الظمأ الأنطولوجي لدى نيرودا وبورخيس
يقف الشاعر بابلو نيرودا والكاتب خورخي لويس بورخيس على طرفي نقيض، من حيث القناعات السياسية، مع ذلك ثمة وشائج شفافة تربط الرجلين، تلوح حين نتأمل مساريهما الإبداعيين. ولا سيما ما يتعلق بنظرة كل منهما إلى المطلق وإلى الخيارات الوجودية المتعالية. بدا التنافر بين نيرودا وبورخيس حادًّا حين رفض الأخير لقاء نيرودا، في عام 1971م، بِتَعِلَّة أنه كان سفيرًا في حكومة اشتراكية، في مدة كانت فيها ظلال التوتر بين التيارات اليسارية والتيارات الليبرالية تخيم على أميركا اللاتينية. لم تمضِ سوى سنوات قليلة لنجد نيرودا ينعت غريمه قائلًا: «إن بورخيس يفكر بعقل الديناصور».
صحيح، ثمة تناقض أيديولوجي معلَن بين المبدِعين، لكن كليهما كان مولعًا بالآخر، في أسلوبه، وعمق كتابته. وكلاهما كان يتابع ما يدوّن الآخر، ويتمعّن فيما يقول ويعلّق عليه. ولا يُخفي كلاهما التقدير الإبداعي للطرف المقابل، ولطالما صرّحا بذلك علنًا ولم يخلطا الولاء الأيديولوجي بالإبداع. انطوى خلافُهما، أو بعبارة أدق تعارضهما، على تفاهم وتوافق، من حيث تقدير الإبداع والاحتفاء به. وقد عبّر الشاعر نيرودا عن ذلك في حديث له عن بورخيس: «لا يعي ما يجري في العالم الحديث، ولا أنفي أني من جانبي أيضًا لا أعي ذلك. وبالتالي نحن نقف على أرضية واحدة وعلى أتمّ الوفاق». والسؤال الذي يعنينا هنا هو: برغم الخلاف العميق بين المبدعين أين تكمن نقاط التشابه؟ ثمة شَبهٌ في نظرتيهما للوجود المتعالي، وإن لاحت غنوصية عقدية في أعمالهما الإبداعية. وبعيدًا من الخلاف السياسي المتجذّر بينهما، من حيث الولاءات الأيديولوجية، كيف بدت تلك النظرة الوجودية المتعالية والمتماثلة نوعًا ما لديهما؟
البحث عن المطلق مع نيرودا
في العديد من الأعمال الشعرية التي دوّنها نيرودا، مثل «النهر اللامرئي»، و«عشرون قصيدة حبّ وأغنية يائسة»، و«النشيد الشامل»، يطفو البحث الدائم عن الوجود المتعالي، أو لنقل الظمأ الأنطولوجي، بعبارة المفكّر العراقي عبدالجبار الرفاعي، في مجال علاقة الشاعر بالمرأة، وحين تغمره المحبة الجارفة. ففي الحب يلوح ذلك التعطش لما يتخطى الوجود العيني.
فما من شك أن جمعًا من الشعراء والأدباء يطلّون على المطلق من نافذة المحبة. وكأن المبدع، كما يفسر علم النفس الديني نشوء الاعتقاد لدى الصبي، يتفجر لديه ذلك الحس الدافق مع اكتشافه العميق للمحبة بمدلولها البيولوجي. ونيرودا نفسه، اتخذت لديه قصائد الغرام، والعشق، والمرأة عمومًا، طابعًا ليتورجيًّا.
يبدو الرجل وكأنه يدخل مع المرأة في حالة من التسامي الروحي السائر نحو الذوبان في المطلق. هكذا يتمثل الحب بوصفه تجربة وجودية غائرة. يقول في إحدى القصائد: حين تطلين.. تعزف سائر الأنهار في جسدي.. تضج السماء بالأجراس.. ويفيض نشيد على العالم (مقتطف من قصيدة «الملكة»). ثمة تطلّعٌ للكمال يراود نيرودا، وهو في الحقيقة نِشْدانٌ للوجود الغامر، أو لنقل نوع من العشق روحي يتملّك الشاعر، عبّر عنه نيرودا بوضوح في ديوان «عشرون قصيدة للحب». يرد في إحدى قصائد النص المشار إليه: يا جسد امرأتي سأطل في نعماك. ظمئي، قلقي، بلا نهاية، وطريقي يباب! أنهار ظلماء يخيم عليها عطش دائم، ويظل الشقاء، والألم الغامر. (مقتطف من قصيدة «جسد المرأة»).
