الشِّعر واستعادة الوجود في شعرية محمد بنطلحة

الشِّعر واستعادة الوجود

في شعرية محمد بنطلحة

«وَكانَ غيرُنا

في ساحلٍ كلّه ذهَبٌ

يجرّ الماءَ مِنْ ذَيْلِهِ»

محمد بنطلحة

ينهضُ المنجزُ الشّعريّ للشاعر المغربيّ محمّد بنطلحة، على محاولَةِ هدمِ منطقةٍ كبرى مِنْ مناطقِ الوجودِ الإنسانيّ وإعادة تَأسِيسهَا، المنطقةُ التي كانت ولا تزال، تُسوّغُ تلك «الأعذارَ اللانهائيّة» للإقامةِ على الأرضِ، والتي يعدُّ العدَمُ صَانِعَها بِلُغة الشّاعِرِ.

إنّ السّعيَ المستمرّ إلى موقِعٍ، سَيفقِد الدالُّ فيه مُترسَّبَهُ الرّمزيَّ التَّاريخِيَّ، لا يتحقّق إلّا بالمرورِ عبر جِسْرٍ تمّت رقمنتُهُ سالِفًا، بِصِيَغٍ لم نشارك فيها. هذه القراءَةُ هِيَ ما يُعْطِي للكتابةِ مهمّةَ التَّجاوُزِ، إلَّا أنّه تجاوُزٌ يحتَمِلُ في سياقِ قراءَةِ مُنجَزِ بنطلحة، دلالة العودة الموسومةِ بِالاستحالَةِ. استحالةٌ تَتأتّى مِنَ الإعاقَةِ التي يقومُ عليْهَا الإرثُ الرّمزيُّ، أحيانًا، وقد ينهضُ عملُ الشّعْرِ عَلى ترسيخِهَا في شَكْلِ «لازِماتٍ حُبْلَى» تدعو الكِتابَةَ باستمرارٍ إلى الحَفْرِ بَحْثًا عن جِنْسِهَا، في عملٍ مُضاعَفٍ، ومبدَّدٍ بينَ اللازِمةِ وَمحمولِهَا.

الشعر تفكيك وبناء

مِنْ هذا المنطلقِ بالضَّبْطِ، يُمْكِنُ فهمُ الشِّعْرِ، بِوصفِهِ تفكيكًا يتغيَّا البناءَ بِصِيغٍ يجهلُ الشاعرُ نهايتها؛ لأنّهُ يجهلُ بِدايَتَهَا. صيغٌ تتركّزُ في مدلولِ الأفعى الشهيرةِ لِـ«ستيفان مالارمي»، الأفعى التي لا تتنقّلُ إلا عبر محايثَةٍ وَتوازٍ، لا يعنيانِ التقدّم وَلا التراجُعَ، كمَا أن لا أمامَ وَلا ورَاءَ لها، وحدها تعرِفُ عَنْ قُربٍ جسدَهَا الذي لا يبدأُ وَلا ينتهي. الأفعى/النصُّ؛ الإلماعة التي أشار الشاعِرُ نفسُهُ إليها، في إحدَى مداخلاتهِ، هِيَ الصّيغَةُ الأساسيّةُ التي ميّزتْ كُلَّ خلقٍ شعريٍّ استطاعَ استيعابَ الأشكالِ والأساطِيرِ المؤَسِّسَةِ لكلِّ شعريّةٍ تبحثُ عن صفائهَا عبر تاريخٍ مِنَ الإبدالَاتِ: «لَا بأْسَ/ الينبُوعُ مُستَقْبَلُ الماءِ/ والمصَبُّ ماضِيهِ».

هكَذَا إذن، يتحدّدُ استيعابُ الزمن كمعطًى بانٍ للكِتابَةِ؛ الينبُوعُ هدَفٌ لَا مُنْطَلَقٌ، وهُوَ وعدٌ يلتقي فيه الخطابُ الشّعريُّ بِخِطاباتٍ معرفيّةٍ أُخْرَى أبرزُها: السوسيولوجيا، السيكولوجيا، الأنثروبولوجيا.

