تحليل الماء بين العصرين الجاهلي والأندلسي ظاهراتيًّا

تحليل الماء بين العصرين الجاهلي والأندلسي ظاهراتيًّا

تعرض هذه السطور كتاب الأكاديمية السعودية رانية محمد شريف العرضاوي «خطوات فوق الماء: دراسة ظاهراتية لصورة الماء في الشعر العربي»، الصادر عن دار أدب السعودية ه. والكتاب في أصله الأول رسالتها للدكتوراه مكتوبة باللغة الإنجليزية وقد نوقشت في جامعة (دُرهام) درم، المملكة المتحدة. ترجمتها صاحبة الأطروحة مع التخفف من صرامة البحث الأكاديمي، لتقدّم عينة بسيطة من ثمار حركة الابتعاث في المملكة العربية السعودية خلال بداية القرن الحادي والعشرين.

تتأرجح العينة بين الشعر الأندلسي والجاهلي ويتوزع الجهد على جبهات عدة تتنازعها مقولات الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار في تعامله مع تمظهرات الصورة الشعرية للعناصر التكوينية (الماء والتراب والنار والهواء)، وليختبر المقولات للعصرين المتناقضين من جهة طبيعة الماء ووجوده. وقدمت الدراسة نموذجًا لتغير الوعي عبر تحليل تصوره للماء في الخيال الشعري. وانشغل الجاهلي بلغز الظواهر الكونية فيما ركز الأندلسي على استمتاع الإنسان الأندلسي بالماء بعد إيمانه بالغيب.

قراءة ظاهراتية للصورة الشعرية

جرّبت الأصوات النقدية الحديثة إجراء مختلف المناهج الجديدة على الشعر، وبحثوا عن صلة بين هذه المناهج والمقولات النقدية العربية القديمة، واستنزف الكتابُ جهدًا كبيرًا لتأصيل ربط فهم الصورة وتحليل مسارها وتكوينها بالفلسفة منذ مهادها الأول تارة، أو الفارابي وابن سينا تارة أخرى. صار الأمر نسقًا فكريًّا نُهرع به إلى تراثنا، نلوذ به ونحتمي. لقد خططت لتأكيد انطلاق مقاربتها لصورة الماء من الفلسفة الظاهراتية، وعلى أساس مقولات باشلار، ونراها تثمن جهود السكاكي بوصفها جهودًا منطقية المنزع وليس لوقوعها على فنيات في صلب الوعي بالصورة. وتطبق الدكتورة رانية العرضاوي مقولات الفلسفة الظاهراتية على ثيمة الماء في الشعر العربي على خلفية حضوره الطاغي في ثقافتنا وترى الماء في كل شيء حتى تذهب إلى أن مقولة «الأطلال» وجه للماء المفقود.

وتعود الظاهراتية إلى كلمة ظاهرة، وتسعى إلى الكشف والظهور، وتحلل ظاهرة معينة لأجل فهم العالم الأوسع من حولها، فيكون فهم الظاهرة سبيلًا لفهم العالم الأوسع؛ فتركز على الظواهر وصولًا إلى تحليل وصفي للعالم الموضوعي. وصف الظواهر كما تظهر للوعي مستقلة عن وجود كل ما عداه، والوصول للحقيقة بقدرة العقل على الحدس والإدراك.

وتسعى الفلسفة الظاهراتية إلى تقديم تحليل وصفي للعالم الموضوعي، بمعنى تقديم تحليل وصفي للعالم الموضوعي كما يبدو، وتخطط للتركيز على الشيء في نفسه عوض الأفكار المتكونة عنه في الوعي، فنتحرر من التصورات الجاهزة مسبقًا، وندرك العالم إدراكًا إضافيًّا متحررًا مما نتلقاه وراثة عن وجهة نظر سابقة، ونُصَفّي افتراضاتنا، ونطرح نظرتنا الخاصة وفقًا لتجاربنا، وننطلق نحو العمل بخبراتنا السابقة وانعكاساته على أنفسنا. وتأتي الأزمة إذا كانت الخبرة ذاتية ومباشرة فتشوبها السطحية، ولا يتمكن الناقد من موضعة الخبرة بشكل عميق.

