعه لاختيار هذا الاسم أو ذاك.

لكن لو تأملنا مصطلح «الحضارة العربية» لوجدنا أنه يختلف عن «الحضارة الإسلامية» وكل وصف له خصائصه بحيث يحتوي على عناصر وحقب وأزمنة لا يمكن إدخالها في الاسم الآخر. فالحضارة العربية إذا أخذنا هذا الاسم بشموله يمكن أن يشمل حضارات العرب قبل الإسلام، وممالكهم القديمة، كحضارة الأنباط وممالك اليمن، ومملكة دومة الجندل، ومملكة كندة ونحوها، وهي حضارات عربية قديمة ذات طابع مدني أصيل، ويصح أن نطلق عليها «حضارة عربية»، لكنها بالطبع ليست ضمن الحقبة الإسلامية، في حين أن هذه الحضارة العربية تمتد عبر التاريخ، لكن أصبح لها بعد ذلك هوية جامعة جديدة هي الإسلام، ورسالة القرآن، فأصبح ذلك عماد النهضة الحضارية الجديدة للعرب، في عصر الخلافة الراشدة والدولة الأموية والعباسية التي كانت دولًا عربية، وشهدت نهضة وحضارة عالمية كبرى كان عمادها ومحورها «العربية والإسلام». ولذلك يصح أن نطلق على تلك المدة وصفًا أدق هو «الحضارة العربية الإسلامية».

بعد ذلك ظهرت دول وممالك وشعوب في آسيا والهند والصين وغيرها، لهم إسهام وحضور في الثقافة الإسلامية، لكن لم يكونوا عربًا، ولغتهم لم تكن عربية؛ لذلك كان الوصف الأفضل هو «الحضارة الإسلامية» لأنه يشمل النهضة الحضارية الكبرى التي انطلقت بعد بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، وكان من أهم خصائصها أنها عالمية، ولم تكون قومية محصورة في عرق معين، بل منفتحة بشكل كبير على الأمم والشعوب والأعراق، الذين دخلوا في دين الإسلام، ثم أصبحوا لاحقًا من أهم الفاعلين والمؤثرين.

والتسمية بـ«الحضارة الإسلامية» لا يعني أبدًا إلغاء دور العرب، أو تجاهل أثرهم، بل العكس، فاللغة العربية هي جوهر أصيل في عمق الإسلام، والقرآن جاء بلسان عربي مبين، ولا غنى لأي مسلم في أي مكان من أصقاع الأرض من تعلم لو نزر يسير من اللغة العربية يقيم بها صلواته الخمس في اليوم والليلة.


حضارة أنصفها أعداؤها

سميرة بنت سالم السعيديأكاديمية سعودية

حينما يبحث غير المتخصص في ناحية من النواحي الحضارية في الحضارة العربية الإسلامية، فإنه قلّما يجد في مصادر تلك الحقبة التفصيل في ذكر العلماء وذكر أصولهم وأعراقهم، بقدر ما هو اهتمام بمنجزاتهم، وتراثهم الحضاري الذي ساهموا من خلاله في بناء حضارة أنارت العالم وكانت الناقل لبعض الحضارات القديمة، والمطوّرة والمنقحة لبعضها الآخر.

الجدل الدائر في الأوساط الاجتماعية والثقافية في أهمية تأصيل هذه الحضارة التي أنصفها أعداؤها منذ زمن بعيد، وإن خرج منكرٌ لها بين الحين والآخر، إلا أن ذلك لا ينفي أثرها وتأثيرها، هذا الجدل الذي يسعى للفوز بتفريق نظرة الحضارة الإسلامية الشاملة، تلك الحضارة التي بُنبت على مبادئ قوية من التجريب والتثبت، مدعومة بتوجيهات ربانية بأهمية العلم وأجر العامل فيه، والتي قّلما نجد في أي حضارة أخرى هذا الأثر الواضح الجلي والارتباط الديني في شتى فروع علومها. فالعلم بالمعنى الإسلامي كما يقول الدكتور حسن الشرقاوي «كالماء والهواء يجب ألا يحجر، بل على كل من تعلم علمًا أن يعلمه للآخرين سواء كان ذلك الآخر عربيًّا أو غير عربي».

إن تشجيع العرب للعلم انطلق من إعجابهم بما رأوه من علوم الشعوب السابقة، ودفعهم لهذا النبوغ الإطار الديني الذي حرص من خلاله المسلمون على تتبع الحقيقة في كل ما يقومون به، وإحسان التعامل مع المسلم وغير المسلم ما دام يقدم نفعًا للإنسانية، هذا التسامح الذي أعطى مساحة لاندماج غير العرب في هذه الحضارة والتأثير والتأثر بها، فنجد تنافسًا جميلًا بين علماء اللغة من العرب وغير العرب أخرج لنا المدارس النحوية على سبيل المثال، ونرى تأثير العمارة العربية واندماجها مع أنواع العمارة غير العربية التي أخرجت لنا فنًّا متفردًا متميزًا بهويته تحت اسم العمارة الإسلامية.

إن وصف الحضارة العربية الإسلامية بكونها إسلامية، لا يُلغي حقيقة أنها بدأت من جزيرة العرب، ولا يعني ارتباطها بالعرب أن أي قوة سياسية تستطيع بناء حضارة وإلا كما قال غوستاف لوبون «لماذا عجز البربر وهم من ورثوا حضارة الرومان من إقامة حضارة بعدها».

من الطبيعي أن تؤثر هذه الحضارة العربية في جميع البلاد التي اعتنقت الدين الإسلامي ولا سيما ونحن نرى تأثير هذه الحضارة في غير المسلمين، وهو ما يعني أن ما خلفته هذه الحضارة العربية ليس بسبب ارتباطها بالإسلام فقط، بل بقدرة اندماجها مع الحضارات السابقة وأثرها الواضح الباقي في الحضارة العالمية حتى وقتنا الحاضر. وليس أدل على ذلك من شهادة زيغريد هونكه عندما كشفت إعجاب البابا سلفستروس الثاني الذي كان يجيد العربية تحدثًا واتخذ الأرقام العربية وسيلة حسابية له.

وخلاصة القول: إن حصر الحضارة الإسلامية بكونها عربية يجردها من عالميتها التي نفتخر بها كعرب، نعم منطلق الحضارة الإسلامية هي حضارة عربية، ولكنها أثرت وتأثرت حتى باتت حضارة عالمية شارك في صناعتها العرب وغير العرب من المسلمين وغير المسلمين من يهود ونصارى أيضًا.

تعبيرات الشباب.. حركة غير منظمة بلا قادة ولا منظرين

تعبيرات الشباب.. حركة غير منظمة بلا قادة ولا منظرين

لا يفوت الشباب مناسبة لاختبار أداءات تعبيرية جديدة، تختلف عما هو رسمي وتقليدي. بهذه التعبيرات، التي تشمل الغرافيتي والفن المفاهيمي والغناء والرقص، إضافة إلى اللبس ونحت لغة جديدة، تتداخل فيها لغات عدة، أرادوا تأكيد وجودهم الجديد، والتعبير عن هوية خاصة ومختلفة عمن سبقهم من أجيال. الجدران والأعمدة والفضاءات العمومية، تأتي بمنزلة لوحات إعلانية عن وجودهم. وموسيقاهم بإيقاعاتها العالية الحادة، وكلماتها السريعة التي تحكي تفاصيل حياتهم، واحدة من الأدوات التي لجؤوا إليها في الفضاءات العمومية؛ للتعبير عن لحظاتهم الخاصة، وعن ذواتهم التي تتطلع إلى التحرر من تقاليد وسُلَط اجتماعية لم تعد مناسبة لهم.

فن الشباب هو بيان قوي عن استرداد ملكية الجسد وتاريخه، في مقابل الموجات المتعاقبة من التسليع والاستعباد. ويبني جسوره مع التاريخ ومع كفاح الأجداد. ويعلمنا الشباب كيف نحيل فنوننا إلى ملاذ ومأوى، ونحيل جماعاتنا الفنية إلى عائلات جديدة تخلق أنساقها التعليمية والأخلاقية من دون سُلطة أو غبن. تعبيرات الشباب بآلياتها ومضامينها، تبقى فعلًا تعبيريًّا عن الروح الديمقراطية وجوهرها، وعن حرية التعبير واستقلالية الفضاءات العمومية.

ويعبر المظهر الحديث للشباب عن الرغبة في الانفلات من السلطات، وتجاوز حدود جيل الآباء، والانسلاخ من الانتماءات القديمة والانتماء لثقافة عالمية جديدة وحُرّة. من ناحية، منح النقد والاحتجاج والفضح الإبداعات النسوية فرصة لنقد الفكر الذكوري والهيمنة السياسية للنماذج الأبوية.

لا يمكن حصر أداءات التعبير لدى الشباب في أنها مظاهر لاحتجاجهم على الحرمان الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الذي يعيشونه؛ لأنها في أبعادها الاجتماعية والثقافية أبعد من ذلك بكثير، فهي في عمقها الثقافي ابتكار لأسلوب حياة في مواجهة توحش الرأسمالية وتَشَيُّؤ الإنسان.

من ثم، على خلاف ما كان سائدًا منذ ستينيات القرن الماضي، لا تُعَدّ هذه الفنون وما صاحبها من أداءات تعبير فنية لدى الشباب حركة منظمة، لها من يقودها ومن ينظر لعملها، فهي ثورة ديناميكية في المجتمع، لا يوجد لها قادة ولا منظرون.    

«الفيصل» في ملف العدد الجديد، تسلط الضوء على التعبيرات الجديدة للشباب، من منظور سوسيولوجي وثقافي.

الشك.. شرطًا معرفيًّا لكتابة التاريخ

الشك.. شرطًا معرفيًّا لكتابة التاريخ

على الرغم من كون ابن خلدون أول مُؤرخٍ عربي في العصر الوسيط، تسلّح بمنهج الشك في النظر إلى مفهوم التاريخ وحوادثه وأحواله وصناعته، فإن ذلك حقيقةً لم يكُن إلا عرضيًّا ويدخل بصفة عامة في مشروعه القائم على إخضاع عناصر التاريخ إلى دراسة علمية تنفي كل ما له علاقة بالأخبار والحوادث وإعادة التشكيك فيها والتدقيق في وقائعها.

وهذا الأمر لم يتوقّف عند ابن خلدون، بل امتد إلى أسماء فلسفية وتاريخية وأدبية شككت في الموروث المعرفي العربي الإسلامي كاملًا. غير أنه في الحقبة الحديثة وبفعل مناهج غربية فطن رواد النهضة العربية إلى ضرورة تجديد هذا التراث والتشكيك فيه، انطلاقًا من أدواتٍ تحليلية «علمية» مستمدة من الفلسفة وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا، وهي المرحلة الإبستمولوجية التي ستشهد أوج الكتابة التاريخية إبان منتصف القرن التاسع عشر.

وذلك بفعل التطور الذي عرفته المعرفة الإنسانية، وجعل كثيرًا من العلوم تتلاحم فيما بينها لتُكوّن مزيجًا معرفيًّا يصعب الجزم في خطابه إذا كان تاريخًا أو فكرًا. وهذا الأمر تُظهره بعض المواد في الملف الذي تخصصه «الفيصل» لهذه القضية المتعلقة بنقد مفهوم الوثيقة التاريخية، وضرورة التشكيك في يقينياتها، ومدى نجاعتها في أن تكون قادرة على كتابة تاريخٍ حقيقي. على الرغم من أن مسألة «الحقيقة» أو «العلمية» في كتابة التاريخ تبقى نسبية وتتحكم فيها عوامل أيديولوجية أكثر منها فكرية.

ذلك أن المُؤرخ العربي، مهما ادعى تجرده من الأحادية والعلمية في النظر إلى الأحداث والوقائع، من الضروري أن تتسرب أيديولوجيته إلى جسد النص؛ لأن مفاهيم من قبيل: الشك والنقد والتهديم والتفكيك، تظل تُضمر بين طياتها أبعادًا أيديولوجية، حتى لو كان استخدامها يأتي وفق سياق تاريخي أو نسق معرفي. على هذا الأساس، يُعد الشك أول شرطٍ إبستمولوجي في كتابة تاريخٍ جديدٍ يجُبّ الذي قبله ويُهدّمه. مع العلم أن ذلك يبقى مُستبعدًا في التاريخ العربي الإسلامي الوسيط، بحكم تشابه المُنطلقات، وطريقة الكتابة، والنمط الفكري الخاضع بقوة إلى المرجعية الإسلامية في تفسير التواريخ والأحداث والوقائع، بطريقة تجعل من الرأسمال الديني مرجعًا أوليًّا لها.

«الفيصل» تدرك أهمية هذا الموضوع الراهن وضرورة فتح نقاش معرفي حوله، بمعية عدد من المفكرين والمُؤرخين من العالم العربي، كمُحاولة لمُساءلة مفهوم التشكيك في كتابة التاريخ ونقد رواياته الرسمية منذ الحقبة الوسيطية حتى اليوم.


هوامش نقدية على دفتر التراث

تركي‭ ‬الحمد ‬كاتب‭ ‬سعودي

إن استغراب بعض المفكرين العرب حول ابن حجر العسقلاني (مات عام 852هـ- 1449م) وكتابه «الإصابة في تمييز الصحابة» تحديدًا، يمكن أن يعمم على عدد من كتب التراث الرئيسية التي نقلت لنا النصوص المؤسسة للفكر الإسلامي، بعد الرسالة المحمدية.

