«أغنية التمر والتين» لعبدالله الحواس سقوط الذات في مرآتها الخاصة

«أغنية التمر والتين» لعبدالله الحواس

سقوط الذات في مرآتها الخاصة

تُشكل رواية «أغنية التمر والتين»، للكاتب السعودي عبدالله الحواس، إضافة إلى المشهد الروائي الراهن؛ إذ تتجاوز الحكاية حدود الحدوث الواقعي إلى تأملٍ في بنية الوعي الإنساني ذاته. تبدأ الرواية من رحم الأم، من مكانٍ تتشكّل فيه الذات قبل أن تُسمّى، وقبل أن تمتلك اللغة بما يسمح بإعادة النظر في العلاقة بين الكينونة والمعرفة، بين الكلمة والصمت، بين الإدراك والحضور.

يبدو محيميد، بطل الرواية، كائنًا مولودًا خارج اللغة، يعيش داخل العالم وهو يسمع ويرى من دون أن يتكلم. لا يُقدَّم صمته بوصفه عجزًا، إنما وعي أنقى، على نحو ما وصفه موريس ميرلو بونتي حين عدّ الحسّ أصل الوعي، لا امتداده.

على الرغم من وحدانية الراوي، تبدو الرواية متعدّدة الأصوات في عمقها البنيوي. ففي وعي محيميد تتجاور عدد من الأصوات: صوت الطفولة الأولى، المندهش أمام العالم، وصوت المجتمع الذي يتكلم عبره أو ضده، وصوت مرزوق الذي يتحول إلى صورةٍ داخلية للحلم والخذلان معًا، وصوت الموت الذي يطل من نهايات النص كصدى للبدء الأول.

عبدالله الحواس

منذ الطفولة، يعيش البطل محيميد في عالم تُعاد فيه صياغة العلاقات باللمس والنظر، لا بالكلمات. تضعه هذه الحسّية في تماسّ مباشر مع الوجود، لكنها في الوقت ذاته تنفيه عن الجماعة التي لا تعترف إلا بما يُنطق. هكذا تتشكل المفارقة الأولى في الرواية؛ فالصمت الذي يهب محيميدًا نوعًا من البصيرة يتحوّل مع الزمن إلى عبءٍ اجتماعي؛ إذ يُدرك أن العالم لا يحتمل من لا يتكلم لغته.

«لم أعد أفهم موازين البشر ولا أحكامهم. إنهم يعيدون تعريف الفضائل متى ناسبهم ذلك. ويقلبون الخزي شرفًا». تقدم هذه العبارة صوتًا داخليًّا يتلمس عطب العالم. إنّها لحظة انكشاف أمام انهيار المنظومات القيمية، وهي أيضًا شهادة على تعدد الأصوات داخل الرواية. فالصوت هنا ليس تعليقًا خارجيًّا، بل بوحًا ذاتيًّا ينتمي إلى الشخصية، ويعبّر عن رؤيتها المستقلة.

بهذه الطريقة، تتحول الرواية إلى مختبر أيديولوجي تتعايش فيه منظومات قيم متباينة: وعي الصامت، ووعي الجماعة، ووعي الراوي المتأمل في الخلفية. وفق تحليل أوسبنسكي، يتحقق تعدد الأصوات حين تتجاور هذه المنظورات من دون أن تُخضعها الرواية لسلطة قيمية واحدة. وهنا تتجلى مهارة الحواس في أن الراوي لا يملي أحكامه، بل يسمح للأصوات بالتفاعل، فيغدو النص مجالًا لحوارٍ داخلي بين أنساق الوعي.

مرزوق مرآة الحلم

يحتل مرزوق -الذي كان عبدًا مكلفًا برعاية محيميد، قبل قرار تحرير العبيد- موقعًا محوريًّا بوصفه المرآة المقابلة للذات الباحثة عن الانعتاق. حين يتكلم محيميد عنه، يذوب في تفاصيل حكايته، كأنه يرى نفسه من خلالها كما لو أنه حلم محيميد عن الذات الممكنة؛ تلك الذات التي تنعتق وتغادر حدود القرية وتكسر القيود، لكنها لا تنجو من المصير المأساوي حين يسقط ضحية حادث الطائرة.

إن سقوط مرزوق في وعي محيميد يعني انهيار صورة الحرية التي كان يراها ممكنة التحقق. يتحول موته إلى حدث إدراكي موجع، كأن النص يقول: إن سقوط الآخر الذي يمثل أفق الحلم هو سقوط الذات في مرآتها الخاصة.