وتستعرض المؤلفة باقتدار أهم مفاهيم الفلسفة الظاهراتية لدى أهم أصواتها وهم هوسرل وهايدغر وسارتر وباشلار، وتشرح تطور الظاهراتية منذ كانت -لدى هايدغر- طريقة تسعى لتفسير واستكشاف ظاهرة معينة من أجل فهم العالم الأوسع من حولها، مرورًا برؤية هابرماس للحوار مع النص والتفاهم معه من دون إملاءات سابقة، وطرح هايدغر أن أصل الحقيقة ليس الافتراض، ولكنه الكشف عن الأشياء نفسها.

وقد اهتم هايدغر وهوسرل بالتنقيب عن معنى العمل الفني واقترب باشلار أكثر من مفاهيم الصورة والخيال؛ فصرفه اهتمامه بفلسفة العلوم صوب الخيال، والخيال عنده شكل أساسي من أشكال الوعي، وتجاوز النظر إلى الصور بوصفها مجموعة أكاذيب، وعدّ ذلك نظرة سلبية، فقاده فهمه الظاهراتي لمشاطرة الصورة وعي كل قارئ إلى أن تتردد في جوانحه.

الصورة عند باشلار: بين الروح والعقل والخيال

يعتمد فهم باشلار للصورة على المزاوجة بين الروح والعقل، وتأتي الاستعارة لديه في مرتبة أقل؛ إذ تعتمد على العقل أكثر من الخيال. وتحمس باشلار للصورة دون الاستعارة لتخلصها من الذاتية وقت قراءتها، وقدرتها على إبراز الجمال بصورة أكبر وهو ما يلتقي فيه مع النقاد العرب، فيبتعد فيها المعنى ويغمض ويرتبط بالبديع، مع ابتعادٍ من العفوية، فالتقى مع أغلب نقادنا في ظل فهمه الذي يرتبط فيه الإبداع بالخيال.

البحث في مصدر الصورة الشعرية لا يقل أثره عن علاقة الصورة بالمجاز والرمز والاستعارة والأسطورة، وغيرها من مقولات تتصل باللغة وانحرافها عن المستوى العادي، فضلًا عن بحث علاقة الصورة بالذات وارتباط ذلك بالبعد النفسي والعلاقة الجدلية بين الحلم والصورة. وبدا واضحًا -في استعراضها لدراسات الصورة مسبقًا- تثمين دراسة جابر عصفور ودراسات مصطفى ناصف، والأخير لاقترابه من الفهم الظاهراتي، والأول لربطه قيم الحداثة بجلال فهم التراث والوعي به. ويطرح البحث تطويرًا لدراستين سابقتين أشارت لهما الدكتورة رانية العرضاوي باحتفاء كبير، وهما دراسة عماد فهمي شعيبي ودراسة غادة الإمام مع تثمين الأخيرة لمحاولتها تقريب باشلار من الثقافة العربية.

ويتجاوز الكتاب أطروحات من سبقوها حين تؤكد أن الخيال المنتج للصورة عند باشلار نتاج لوعي قاصد لموضوع ما، فهنالك قوة نشطة هي إرادة المبدع، محللًا الصورة في ولادتها في الوعي بوصفها منتجًا من العقل والروح ووجود الإنسان نفسه. فالصورة قادمة من عالم الروح، والصورة ليست مجرد تصوير للواقع، ولكنها تأخذ بيد الإنسان ليعود طفلًا صغيرًا.

ولا تقتصر الصورة لدى باشلار على اللغة فيراها وسيلة أو مجرد وسيط. إنها أعلى درجات لغة الأدب قوة، وانفجار لغوي أو نوع من اللغة العليا؛ فاللغة عنده وسيلة لفهم الصورة، فهي ليست مجرد وسيط.

الصورة المائية بين البيئة والتاريخ الشعري

يركز الكتاب في تحليله على تمظهرات الماء ونذره ومبشراته، فيراوح بين المطر والينابيع والسحب والسيول. فالمطر قاتل للعدو وواهب الحياة للجميع، ويصاحبه الصواعق والبروق والرعد. ومقدمات الأمطار، وكثير من المفردات التي تنتمي للمطر، شكلت جزءًا كبيرًا من المعجم الشعري الجاهلي الذي كان فيه الماء حلمًا كبيرًا، وباعثًا على الحياة ومقدمة لها ومرتبطة بوجود الحياة ذاتها، ويظل الاستمتاع به مرتبطًا بانتظاره أكثر من تحققه على العكس من الاعتياد عليه في المعجم الأندلسي.

