كيف تحوّل أبّا المعطي إلى ذُبابة
الخبر (المصدر):
صدمت فتاةٌ بسيارة من نوع 4/4 حارس سيارات معوّقًا، واقتلعت في الحادث أيضًا نخلةً في شارع طانطان، بمدينة الدار البيضاء. حدث هذا قبيل وقت الإفطار في شهر رمضان. وقد تبين عند المراقبة أن الفتاة لا تتوفر على رخصة سياقة. وعقب الحادث حضرت إحدى قريباتها إلى موقع الحادثة، وبعد المعاينة واسَتِ القريبةُ الفتاةَ قائلةً بالحرف: «ما تبكيش ابنتي، راكي ابحال إيلا ضربتي ذبّانة [لا تبكي بنيتي فأنت كأنك صدمت ذبابة] وراك غادية تخرجي سالمة [ستخرجين من هذه الورطة]» وتحدث شاهد يملك نسخة من محضر الحادثة أن عائلة الفتاة تعاملت مع الضحية وكأنه مجرد ذبابة، لا أقل ولا أكثر!
الموقع الإلكتروني كود. نيشان. 03/ 07/ 2024
* * *
أتذكر أني عندما ولدت كنت أمشي على قدمين، ورأيت حولي صبيةً يَحْبون على أربع، أي على الكفّين والرّكبتين. قالت لي أمي حين أظهرتُ تعجُّبي: إنني كنت بدوري أمشي هكذا في عمرهم. لم أتذكر شيئًا مما وصفت، وحين جرّبت أن أفعل نهرتني أمي، أن أستحي، فهذه المشية لا تناسب عمري، وللألم الذي سببته لي من أثر الاحتكاك المتواصل بالأرض، بالتراب والحجر. ثم، وأنا أكبُر، نسيت الموضوعَ كلَّه، ومعه كنت أرى جسمي ينمو، وساقيّ تطولان، وقدميّ تكبُران مع تبدّل رقم الحذاء أو النعل، ثم وأنا أمشي بهما مثل سائر الخلق.
* * *
في وقت آخر، متقدمٍ من طفولتي، سرقتني غفوة، فهبط عليّ كابوسٌ ثقيلٌ فزِعت منه بصراخ، هبّت إثرَه أمي إلى فراشي انتزعتني منه، تضمّني إلى صدرها، تُهوِّن عليّ: «باسم الله عليك أوليدي! أنت في عار الله والنبي رسول الله!» وصراخي يقوى عُلُوًّا وحِدّةً أنهم أخذوا قدميّ، أني رجعت صبيًّا مثل زمان، أمشي على كفيّ، وركبتيّ، وأراني أركُض مع آخرين من عمري، ثم أعود نافرًا منهم، أبحث عن حضن أمّي، الملتهيةِ بتقشير البطاطا أو دامعةِ العينين من أثر تقطيع البصل، فأبكي مثلها ولكنّ حزنًا على قدمي، الآن، وهي تُواسيني: لا تخف، لا تحزن يا ولدي، «أنت في عار الله هذا، ما هو إلا بوغطّاط [التسمية المغربية للكابوس]!».
* * *
في وقت آخر، وقد بلغتُ وكبُرتُ سنًّا، وعَيْت هذا من طول قامتي وقوة بنيتي، وأنا عاملٌ بالسِّكك الحديدية. كنت منهمِكًا مع زملائي في تثبيت قضبانٍ جديدةٍ في حيِّزٍ من السكة: كُنّا جماعةً في الأمام، وأنا وحدي في الخلف، وجلبوا عربةً ليجرّبوا السكة وقاموا بدفع العربة؛ ليختبروا صلابة قضبانها، وقد نسوا أنني في الخلف، هكذا شهدوا جميعًا أمام مفتش الشغل: «نسينا يا سيدي هذا الزُّغبي، المسكين، وما ردّينا البال إلا بعد ما وقعت المصيبة!». المصيبة وقعت عليّ، لي أنا، كنت أصرخ كما في كابوس الطفولة، وكلّ ما تحت ركبتيّ قد اختفى، بُتِر ساقاي وقدماي، والدليل أنني، وأنا في سرير المستشفى، لم أرهما، لا أحسّ بهما، وأمي اختفت كذلك، دمعي يسبقني، بكائي يتكلم بلساني، أمّي ماتت، فلم تهُبّ لاحتضاني كما كانت تفعل في طفولتي، ولا سمعتُ منها: أنت في عار الله، والنبي رسول الله، يا ولدي!».