نجد قاموسًا إنجيليًّا زاخرًا يستعيره نيرودا في كتابة قصائده، يستدعي عبارات النصوص الأخروية في «سفر الرؤيا»، ذلك السفر المنسوب إلى يوحنا؛ إذ ثمة تناصّ جليّ في استدعاء أجواء الأبوكاليبس والعوالم المغرقة في الخيال. كما أن هناك بحثًا عن تَعالٍ مفقودٍ لا يلوح أن المرأة تشفي غليله. الفَقد الرُّوحيّ، أو «الظمأ الأنطولوجيّ»، بعبارة الرفاعي، يستحوذ على نيرودا المصر على الروي حتى وإن لم يجد ضالته في المرأة. فالشاعر وإن لم تشفِ غليله المرأة، فهو مصرّ على المضيّ قُدمًا في نِشدانِ المطلق. يرد في قصيدة أخرى «حرريني من نفسي. أريد الانعتاق من روحي. اشتهيني.. أطلقيني، اسكبيني واجعليني أضحية.. ثم فكي أحزمة حدودي الأخيرة». لتنغلق القصيدة في هذه الغنائية باستغاثة نابعة من عمق الشاعر «اغربي عن وجهي.. إلهي.. اغربي عن وجهي!».
أيضًا في ديوان «الغسق» يستهلّ الشاعر قوله بخطاب رُوحيّ جلي ينختم بـ«يا أبتي اغفر لهم»، وهو مقطع مقتطف من رجاء حزين للسيد المسيح؛ «يا أبتاه اغفر لهم لأنّهم لا يعلمون ما يفعلون» (لوقا 23: 34)، بخصوص من اقتسموا ثوبه، وذلك في أحرج أوقات التجربة والمحنة التي عاشها السيد المسيح. لوامع الظمأ الأنطولوجي في قصائد نيرودا كثيرة، وإن بدا الشاعر في الظاهر غنوصيًّا. ففي العبارات الشفافة ملمح روحي غائر يحتاج إلى تتبع لدى نيرودا، ولا سيما مع الذين لهم دُرْبَة بالخطاب اللاهوتي المسيحي. وعلى هذا الأساس يتعذر اكتشاف عمق لغة الشاعر في غياب الدراية بالخطاب الصوفي الإنجيلي. فهناك صور شعرية تبدو مستعارة من مشاهد إنجيلية عطشى للمغايرة والكمال ومتطلعة نحو المطلق. يتجاوز ذلك البحث عن المطلق مع نيرودا الجمال المادي إلى ما هو أبعد، إنه الفَقْد، إلى الكمال ونِشْدان الإرواء.
ولع بورخيس بالخطاب الصوفي
على الجانب الآخر، مع بورخيس، فإن تكن مفردات قاموس الظمأ هي المهيمنة على مفردات الخطاب الشعري لدى نيرودا، فيمكن القول: إن مفردات قاموس «اللاهوت السلبي» هي الطاغية مع بورخيس. ولئن يتماهى نيرودا مع المنظور اليساري في قراءة الوجود فمع بورخيس يغلب المنظور الشعبي بشأن المطلق. ليتخذ بورخيس مسافة من الموروث والسائد، ويحاول بناء ما يُعرف «باللاهوتي السلبي»، أي اللاهوت النافي عن المطلق الخصوصيات البشرية والدنيوية.