واختارت العصرين المتباعدين المتباينين، مع المقارنة في كل مرة بين شاهدين يختار لهما كلمة محورية، تبدو مركز الثقل في الوعي النقدي لديها؛ لتراهن على الدور الذي تلعبه الظروف المحيطة بإنتاج الصورة في مدارها وتكوينها ودلالتها من ذهن واعٍ لآخر. يظهر الكتاب وعيًا بالاختلاف بين طبيعة النصين الجاهلي والأندلسي، ويعول كثيرًا على دور البيئة -بالمفهوم الشامل- في تكوين الصورة وطبيعتها. ويشيع في الكتاب عدد كبير من التقسيمات الداخلية في نزعة تنظيمية صارمة، ربما أفادت الفكرة على المستوى الأكاديمي، ولكنها أفقدت التحليل كثيرًا من جوانب فنية تدعم الشعر.

وهذه التقسيمات المتواترة وثقت صلة الكتاب بالبلاغة في نسخة الفهم السكاكي أكثر من روح التناول الشعري. أفرط الكتاب في درء الذاتية وظن تحقيق الموضوعية صنوًا للتحليل الذي يريد «البرهان» على الفكرة الظاهراتية عوض توظيف الظاهراتية لخدمة النص الشعري.

ولا تُقيمُ الدكتورة رانية تصوراتها النظرية في الفراغ، ولكنها أكدت مقولاتها النظرية عبر فصل تطبيقي كامل، استعرضت فيه عددًا ضخمًا من الأمثلة والشواهد من الشعر الجاهلي، مع نزعة ترى اقتراب صفات الماء من صفات البشرية، فترصد التماهي بينه وبين الإنسان في صفاته المتقلبة، وشحنه بالعنف تارة والرقة أخرى، وقدرته على بث الحياة أحيانًا وإشاعة الدمار أخرى. ويظهر جليًّا احتفاء الجاهلي بالماء في مستوى المجاز، وحضوره في الشعر الأندلسي من مفهوم الصراع مع الماء العنيف.

راعى الكتابُ الخصوصيةَ العربية فلم ينقل آراء باشلار حرفيًّا، فاستضاء بها دون تبعية، وعلى الرغم من وضوح استيعابه لها، فانتقى ما يلائم نصوصه المختارة؛ فسياق إنتاج النصوص أكبر من حرفية منطوقها.

ياسين عدنان وأدب الرحلات في مدائنه المعلقة: الإجهاد من الإقامة والولع بالسفر

ياسين عدنان وأدب الرحلات في مدائنه المعلقة:

الإجهاد من الإقامة والولع بالسفر

يخفت حضور أدب الرحلات -إبداعًا ونقدًا- في عصرنا الحديث على الرغم من أصالته في تراثنا العربي، وامتداد تجربته عبر عصور عدة. وقد يركز بعضهم على الجانب السردي في كتابته بينما تتحيز القلة للجانب الشعري فيه. لدينا رهان مبدئي على كون الأبعاد الشعرية في الرحلة لا تقل عن السردي فيها. اعتمدها الشاعر الجاهلي مثيرًا شعريًّا، وجزءًا أصيلًا من بناء القصيدة لديه، وصارت «غرضًا» مستقلًّا -كما في عينية يحيى الغزال- في بعض الأحيان. وفضلًا عن ذلك فهي سردية بالقوة تتحدث عن المكان وتنشغل بالزمان، وقد يحتل الإنسان فيها -إذا ازداد وعي الكاتب- صدارة الاهتمام، ويدعم كل ذلك -وغيره- قواها السردية، كما يرشحها انفتاحُها لقابلية التقاطع مع أنواع أخرى صغرى وكبرى، وتعد مدخلًا مناسبًا للجمع بين التوثيقي والتخييلي في إطار واحد، تمامًا كما أنها -كما كانت في ألف ليلة وليلة- تُعَدّ مؤسسًا لمظانّ إدهاش النص وغرائبيته.