تُشكّلُ النصوص الأولى، نصوص ما قبلَ الإصدار الشعريّ «بعكسِ الماءِ»، (فضاءات مستقبليّة، الدار البيضاء2000م)، صرحًا أساسيًّا في تلقّي شعريّة بنطلحة؛ ذلكَ أنّها ساءلت ذاكرةَ الشعر العربيّ القديمِ، عبر ممارسةٍ تحتفظ لنفسِها بمسافةٍ ضروريّةٍ مِن داخِلِ الذاكرةِ نفسِها، وهو الأمرُ الذي يسمحُ للقارئِ باعتبار ممارسةِ الشاعِرِ ذاتِها، نصًّا موازِيًا لِلكِتابةِ. يحمِلُ نصُّ «رؤوسُ أقلامٍ»، الذي صُدِّرت به المجموعة الشعريّة «سدوم»، (الصادِرة سنة 1992م، عن دارِ توبقال للنشر)، سُؤالَيِ الّلغةِ والإيقاعِ، وَهُوَ إِذْ يُقيمُ فيهما، يَفترِضُ زَمنًا شِعريًّا، ليسَ هُو زمنُ الصّنعِ، بل زمن تلك المغامرةِ الممكنةِ، وحصيلةَ اللقاءِ بينَ الإشارةِ والنّيّةِ كما يُلمِحُ الناقدُ الفرنسيُّ رولان بارت، في غمارِ بحثِهِ عن درجةٍ صِفْرٍ للكتابَةِ «الدرجة الصفرِ للكتابةِ»، (ترجمة: محمد برادة، الشركة المغربيّة للناشرين المتّحدين، 1981م). يردُ في نصِّ «رؤوسُ أقلامٍ»: «ألم يرَ الجمهورُ أنَّ طبيعةَ الديكور/ تستدعي اختِصارَ العرْضِ في نُؤْيٍ ومدخنَةٍ».

ما تبقّى يُؤَسّسه الشعراءُ إذَن، وإلماعةُ الشاعرِ الألمانيّ هولدرلين تلك، تؤسِّسُ لعملِ الشعرِ الذي يقومُ على اللاتضييعِ، وهوَ ما يجعلُ عملَ الشاعِرِ مُزدوجًا، ازدواجًا يجمعُ بينَ الإحاطةِ والاقتصادِ؛ اختصارُ العرْضِ بِلُغةِ بنطلحة، لا يرفَعُ عنِ الكتابةِ مسؤوليّة الخرقِ والاختراقِ، وإلّا استسلمت لأشكالٍ نهائيّةٍ: «باحتمالِ حدوثِ إعصارٍ بلاغِيٍّ/ أمُدُّ لهُ لِسانِي مرّتيْنِ،/ فيحتمِي بِقواعِدِ الملهاةِ والشِّعرِ القديمِ».

يُمْكِنُ للذّاتِ أن تبني مركزيّة إذَنْ، إلّا أنّ تبديدهَا بِإحلالِها مواقعَ متجدّدةً، عبْرَ تاريخانِيّةٍ خاصَّةٍ بِها، يبرُزُ كضرورةٍ لحيويّتها واستمرارِهَا، فِي ذلكَ تلتقي شعريّةُ بنطلحة، شعريّاتٍ إنسانيّةً كُبْرَى، لم تخضعْ لِزَمنها تمامًا، ولا لمحلّيّتها تمامًا؛ إذْ إنَّ النّسقَ الأيديولوجيَّ يعنِي نِهايَةَ المعنى، وهوَ ما تنبَّهت إليه شِعرِيَّةُ بنطلحة مُنْذُ وقْتٍ مُبكِّرٍ، فسعَتْ إلى مُقاومتِهِ منذُ المجموعة الشعريّة «غيمةٌ أو حجرٌ»، (منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتّاب العرب، بغداد 1990م). إنّ هذا التّنبّه المبكّر، الذي يحضُرُ عبر دلالةِ التجاوُزِ، التي كانَ يُنادِي بها الشاعر الألماني ماريَا راينه ريلكه، هُوَ ما سَوَّغَ للكِتابَةِ موقِعًا عبرَ تاريخِيٍّ، أساسُهُ الاشتغالُ بِالوجودِ والمعْرِفةِ كسُؤالَيْنِ شِعْرِييْنِ.