معظم هذه الكتب دونت بعد أكثر من قرنين على وفاة رسول الإسلام، صلى الله عليه وسلم، وجل ذلك في العصر العباسي الثاني، وهي الكتب التي نرجع إليها باسم «أمهات الكتب» في الحديث والتاريخ والتفسير والسيرة والأدب، مثل مؤلفات البخاري والطبري وابن كثير وابن الأثير والثعلبي وابن هشام وغيرهم. هذه المؤلفات هي التي شكلت في لا نهاية العمود الفقري ما نسميه الفكر الإسلامي أو الثقافة الإسلامية حتى هذه اللحظة، وما عداها مجرد شروحات أو إضافات لا تخرج عن النصوص الأساسية في أمهات الكتب، فصحيح البخاري هو المرجع الرئيسي لأحاديث الرسول، حيث إنه أصدق كتاب بعد كتاب الله، وسيرة ابن هشام هي السيرة الرسمية المعتمدة لحياة الرسول، وهكذا.

حين نستعرض معظم هذه الكتب، التي تشكل العمود الفقري للموروث كما قلنا، نجد أنها في كثير من المواضيع لا تفرق بين الحقيقة التاريخية وبين الأسطورة.

ومن الأمثلة على ذلك «معركة بدر» التي كانت في العام الثاني للهجرة، والتي كانت بين مسلمي يثرب من المهاجرين والأنصار، وقريش المكية، وقد انتصر فيها المسلمون وثبتوا الدعوة. معركة تاريخية كأي معركة أخرى، ولكن «الأسطرة» اللاحقة في عصر التدوين تمثلت في إضفاء قدسية معينة على الحدث من خلال أسطرته، وإدخال كائنات غير مرئية في الموضوع. ونجد الأسطرة نفسها في سيرة الرسول الأعظم، حيث وصفه المدونون لاحقًا، كالبخاري والحلبي، وبقية كتاب ومدوّني التاريخ الإسلامي، بأنه «لا ظل له حين يسير تحت الشمس»، مع أن القرآن الكريم وصفه بالقول: «قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي» (الكهف، 110)، وبالقول: «إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون» (الأعراف، 188).

والشيء ذاته، أي الأسطرة، مُورِس مع صحابة الرسول الكريم، فبعيدًا عن القول بعدالتهم جميعًا دون استثناء على كثرتهم، فإن هنالك قصص كثيرة عنهم تدخل في فضاء العجائبي والغرائبي، الذي هو فضاء أسطوري في الكثير من جوانبه. فمثلًا قصة «يا ساريةُ، الجبلَ»، حيث كان عمر بن الخطاب على منبر رسول الله، ثم فجأة صاح: «يا ساريةُ، الجبلَ.. الجبلَ»، فسمعه سارية بن زنيم في نهاوند، على بعد 1500 ميل، فلجأ إلى الجبل، حتى فتح الله على المسلمين وانتصروا في تلك الموقعة.

أما علي بن أبي طالب وذريته، وبخاصة الحسين بن علي، فحدّث ولا حرج عن ذلك الكم الهائل من الأسطرة، وبخاصة التراث الشيعي المكتوب والمنطوق، بحيث يكاد علي والحسين يصلان إلى مرتبة الألوهية، كما في الأساطير الإغريقية والرومانية والبابلية، أو كما في الثالوث المسيحي المقدس، حيث يكون المسيح هو الإله والإنسان في الوقت ذاته. ومن هذه الأساطير مثلًا، أن السماء أمطرت دمًا يوم مقتل الحسين (ذكرها ابن عباس)، وأن الشفق الأحمر لم يظهر إلا بعد وقعة كربلاء ومقتل الحسين، والأمثلة كثيرة على مثل هذه الأسطرة، سواء عن السنة أو الشيعة أو بقية الفرق.

وفي هذا المجال، يجب التفرقة بين الأسطورة والخرافة، وهو أمر يشكل على الكثيرين. فالخرافة عبارة عن حكاية خيالية، تدور غالبًا حول كائنات غيبية، أو أفراد يقومون بأعمال خارقة للعادة أو غرائبية، وذلك مثل معظم حكايات ألف ليلة وليلة، وليس من الضروري أن يكون لها أساس من الصحة، ولو بالنزر اليسير. أما الأسطورة، فقد تكون في بدايتها حقيقة تاريخية، ولكنها بعد ذلك تضخم، ويضاف إليها كل ما هو عجيب وغريب، وأحيانًا قدسي وإلهي، فتنتقل من كونها واقعة تاريخية أو فرد تاريخي، إلى أسطورة يغلب فيها الخيال على الحقيقة، ولكن ذلك لا ينفي بداياتها التاريخية، ولعل في ملاحم الإلياذة والأوديسة، وملحمة جلجامش البابلية، وسيرة عنترة بن شداد العبسي، وسيف بن ذي يزن، وتغريبة بني هلال وأبي زيد الهلالي، والزير سالم، والظاهر بيبرس وغيرها، خير مثال على المقصود هنا. فسيف بن ذي يزن مثلًا، وهو من الشخصيات الأسطورية المحببة إليّ كثيرًا، ملك يمني أسهم في تحرير بلده من الغزاة الأحباش، وهذا موثق تاريخيًّا، ولكنه يتحول إلى بطل أسطوري في السير الشعبية، له أخت من الجن، وصديق من المردة والعفاريت، قدرات خارقة للعادة وقوانين البشر والطبيعة، والأمثلة كثيرة في هذا المجال.

فالأسطورة، كما يرى مرسيا إلياد، «تمثل تاريخًا مقدسًا من جهة، تروي كيف جاءت حقيقة ما إلى الوجود، تصف لنا مختلف تفجرات القدسي في العالم، وتكمن وظيفتها في تثبيت النماذج المثالية لجميع الطقوس والفعاليات البشرية الهامة» (مرسيا إلياد. رمزية الطقس والأسطورة. دمشق: دار العربي، 1987م، ص 92- 93). وبناءً على ذلك، فإن البطل التاريخي، سواء كان نبيًّا أو زعيمًا أو محاربًا أو غير ذلك، ما لم يتصف بصفات خارقة للعادة، أو لنقل إعجازية، يتجلى فيها الإلهي الخالد في الإنساني البائد، فننسج من حوله الأساطير التي تجعله فوق مستوى البشر، وأقرب للسماء منه للأرض. هكذا صنع بشخصيات وأبطال تاريخيين، أي أن لهم وجودًا تاريخيًّا، مثل يوشع بن نون والملكين النبيين داود وسليمان في العهد القديم من الكتاب المقدس، و«يسوع» المسيح في العهد الجديد، وهرقل وأطلس وأخيل في أساطير الإغريق والرومان، وعنترة وسيف و«ذوي الكرامة» من «الصالحين» في تاريخنا وسير أبطالنا.

الأسطورة ليست خرافة يتسلى بها، كما ذكرنا آنفًا، ولكنها نسق من الرموز الدالة على معنى يختفي وراءها، ومهمتنا هي حل هذه الرموز من ناحية لاكتشاف المعنى، والتمتع أدبيًّا وفنيًّا بالجماليات التي تحملها تلك الأساطير التي لها دور مهم في حياتنا وثقافتنا الإنسانية، وذلك حين تفهم على أنها أساطير.

المشكلة تكمن في عدم القدرة على التفرقة بين الأسطورة والحقيقة، كما هو حاصل بالأمس واليوم، في الثقافة الإسلامية، ومن هنا يتوجب إدخال معاول النقد؛ لا لهدم الأسطورة، ولكن لتنقية الحقيقة التاريخية والاجتماعية. يذكر الثعلبي في قصص الأنبياء، وبرواية عبدالله بن عباس، أن طول قامة الفرد من «قوم عاد» كان ثمانين ذراعًا، وأن رأس أحدهم كالقبة العظيمة، وكانت عين الرجل تفرخ فيها الضباع، وكذلك مناخرهم. (الثعلبي. قصص الأنبياء المسمى عرائس المجالس. بيروت: المكتبة الثقافية).

هنا يتبين القصد من فرز الأسطورة عن الحقيقة التاريخية، فقوم عاد مثلهم مثل كل البشر في أطوالهم وأشكالهم، ولكن قصتهم تحولت إلى مثل هذه الأسطورة لغاية ما، ولكن تلك حكاية أخرى، ومجال بحث آخر.


الرواية التاريخية العربية (الإسلامية)

خالد‭ ‬زيادة ‬مؤرخ‭ ‬لبناني

ليس هناك ما يمكن تسميته تاريخًا رسميًّا للإسلام، والمؤرخون الذين كتبوا في التاريخ جاؤوا من مشارب مختلفة، وكبار المؤرخين أمثال المسعودي والطبري تدخل مؤلفاتهم الضخمة في التاريخ العالمي حسب رؤية العصر الذي انتموا إليه. نضيف إلى ذلك أن التاريخ كعلم لم يكن جزءًا من العلوم الإسلامية كاللغة والحديث والفقه والكلام. كذلك فإن الفلاسفة لم يعتنوا بالتاريخ فكانت مادة الفلسفة العقل والبرهان والمنطق، وليس الخبر والأسطورة. ولم ينشأ في علم التاريخ تفكير منهجي إلا مع ابن خلدون.

إلا أن ذلك لا ينفي أن كتابة التاريخ لدى المسلمين مثّلت تطورًا بالمقارنة مع كتابة التاريخ لدى الشعوب الأخرى كاليونان والفرس، ويمكننا أن نُرجع أحد أسباب تطور كتابة التاريخ لدى المسلمين من الوجهة المنهجية و(الموضوعية) بسبب انبثاق كتابة التاريخ عن علم «الحديث النبوي». فكما يلزم المحدث أن يسند روايته إلى راوٍ، وأن يكون الراوي معروفًا يتمتع بصفات تؤهله لرواية الحديث النبوي، فإن المؤرخ يتبع منهج المحدثين بإسناد كل خبر إلى راوٍ، من هنا الضوابط التي حكمت كتابة التاريخ، يُضاف إلى ذلك أن كتابة التاريخ في عالم الإسلام قد انطوت على حلقة مركزية وهي ظهور الدعوة الإسلامية، فالتاريخ من قبل هو تاريخ الجاهلية حتى بلوغ الدعوة التي تشكّل نواة التاريخ، ومن بعد فإن التاريخ يبتعد تدريجيًّا من زمن الرسالة وبالتالي فإنه يتجه نحو الفساد.

التاريخ ومنهج الجرح والتعديل

على الرغم من الموقع الذي يحتله الرسول في قلوب جميع المؤمنين، فلا توجد سيرة «رسمية» معتمدة له. ومن المعلوم أن أول من صنّف سيرة مبكرة للرسول هو ابن إسحاق (80-151هـ/699-769هـ). أي أنه وُلد بعد وفاة الرسول بما يزيد على ستة عقود من الزمن، وقد اعتمد على أخبار رواها التابعون عن الصحابة. والواقع أن سيرة ابن إسحاق قد فُقدت ولا نعرفها إلا من اقتباسها من جانب ابن هشام (218هـ/833م)، والأخبار تُفيدنا بأن ابن إسحاق لم يسلم من النقد والتشكيك بروايته، فاتّهم في عقيدته من جانب الذين اعتبروه قدريًّا وغير ذلك، أي أن التشكيك قد رافق ولادة الكتابة العربية بسبب الأصداء السياسية والنزاعات العقائدية.

ولكن تعدد رواة الحديث وتكاثرهم، وابتعاد الرواة من عصر الرسول كلما تقادم الزمن، أدى إلى نشوء علم قائم بذاته عُرف باسم «الجرح والتعديل» يفحص الرجال من حيث امتلاكهم للأمانة والعدالة. و«الجرح والتعديل» علم إسلامي بامتياز، ينطوي عل منهج نقدي. وإذا كان قد طُبّق على رواة الحديث، إلا أنه لم يُطبّق على رواة التاريخ، وذلك لأسباب معروفة. فالأحاديث النبوية تترتب عليها أحكام فقهية ومعاملات وزواجر وموانع، أما الرواية التاريخية فلا يترتب عليها شيء من ذلك.

وكما نلحظ فإن «الجرح والتعديل»، اقتصر على نقد الرواة ولم يتطور إلى نقد الرواية، أو المضمون أو النص أو الخبر. أي أنه لم ينشأ العلم الذي يمحص الروايات التاريخية من حيث معقوليتها. فحين نقرأ لدى أغلب المؤرخين فإننا سنعثر على كثير من المعطيات والأخبار التي يمكننا أن نشك في صحتها. وخصوصًا حين يتعلق الأمر بالأخبار التي تخص البلاد البعيدة التي يدخل بعضها أو كثيرها في باب العجائب والغرائب.

والثقافة العربية التي استنبطت علم «الجرح والتعديل» غير المسبوق، أنجبت مؤرخًا أنجز رؤية حول التاريخ هو ابن خلدون. أي أنه أضفى على الأخبار والوقائع منطقًا عقلانيًّا من خلال صياغته لمفهوم العصبية في كلامه عن صعود الدول وانحطاطها عبر دورات وحقب زمنية. فالتاريخ لا تتحكم فيه العجائب والغرائب والميول الشخصية والنزعات الفردية، ولكنه يتبع منطقه الخاص، ولا بد من الإشارة هنا إلى أحد تلامذة ابن خلدون وهو تقي الدين المقريزي (1365-1442م)، وخصوصًا في أحد كتبه «إغاثة الأمة بكشف الغمة»، الذي يُرجِع فيه سبب المجاعات، ليس إلى العوامل المادية كشُحّ المياه في النيل والفيضانات فحسب، وإنما أيضًا إلى سوء التدبير السياسي والفساد والتضخم المالي. وكما نرى فإن هذين المؤرخين العظيمين اللذين عاشا في القرن الرابع عشر الميلادي، وأدركا القرن الخامس عشر، لم يخلفا كتّابًا أو مفكرين أو مؤرخين يتابعون ما بدؤوه من تكوين رؤية تاريخية وتحليل الظواهر، والوقائع الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية. وسنجد أن ما بدأه كل من ابن خلدون والمقريزي قد تطور وتحوّل إلى مدارس فكرية في أوربا ابتداءً من القرن السابع عشر.