بين الشعر والقص

الرحلة شعرية بالقوة، أما تحول ذلك فعليًّا فعمل يقدر عليه من جمع بين الشعر والقص. وهكذا كان رهان ياسين عدنان في إصداره الأخير «مدائن معلقة: تدوينات العابر»، الصادر مؤخرًا ضمن «سلسلة الإبداع العربي» عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، مؤكدًا خبراته السرديةَ المسبقة مع مطلع التدوينات، فيشير إلى توقيع مختاراته القصصية «فرح البنات بالمطر الخفيف»، راصدًا مفارقة توقيعها في اليوم العالمي للشعر، فيمهد لاحتشاد قدراته السردية، ويربط بين الشعر والقصة؛ ربما لأنّ في الأول اتكاءً على المجاز، وفي الثاني استثمارًا للتكثيف والاستثناء.

ولأن الرحلات كثيرة، وما تثيره كل رحلة من شجون كان أكبر، ولأنه كان مشغولًا بما يشبه القراءة الثقافية لكل بلد أو مطار يزوره، فإنه -ربما بسبب ذلك- لا ينسى قدراته السردية، ويمارس لعبة الضمائر والإحالة بسهولة كما في قوله: «بعد قليل، ستعود بيلين من السوق وسأسألها عن معنى ذلك». كما يوظف بمهارةٍ استرجاعَ ذكرى زيارته الأولى للجزائر، وركوب الطائرة لأول مرة، في فلاش باك يحمل ذكريات مبهجة. كما أنه أحيانًا يستَبِقُ بعضَ الحوادث التي تكمن في كل رحلة، حد توقعها بما يشبه الحادث الطبيعي.

يكتب الإعلامي والشاعر ياسين عدنان هذه المرة نثرًا، بعد أن كتب تدويناته الأولى شعرًا خرج في القصيدة الديوان. لا يؤوده تدوين الرحلة نثرًا، ربما لأن الرحلة معرفة، والسفر معاناة وجهاد، وفي سبيل تلك المعرفة تفتقد اليوميات «مركزية» التصور المطروح، وتناوش اتحاد السفر بمدلولاته. وقد يكون بلد ما سبيلًا لفهم آخر، وموقف عابر طريقًا لتأويل حياة بأكملها، فيكون معنى الترحال/ العبور ليس مجازيًّا بالكلية، وإنما يتشكل وفقًا لمجموع دواله التي قد يغلب عليها توظيف الرحلة لإغناء التأمل، فكانت سبيلًا لإتاحة كثير من فضائل الرصد والمقارنة، فضلًا عن اعتمادها على التلاقح والبحث في الجديد، مع اعتنائها بقدر من دقة الملاحظة، وبراعة التحليل، وهي أمور تلتقي فيها فضائل الشعر اللمح الذي تكفي إشارته مع أدب الرحلات.

هذا الهم بالمعرفة يوازيه عزوف الراوي/ المؤلف عن التعامل -خلال الرحلة- بسلوك السائح الممثل للمجتمع الاستهلاكي؛ فابتعدت صدارة تدوينات الرحلة من الأماكن المبهرة، وسجل ما أزعجه من محاولات الاستغلال، واعتمد -مثلًا- استعارة «السردِين» -وهو السمك الأقل ثمنًا، والأكثر إمتاعًا لديه- دليلًا على قراءة بعض الأماكن، والركون إليها. إن مبدعنا لا يقدم نفسه بوصفه رحالة يمارس الاستعلاء على مشاهداته، ولكنه صحافي وشاعر يقدم التساؤل على سواه، يستمع أكثر مما يتحدث، ويراجع أفكاره أكثر مما يمجدها. وعليه، تنزع اليوميات صوب الاستخفاف بالغرائبي والعجائبي من مشاهدات. ثمة تصميم على مناهضة صورة السندباد المغامر الخارج عن المألوف. هل يقترب الأمر في ذلك مع توجهه الأثير نحو قصيدة النثر التي بدأت في رحاب اليومي والعادي والمهمل؟