وحيث الدعوة مُلِحّة لدى بورخيس إلى الرحيل لاكتشاف الكائن المطلق، ذلك «الأفق اللامرئي» كما يطلق عليه، وهو ما لا تفيد في إدراكه النظريات المركزية أو كثرة صيغ المبالغة؛ لأنها تخفي حقيقة الألوهية حسب تقديره. يبدو المسلك الذي يسلكه بورخيس شبيهًا بالمسلك الصوفي في تخطي المعارف الجلية والغوص في المعارف الخفية والباطنية، أو ما يطلق عليه بعض المتصوفة بالعلم اللدني. في هذا المقام، يلتقي بورخيس مع اللاهوت الصوفي السلبي في نفي المتضادات، أكثر من إثباتها. فلِتتسنّى لك معرفة الكل، ضرورة توافر الرغبة في عدم المعرفة، ولبلوغ ما لا تَعرف ينبغي المرور بما لا تعرف. هكذا وصف يوحنا الصليب الطريقَ في مؤلفه «الصعود إلى جبل الكرمل».
ومتابعةً لخاصيات الظمأ الأنطولوجي الذي نجده لدى بورخيس، نتبيّن أن المنشود ليس شيئًا عابرًا، بل هو مترسخ ومبثوث في أعماله. وما إن يغيب حتى يطل مجددًا، مذكرًا بالوجد الذي كانت تكابده تيريزا الآفيلية وريثة التراث الأندلسي؛ إذ يُروى أن الآفيلية، في مطلع شبابها، كانت تنشد الفرار إلى أرض الموريسكيين، يحدوها شوق عبّرت عنه في قولتها الشهيرة: «الوجْد قضاءٌ لا مردّ له، تُنتزع فيه الروح من الثرى بيدِ الله مثلما تختطِف الكواسر طريدتها دون أن تدري إلى أين المساق. وبالتالي، لا بد من رباطة جأش لمتابعة المسار؛ إذ لطالما حاولتُ دفع الوجْد، مقدِّرةً أنّه وهْم، ولكني أجد نفسي صريعة كأني أغالب ماردًا».
ولعُ بورخيس بالخطاب الصوفي دفعه إلى التهوين من قدرة الخطاب الديني السطحي، بوصفه لا يعبّر عن تجربة عميقة. وكأنّ بورخيس في نقده الساخر، يدعو معشر الأدباء والشعراء إلى التعامل مع الإيمان بمأخذ الجد، وتجنّب الوقوع في الابتذال والمفاهيم الجوفاء الخالية من الحياة.
مقاربة جديدة لمفهوم الإيمان
في كتاب مهم أصدره عالم الاجتماع الأميركي رودناي ستارك بعنوان «انتصار الإيمان» (2017م) يشكك في الإحصائيات والتقارير التي روّجت للإلحاد على غرار ما حدث إبّان الحقبة الشيوعية السوفييتية قائلًا: حُجَج الإلحاد في روسيا الشيوعية هي حجج واهية، ولا يمكن أن تعبّر عن تطوّر عفوي للإلحاد في بلد يُلزم طلّابه بالتردّد على دروس «الإلحاد العلمي»، على أمل التسريع في خلق الإنسان الشيوعي المتحرّر من «أوهام» الدين. مع ذلك لم يشفع ستون سنة من تلقين الإلحاد لبلوغ ما هو منشود، ولم تسفر نتائج الإحصائيات المجراة في عام 1990م سوى عن 6.6 بالمئة ممن صرّحوا بإلحادهم.
إذ يطرح ستارك مقاربة جديدة تعيد تعريف مفهوم الإيمان، بوصفه شعورًا يتخطى الفهم الأقنومي الكَنَسي السائد، قائلًا: إن العديد من الإحصائيات التي تحدّثت عن تراجع التديّن كانت خاطئة؛ بسبب أن مفهوم الدين كان محصورًا بحدود الدين المُمَأْسَس، أي الدين المنتظِم وفق منظور عقدي ونظام هيكلي، وجرى التغاضي عن الزخم الروحي الطليق والسائب، ولم يُدرَج في الحسبان سوى التمظهر الشكلي المعبّر عن الدين.
من هذا الباب فإنّ الظمأ الأنطولوجي الذي تجلّى في كتابات نيرودا وبورخيس يحتاج إلى مقاربات تفكيكية مغايرة، لفهم دلالاته ومحفّزاته، بعيدا من الأدلجة التي غالبًا ما طمست بُعدًا شفّافًا وجَدَ حضورًا في كتابات كل منهما بالرغم من التباعد الأيديولوجي الظاهري بينهما.