الاستفادة من المناهج النقدية العقلية

طه حسين

لقد تطور في أوربا المنهج النقدي الذي يدرس النصوص والأفكار من حيث معقوليتها، وليس من حيث شكلها فحسب. وعادة ما نرجع إلى الفيلسوف رينيه ديكارت (1596-1650م) وخصوصًا في كتابه المعروف باسم «مقالة الطريقة» وهو كتاب في المنهج العقلي. ونجد تطبيقًا له لدى فيلسوف آخر هو باروخ سبينوزا (1632-1677م) الذي كان فيلسوفًا عقليًّا. ونشر كتابه «الرسالة اللاهوتية السياسية». ومن المعلوم أن طه حسين حين نشر «في الشعر الجاهلي» (1926)، أي قبل ما يقرب من مئة سنة، طبّق، حسب قوله، منهج ديكارت، فأثار حفيظة الأزهر والمحافظين.

وإذا كان طه حسين قد تراجع وحذف من كتابه المقاطع المثيرة للاعتراض والجدل، فإن المسألة المطروحة، قد طويت على نوع من التسوية وإنكار الموضوع. ومع ذلك فإننا لا نستطيع أن نغض النظر عن تطور مناهج البحث التاريخي والتدقيق في النصوص والأخبار وتحليلها ونقدها، فإذا لم نفعل ذلك سيفعله غيرنا.

محمد إقبال

تطورت المناهج العلمية والنقدية تطورًا كبيرًا في أوربا، بل إن مناهج التفكير سلكت في الفكر الأوروبي طريقتين: الأولى التي افتتحها ديكارت مع منهجه العقلي، والثانية مع فرانسيس بيكون (1561-1626م) ومنهجه التجريبي، وقد استفاد العديد من المفكرين المسلمين من هذه المناهج، فنجد أن محمد إقبال (1877-1938م) صاحب كتاب «تجديد التفكير الديني في الإسلام»، يرى أن مفكري الإسلام وفقهاءه قد أخذوا المنهج العقلي نقلًا من اليونان، وأنهم بذلك قد ابتعدوا من دعوة القرآن للإنسان إلى العمل والتجربة في حياته، فالتجربة الإنسانية لا حدود لها ولا تحدها قواعد عقلية مسبقة.

إن هذا النوع من قراءة النص الديني على ضوء منهج عصري، تعني إدراك المؤمنين لتجربتهم الإيمانية. وتفسح المجال أمام اتساع مجال التفكير. وبخصوص إقبال، وعلى عكس بعض معاصريه، فقد رأى في تجربة تركيا الجمهورية، بعد إلغاء السلطنة والخلافة، نوعًا من الاجتهاد الذي لا يخرج عن مبدأ الاجتهاد في الإسلام. ويمكن أن تتفق مع إقبال أو لا تتفق معه، ولكن محاولاته تعني فهم المؤمنين لإيمانهم وتدعوهم إلى التفكير. وأعتقد أن إقبال مفكر مسلم بارز استفاد من مناهج التفكير في أوربا من دون أن يدّعي أنه يريد أن يصيغ مشروعًا فكريًّا متكاملًا. في المقابل، نجد أن المستشرقين (وهم باحثون غربيون في مجالات متعددة منها: الدين والقانون واللغة والأدب والتاريخ)، قد طبّقوا مناهج البحث المستخدمة والمطبقة في العلوم الإنسانية.

فرانسيس بيكون

وعلى الرغم من الاتجاه الراهن الذي يميل إلى نقد الاستشراق واتهامه بالتحيّز، و«التآمر» على الإسلام خاصة (علمًا أن الاستشراق يشمل الصين والهند أيضًا)، فإن المستشرقين الكبار قد قدموا خدمات جمّة للتراث العربي وخصوصًا نشر أعمال كبار الشعراء والأدباء والمؤرخين، يُضاف إلى ذلك الموسوعات التي أعدوها والمؤلفات التي نشروها، فقد ألّف عشرات المستشرقين مؤلفات تُبجّل الحضارة العربية- الإسلامية، من غوستاف لوبون إلى سيديو إلى بروكلمان وغيرهم، إضافة إلى أبحاث في الأدب والتاريخ، نذكر على سبيل المثال الروسي كراتشكوفسكي في عمله الكبير والفريد في الأدب الجغرافي العربي، كما نذكر كلود كاهن في دراساته عن السلاجقة.

وقد عبّر بعض المستشرقين عن آراء أثارت جدالًا مثل غولدتسيهر وڤون غرونوباوم، قوبلت بردود ونقاشات تاريخية من أمثال عبداللطيف الطيباوي وعبدالله العروي وهشام جعيط وغيرهم. ومع ذلك ينبغي التمييز بين مستويات مختلفة، فهناك الدراسات التي أغنت البحث باستخدام منهجيات طبقت من قبل على التاريخ الغربي نفسه والتي أغنت فهمنا للتاريخ والآداب. وهناك الدراسات المثيرة للجدال التي وجد بعضها ردودًا عميقة من جانب دارسين عرب كما ذكر قبل قليل. وأخيرًا هناك النزعة التي برزت في العقود الأخيرة الكارهة للعرب والمسلمين، والتي لا تمتّ بِصِلة إلى الأبحاث الأكاديمية والعلمية، وتعبر عن اتجاهات سياسية وعنصرية مغرضة.

الاستشراق ما له وما عليه

نميل إلى الاعتقاد أن هناك مؤامرة على العرب والمسلمين، وعادة ما تشير المؤامرة إلى معانٍ غامضة وسرية. حقيقة الأمر لم يكن هناك مؤامرات وإنما احتلالات وحروب استعمارية حدثت في وضح النهار، ونهب للثروات واضطهاد للشعوب العربية والهندية والصينية والإفريقية على حد سواء. خدم بعض المستشرقين أغراض حكوماتهم كباحثين ومستشارين وهذه أمور لم تحدث في الخفاء، وفي المقابل برز بعض أبناء المستعمرين كمستعربين قدموا دراسات موضوعية وعميقة مثل الفرنسي جاك بيرك. من هنا علينا أن نخرج من الأحكام العمومية، كما علينا أن نخرج من رهاب الغرب والعداء المتأصّل له (رغم أننا غارقون في تقليده).

ولنعد إلى بداية السؤال حول التشكيك في التاريخ. الحقيقة المجردة أن مسألة الوعي التاريخي هي مسألة حديثة. لقد تعرّف رفاعة الطهطاوي إلى التاريخ العربي الإسلامي من خلال المستشرق الفرنسي سلفستر دوساسي، كما تعرف خير الدين التونسي إلى الحضارة العربية من خلال المستشرق سيديو. وفي القرن التاسع ومع بروز النزعات الوطنية دخل التاريخ كعنصر من عناصر تحديد الهوية الوطنية أو القومية. وهكذا يصبح التاريخ أداة من الأدوات في خدمة اتجاه سياسي أو عقائدي، مجّد العروبيون الأوائل قيم العرب قبل الإسلام، ورأى الإسلاميون أن المرحلة الراشدة هي مرجعهم. ورأى السوريون أنهم ورثة الدولة الأموية، أما العراقيون فرأوا أن الدولة العباسية هي مرجعهم. وكل هذا لا شأن له بالتاريخ الذي ينبغي أن يدرس وفق المنهجيات الحديثة من دون تأثير الأيديولوجيا أو الأهواء السياسية والمذهبية.


التاريخ العربي الرسمي:
في نقد مفهوم الوثيقة أولًا

أشرف‭ ‬الحساني ‬باحث‭ ‬مغربي

لا شك أن التفكير اليوم في مسألة الوثيقة التاريخية، قد أضحى من المسلّمات الإبستمولوجية للعديد من المُؤرخين العرب. على خلفية الجدل المعرفي الذي رافق هذا العنصر المهم في كتابة التاريخ منذ النصف الأول من القرن العشرين. ولا سيما داخل مدرسة الحوليات مع كل من لوسيان فيبر ومارك بلوك وفرناند بروديل، حيث غدت الوثيقة أكثر تحررًا من ماديتها وقدرة التاريخ في هذه المرحلة، على اختراق المسكوت عنه داخل الاجتماع الإنساني؛ إذْ لم يكُن التاريخ مع المدرسة المنهجية/ الوضعية لدى كل من شارل سينيوبوس وشارل لانغوا، إلا مجرد تاريخ للسلطة يقتصر نمط كتابته على نوعٍ من الكتابة التاريخية، التي تظل سادرة أمام الأحداث الفردية وسردها بطريقة يُصبح فيها التاريخ مجرد حكاية أدبية، على الرغم من كونها تفتقر إلى الخيال، فإنها تظل تهجس بخصائص السرد الأدبي الرتيب، وتتمركز بالدرجة الأولى حول سلالات الدولة وإنجازاتها وأطوارها، وملوكها وأبطالها وسلاطينها، وهو ما يعني أن التعامل مع الوثيقة ظلّ مُحتشمًا وتتحكّم فيه عناصر أدبية أكثر منها تاريخية وعلمية. هكذا عملت مدرسة الحوليات، قبل أنْ تُوجه نقدها اللاذع إلى التيار الوضعاني إلى تكسير مسألة الحدود بين التاريخ كنهرٍ معرفي تصبّ فيه جميع المعارف على اختلاف ألوانها ومَشاربها وبين حقل العلوم الاجتماعية. وهو ما جعل مفهوم الوثيقة أو الشاهدة تتوسع أكثر صوب الاهتمام بتاريخ المجتمعات بدل الأفراد. وقد كان لمسألة تكسير الحدود الوهمية، بين العلوم دور كبير في تجديد صناعة التاريخ لدى المُؤرخ، وهو ما فتح أفقًا جديدًا ومُغايرًا داخل الكتابة التاريخية الحديثة، حيث أضحى هناك تاريخ للفن والصورة والمتخيل وغيرها من التعبيرات الجسدية والأنثروبولوجية التي طالما رفضها المُؤرخ المغربي عبدالله العروي، خاصة في كتابه «الأيديولوجية العربية المعاصرة».

مصادر مختلفة للتاريخ

ولأن تكريس صورة الكتابة التاريخية الحديثة، لا يُمكن أنْ تتأتى من دون تفكيك أو توجيه نقدٍ للتيار المعرفي القائم، فقد عمل رواد مدرسة الحوليات على توجيه سهام النقد لجملة من المرتكزات الإبستمولوجية، التي أقيمت عليها المدرسة المنهجية، ومنها تكسير حدة التاريخ الحدثي السياسي/ الدبلوماسي ونزع القداسة عنه، على اعتبار أن التاريخ، لا تُساهم في صناعته السلطة وحاشيتها وخدامها فقط، وإنما عامة الناس أيضًا. كما أن التفسير النفسي لسير الملوك والسلاطين في التاريخ، جعل الكتابة التاريخية تتحكم في صياغتها أهواء ذات نزعةٍ ذاتية تنفي كل ما له علاقة بالعقل والمعارف والعلوم.

وبما أن التاريخ الرسمي لم يكُن يُكتب إلا عبر الوثيقة المادية، التي يسهل العثور عليها في سجلات السلطة الرسمية وكنانيشها ومحفوظاتها، فإن الحوليات قد ثارت على هذا الشرط الضيق، حيث وسّعتها وانفتحت على مصادر أخرى مختلفة مثل الجرائد وسجلات محاكم التفتيش واللوحة والفوتوغرافيا والسينما. وهو ما جعل الكتابة التاريخية تتخلى عن حياتها القديمة لترتاد عوالم الكتابة الفكرية، حيث اعتُمِدَ على التاريخ التنظيري وتطبيقه في كتابة مونوغرافيات تاريخية، ولا سيما بعض القبائل العربية، التي لا تتوفّر إلا على تاريخ شفهي. وهو ما استدعى بلورة ما سُمّي لاحقًا بالأنثروبولوجيا التاريخية والاجتماعية، بغية تطبيق مفاهيم الطبقية والبنى في كتابة تاريخ هذه القبائل المُتفرقة.

إننا نستعيد هذا السياق التاريخي/ الفكري من أجل تبيان كيف أن جمود الوثيقة التاريخية، في كتابة التاريخ العربي، قد ساهم طيلة التاريخ العربي الإسلامي، وفي مراحله المُتعددة، في إنتاج تاريخ رسمي، لا أحد ينتقده أو يُشكك فيه أو حتى يُخوّل لنفسه طرح سؤال عن مدى صحته من عدمه. وإذا كان التاريخ الجديد تاريخًا إشكاليًّا حسب تعبير المؤرخ الفرنسي جاك لوغوف، فإن تعريفًا كهذا، قد يُثوّر مُخيلة المُؤرخ العربي ويجعله ينتفض ويثور على مختلف الأنماط والمصادر المُتعارف عليها في كتابة التاريخ العربي الإسلامي منذ عصر التدوين مثل كتب السيرة والأدب التاريخي والمسكوكات والكتابات المنقوشة.

وهي مصادر قد استنفدت مادتها على مستوى التأريخ، ولم تعُد صالحة لكتابة تاريخ عربي، أمام تحولات شتى طالت المنظومة السياسية والثقافية والاجتماعية العربية. وبالتالي، فإن تجاوز التاريخ الرسمي ونقده يبدأ أولًا من مفهوم الوثيقة وضرورة تجديدها، حتى يجد المُؤرخ نفسه في مواجهة سجل جديد قادرٍ على تقديم معرفة تاريخية غير مألوفة وقادرة على طرح أسئلةٍ حول مراحل من التاريخ العربي الإسلامي. غير أن الملحوظ في الكتابة التاريخية العربية المعاصرة أنها لم تتجاوز قلاع الوثيقة المادية، وهو ما جعلها ممهورة بالتكرار وذات منطلق إبستمولوجي واحدٍ لا يخرج في مُجمله التاريخ السياسي، غير أن بعض التجارب المغربية التي وسَّعت وثائقها كانت أكثر قدرة على الإقناع وجذب القارئ صوب عوالم لم يختبرها من قبل داخل المراجع التي تُقدم نفسها مُتخصصة في مرحلةٍ ما.