* * *
بعد وقت آخر، وأنا مرميٌّ في الركن من غرفة، مع الجيران، أعيش بتعويضٍ شحيحٍ من السكك الحديدية، ويتكفل بي بعض جيراني، جاءني واحدٌ منهم قال: عندي لك عمل. وحده كان يتكلف بوضوئي، وهو يراني صرت أزحف على أربع، ولا أعرف كيف أقضي مآربي. وجدت لك شغلًا تنتفع به، وتقضي الوقت. تكلمَ عن السوق الجديد الذي سيُفتح في الحيّ، بجوار شارع طانطان، وقال: إنها فرصةٌ لا تُعوّض لحارس سيارات، سيدخل علينا خيرٌ كثير. زاد قائلًا: لا تضرب حساب الحركة، فعربتك موجودة تنتقل بها حُرًّا، والهندام ها هو!
* * *
من الغد، انتقلت إلى الخارج. جالسًا داخل عربتي، أدفعها بيدي، أتنقل من هنا إلى هناك في الساحة الواسعة أمام السوق الجديد. ارتديت اللباسَ الأصفرَ المخططَ بشريط أزرقَ من وسطه، وضعت على رأسي قبعةً سوداء. وبيدي صفّارةٌ أتحكم بها بحركة دخول وخروج السيارات. أرتّب مواضِعَها، وأقبض درهمًا على الأقل من كلّ خارج، وأتودد لكلّ واصل. بعضهم يتلطف، وآخرون يهرَبون فأشتُمهم في سرِّي، وأنا لا أتوقف عن الحركة إلى ما بعد الظهر. يغلق السوق فأعود إلى غرفتي وأنا أتحسّس جيبي يرنّ بما لا بأس به من الدريهمات.
* * *
في وقت آخر، كنت كالعادة قد غادرت غرفتي صباحًا، وانتقلت فوق عربتي إلى ساحة السوق، وبعد قليل يبدأ وصول سيارات يقودها من بتّ أعرفهم، وغيرهم: رجالٌ ونساء، سُوّاقٌ وخدم، وكلُّ واحدٍ باسمه وقيمته، حسب ما يعطي والله هو العاطي. وأنا كالعادة، أتنقل سيّدَ الساحة. صرت علامةً عليها، ولا أعلم أو أذكر من سمّاني أبّا المعطي رغم أن اسمي هو العيساوي. وبعد قليل، والشمس في ذلك اليوم، وهو ليس بعيدًا، عموديةٌ وملتهبةٌ في 12 ظهرًا، والحركة على أشُدّها، وأنا أُشرف على دخول وخروج السيارات، بِيدٍ أدفع العربة وبالأخرى أشير وأقبض الدرهم.. الدرهمُ الذي رأيته بعيني يطير.. أو أنا أطير معه إلى السماء، فوق، فوق…
* * *
لم أشعر أني في بوغطّاط. لم أصرخ. لم أسترجع في سمعي مواساة أمي، ولا رأيت حِضنًا ينفتح نحوي ليأخذني ويصبّرني. كنت منقلبًا على ظهري، والعربة فوقي، وفي الوقت أحس، ربما أتخيل أنّي ما زلت مرفوعًا فوق، وهي ربما يدٌ كبيرة، مِدراةٌ، مِكنسةٌ، جناحٌ، والأغلب مقدمةُ سيارةٍ حسبتُ صاحبها وهو مقبلٌ باتجاهي يبحث عن موقف، وأنا أتقدم نحوه إذ لا مكان، وهو لا يبالي، يتقدم مسرعًا، وبسرعة أكثر، وفي جوفي كلمةٌ لأنبّهه، وسرعتُه أقوى من كلمتي، تسبق صوتي، تصْفِق عربتي، تهُزُّني، ترفعُني عاليًا، ترميني إلى ركن ركين.