أَكْثَرَ مِنَ الكائنِ وأكثَر مِن الذّاتِ، لا وَحْدَةَ إلَّا بِالآخَرِ، يقُولُ موريس بلانشو، إلّا أنّه يُعَقِّبُ: نعملُ قدرَ المستطاعِ على إثباتِ وإتمامِ العالمِ بكونِهِ وحدةَ كُلِّ شيءٍ، وَسوفَ نُكرِّرُ دائِمًا، «أسئلة الكتابةِ»، (ترجمة: عبدالسلام بنعبدالعالي ونعيمة بنعبدالعالي، دار توبقال، 2004م). المجموعتانِ الشعريّتانِ «قليلا أكثر» و«أَخسِرُ السماء وأربحُ الأرضَ»، (الصادرتين على التوالي سنتي 2007م، و2014م، عن دار الثقافة/ الدار البيضاء، وعن مؤسّسة نادي الكتاب بالمغرب/ فاس) ترتفعان بمتلقّيهِما، إلى مستوييْنِ أساسِييْنِ للقراءَةِ: أحدهما عمودِيٌّ، والآخَرُ أُفُقِيٌّ، يحتلُّ ضمنهما سُؤالا الوجودِ والمعرفةِ مِنْ جِهةِ، والكِتابة من جِهةٍ أُخرى، مَوْقِعَيِ القراءةِ والتّفكيك، حيثُ احتفظَتَا بوضوحٍ، بِذلكَ الازدِواجِ البانِي لكلِّ شِعرِيَّةٍ عبر تاريخِيّةٍ، لمْ يُعفِها الارتِهانُ للمُستقْبَلِ، مِنَ الانشِغالِ بِسُؤالِ شِعرِيَّتِها المحَلِّيِّ. في ضوْءِ ذلِكَ، يُمْكِنُ أن نَقْرأَ محمد بنطلحَة، ضِمْنَ كوكبَةٍ مِنَ الشعراءِ العربِ المعاصِرِينَ، راهَنَتْ عَلَى قصيدَةِ النّثرِ، بِما تُضْمرهُ من وعدٍ شِعْرِيٍّ وَمستقبليٍّ مِثْلَ: أدونيس، سركون بولص، وديع سعادة، قاسم حدّاد…

لعلَّ سُؤالَ الترجمةِ الذي يرتكِنُ إلى منطقةٍ وُسطَى بينَ الثَّقافاتِ، هاجِسٌ كبيرٌ في شعريّةِ محمّد بنطلحةَ، ويَتبدَّى للقارئِ بالخصوصِ، في آخِرِ عَملَيْنِ أشرنا إليهِما سابِقًا. إنّ هاجِسَ نقلِ المعنى، المشوبِ سلفًا بخيبةٍ لاستحالتِهِ، التي قد تشيرُ بالتأكيدِ، إلى استحالةِ الشعْرِ بينَ لُغَتَيْنِ، هوَ ما يدفعُ بكتابةِ بنطلحة، إلى إدماجِ لغاتٍ عدّةِ ضِمْنَهَا، الإدماجُ الذي قد يذهبُ إلى أقاصِي أسطورِيَّةٍ عتيقةٍ (إلدورادو)؛ ليُنْزِلَها إِلى دركِ الأساطيرِ اليوميّةِ، فيما قدْ يرتَفِعُ بِلُغَةِ الاستهلاكِ اليومِيِّ، آخِذًا إيّاها صوبَ مِنطقةٍ واعِدَةٍ بالمعنَى. نقرأ في نصِّ «فوتوشوب»:

«مِنَ النَّافِذَةِ: هَذِهِ مُجَرَّدُ أسماءٍ/ وَحينَ أقلِبُ جفْنِي:/ …/ هكَذَا طِبْقَ الأَصْلِ».