جدلية اللغة والاغتراب الاجتماعي

اللغة في هذا النص ليست مجرد أداة للتعبير الخارجي، إنها ميدان للصراع الوجودي الداخلي. محيميد الذي وُلد عاجزًا عن النطق، يعيش طوال الرواية داخل جدلية عميقة بين الصمت والكلام. لكن حين يستعيد حياته المتدفقة، يصبح الحكي نفسه محاولة لاسترداد الصوت المفقود. يكتشف أن أخاه بالرضاعة ريحان هو في الواقع أخوه من والده أيضًا، ثم يُصدم باعتراف والده غازي بزواجه السري من أنكلينكا، وفوق كل هذا يُسلب أمله الأخير بالزواج من ابنة عمه مريوم التي تتزوج من راغب (ابن عمته)، الذي كان محيميد قد توسط له للعمل. هذه الصدمات المتتالية تكمل دائرة اليأس وفقدان الأماني، مما يدفعه نحو الجنون المؤقت ومحاولة إيذاء أنكلينكا قبل أن يتراجع، ثم اندفاعه نحو منزله القديم ليواجه ذاكرته وينتهي به الأمر إلى الانتحار.

هذه الوقائع المؤلمة تعزز مفهوم العزلة، كنتيجة حتمية لاتساع الوعي. كلما ازداد إدراك محيميد لحقيقة علاقاته وحقيقة العالم، اتسعت مساحة وحدته. الوعي نفسه يتحول إلى سجن شفاف يرى من داخله كل شيء، لكنه لا يستطيع التحرر منه أو الاندماج فيه.

في الصفحات الأخيرة من «أغنية التمر والتين» الصادرة عن دار الآداب، يبلغ الحكي ذروته الهادئة والموجعة؛ فالتحول الأخير يقع في صورة انفجار داخلي في أعماق محيميد، في اللحظة التي يتقاطع فيها الإدراك مع الموت، والحياة مع الفناء. رحلة الوعي من التكوين في الرحم المغلق إلى الانعتاق في السماء المفتوحة، والمفارقة أن الحرية التي حلم بها في المشهد الأخير، يقول عنها: «توقف كل شيء لوهلة. عُدتُ لنقطة البداية… مررتُ بكل مراحل حياتي… وما إن ارتخت عيناي حتى انطلقتُ نحو السماء بسرعة البرق إلى ناحية مرزوق الذي كان ينتظرني عند بابٍ ضخم يوشك أن يُغلق».

تغدو اللغة في سياق النص تجربة عبور مؤقتة. أراد محيميد أن يتكلم ليعرّف نفسه ويجد مكانه، لكنه اكتشف أن الكلام لا يقرّب المعنى، إنما يضاعف المسافة بينه وبين العالم الزائف. حين يصف الناس بأنهم «يعيدون تعريف الفضائل متى ناسبهم ذلك»، يُدرك أن اللغة الاجتماعية فقدت صدقها وتحولت إلى أقنعة. من هنا، يصبح امتناعه عن الكلام فِعْلًا للمقاومة الأخلاقية ضد الانخراط في الزيف العام. وحين يعود الصوت في النهاية، فإنه يعود لينهي الكلام، كأن الحكاية كانت طريقًا قاد إلى السكوت المطلق.

تؤكد قراءة «أغنية التمر والتين» أن صوت محيميد، على الرغم من وَحْدَته الظاهرة، فإنه ينطوي على تعددية باطنية تُغني النسيج الفكري للنص. لقد اختار الكاتب أن يغوص في أعماق الوعي، محققًا توازنًا فنيًّا بين الرؤية المصاحبة والرؤية من الداخل ليتحول النص إلى مختبر عميق لتجربة تواجه الذات المنقسمة، ما بين اللغة المطاردة والوعي الذي صار مسرحًا للأسئلة الكبرى عن الوجود والمصير.

محيميد، في صمته المديد وسقوطه الرمزي إلى السماء، لا يمثل فردًا عابرًا، إنه رمز للذات التي تحمل وعيها الموجوع، تتأرجح بين رحمٍ وعتمة أولى وسماء وانعتاق أخير، بين صوت الكلام الكاذب والإنصات العميق لما يتجاوز حدود القدرة اللغوية. لقد أدرك البطل أخيرًا أن الحرية تكمن في التصالح مع صمت أبديّ أطول.