الصورة كوثيقة وسلطة

وإذا كانت دراسة «مغاربة في البرتغال» للمُؤرخ المغربي أحمد بوشارب، قد فتحت قارة شبه مفقودة داخل البحث التاريخي المغربي، من خلال الاعتماد على سجلات محاكم التفتيش الإسبانية والبرتغالية، فإنها من جهة أخرى، قد عملت بشكلٍ ضمني على اختراق التاريخ الرسمي حول الوجود الإيبيري بالسواحل المغربية وتقديم رواية تاريخية تُنافس الرواية الرسمية الموجودة داخل المراجع الأكاديمية والمقررات المدرسية. والسبب يعود أساسًا إلى كون أحمد بوشارب، لم ينقل تاريخ إسبانيا والبرتغال على سواحل المغرب، بل اعتمد تاريخًا إشكاليًّا ينطلق من وثائق أجنبية لكتابة تاريخ ذهني وبنيوي يرصد علاقة المغاربة بأزمة الضمير خلال القرن السادس عشر، وينقل في آنٍ واحدٍ أوضاع المغاربة الذين رُحِّلُوا إلى البرتغال وما عاشوه هناك من عنفٍ وتصدعاتٍ.

لكن بعيدًا من هذا المنزع المادي في التعامل مع الوثيقة مغربيًّا، يقترح علينا المُؤرخ الفرنسي مارك فيرو (1924- 2021م) ضرورة أنْ نُقيم بعضًا من الحدود والسياجات في كتابة التاريخ المعاصر انطلاقًا من الوثائق المكتوبة، حتى لو كانت بعيدة من مراكز السلطة. وذلك من خلال الانفتاح على الصورة السينمائية، بوصفها من أبرز مصادر كتابة التاريخ المعاصر في العالم. بحكم أن الصورة (بوصفها سُلطة) لا يُمكنها الدخول في عملية تماهٍ مع السلطة الأصل؛ لأن السينما لا تتلقى التاريخ كما هو، وإنما تعمل على غربلته وعقلنته وجعله يدخل في سيرورة مشهدية تكون أقرب إلى الدقة وهي تنثر التاريخ ليغدو طبوغرافية بصرية.

وعلى الرغم من أن هذه المُغامرة الفكرية تبدو صعبة التطبيق والتبلور والتجلي في كتابة تاريخٍ عربي انطلاقًا من المُدونة السينمائية العربية، فإنها تظل تطرح أسئلة قوية داخل أفلام غربية عملت على تكسير الرواية التاريخية الرسمية وتفنيدها والتشكيك في صحتها. أما السبب الذي يحول دون تحقيق «أطروحة» مارك فيرو، فهو أننا داخل العالم العربي، لا يكاد المرء يعثر على أفلام كبرى من الممكن أنْ تُشكّل خرقًا اجتراح تاريخ جديد وابتداع أفكار تتصل بالتاريخ العربي، لكون كثير من الأفلام لا تتوفّر حتى على أدنى الشروط التقنية والفنية والجمالية، فبالأحرى أنْ يقوم صاحبها باعتماد طرق كتابة التاريخ وما يتعلق بها من وثيقةٍ وسرد وحكي ومُحاولة تشريح ذلك على جغرافية الصورة السينمائية بطريقة يغدو فيها الفِلْم الروائي أو الوثائقي ينضح بمُقومات منهجٍ معرفي يعتمد الصورة كهاجسٍ نقدي يخترق به مُخيلة المُشاهد العربي.


الإسلام المبكر بين الأكاديميين والمستشرقين

خزعل‭ ‬الماجدي ‬مؤرخ‭ ‬عراقي

لا بد من التمييز بين تيارين فيما يخص إعادة النظر في التاريخ الإسلامي المبكر؛ الأول هو التيار الأكاديمي العلمي الذي يستند إلى فكرة صحيحة ودقيقة علميًّا وهي أن التاريخ، أي تاريخ ولأي شعبٍ وأية أمة وفي جميع مراحل التاريخ المعروفة، يجب أن يقوم على أسسٍ آركيولوجية (آثارية) دقيقة يقوم بها علماء الآثار المشهود لهم بالعلمية والمصداقية والحياد، وهذا التيار يتمتع بمصداقية عالية.

أما التيار الثاني فهو التيار الاستشراقي، الذي قد يضم أكاديميين لكنهم مؤدلجون، فهو يتخذ من تلك القاعدة الآثارية وسيلةً للتشكيك والطعن، ويخلط الآثار بالأيديولوجيا ويسير مجرى الأحداث وفق أهواء ومشاعر خاصة للخروج بنتائجٍ تؤدي الى أغراض معدة سلفًا. وهو نوع من أنواع ما عُرف بـ(الاستشراق الجديد) الذي ظهر بوضوح بعد أحداث سبتمبر 2001م خاصة.

التيار الأول لا بد من متابعته والحوار معه والمساهمة العلمية فيه من جانب المؤرخين والمتخصصين العرب؛ لأنه يساهم في وضع الأسس الصلبة والصحيحة لتاريخ الإسلام كله، وليس المبكر منه فقط، أما الثاني فيجب إخضاع طروحاته ونتائجها للميزان العلمي الدقيق وتمحيصها وفرز الأخطاء والمبالغات التي ظهرت فيه، ووضع الحجج البديلة العلمية المقنعة مكانها.

وفي الحالين لا بد من التحلي بالشجاعة والصبر والعلمية في معرفة أدوات العصر الذي نحن فيه، والذي ما عاد فيه مجال للردود والملاسنات السطحية المؤدلجة والخاوية. وعدم عدّ كل ما يصدر من الغرب نوعًا من المؤامرات الخفية المدروسة، فهناك مناهج وعلوم حديثة تتقصى الحقائق لا يجوز الاستهانة بها.

نقد المصادر الخارجية

الروايات الرسمية للتاريخ العربي الإسلامي ليست كلها صحيحة، ولا شك أنها قابلة، دائمًا، لإعادة النظر وللتصحيح والغربلة. ولا بد أن يفعل ذلك المؤرخون العرب والمسلمون قبل غيرهم، من دون تعصب أو تهجم على الآخرين، لا بد من حكمة مرهفة ودقيقة أمام هذا التحدي الذي سيبقى قائمًا طالما كان هناك تجديد في المناهج والعلوم. فالروايات الرسمية ليست مقدسة ولا هي أبدية، بل هي تخضع للمراجعة والجدل والنقد.

المنهج التنقيحي أو (الإتجاه الجِذْري) السانكروني هو الاتجاه الذي يحاول بناء سردية عن «تاريخ الإسلام المبكر» و«تاريخ القرآن» من خلال إقصاء كل المصادر التاريخية الإسلامية حول نشأة الإسلام والقرآن، بوصفها مصادر منحازة وغير موثوقة، مستغلين غياب التدوين العربي لما يقرب من قرنين بعد ظهور الإسلام، ويعتمدون على مصادر غير عربية أو على النقوش الأثرية حصرًا في بناء هذه السردية من خلال الروايات المعاصرة لظهور الإسلام والمكتوبة باللغات الأخرى كاليونانية والسريانية والأرمنية والفارسية والآرامية والقبطية. المنهج التزامني السانكروني أو منهج التحليل البلاغي يذهب إلى تقدير النص في شكله النهائي، وأنه يمتلك نظامًا خاصًّا في بناء متنه، لا بد من كشفه ومعرفته، على الرغم مما قد يظهر فيه من عدم اتساقٍ وانقطاعٍ دلالي. المنهج الدياكروني ينطلق، خلاف ذلك، مفترضًا أن هذا الشكل النهائي للنص وما يحويه من مظاهر عدم اتساق فيه دلالة على كونه منتحلًا، وبالتالي يحاول البحث في مصادر تكوينه السابقة عليه، فيصير البحث مكانيًّا في اللغة والبلاغة والمقارنات اللغوية والفيلولوجية.

نرى أن الحل الصحيح هو في أن نتعلم هذه المناهج جيدًا ونجيد استعمالها، ونردّ على الطروحات الاستشراقية خاصة بطرق علمية رصينة، ونستخدم كل ذخيرتنا العلمية في كتابة تاريخ مبكر جديد للإسلام يكون بديلًا عما كتبه الطبري وابن الأثير وغيرهم من المؤرخين القروسطيين، الذين لم يعرفوا منهج البحث العلمي، وكانت كتابة التاريخ عندهم مجرد مرويات وسرديات تعج بالمبالغات والأحداث المتناقضة الغريبة، بل هم لم يتقصوا ميدانيًّا أماكن الأحداث وكتبوا كتبهم على النقل والسماع.

وهنا أسأل: ما فائدة كل أقسام التاريخ والآثار واللغات القديمة ودراساتها العليا وبحوثها إن لم تفعل هذا؟ وهل من الصحيح أن نبقى في منطقة المدائح التاريخية لتراثنا وأعلامه؟ أليس من الصحيح والطبيعي أن ننفض غبار الموت هذا، ونرتقي بمادة جديدة تكون مقنعة في هذا الزمن المحتدم بالمعرفة والمعلومات والاتصالات السريعة؟

إن التحصن بنظرية المؤامرة من جانب الكثيرين عندنا لا يعني سوى الضعف والجهل، ولا بد من فرز المادة العلمية عن المادة المؤدلجة المدببة، سواء عند المستشرقين أو عند الأكاديميين، لا بد من منهجٍ صارمٍ في تحليل طروحاتهم وتفكيك مرجعياتها الأيديولوجية (الدينية والسياسية) البعيدة الجذور. ولعل أخطر ما نسلكه هو الرد الأيديولوجي عليهم متهمين إياهم، بعموميات فجة، بأنهم جزء من مخططات استعمارية وغيرها، وقد نصل إلى ما يشبه هذا ولكن ليس عبر الجهل والصراخ ولكن عبر العلم والمنهجية العلمية.

نحو منهج نقدي علمي

ربما كان (المنهج التنقيحي) الذي كان أهم رواده، جون وانسبرو ومايكل كوك وباتريشا كرون، هو أكثر المناهج شيوعًا، فهو يعتمد على مصادر غير عربية أو على النقوش الأثرية حصرًا في بناء هذه السردية. نقطة ضعفه في اعتماده على المصادر غير العربية تكمن في أن هذه المصادر هي روايات أيضًا، على الرغم من أنها قريبة أكثر من زمن بداية الإسلام، لكنها تحمل طابع المرويات، المخطوطة في الأغلب، وهي بذلك تتمثل صيغة ومنهج المرويات التي تبالغ وتنقل الأخبار عن طريق السماع لا التثبت، وتكرر ما هو شائع… إلخ. فلِمَ نكذب المرويات العربية ونصدق المرويات غير العربية؟ وإذا كان زمن ظهورها هو العذر فالأفضل أن نذهب للنقوش والكتابات على الصخور والأحجار من ذلك الزمان!

وهذا هو السبيل الثاني للمنهج التنقيحي، لكن النقوش لا تخبرنا بشيء واضح، فهي مكونة من كلمات قليلة لا يربطها رابط، في أغلب الأحوال، وتكون خالية من المضمون المهم الذي نبحث عنه، ويندر أن تقدم لنا حقائق تاريخية لفك لغز بداية الإسلام. وربما يكون الحل في العملات وما نقش عليها وهو أمر مبتسر تختلط فيه الأسماء ولا نعرف منها الكثير على الرغم من أهمية أن تكون هي إحدى الوسائل وليس كلها.

المطلوب هو تنقيح الرواية أو المرويات العربية، ومعها المرويات غير العربية التي ظهرت في حدود تاريخ المرحلة، عن الإسلام المبكر، وإخضاعها للجدل العلمي الدقيق والوصول لسردية تقريبية عن هذه المرحلة، وهو ما يمكن أن يساهم فيه المفكرون التنويريون العرب والمسلمون.

وسأضرب مثلًا واحدًا لأذكر الجميع بما أنتجه تيار التنقيحيين (أو المراجعين) فقط، بل سأذكر بما أنتجته رائدة المنهج التنقيحي (باتريشيا كرون) التي وضعت كتبها في هذا المجال ابتداءً من أطروحتها للدكتوراه المعنونة بـ«الموالي في الفترة الأموية» بإشراف المستشرق المعروف برنارد لويس. ثم كتابها المعروف «الهاجرية» مع مايكل كوك، ثم «العبيد على الخيل: نشأة الدولة الإسلامية» و«والقانون الإسلامي والروماني» و«التجارة المكية»، بعدها اشتغلتْ مع مارتن هيندز على فكرتها المثيرة للجدل «خليفة الله» حول المفهوم المبكر للسلطة الدينية في الإسلام. ثم عملت بالتعاون مع نوفين دوستدار على إصدار سلسلة من ثلاثين كتابًا تحت عنوان: «صانعو العالم الإسلامي» التي غطت من خلالها ترجمة مجموعةٍ من الشخصيات التاريخية الإسلامية.

فهل تابع مؤرخونا هذه الكتب؟ هل وفروا الحوار العلمي لها؟ هل انتبهوا للعدد الكبير من المؤرخين الذين معها في التيار التنقيحي وغيره من التيارات الجديدة التي ناقشت موضوع الإسلام؟ لذا نرجو ألا نتنابز مع هؤلاء بطريقة فجة وسطحية، بل يجب توفير سبل الدرس العميق لطروحاتهم والحوار معهم في قلب المشكلة لا في حواشيها.