* * *
بعد ذلك بوقت وجيز، وعيي لمّا يفارقني، تجمعتْ حولي جوقة، بينها وجوه قريبة مني، وأخرى بعيدة. سمعت كلمات مبعثرة، مثل:«مسكين!»؛ «الله، كانت هذه ناقصة!»؛ «مالوا؟ آش طرا لو؟». ثم تنقطع الأصوات يتلوها دبيبٌ بينما عيناي ترمشان، تضربهما الشمس بحدّة، وفي أذني تنهمر أصواتٌ أخرى بين مستنكر ومستغرب: «أبّا المعطي هذا، مسكين؟»؛ «حتى هو غادي، جاي، ولا يشبع من جمع الدراهم!»؛ «حرام عليكم، راها، ضرباتوا حتى للسماء ورماتوا!»؛ «اشكون هي؟»؛ «أنا شفتها بعيني، ضرباتوا وضربات حتى النخلة، شوف النخلة كيف طايحة، يا ربي السلامة!» ثم سمعت في الأخير صوت امرأة افترضتُ أنه موجه إلى المتسبّبة في الحادثة: «ما تبكيش، راكي بحال إيلا ضربت ذبّانة، كيف والو، آش غادي يكون؛ ذبّانة»!
* * *
في وقت آخر دائمًا، كان الليل قد حلّ، وبينا أنا في فراشي، جسمي مهدود، ملفوفٌ بضمّادات وقِماطات لجبر كُسوري، سمعت مثل طنين عن قرب وبعد، فاستغربت أن يكون ذبابٌ في الليل، وكيف يطِنّ، ثم ماذا يفعل هنا ولا طعام ولا عفونة، لكنه ألحّ، ومعروف عنه مِلحاح.
ولا أعرف والله كيف أنار الضوءُ لأنبهر بوجود كثافة هائلة من السواد على الجدران، والفراش، والحصير، وفوق السقف، ولم يبق إلا الضّمادات حول جسمي لا تغطيها. اختلط عليّ ما أرى، فقلت: بسم الله الرحمن الرحيم، هل هذا جِنٌّ في صورة ذباب، وماذا يريد مني أنا المسكين لا حول لي، وليس له ما يلسّع مني أو يلعَق، ففاض خوفي، كدت أصرخ، لولا..
* * *
لولا أن ذبابةً ظهرت لي أضخم، انبرت من بين الجمع الغفير كلِّه، وتقدمت وهي منحنيةٌ على حافة سريري القريب من الأرض، وطفقت تطِنُّ كما لو بكلمات، تُسلّم عليّ: «السلام عليك. لا تخف. نحن منك وأنت منا. نحن معك، نساندك، آلمتنا بشدة الحادثة التي تعرضتَ لها، وقد كنا شهودًا، رأينا وسمعنا كل شيء، نحن دائمًا في السوق، ونراك عندما تحضر إلى الساحة في الصباح وتغادر بعد الظهر، فنقول: هذا مسكين كادحٌ مثلنا لكي يُدبِّر قوته مثلنا، هه، أليس كذلك، أليس صحيحًا ما أقول، هه؟!». فيما عجزتُ عن أيّ جواب سارَع الجمعُ الغفير إلى الردّ على رئيسه الخطيب: «نعم، نعم، هذا كلُّه صحيح، نعم، نعم يا مولاتنا، كلُّه صحيح».