أَو هكذَا، تُسْتعادُ لَعنةُ بابِلَ مِنْ داخِلِ كُلِّ جُرْحٍ لا يعْثُرُ عَلَى الضِّمادِ في لُغَتِهِ الأصْلِ، فالأصلُ صامِتٌ، وَتنهضُ أيُّ محاولةٍ للوصولِ إِلَيْهِ، علَى هاجِسِ الاحتفاظِ بنسَقِهِ الرمزِيِّ، الذي يُشِيرُ إلى هَوَسٍ مُعَلَّقٍ بِنظافةِ القاتِلِ/الشاعِر. يَرِدُ فِي نَصِّ «بِقُوِّةِ الأشياءِ»: «بابِلُ/ حِينَ/ …/ لَمْ نَعْبَأْ، لَا أَنا وَلَا أَنْتِ بِأيِّ رُوزْنَامَةٍ».

إنَّ القتْلَ كَفعلٍ رمزِيٍّ ضرورِيٌّ، وهوَ يَدْخُلُ إلى نَصِّ بنطلحة تحتَ مَدلول النِّسيانِ الفعَّالِ، بِمَا هُوَ حمايةٌ لِلنَّصِّ مِنَ التّكرارِ الذي يسكُنُ ذاكِرَةَ الشعْرِ بِقُوَّةٍ، مِنْ هُنَا، تكمُنُ قيمةُ النّصِّ الجديدِ، في إسنادِهِ العمَلَ إلى الأشياءِ عارِيَةً، والعملِ علَى تعرِيتِهَا باستمرارٍ، فِي غمَرةِ السَّرْدِ الذي يتردَّدُ بِصِيَغٍ لا نِهائيَّةٍ، تجعلُ الكِتابَةَ مُخْتَبَرًا مَسعاهُ تعرِيةُ الحُدودِ بينَ المقولاتِ الأجناسِيَّةِ المغلَقَةِ، مَسْعًى لَا يعنِي الاستخفافَ بالنظريّةِ بِقدْرِ ما يعنِي، إِنصاتًا للأشْياءِ مِنْ داخِلِ اختلافٍ لَا يرْتَهِنُ إلى الجاهِزِ والناجِزِ. يرِدُ فِي نِهايَةِ نصِّ «في غمرةِ السَّرْدِ» الآتِي:

«أفِي غمرَةِ السَّرْدِ/ أمْ في خُطَى الماءِ/ يا أيُّها الماءُ. كُنْ. وَأَرِحْنِي».

إِضاءَةُ الأصْلِ، ميثولوجِيا، يبقَى الماءُ محتفِظا بِرَمزِيَّتِه داخِلَهَا. الماءُ إذَنْ، عُنصرٌ أساسٌ في بناءِ شِعريّةِ بنطلحَةَ، في امتدادِها الزمنيّ، واعتبارًا أيضًا، بالتجاوُزِ الذي حقّقَتْهُ فِي علاقَتِهَا بِماضيهَا النصِّيِّ. الماءُ في كتابةِ سفرِ التكوينِ وفي الإشارةِ القُرآنِيةِ الأساسِيّةِ، فاصِلَةٌ تحبَلُ بِوعودِها فِي شعريّةٍ تحتفظُ لِلغِيابِ بِوَهَجِهِ الدائمِ إذْ لا تَخوُنُ الحُضُورَ؛ «أَخسِرُ السَّماءَ وَأربَحُ الأرْضَ»، بِهَذا المعنى، الذي يَرِدُ في زَمَنِ المضارِعِ، يَتواصَلُ أَلمُ الكِتابَةِ، بِوَصْفِها بَيْنِيَّةً، وجْهُهَا تُجاهَ العَدَمِ، ومنه مُنْطَلَقُها.