نحو سردية وهوية جديدتين

إن إلحاح الهوية ليس له دور في هذا التشكيك الذي لا يؤدي إلى طمس الهوية بدواعي الليبرالية وحرية الرأي والبحث العلمي، ونرى أن الهوية القائمة على الوهم والأخطاء التاريخية هي المرشحة للاهتزاز وللزوال والطمس، لذلك نحتاج إلى هوية وسردية قائمة على العلم والآثار مع الحفاظ على الأساطير المؤسسة لها، لا بوصفها حقائق أو مسيرات أيديولوجية، بل بوصفها لمسات أدبية مطلوبة لشيوع وتمكين السردية من القبول العام والتداول المدروس. والقصد من هذا أن الفصل بين التأريخ والأسطورة مطلوب، والمطلوب أكثر تقديمهما في طبقين منفصلين، نعرف سلفًا أن أحدهما للعلم والآخر للأدب.

العلم هو الذي يحفظ الهوية ويكرسها في هذا العصر، أما الخوف والأيديولوجيات الصلدة فتفككها وتدمرها. لذلك تأتي مطالبتنا في هذا الإطار لكي نكتب لنا هوية جديدة قائمة على العلم والفهم العقلاني المدروس والعميق من دون أن نفقد خصائص الأسلوب والطريقة وروح المضمون وجماليات الأداء الخاصة بنا.

أريد أن أوسع الأمر وأقول: إننا في حاجة لسردية جديدة تحلّ محلّ السردية القديمة التي كانت صالحة للكتاتيب والمساجد القديمة، سردية مبنية على علم الآثار وعلم التاريخ لا تفرطُ في خصوصيتنا، ولا تُهين تاريخنا، بل تشذبهما من أشواك المبالغات وكراهية الآخر والتعصب والتزمت والانغلاق.

السردية العربية الإسلامية، خاصة، يمكن أن تقوم على مصداقية آثارية، وعلى مصارحة كاملة فيما يخص حقائق الأمور ودقتها، وعلى كشف العيوب مثلما على كشف المآثر، ويجب أن تتضمن نقدًا واسعًا لذوي السلطان والجاه والحياة السياسية، وأن تعمل على كشف المضامين الحضارية التي أنتجتها الشعوب الإسلامية من دون انحياز عرقي وقومي، وبخلاصةٍ شديدة يجب التخلي عن الطريقة السردية القديمة وإنتاج سردية جديدة تضع الأمور في نصابها.

من هذا المنطلق سيكون موضوع «الإسلام المبكر» فاتحة مهمة لهذه السردية في عصرها الوسيط خاصة. ولا شك أن هذا يستدعينا الذهاب لمرحلة ما قبل الإسلام والحديث عنها بطريقة مشابهة، والتخلي عن الوصمة المخجلة لما عُرِف بـ«عصر الجاهلية» حيث لا بد من التخلي عن هذه الصفة الجاهلية لصالح تحقيب علمي دقيق يقوم على المراحل الصحيحة التي تجمع علم الآثار والتاريخ والحضارة في صياغة واحدة.

الهروب من هذه المشكلات يضعنا في خانة الجهل، ويجعل غيرنا يتحكم في تأريخنا وفينا، ولا بد من شحذ الهمم وفق أسس علميةٍ صحيحة، ونبذ الملاسنات الأيديولوجية والتعصبية في هذا الموضوع، وسيكون هذا بمنزلة انطلاقةٍ جديدة رصينة تكون في صميم الموضوع وليس في هامشه.


الرواية الرسمية في كتابة التاريخ العربي الحديث وأيديولوجية الدولة الأمة

موليم‭ ‬العروسي ‬مفكر‭ ‬مغربي

نشأ العدد الأكبر من دول ما يسمى العالم العربي اليوم بعد الحقبة الاستعمارية. لم تكن الدول التي نعرفها راهنًا داخل الجامعة العربية كيانات سياسية قائمة الذات باستثناء القليل وعلى رأسها المغرب. على العكس من ذلك كان العالم الإسلامي فضاءً روحيًّا يحتمي بداخله كل الناس الذين اختاروا أن يسكنوا إليه.

نعرف كيف تشكلت دول الشرق الأوسط ومعظم دول شمال إفريقيا ابتداءً من العشرية الثانية للقرن العشرين وكيف أن أوربا لعبت دورا أساسيًّا أولًا في تأسيس أيديولوجية «العروبة» وبعدها أيديولوجية القومية العربية. فما كان بالأمس مناطق تخضع لسلطة مركزية واحدة دينية بمكة وسياسية عسكرية بإسطنبول، أضحى كيانات متعددة، كلٌّ منها يقرر ويحاول تسيير شأنه بمعزل عن جيرانه حتى إن كان ذلك بمساعدة الأجنبي. أي أن الكيان الكبير الذي كان يتأسس على الإسلام تفكك.

كل هذا التفكيك من طرف أوربا كان يسعى إلى السيطرة على هذه المناطق وإضعاف الدولة العثمانية التي كانت تبسط سلطتها على معظم مناطق ما يسمى اليوم بالعالم العربي. تكونت الكيانات الواحد تلو الآخر وسُطِّرَتِ الحدود على أساس إضعاف الطوائف والعشائر وتفكيك الثقافات والعادات والعقائد المحلية. وحاول كل كيان أن يؤسس لتاريخ يختلف عن تاريخ جاره، وأن ينحت له شخصية وهوية تختلف عن أخيه الذي اختِيرَ له أن يكون في الجهة المقابلة.

وعلى الرغم من أن المستعمر الذي خط الحدود حاول جاهدًا أن يقوم بتقطيع أوصال بذور الوحدة داخل ما أصبح يسمى بالوطن الواحد، كيفما كان مصدرها حتى لو تطلب ذلك رسمًا للحدود يتنافى والمنطق والحس السليم، فإن التاريخ الرسمي لهذه الكيانات حاول أن يدخل كل ساكنة الكيان في رواية تاريخية واحدة تختلف حتى عن تاريخ أفراد العشيرة أو الطائفة نفسها المتواجدين في الكيان المجاور. ولم تختص الدول العربية وَحْدها بهذا الأمر؛ فقد شاهدنا ما حدث في دول البلقان والكوريتين وتايوان مع الصين، والصين مع حضارات وثقافات داخل الصين الكبيرة نفسها ومجمل الدول الإفريقية مع بعض الاستثناءات بالطبع.

أثر الأيديولوجيا في التاريخ

نعرف أن التاريخ الرسمي روايةٌ تُحَرَّرُ وتُدَعَّمُ بالحجج والوثائق صحيحة كانت أم غير صحيحة. لكن إن كان الأمر عكس ذلك، فإن المؤرخ، إنْ تَسلَّح بالمناهج المسماة علمية، لا بد أن يحمل فكره بعضًا من أفكاره الأيديولوجية، ولا بد أن يتماهى من دون شعور منه مع جزء ولو قليل مع الروايات الرسمية. هذا ليس بالجديد، ذلك أن نقد الروايات والسرديات الكبرى كانت محط انتقاد من طرف فلاسفة عديدين لكن الأمر هنا يختلف؛ إذ يتعلق الأمر بالكتابة داخل نطاق معين وفضاء تاريخي محدد.

نعرف أن معظم الدول العربية ظهرت بعد الحقبة الاستعمارية كما أسلفت، ولذلك فإنها كدول جديدة تحاول أن تؤسس أمة لذا فإنها لا تعدو أن تعيد كتابة تاريخ جزء مما كان يسمى الأمة الإسلامية. ليست كل الدول التي نسميها اليوم بالعربية عربية تاريخيًّا؛ ذلك أن مفهوم العروبة جديد، وتأسس على أنقاض الإمبراطورية العثمانية كما سبق. تأسس الفضاء الذي نسميه اليوم عربيًّا على أساس وَحْدة الدين، ولم تكن القرى والبوادي والأمصار الخارجة عن محيط المدن والعواصم الكبرى تتكلم العربية ولا علاقة لها بالشعوب الأخرى التي اعتنقت الإسلام ودخلت تحت لواء الدولة المركزية التي كانت تحكم باسم الإسلام أينما كانت.

من جهة أخرى، وعلى الرغم من أن التاريخ يحاول أن يقدم نفسه كعلم، أي فرع من العلوم الإنسانية، فإنه ليس هناك ضمانة على منع الأيديولوجية من أن تتسلل إليه. وعلى الرغم من كل هذا فلا بد من التفريق بين المؤرخ المُعْتَمَدِ للسلطة، والمؤرخ الباحث الأكاديمي الذي لا يشتغل تحت إمرة سلطة سياسية. لكن الأمر يصبح أكثر تعقيدًا عندما نتساءل: من يكون هذا المؤرخ الحر البعيد من أمور السياسة، الذي يتعامل مع الوثائق ويستنطقها بكل تجرد؟

في الوقت الذي كان المؤرخ ينتمي لمدينة أو عشيرة، أصبح ينتمي لكيان له عَلَمٌ ونشيد وطنيان يختلفان عن عَلَمٍ ونشيد ابن عمه وابن عشيرته الذي ينتمي إلى كيان آخر، ويحمل هوية إدارية مختلفة، مع أن هويته الثقافية والعقيدة هي مثل هوية ابن عشيرته. هل سوف يتجرد من كل هذه الحمولة الرمزية ليبحث عن الحقيقة وحدها أم إنه سوف يدافع عن الهوية الجديدة؟ أضف إلى ذلك أن مجمل الكيانات العربية تأسست بمشاكل مرتبطة بالحدود وبمطالبات ترابية. ترك المستعمر هذه القنبلة الموقوتة لاستعمالها عند الضرورة؛ لذا يصعب على المؤرخين أخذ المسافة اللازمة من هذا التصور الجغرافي الذي أصبح مكونًا أساسيًّا من تاريخ أمته الجديدة.

لكن الحدث الأبرز هو ظهور عنصر جديد في هذا الفضاء الرمزي المسمى عالمًا عربيًّا الذي تختلط فيه مشاعر الانتماء للأرض بمشاعر الانتماء لتاريخ معجون بمشاعر العقيدة. هذا العنصر الذي ظهر في الحقبة التي بدأت تنشأ فيها هذه الدول كأمم هو دولة إسرائيل التي جعلت العديد من العرب والمسلمين يحسون وكأن هويتهم وكيانهم أصبحا في خطر؛ لذا وعوض أن تتأسس الأمة العربية الجديدة الناشئة على أنقاض الدولة الإسلامية على أسس دنيوية كما هو حال تأسيس عدد من الدول الحديثة، اضطرت لتبني الدين كمرتكز أيديولوجي لتتأسس عليه. وتأسيسها على الرواية العربية النابعة من الدين جعلها تعيد تكرار المرويات التقليدية للدول التي تعاقبت على حكم العرب المسلمين وغير المسلمين. لن نعود هنا طبعًا إلى نقد المرويات الكبرى للدول الإسلامية التي اختلط فيها الدين بالشخصي بالميثولوجي.

لذا كان من الضروري لعدد من السياسيين الذي تكفلوا بإنشاء هذه الدول أن يختلقوا مفهومًا مُوَحِّدًا ممركزًا يكون قريبًا من العقيدة؛ فكانت العروبة وبعد ذلك القومية العربية. وبنظرة فاحصة على مكونات المجتمعات المسماة اليوم عربية لن نعثر إلا على عدد قليل جدًّا من هذه الكيانات التي يمكن فعلًا أن نسميها عربية. هذا التعريف أي الانتساب إلى العروبة كمبدأ مطلق يكاد يكون ميتافيزيقيًّا، مَثَّلَ عُنْفًا رمزيًّا على عدد من الشعوب والثقافات التي كانت تتعايش تحت راية الإسلام لكنها لم تكن قط ترفض العنصر العربي الذي تتقاسم معه الدين وتختلف معه في العادات الأخرى.

الهوية والاحتلال اللغوي

لا بد أن نعرف أن علوم الإسلام كانت تدرس إلى حدود الخمسينيات في عدد من المدارس العتيقة في المغرب باللغة الأمازيغية، وتخرج من هذه المدارس عدد كبير من العلماء الذين خدموا العقيدة. لكن مع حدوث الأيديولوجية العربية المعاصرة، وخصوصًا كما وضعها منظرو حزب البعث بشقيه، وكذا التيار الناصري بمصر سوف يبدأ التخلي عن هذه المدارس واستبدال التعليم بها باللغة العربية النمطية المسماة فصحى.

لكن ما الحجج التي أسس عليها هؤلاء الأيديولوجيون رواياتهم التاريخية القائلة بعروبة هذه المنطقة من المحيط إلى الخليج؟ قامت كل جهة بتأسيس روايتها التي تَصِلُها بالعروبة. وتكلف عدد كبير من المؤرخين والكتاب والمفكرين والسياسيين والفنانين والجغرافيين وعالِمِي الآثار والمنقبين بإيجاد الأدلة حتى لو كانت ضعيفة أو اختلاق بعض منها عند الضرورة.

نعرف أن المنطقة المسماة شمال إفريقيا التي تمتد من مصر إلى المغرب عاشت على مدى عصور طويلة تتجاذبها الحروب من الشمال والجنوب والشرق، وأن معظم سكانها من الأمازيغ. هذه حقيقة ما زالت ثابتة إلى اليوم، ولم تظهر وثائق جديدة لتكذيبها. ولهؤلاء الأمازيغ لغتهم وتقاليدهم وعاداتهم وتاريخهم الذي يختلف في مناحي عدة عن العرب. فكيف كَيَّفَ هؤلاء الأيديولوجيون تاريخ هذه المنطقة بكاملها؟

درس أبناء هذه الأقطار في كتب التاريخ وفي شتى مراحل التعليم أن الأمازيغ جاؤوا إلى شمال إفريقيا من اليمن. ولم يختلف المؤرخون الأيديولوجيون إلا في الطريق التي سلكها هؤلاء النازحون من جنوب جزيرة العرب، فهناك من قال بطريق الحبشة، وهناك من قال بطريق مصر، وآخرون حاولوا ضرب عصفورين بحجر واحد فدمجوا الأمازيغ واللبنانيين وقالوا: إنهم توقفوا في لبنان قبل أن ينطلقوا إلى إفريقيا. بل إن إفريقيا نفسها، وفق الاتجاه الأيديولوجي نفسه؛ قد أخذت اسمها بفضل عربي يسمى أفريقش استوطن القارة فسُمّيت كلها باسمه. والبرابرة -أي الأمازيغ- كما كان يسميهم أعداؤهم قَدْحًا، سموا كذلك وفق النهج نفسه؛ لأن عربيًّا، يعدُّونه جد الأمازيغ، ذهب إلى إفريقيا فلما سألوا عنه قالوا: «بَرْبَرَ» أي أنه أسلم وجهه للبراري ومن ثم، وفق التفكير نفسه، سمي أبناؤه بالبربر.