* * *
فحركتْ جناحيها تحييهم وتناشدهم الصمت، ثم استأنفت وقد جلست هذه المرة على حافة السرير: «نعم، نحن معك، وأنت منا ومعنا أيضًا، ألم تسمع تلك الشقفة لمّا جاءت تناصر بنتها التي كسرت عظامك، ألا تذكر أنها نعتتك بالذبابة، لا بل احتقرتك: آه، ويلي ما تبكيش ابنتي، هذاك غير ذبّانة!»، والتفتت إلى الجمع الغفير، الذي فهم قصدها مباشرة فارتفع طنينُه في الغرفة مؤيّدًا، ومستنكرًا: «لا ما مَيمْكنش، لا ما مَيمْكنش، الذبّان ما يتَّحقَرش، ما يتَّحقَرش!!».
ولذلك، هتفتْ الزعيمة، نحن جئنا، ومعنا ذبابٌ كثير من شعوووب كثيرة مستعدون لنُصرتِك وأخذِ حقِّك، والانتقام من العجوز الشقفة وبنتِها، من كل من يحتقر جنسنا العظيم، ومن خلفها هتف الجمع الغفير:
« نعم يا مولاتنا، نعم،
اليوم قبل غدَّا، والقصاص ولا بدَّ،
الذبّان ما يتّحقرش!!».
* * *
ولكن، ولكن، وأنا أتوجه بالحديث إلى الزعيمة كما لو كانت بشرًا تفهم مني الكلام معقولًا؛ ولكن هم عندهم أسلحةٌ فتّاكة، مبيداتٌ للحشرات خطيرة، وعددُهم بالملايين، وسمعت أن بلاد الشينوة [الصين] فيها الملايير، فماذا تستطيعين، أنت وهذه الكمشة معك للقَصاص من بني آدم، ومن تلك الشقفة بالذات، وهي التي جاء لمساندة ابنتها محافظُ المدينة، ووالي الأمن، ورئيس البيّاعة المخبرين، ورئيسُ أكبر بنك في البلاد، وتجمّع تُجّارُ السوق شهِدوا بالزور، ادّعوا وفي شهر رمضان، لا خافوا من الله ولا عذاب النار، أن أبّا المعطي هو من صدم السيارة بعربته القصديرية الوسخة، فأُغمِيَ على البنت، ولكي ينصِب عليها عمل «موتة حمار»، أما النخلة فقد جاء أجلُها ولذلك سقطت وحدها، ولكل أجلٍ كتاب، فماذا تستطيعين؟!
* * *
وكأنما لم تكن تنتظر إلا هذه الكلمة، فهمتْ أنني أتحداها بها، هي وشعبها، حتى ولولت وصعقت، وسمعتُ في الغرفة ززززززززززززززز قد حام حولي الذبّان؛ قلت: سيأكلني ويدخل من مناخيري ويختم على أذني، إلى أن أشارت الزعيمة وهي لا تزال منفعلة، فهدؤوا وانتفضت في وجهي صارخة: «ماذا أستطيع، اسأل القرآن أولًا، أليس مذكورًا في كتاب ربِّ العالمين»، وقهقهتْ ملمِّحةً إلى شعبها: «هأ، هأ، يقول ماذا نستطيع؟! لا اشك أنت أمِّي، فقد جاء ذكرُنا في الكتاب العزيز، فأنت أصبحت واحدًا منا، وهاك الآية يا عسّاس: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ﴾ (الحج، 73)؛ وأنتَ لو علمت قصة مواطنتنا مع قاضي البصرة لطالك العجب، وأيّ عجب! ماذا؟ فزعتُ أزيد استغرابًا: «حتى القضاة لك معهم قصة، ماذا؟!».