تجربة مختلفة لأدب الرحلة

إنه لا يخاصم الغريب فحسب، ولكنه -أحيانًا- يُقلّبُ الواقعَ، ويُسائله ويحاول التفاهم معه ومراجعته إلى حد استجواب التاريخ ومساءلته، فيترك الآثار تُملي تاريخها الخاص، عوض المطالعات المحفوظة والتعليقات المرتبطة بالمبذول والمتواتر، تمامًا كما يؤرخ لحياته هو من خلال حضوره الأدبي ومشاركاته الثقافية، بينما يخفت فعل الإعلام ويتوارى، وكأن تحققه الذاتي يتكون من الأدب، منه يبدأ وإليه ينتهي. ومن ثم تفهم تقديم الأدبي والتاريخي في رحلاته، وإن تراجعت مكانته الظاهرة وتقدم سواه، كما هي الحال في كتابته البديعة عن تواري ابن بطوطة، وتسمية المنطقة بعلم أقل أهمية وشهرة.

ولعله يريد إبعاد صورة رحلات تعتمد إبهار المُتَلَقِّينَ بما وراء الخيال، والانتقال في الزمان والمكان، فدحضت -في سبيل ذلك- إنسانية الرحلة وخصوصيتها، وازدرت حق صاحبها الأصيل في كونه يكتب للتعبير الخاص، وليس للخيال المحض، في سبيل إرضاء الشريك القارئ، وما يتوقعه من أدب الرحلات من خوارق أقلها إخراج الأرنب من غلاف المغامرة المكتوبة، ولكن تدوينات العابر تختلف؛ إذ تُخلّص مفهوم الرحلة من المغامرة والخيال لتخلص للبحث والمراجعة وإعادة النظر.

يوميات العابر المقيم

هي تدوينات عابر يظل مجذوبًا إلى المغرب دومًا. إنها دائمًا في المنتصف بينه وبين الأماكن، وبينه وبين الناس. المغرب مركز الدائرة ومنها البدء والمنتهى، ومن ثم تشغل مدنها نسبة لا بأس بها من مجموع الكتاب. وفي المغرب لا تعنيه ضخامة الأحداث ولا يبدو مهتمًّا بتبرير أسباب رحلاته الداخلية؛ إذ الوطن سبب كافٍ في حد ذاته. وكان من الطبيعي أن يجرفه حنينه إلى مراكش لبعض الحماسة؛ كجزمه بأنها عاصمة الفن السابع في العالم العربي بلا منازع حسب قوله، ولكنه يتصالح مع دهشته حين يرى العراق في المغرب، والمغرب في العراق والجنيد في بغداد. يكتب عن الوطن/ المغرب كأنه عابر وهو المقيم؛ ذلك أن الترحال لديه حالة أكثر من كونها انتقالًا، وبشر أكثر من اعتبارها مكانًا وذكريات، ومن ثم قد تختلف اليوميات المكتوبة عن المدينة ذاتها، إذا تكرر العبور واختلف الزمان أو السياق، حتى كأنها مدينة جديدة. يبدو السياق أكبر من أي شيء، وساعتها تراجع نفسك إذا كنت من المؤمنين بحتمية الجدلية بين الزمان والمكان.

ولأن الرحلة نوع من البحث عن الفهم المتبادل، كما تعكس رغبة في إنشاء عالم واحد، فإن المقارنة مع الغرب تفرض نفسها. وقد تورط كثيرون ممن سبق إلى كتابة أدب الرحلات في الإغارة على الغرب دومًا، أو تمجيده مطلقًا. وعند ياسين فعلاقة الشرق والغرب ليس صراع حضارات متباينة، وإنما تكامل شعراء مختلفي المشارب والتوجهات في الظاهر، تتنافر طرقهم في البداية لكن -حتمًا- تتقاطع، فيسيران نحو نقطة مفترضة واحدة، يبدو الأمر في تكامل لوركا مع ابن زمرك وجدانيًّا. وكما يلمز العولمة وطاغوتها الجبار من طرف واضح، وبعض مفردات النظام العالمي الذي لم يعد جديدًا حسب تعبيره؛ فإنه يحمل بعنف أشد على تبعية غير مبررة، ولكنها حاضرة بشدة.