هذه الكتابة التاريخية التي حاولت أن تُوَحِّدَ ما تفرق من الشعوب بسبب اللسان، ولكن أيضًا بسبب العادات والتقاليد والموسيقا والمطبخ واللباس حتى الممارسات الروحية والعقدية… هي التي طبقت بحذافيرها على الأقباط والدروز والأكراد… وأهل نوبة مصر… وشعوب السودان والصومال وتشاد وموريتانيا… وهي الأيديولوجية نفسها التي كانت سببًا في عودة المد الهوياتي بطرق عنصرية ضد العنصر العربي محملة إياه كل ما لحق بها من بؤس ودمار. وهذه الهوية هي التي تنص عليها الدساتير العربية، تلك الدساتير التي لم يطلب رأي الناس فيها بالطرق الديمقراطية المتعارفة.

ما السبب إذن في اعتماد هذه الروايات؟ وما الفرق بينها وبين ما يلقنه الإسرائيليون لأبنائهم وخصوصًا في المدارس ذات النزعة الصهيونية؟ نتابع باهتمام كبير تلك الحرب التي تشنها إسرائيل على الموروث العربي الإسلامي مُحاوِلةً استلابَه وتحويله إلى إرث يهودي بحت حتى تجد لنفسها هوية منغرسة في تربة الشرق الأوسط الثقافية والحضارية، وتقدم نفسها على أنها أقدم الحضارات في المنطقة. وتجد إسرائيل في الإقصاءات التي تمارسها الأنظمة باسم العروبة ذريعة للتدخل في شؤون دول المنطقة بزعم الدفاع عن الأقليات.

الرواية الرسمية وتقديس العروبة

إذا كان لا بد أن نسمي هذه المناطق عرضًا مناطق عربية فمن المفروض أن نقوم بتصفية كل ما ليس عربي. وهذا بالفعل ما تقوم به الكتابة التاريخية الرسمية حيث إنها تحاول أن تجد لكل شخصية ولكل حدث تاريخي يخدم اتجاه الدولة جذورًا في العروبة. وهذا الطرح تسلل إلى كتابة عدد من المؤرخين المعروفين بيقظتهم الفكرية من أمثال عبدالله العروي. فلقد عمد هذا المؤرخ إلى تأليف كتاب في بداية ستينيات القرن العشرين حول الأيديولوجية العربية المعاصرة.

انطلق العروي من بديهية أن العروبة شيء قائم ولا مجال لإعادة النظر فيه، وكل ما سيحاول هو العثور على خيط رابط يجمع بين ما اختلف من أفكار لدى مفكرين منهم من كتب بالعربية وآخرون كتبوا بلغات أوربية، لكن القاسم المشترك بينهم هو انتماؤهم لعنصر يرى المؤرخ أنه عربي بفعل بطاقة الهوية. لا داعي للقول بأن عبدالله العروي كان يعيد إنتاج أحد منظري الدولة المركزية في القرن التاسع عشر، يتعلق الأمر بالفيلسوف الألماني هيغل؛ لذا فإنه كان يمحو كل ما تعارض مع مفهوم الوحدة ومع المفهوم الذي تبناه للكتابة.

فكرة الأيديولوجية العربية سوف تتحول على يد مواطنه محمد عابد الجابري إلى عقل عربي؛ وإن كان الفارق بين الرجلين كبير جدًّا على مستوى الطرح المنهجي. فعبدالله العروي أكثر صرامةً في التفكير بينما تغلب الأيديولوجية على عابد الجابري. ولذلك تظل مشكلة الموضوعية قائمة عند كتابة التاريخ لكنها تصبح مفضلة عندما يتعلق الأمر باستعمال الرواية الرسمية.


في وقائع نقد الرواية الإسرائيلية الرسمية لقضية فلسطين

أنطوان‭ ‬شلحت ‬باحث‭ ‬فلسطيني

تسبب سن الكنيست الإسرائيلي (البرلمان) يوم 19 يوليو 2018م، لما يسمى «قانون القومية الإسرائيلي»، من بين أمور أخرى، في استئناف الجدل داخل مجتمع دولة الاحتلال بشأن الحركة الصهيونية وعقيدتها الأصلية. ويُعرف هذا القانون الأساس إسرائيل بأنها «الدولة القومية للشعب اليهودي»، ويمنح أفضلية للغة العبرية على اللغة العربية، ويعطي أولوية للاستيطان اليهودي، كما يمنح حصرية تقرير المصير في فلسطين لليهود فقط، ويَعُدّ القدسَ الموحدة عاصمةً أبدية لإسرائيل.

وقد برزت في خضم هذا الجدل أصوات كثيرة أبدت معارضتها لـ«قانون القومية» من منطلق أنه «يتضاد»، في رأيها، مع «أسس العقيدة الصهيونية»، بل زعم بعضهم أن «القانون يحول الصهيونية إلى عقيدة عنصرية»، بما يوحي بأن ثمة قناعة راسخة بأنها ليست كذلك.

وربما تستدعي هذه الطعون إعادة الالتفات إلى جوهر الحركة الصهيونية وإلى ماهية عقيدتها الأصلية. وبطبيعة الحال فإن هذه المسألة تراكمت بشأنها إلى الآن دراسات كثيرة عربية وعالمية يجمعها في الأساس قاسم مشترك هو تأكيد كون تلك العقيدة عنصرية بامتياز. وما يهمنا من هذه الدراسات هنا، ارتباطًا بمحور البحث الذي ننوي الخوض فيه حول نقد الوثيقة الرسمية، هو دراسات أنجزها باحثون يهود وإسرائيليون، وآذنت بوجود نقد أو استئناف على الرواية الرسمية للصهيونية، عقيدةً وممارسةً.

ولا بُد من القول: إن هذا التراكم جاء أيضًا على خلفية دراسات سابقة بهذا الصدد كان لها قصب السبق، وتحديدًا على مستوى الدراسات التي وضعها باحثون يهود وإسرائيليون، ولعل أبرزها ما وضعه جرشون شفير، وهو عالم اجتماع يهودي إسرائيلي وأستاذ في جامعة كاليفورنيا في سان دييغو. ومنها مقالة ظهرت في كتاب «المجتمع الإسرائيلي: وجهات نظر انتقادية» (صدر باللغة العبرية عن منشورات «بريروت»، 1993)، من إعداد وتحرير الباحث أوري رام. وهي معتمدة، في الأساس، على كتاب لشفير صدر بالإنجليزية بعنوان: Land, Labour and Origins on the Israel-Palestinian Conflict 1882-1914,. وقد ظهرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب عام 1989م عن منشورات جامعة كمبريدج؛ ثم صدر في طبعة ثانية باللغة نفسها عام 1996م.

تأريخ جديد للاحتلال

كما هو شأن كتاب شفير هذا، ثمة كتب عدة لمؤرخين وعلماء اجتماع وباحثين إسرائيليين لا تزال، حتى الآن، تمارس حقها في البحث والسجالية بلغات أجنبية فقط. ولعل دافعي الرئيس للتنويه بهذا الأمر، الذي قد يتراءى إلى بعضٍ عديمَ الأهميةِ، هو كونه يمثل أحد جوانب المجابهة المباشرة، من طرف المؤسسة الإسرائيلية، مع الاجتهادات العلمية غير المفطورة على الإجماع الصهيوني بشأن السردية التاريخية للقضية الفلسطينية؛ وهو جانب عدم الالتفات إلى وجود هذه الاجتهادات، جريًا على طريقة «القتل بالإهمال».

إن أهم خلاصة يتوصل إليها شفير في هذه المقالة، وفي كتابه عمومًا، تتمثل في أن الحركة الصهيونية، منذ أولى بدايات مشروع الاستيطان اليهودي في فلسطين، احتقنت بطابع استعماري- كولونيالي إزاء الفلسطينيين سكان البلد الأصليين وأصحابه. ومن الإثباتات المبكرة على هذا الاحتقان يستشهد المؤلف، من ضمن أشياء أخرى، بوقائع المواجهة التي حدثت بين آباء الهجرة اليهودية الأولى وبين آباء الهجرة اليهودية الثانية -وهما الهجرتان اللتان ترتب عليهما مشروع الحركة الصهيونية لاغتصاب فلسطين- حيال ما ينبغي أن تكون عليه المقاربات الصهيونية إزاء شعب فلسطين.

وهو يتوصل إلى نتيجة مؤداها أن تلك الوقائع لم تكن، في جوهر الأمر، أكثر من مجرد اختلاف بين بدائل مختلفة للاستعمار الكولونيالي في سبيل اعتماد «البديل الأفضل» لإنجاز استعمار فلسطين، كولونياليًّا، من طرف الحركة الصهيونية وتيارها الرئيس المتمثل في ذلك الوقت بـ«حركة العمل». واكتسبت هذه الخلاصة أهميتها في حينه، كما تكتسب أهميتها الآن، من مناخ سياسي عام يجتهد من أجل إرجاع جذور القضية الفلسطينية إلى حرب حزيران/ يونيو 1967م فحسب، في محاولة للهروب إلى الأمام مما سبق ذلك العام من أحداث تعود في أصولها إلى سنوات تأسيس الحركة الصهيونية وإلى الطابع الكولونيالي لهذه الحركة.

ربما من الواجب أن نشير أيضًا إلى أن كتاب شفير المذكور صدر بموازاة صدور كتب أخرى لمؤرخين إسرائيليين أمثال، بيني موريس، وآفي شلايم، وإيلان بابه. وقد عُدّت تلك الكتب الأربعة في عداد أول قطاف لموجة ما اصطلح على تسميته بـ«التأريخ الإسرائيلي الجديد»، المغاير بكيفية ما لـ«التأريخ القديم». ورأى بعضٌ أن يُرجع هذا «التأريخ الجديد» إلى عاملين رئيسين:

الأول: نشوء رعيل جديد من المؤرخين الإسرائيليين لديه قدر ما من الجهوزية للتسليم بجزء من الانتقادات الأخلاقية والسياسية، التي وجهت إلى إسرائيل عقب عام 1967م (في إثر احتلالها وممارسات عسكرها في الأراضي الفلسطينية)، وهو ما أدى بهذا الرعيل إلى إعادة فحص المرحلة التي سبقت ذلك العام (1967م)، بل محاولة الربط بين المرحلتين.

الثاني: إماطة اللثام عن وثائق من عام 1948م، وكانت حتى ذلك التاريخ -أي النصف الثاني من ثمانينيات القرن العشرين الفائت- في طي السرية التامة. كما أنه لا يجوز عدم أخذ الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي اندلعت في تلك المدة (بدءًا من عام 1987م) في الحسبان.

ولكن ما ينبغي قوله هو أن جرشون شفير يفترق عمن ذُكر من الباحثين بعودته إلى فحص ما يسميه «جذور الصراع الصهيوني- الفلسطيني»، وهي عودة كانت حتى موعد تأليفه لكتابه هذا لا تزال مقتصرة عليه، وعلى قلائل من الباحثين أمثاله، وفي مقدمهم الباحث النفساني بنيامين بيت هلحمي، الذي سبق شفير في هذا المضمار. يُضاف إلى ذلك أن المراجع الأرشيفية، التي يستعين بها شفير في هذه المقالة، شأنها شأن المراجع الأرشيفية في كتابه الكامل، لم تكن من بين تلك التي أميط عنها اللثام في المدة المذكورة. وإنما كانت، قبل ذلك، مفتوحة أمام مرمى أبصار المؤرخين والباحثين. وعلى الرغم من كونها كذلك، فإن شفير يعترف بأنها تطلبت منه «قراءة جديدة للمواد القديمة»، في سيرورة يُراد لها أن تعيد إلى هذه المراجع ما سبق أن غاب- أو جرى تغييبه عمدًا- عن أعين القراء السابقين. وكل ذلك حدث قبل أن ينكفئ كثير من رموز تيار «التأريخ الجديد» على أنفسهم تحت تأثير عوامل عدة أبرزها، إن لم يكن الأبرز، هو عامل الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي اندلعت في أيلول/ سبتمبر 2000م.

الموقف من الكولونيالية

كذلك يجدر القول: إنه حتى ظهور مقاربة شفير المُعَبَّر عنها في مقالته هذه، كان المنظور الكولونيالي منبوذًا على نحو يكاد يكون مطلقًا في التيار الأكاديمي الإسرائيلي العام. أما بشكل عام فإن أصداء الفكرة التي تتعامل مع إسرائيل بوصفها مجتمعًا كولونياليًّا لم تجد أصداءً لها داخل المجتمع اليهودي سوى في أوساط جماعات هامشية من المثقفين فقط، وأبرزها جماعة «ماتسبن» (البوصلة) المنشقة عن الحزب الشيوعي الإسرائيلي، التي تشكلت عام 1962م من طرف شبان راديكاليين تركوا صفوف هذا الحزب والتحقوا في وقت لاحق بالأممية الرابعة التروتسكية.