* * *
قهقهت الزعيمة، ومعها الباقون، بدوري قهقهت. اسمَعني، هذه قصة طويلة عن قاضي البصرة عبدالله بن سوّار، وكان موصوفًا بأنه زِمّيت، شديدُ الوقار، لا يحركه عن جموده شيء، إلى أن حطّ ذبابٌ فوق جفنه، وأنفه، ولم يملك أخيرًا من أن يذبّه عن وجهه بطرف كمّه أمام حشد مستغرب، فاضطر إلى الاعتراف بقوتنا صاغرًا : «أشهد أن الذباب ألحُّ من الخنفساء، وأزهى من الغراب، وأستغفر الله فما أكثر من أعجبته نفسُه، فأراد الله أن يعرّفه من ضعفه ما كان مستورًا، وقد علمت أني عند الناس من أزْمَتِ الناس، فقد غلبني وفضحني أضعفُ خلقه»، وهذه قصة محققةٌ رواها صديقنا أبو عمر الجاحظ من زمن قديم.
* * *
وكان أن حطت فوق أنفي ذبابة، كأنما لتمتحِنني، وهي تنغُل فيه، ولم أجد يدي المرضوضةَ لأحكّ، وبقيتْ تفعل وأنا أتقلّى، حتى نبتَ عَرقٌ على جبيني، فنبهتْها الزعيمة لتترك أرنبةَ أنفي، وأنا أسمعها تُقرّعني على شكّي، هل اقتنعتَ الآن أم أزيدك، ولم تتركني أجيب؛ إذ أسهبتْ في كلام عن الذباب والملوك لم أفهم نصفه، تقول: «جاء في حياة الحيوان الكبرى للدميري «مادة ذباب» أن أبا جعفر المنصور كان جالسًا فألحّ على وجهه ذبابٌ حتى أضجرَه، فاستدعى عالِمًا فجيء له بمقاتل سليمان (ت: 155هـ) فسأله: لماذا خلق الله الذباب؟ فقال ليُذِلَّ به الجبابرة. فسكت المنصور. ويقال: إن الخليفة المأمون سُئل مثل هذا السؤال فجاءه الجواب: مَذلَّةُ الملوك! أما آخِر ما تحتاج إلى معرفته لتيْقَن من أننا قوةٌ ضاربة، وقادرةٌ على القصاص لك ولنا مما لحِقك من إهانة تلك الشقفة وابنتها التافهة المدللة، والبشر عامة، فاعلم وأنت صرتَ من اليوم شقيقنا؛ اعلم أن الباري -عزّ وجلّ- جعلنا أدواتِ تعذيبٍ في النار، فكيف بالدنيا!
* * *
«والآن هيا معنا»، فأحاط بي الجمع الغفير يحملني بعضُه، تتقدمنا الزعيمةُ، وكاد عقلي يطير ونحن نعبُر فِناء الدار، أرى جيراني قد خرجوا كلّهم من غُرفهم، وقفوا متأهّبين يحركون عصِيًّا في الهواء، ولما شاهدوني على حالي هذا صاحوا مرحّبين ومعجَبين: «الحمد لله، أخيرًا أنت مثلنا، ذبّانة، مثلنا، يعيش أبّا المعطي الذبّانة، يعيش شعب الذبّان!» ولم أفهم معنى تحيّتهم إلا عندما وجدتني أخفق بجناحيّ السوداوَين، وقد صرنا نحلّق سِربًا يتلو سربًا، فأسرابًا، يملأ طنينُنا الأجواء، ونحن ننتقل من حيّ إلى حيّ، من مدينة إلى أخرى، حيث في كل سماء ينضمّ إلينا أقوامٌ يشبهوننا، صاروا مثلَنا، حتى اختفى الإنسان. وفي وقت آخر عاد إليّ صوت أمي وأنا مكوّمٌ في عربتي: «أنت في عار الله يا ولدي» وأردّ عليها بشجاعة: «نعم، أنا ولدُك الذبان!»