وتؤكد دراسات عدة أن برنامج «ماتسبن» كان أول تعبير عن النظر إلى المجتمع اليهودي في إسرائيل من منظور كولونيالي صريح. ويتكرر حُكم القيمة السالف بالنسبة إلى مقالة شفير هذه في كثير من المناسبات، التي قد تحتاج الإحاطة بها إلى ما هو أبعد من هدف هذا المقال. وبناء على ذلك سأتوقف عند مناسبتين يفصل بينهما نحو عقدين من الأعوام.

الأولى: دراسة الباحث في علم الاجتماع أوري رام المعنونة بـ«الموقف من الكولونيالية في علم الاجتماع الإسرائيلي»، التي نُشِرت عام 1999م ويشير فيها إلى أن توصيف الصهيونية كحركة كولونيالية، حتى المدة التي ظهرت فيها مقاربة شفير، عَدّها تيار البحث الرئيس «نوعًا من التشويه» لهذه الحركة، حيث إن النظر إلى إسرائيل كمجتمع كولونيالي ينطوي، في عُرف ذلك التيار، على اعتراف ضمني بأن اليهود احتلوا وسلبوا أرضًا مأهولة واستغلوا أو طردوا السكان الأصليين، وفي هذا ما يتنافى مع صميم الصورة الذاتية التي رسمها الصهاينة عن الصهيونية بوصفها حركة «شعب بلا أرض يعود إلى أرض بلا شعب». وهو ما عَدَّه «اليسارُ الصهيوني» في إسرائيل منفرًا، الذي كان العرف لديه هو الكلام حول التحرر الذاتي، وتخليص أرضٍ (فلسطين) كانت قفراء بواسطة الكدح، كما أنه عَدَّه منفرًا بالقدر نفسه اليمينُ الإسرائيلي الذي دأب على القول: إن «أرض إسرائيل الكاملة» هي مُلك للشعب اليهودي، وهي ملكية لا تقبل الدحض بحكم «الحقوق التاريخية» و«الوعد الإلهي».

الثانية: المناسبة التي تتعلق بإشارة أستاذ الفلسفة اليهودية والتلمود في جامعة تل أبيب يشاي روزين تسفي، في سياق مقال نشره في صحيفة «هآرتس» يوم 11/10/2018م، إلى أن المقولة بأن الصهيونية حركة كولونيالية لا تزال حتى أيامنا الراهنة بمنزلة تابو في الخطاب الإسرائيلي العام. وهي كذلك في رأيه لكون السمة الكولونيالية ما انفكت ملازمة للعقيدة الصهيونية ولم تتحول إلى شيء ما من الماضي، وهو يؤكد أنه في دولة تقوم بسن «قانون القومية» السالف ذكره، وفيها أكثر من نصف مليون مستوطن في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967م، وتتواتر من جانبها مشروعات ترمي إلى تهويد منطقتي النقب والجليل اللتين تقطن فيهما أعداد كبيرة من الفلسطينيين، لا يمكن الكلام حول الكولونيالية الاستيطانية كما لو أنها أمر ينتمي إلى الماضي. وفي ضوء ذلك من المتوقع أن تظل تلك المقولة عرضة للحجب والإنكار تحت طبقات سميكة من علم الاجتماع، ومن التأريخ الرسمي الإسرائيلي.

الغاية من نقد الصورة السائدة

إجمالًا، يمكن القول: إن مثل هذا النقد للرواية الإسرائيلية الرسمية يحقق غايتين رئيستين:

أولًا- فتح ما يمكن وصفه بأنه «باب مغلق» أمام المعرفة الإسرائيلية في جل أشكالها المسبقة البرمجة والأدلجة، وهو الباب الذي يشير إلى الأفق الأخلاقي، وذلك بغض النظر عن عدد الباحثين الذين يقتربون من هذا الأفق.

ثانيًا- الاستئناف على سيرورة تسخير المعرفة لهيمنة الرواية السائدة التي أصبحت بعد إقامة دولة الاحتلال هيمنة دولة ومؤسسة أكاديمية ومؤرخين، كما أصبحت أدبًا موجهًا لبناء العناصر الأكثر أهمية في القصة الإسرائيلية التقليدية، التي توصف بأنها «فوق تاريخية» و«أبدية».

ومن نافلة القول: إن تحقيق الغايتين المذكورتين يبقى منوطًا أكثر من أي شيء آخر بجهد الباحثين، وتوقهم إلى المعرفة الأخلاقية، وبالتالي فإن هذا الجهد لا يمكن أن يكون منحصرًا في تعرية منظومة الهيمنة المبطنة في المعرفة السائدة أو الشائعة التي يروجها أصحابها وحسب، بل أيضًا في الإشارة إلى البديل.


ننقد الماضي لنفهمه بشكل أفضل

الواقع ليس به شر مطلق ولا خير مطلق

شريف يونس – مؤرخ مصري

حرية التعبير وحرية البحث العلمي كلاهما يحق له أن يثير الشك في الروايات التاريخية الراسخة، سواء في النصوص الدينية أو الوقائع والأحداث التاريخية، لكن فيما يخص البحث العلمي فله مواصفات ومناهج محددة، أهمها إثبات المراجع والمصادر التي أخذ عنها الباحث أو قام بتحليل وتفنيد ما ورد بها، سواء ما يتفق مع فكرته أو ما يختلف معها، فهناك مصادر يمكن أن تتفق مع الفكرة التي يطرحها الباحث، وهناك ما يناقضها، ولا بد أن يثبت ذلك كله كيلا تكون رؤيته أحادية، وبحثه منحازًا وغير حيادي. ودائمًا حين نقوم بعمل فكري فإننا نفند ما سبقنا من آراء وأطروحات، ونوضح ما قصدته المصادر، ونعرض للآراء السائدة، موضحين إلى أي مدى نتفق مع المصادر والمراجع التي بين أيدينا، وإلى أي مدى نختلف معها، فإذا كانت هناك وجهة نظر سائدة في المجتمع، فليس شرطًا أن تكون خطأ، فالبحث التاريخي قد يؤكّدُ صحتَها ويأتي بما يعضدها، ومن ثم فليس شرطًا أن نختلف مع الروايات السائدة، أو التي نظن أنها خاطئة، لكننا نثبت ما نتوصل إليه من خلال بحثنا في هذا الاتجاه، ومن ثم فإننا في النهاية قد نغير من قناعاتنا أو نختلف كلية مع وجهة النظر السائدة، وذلك وفقًا لمنهج من النقد التاريخي، وليس لانحياز أو هوى.

التطور العلمي

نقوم بعمليات النقد هذه كي نفهم ماضينا بشكل أفضل، فمثلًا جميعنا يعرف أن الماء يغلي عند درجة حرارة مئة، لكن كيف وصل إلى هذه الدرجة من الغليان، وما الفارق بين جزيئات الحالة السائلة والصلبة، هذه الأسئلة يجيب عنها العمل العلمي، ومن ثم فالتطور العلمي ومناهجه تجعل الموضوع محددًا بقواعد ثابتة وواضحة، ووفقًا للتطور العلمي ومناهجه فإننا حين نعيد النظر في الحادثة فإننا نجعل معرفتنا أدق وأوضح. ونفهم من أين أتى الخطأ، ومن ثَمّ نستطيع أن نكوّن حاضرنا بشكل أفضل، فأسوأ الأمور أن نقول: إن العصر الملكي في مصر عصر عظيم أو العكس، فهذا كلام أحادي الجانب، إما مع أو ضد، ولا يوجد في الواقع شر مطلق أو خير مطلق، ومن ثم كلما كانت لدينا عملية نقدية قوية استطعنا أن ننفض الغبار عن تاريخنا، ونعرف حقيقة ما جرى بما له وما عليه، وليس وفقًا لانحيازاتنا، فحين ننظر إلى الصحوة الإسلامية التي تجتاح العالم العربي الآن وكأنها شيء أتى من الهواء أو من لا شيء، فإننا لن نفهم الأسباب التي أدت إلى وجودها، وبالتالي فعملية النقد التاريخي تتجاوز فكرة الخير والشر، سعيًا لتقديم رؤية حقيقية للأمر، وإلا فإن تاريخنا سيكون قد تمزق، ووعينا قد تشوه، وهذه مشكلة التاريخ المعياري الذي ينظر إلى الأمور على أنها خير أو شر، فما يعجبنا هو خير وما لا يعجبنا هو الشر، ولا بد من تجاوز هذه الثنائية.

ضرورة الشك

وبطبيعة الحال فإن التشكيك يحمل نوعًا من الخطر، وأن أي تطور هو في حد ذاته خطر وله آثاره السلبية، فالذين قدموا الثورة الصناعية لم يعرفوا أنها ستلوث البيئة، وهكذا هي التحولات السياسية والاجتماعية، ومن ثم لا بد من المخاطرة لأجل التطور، ولكي يصبح وعينا أفضل، فكل تحول إلى الأمام يحمل نوعًا من المخاطرة، والنقد عملية حيوية من أجل تطور المجتمعات. ولا بد منها من أجل التغيير، فلو رفضنا التغيير تجنبًا للمخاطر، فإننا نكون قد حكمنا على أنفسنا بالموت في مكاننا.

مصادر متأخرة شوّهت الخلفاء الأوائل

بثينة بن حسين – مؤرخة تونسية

تتبع الدراسة العلمية التاريخية منهجًا صارمًا، وتستند إلى وثائق ومصادر موثوق فيها. وأعطي مثالًا على ذلك، وهو دراسة الدولة الأموية من خلال البلاذري والطبري. بينما أعدّ التشكيك في إسلام معاوية بن أبي سفيان، وعدّه مسيحيًّا هو نوع من تشويه التاريخ، وصنع زوبعات لطلب الشهرة بإذاعة أخبار زائفة. وأعتقد أن كل جماعة لديها الحق في المحافظة على هويتها، كأن تحافظ الإباضية من الخوارج على هويتها في البلاد التونسية، وبالتحديد في جزيرة جربة وجبال مطماطة بالجنوب الشرقي. لكنها تبقى محترمة للهوية التونسية كلها، وهو ما يوحد البلاد من شمالها إلى جنوبها. أما العكس فإنه يمثل خطرًا على وحدة البلاد.

يستند البحث العلمي الحقيقي على عمل رصين يقوم على مقارعة للمصادر كالطبري والبلاذري. ولا يمكن للباحث مثلًا أن يستند إلى بعض المصادر المتأخرة في دراسة القرآن والحقبة الإسلامية المبكرة. فقد شوهت هذه المصادر بعض الخلفاء الأوائل كأبي بكر، وعمر بن الخطاب، وعائشة، وهناك استشراق حديث في يومنا هذا يوظف الأيديولوجيا، ويتبعه بعض أشباه المثقفين في العالم العربي لنشر هذه الأفكار، ولا يجدون من يرد عليهم بكل أسف، وبالتأكيد التعصب للمذهب يدفع بالأشخاص إلى تشويه التاريخ.

مشكلة العالم العربي في تعامله مع عالم ما بعد الحداثة

محمد عفيفي – مؤرخ مصري

دائمًا ما يصبح سؤال الشك التاريخي مطروحًا بشدة؛ لأن الأمم تكون مترددة في دخول المستقبل قبل أن تحسم ماضيها، ومع الربيع العربي أصبح هذا الأمر مطروحًا بشكل كبير، ليس في مصر فقط ولكن في سوريا والعراق واليمن وغيرها، وربما يكون انتشار الرواية التاريخية في الآونة الأخيرة جزء من هذه العملية أو دلالة عليها، والشك أو التشكك ظاهرة تاريخية مهمة وحاضرة، وقد يركبها أحيانًا أناس باحثون عن شهرة أو مدعو ثقافية راغبون في المزايدة.

وموضوع التاريخ أمر حساس في المنطقة العربية، لارتباطه بأفكار الدين والقومية وغيرها، ومن ثم يستخدم بعض أحيانًا التشكيك في الروايات الراسخة أو الثابتة من أجل الشهرة. الأمر الآخر أن طريقة تدريس التاريخ في بلادنا طريقة أحادية، فالطالب يستمد التاريخ من كتب المدارس والمسلسلات التلفزيونية، وهذه هدفها محدود وموجه، بينما التاريخ متعدد الأوجه، وبالتالي لدينا مشكلة في الثقافة التاريخية أنها أحادية النظرة، وبالتالي فحين يخرج باحث ويطرح رأيًا مخالفًا، أو مختلفًا عن المعتقدات الراسخة أو الثابتة فإنه يثير كثيرًا من ردود الأفعال، ويواجه بكثير من الانتقادات.

الأمر الثالث أننا لم نتعود في منظومتنا التعليمية على الرأي والرأي الآخر، ومن ثم لا يتعلم الطالب تقبل الرأي الآخر أو المخالف، ولننظر إلى ردود الأفعال حول فِلْم سينمائي مثل فِلْم «ريش»، وكيف انقسم العالم إلى فسطاطين، إما مع أو ضد؛ لأننا اعتدنا في تعليمنا على وجهة نظر أحادية، إما أبيض أو أسود، وهو ما ينتج العديد من المشكلات، وبخاصة أن العالم العربي الآن يمرّ بالعديد من التحولات الكبرى التي لا ننتبه إليها جيدًا؛ لأننا نعيشها ونشكل جزءًا منها.

وهناك العديد من المفاهيم التي وضعتها التحولات الراهنة موضع الشك والتساؤل، من بينها فكرة القومية العربية التي تعيش حالة من المراجعة القوية، سواء بالشكل القديم أو بمحاولة طرحها عبر أطر حديثة، ففكرة القومية تراجعت كثيرًا في بلدان مثل سوريا ولبنان حتى اليمن، نظرًا للهزات الكثيرة التي تعرض لها مفهوم القومية، حتى في السودان الذي انفصل جنوبه عن شماله، ومن ثم فمشكلة العالم العربي الآن في تعامله مع عالم ما بعد الحداثة، وعلينا أن نعيد تشكيل رؤيتنا بشكل يتناسب مع عالم ما بعد الحداثة، وليس هناك بديل عن مفهوم المواطنة في ظل التشكك الكبير في فكرة القومية.

هذا‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬وليس‭ ‬علينا‭ ‬تبريره

حمدي‭ ‬أبو‭ ‬جليلكاتب وباحث مصري

أنا لست مع التشكيك في المرويات التاريخية، أنا مع أن هذا ما حدث، وهناك روايات مشكوك فيها بمقاييس الفقه الإسلامي، وهناك أحاديث يقال عنها صحاح، بغض النظر عن مضمونها وما بها من أفكار أو حتى ألفاظ، فالكلام ليس مهمًّا بقدر صحة السند، وعلى كل فهذه كانت حياة الأسلاف وطبيعتها، وكل فكرتي أنها لا تناسبنا، فلا يمكنني أن أعيش بالطريقة نفسها التي كان يحيا بها شخص منذ ألف وخمس مئة عام، إلا إذا كنا دواعش؛ فداعش وحدها التي تريد أن تعيش وفقًا للحياة التي كانت منذ ألف وخمس مئة عام.

ومشكلتنا في معركة التنوير أن هناك نصًّا مناسبًا لحياتنا الراهنة وممكن أن ننطلق منه نحو الحاضر والمستقبل، وهناك نص آخر إرهابي، هذا الصراع بين النصين وأنصارهما يعطلنا ويجعل معركة التنوير محلك سر، لتدور الحياة بنفس الاتهامات والصراعات التي كانت منذ بداية التنوير حتى وقتنا الراهن، وأرى أن مقاومة الأفكار الظلامية النابعة من التراث، أو الإمعان في التراث كما هو، تسببت في أن العلاج الناجع لهذا التراث الملوث بالدم يحتاج إلى مراجعة، وأن الغالبية العظمى من المسلمين ستنفر منه ومن فكرة إعادة إنتاجه، فتاريخ الفقه الإسلامي هو رحلة طويلة من التهذيب والتبرير؛ لأن ناقلي هذا التراث كانوا موالي أو عبيدًا، فابن إسحاق مولى بني هاشم، ومن ثم فكل ما يقوله سيده مصدق، فأمر مثل ميلاد النبي، بحسب رواية ابن إسحاق، ورد فيه أن عبدالمطلب زوَّجَ ابنه عبدالله من آمنة، وتزوج هو من أختها، فأنجب عبدالمطلب ابنه حمزة بعد عام واحد، بينما لم تلد آمنة إلا بعد أربعة أعوام، ومن ثم فالفقهاء لا يعترفون بخطأ ابن إسحاق ومن نقل عنه، لكنهم يبررون الأمر بأنه من الجائز أن يبقى الجنين في بطن أمه مدة أربع سنوات، ويُتَداوَل هذا الأمر حتى يصل إلى الشعراوي في عصرنا الحديث، الذي يجافي كل المقاييس العلمية التي عاشها ويقول بجواز حمل المرأة مدة أربع سنوات.

التشكيك سمة العصر

غسان حمدان – شاعر ومترجم عراقي

أصبحَ التشكيك بالمُسلَّمات من سمة العصر، وأصبح السؤال هو محور كثير من الدراسات والبحوث والقراءات، فلم يعد السؤال حكرًا على أحد أو محجَّمًا، وهذا بفضل التقدم المعرفي عمومًا. لكنه يجنحُ أحيانًا، ولا يمكنك التثبُّت وقتها من غاية السؤال أو دوافعه، ولا التأكد من سلامة أدوات السائل، فيتحول الأمر إلى عبثية تخريبية وليس استقراء تفكيكيًّا للوصول إلى صور متعددة للرواية الواحدة، ثم المقابلة فيما بينها من أجل رواية جديدة، ليس بالضرورة أن تعارض الأخرى المستقرة تاريخيًّا، لكن تقدِّمها في ثوب جديد تُسلط الضوء فيه على جوانب إنسانية واجتماعية وثقافية أهملتها الرواية الرسمية المرتكزة على الجوانب السياسية والعسكرية في أغلب الأحيان، وهي ذات مثالية فجة وانتقائية فاضحة ونقاء متصنع. وتفتحُ مساءلة الرواية الرسمية الباب على مصراعيه لقراءتها بأعين مختلفة عن السابق الذي قد يدفع ضمنيًّا الباحث إلى التشكيك، وليس بالضرورة أن يكون التشكيك هو غايته. إن المساءلة في حد ذاتها تُضمرُ تشكيكًا غير مُعلن، بيد أن الفيصل في هذا التشكيك آليات الدَّرْس والفَحْص والنتائج التي نصل إليها في آخر المطاف، فلا أهمية للتشكيك لأجل التشكيك، فهو حينًا عبث لا طائل منه، سرعان ما يزول دون أي تأثير.

والتشكيك بالمسلَّمات، وليس بالروايات التاريخية المستقرة فحسب، سمة من سمات عصرنا، لكن إلى أي مدى هي مفيدة فهذا ما يتعيَّن علينا معرفته، وفقًا للمنطلقات والغايات والوسائل الواضحة والصريحة والحقيقية التي يُعلن عنها الدارس، وكما أشرتُ سابقًا لا تنتجُ العبثية المعرفية بأدوات استقرائية ملهمة رؤًى رصينةً، وإن حدث ذلك فهذا محض مصادفة، وأشكُّ في جدوى هذا النتيجة إن أتت؛ لأنها لا تحمل معها الخطوات المؤدية إليها. يشي التشكيك برغبة المرء بالدليل الدامغ وقدرته على التفكير ووضع مسافة، لنسمِّها مسافة الفصل والفحص، تجعله في مأمن من التصديق بكل شيء قبل التمحيص، وهو بهذا يبقى في منأى عن التأثر المباشر بكل الأفكار. ولا يمكن الوصول إلى مرحلة نُشيع بها هذه الآلية في تلقي الأفكار، إن لم يكن هناك تعليم مؤسسي يعزز هذا عند النشء، حتى تتحول لاحقًا إلى نظام حياتي فكري، وليس حركة عشوائية متأثرة ببيئة خارجية، أكثر مما هي نِتاج بيئة داخلية.

ولا يكمن الخطر إلا في شيوع العشوائية والعبثية، وهي من أوجه الجهل الأعمى غير المدرك لذاته، فهو يُخرِّب حاضره دون أن يقوِّمه، ويهاجم ماضيه دون أن يدرسه، ويضع نفسه في مهب ريح مستقبلية ليس هو المسؤول عن فصول هبوبها أو جهاتها. والمحصلة في الأخير مسخٌ لا ينتمي إلى أي مكان، وبلا أي ملامح، والخطر الأكبر يمكن إن استمرَّ على هذا الحال دون أن يستيقظ فيمضي إلى الهاوية قُدمًا جارًّا معه غيره، وإن استيقظَ قد لا يجد الوقت الكافي لإصلاح ما أفسده.

نقد المرويات التاريخية والروايات الراسخة

بكور عاروبشاعر وكاتب سياسي سوري

يقف النقد التاريخي على حافة حادة جدًّا ومؤلمة بين واجب النقد العلمي والانفلات إلى تعميم حالات الرفض لروايات دينية وتاريخية راسخة، فمن ناحية هناك ضرورة ماسة لتجديد الخطاب الديني والتاريخي الذي شوهته الحكايات والروايات والابتعاد من المنهجية العلمية والتوظيف السياسي في مراحل معينة والحروب التاريخية والمذهبية والسياسية سواء في المجال الديني أو السياسي مما وفر مجالًا رحبًا لتقديم روايات كثيرة مشوهة وغير عقلانية متطرفة وموظفة سياسيًّا على حساب الحقيقة التاريخية.

ثم إن تراكم الروايات المشوهة وفاقدة العلمية، والاحتكام في المرجعية الفقهية الدينية إلى مرويات يمكن اختراقها، وعدم الاحتكام إلى الكتاب أساسًا وما وافقه عقليًّا وزمنيًّا ومكانيًّا ومنطقًا ولغويًّا ونفسيًّا وروحيًّا، في الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الخلفاء والصحابة من السنة، فتح باب الخلل والتمزق بين مكونات الأمة، وكذلك راكم المقدسات، وجاءت المرويات التاريخية والسياسية أيضًا لتزيد الخلافات، وكذلك تزيد نسبة الوهم في حياة الأمة لتخرج الكثير من الشخصيات التاريخية والدينية عن الطبيعة البشرية المعتادة، والحدود البشرية للبطولة إلى حالات مقدسة وملحمية، تخرج عن كونها شخصيات يمكن الاقتداء بها ومجاراتها وإعادة ولادتها، إلى شخصيات أسطورية غير قابلة للتكرار والولادة والتجديد في الحياة الاجتماعية والسياسية للأمة، وأصبح تراكم مقدسات معطل للفكر والاجتهاد والولادة والتنوير دون تدخلات خارجية، وعطالة للتغيير الداخلي للأمة على المستويات كافة، وانعكس هذا بوضوح من خلال رفض أي حالات حداثوية في الدين والأدب والفكر والمجتمع.

حتى مسار إعادة فتح باب الاجتهاد في المجال الإسلامي مع حركة الإصلاح الديني في منتصف القرن التاسع عشر، فإن هذا المسار لم يلبث أن تعددت اتجاهاته وتنوعت مجالاته لتصل الى مرحلة الصدامية؛ لأنه أخذ موقفًا مؤسفًا في خدمة السيطرة السياسية على حساب الاتفاق العلمي وعمومية التأثير في الأمة ومكوناتها كافة، وهو ما أدى إلى اضطرار مكونات سياسية ودول في المنطقة لاستخدام مفاهيم مناقضة تحت عنوان استغلال الجانب الديني في السيطرة السياسية، فعملت تركيا على نشر الماتردية، وتبنّت مسارات محددة ذات خلفية دعوية كردية؛ لتحافظ على تماسك الكرد مع المجتمع التركي، وغيره من الأمثلة في مختلف دول المنطقة.

على الرغم من علمنا ووعينا بالدوافع اللاعلمية لموجة نقد المرويات التاريخية التي انطلقت مع موجة الاستشراق الكلاسيكي ثم الأنغلوساكسوني، وأنها ألقت بظلال مشوهة على كثير مما قدمه التنويريون العرب والإسلاميون، وما تبع ذلك من عمليات تشويه لكثير من المرويات والشخصيات التاريخية والدينية، فإن الواقع العلمي وضرورات البناء المستقبلي تفرض علينا احترام نقد المرويات، لكن بشريطة أن يتم ذلك من خلال مؤسسات علمية وبحثية مختصة، وإقليمية منفصلة عن التأثير الوطني المباشر في عملها، وأن تأخذ صبغة قومية عربية وإقليمية توافقية علمية، وليس توافقية نفاقية كما جرى في كثير من مؤتمرات تقريب المذاهب، والورشات ذات الخلفيات الدعوية الخاصة بجهة أو فصيل أو حكومة.

(كسر حدة تراكم المقدسات مع ضرورة الحفاظ على قيم الاحترام التاريخي) هذا العنوان من الواجبات المهمة، ومن أهم الضرورات في بناء العملية المستقبلية، بحيث تخرج بالنقد التاريخي إلى مناخ العلم وترسيخ الحقيقة وأنسنة الشخصيات التاريخية والسياسية، وفي الوقت نفسه تحافظ على مكانة هذه الشخصيات انطلاقًا من المفهوم العلمي للناقد التاريخي الأول، رسول الأمة محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم، الذي قال: «إنما أنا بشر».

فإن صح ذلك في حقه فكيف نسمح لأنفسنا أن نجعل شخصية مثل السلطان عبدالحميد الثاني العثماني رجلًا فوق العادة الإنسانية، بناءً على الأحلام والرؤى والحكايات التي لا تتسع لها شخصية الرجل.

المرجعية اليهودية كتهمة جاهزة

في هذا الجانب أيضًا نجد أن الفصائل، وخصوصًا لدى الإسلام السياسي والمذهبيات، استغلت حساسية العربي والمسلم من أي انتماء يهودي أو علاقة مع اليهود، لتشوه صورة القادة السياسيين والتاريخيين بل الدينيين الذين يقفون ضد مصالح هؤلاء، ولاحظنا أن هذا الاتهام الذي جاء في عمومه باطلًا يفتقد لأبسط المعطيات، وقد نال من قادة مصر الوطنيين والقوميين وشمل عددًا من القادة العرب المعروفين، والثابت تاريخيًّا أنهم عرب أقحاح نسبًا ووراثة جسدية، وهذا المجال أبرع من استغله الإخوان المسلمون والإسلاميون عمومًا، ليصل بهم الأمر إلى جعل ابن تيمية من أصل يهودي، وامتد الأمر ليشمل أسرًا سياسية في الخليج والوطن العربي كله، وبعض القادة الإقليميين، وكل هذا تحت عنوان تمزيق الأمة، متناسين أن النبي محمدًا كان صهرًا لليهود، وإن بطبيعة ونمطية مختلفة، ولكن تحت عنوان أن الإنسان فوق كل الانتماءات والخلافات.

هذا يفرض احترامًا خاصًّا للقيم الدينية والتاريخية، ولكنّ حكمًا تحت عنوان احترام القيمة العقلية والعلمية والاتفاق العام والأنسنة التاريخية، لتكون هذه الشخصيات نموذجًا يحقق حالة الاستمرارية والنمو، وليس تكريسًا لحالة الحنين التاريخي المعطل الذي وصل بكثير من أبناء الأمة والمنطقة إلى أنهم لا يتصورون تكرار شخصيات سياسية قريبة العهد، ووضعها ضمن هالة التقديس والملحمية المستحيلة وهذا هو البلاء الأعظم.