هل للثقافة أثرٌ في الذات الفردية…؟

هل للثقافة أثرٌ في الذات الفردية…؟

ارتبطت‭ ‬الثقافة‭ ‬في‭ ‬أذهان‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬بالقراءة‭ ‬وسَعَة‭ ‬الاطلاع،‭ ‬وذهب‭ ‬بعضهم‭ ‬إلى‭ ‬تعريف‭ ‬الثقافة‭ ‬بأنها‭ ‬الأخذ‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬بطرف،‭ ‬وأن‭ ‬الإنسان‭ ‬المثقف‭ ‬هو‭ ‬ذلك‭ ‬الذي‭ ‬تتعدد‭ ‬معارفه،‭ ‬وتتنوع‭ ‬مصادر‭ ‬اطلاعه‭ ‬من‭ ‬العلوم‭ ‬والفنون‭ ‬والآداب‭ ‬كافة‭. ‬على‭ ‬أن‭ ‬هذين‭ ‬الاتجاهين‭ ‬في‭ ‬التعريف‭ ‬لا‭ ‬يخرجان‭ ‬بمفهوم‭ ‬الثقافة‭ ‬عن‭ ‬دائرة‭ ‬الذات‭ ‬الفردية،‭ ‬ولا‭ ‬يُعنيان‭ ‬بالناحية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬التطبيقية‭ ‬التي‭ ‬تكوّن‭ ‬الهوية‭ ‬الشخصية‭ ‬لثقافة‭ ‬أمة‭ ‬من‭ ‬الأمم‭.‬

فإذا‭ ‬نظرنا‭ ‬إلى‭ ‬مفهوم‭ ‬الثقافة‭ ‬الشامل،‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬إنها‭ ‬ليست‭ ‬قراءة‭ ‬وسعة‭ ‬اطلاع‭ ‬فحسب،‭ ‬وليست‭ ‬أثرًا‭ ‬في‭ ‬الذات‭ ‬الفردية،‭ ‬وإنما‭ ‬هي‭ ‬انعكاس‭ ‬على‭ ‬مجتمع‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬والسلوك‭ ‬والذوق،‭ ‬فإننا‭ ‬نخلص‭ ‬بهذه‭ ‬النظرة‭ ‬الشاملة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ثقافة‭ ‬الأمة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬ترسم‭ ‬تصورها‭ ‬للحياة‭ ‬بكل‭ ‬وجوهها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ما‭ ‬يسهم‭ ‬به‭ ‬أفرادها‭ ‬مجتمعين‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬ثقافة‭ ‬أمة‭ ‬من‭ ‬الأمم‭ ‬تنعكس‭ ‬على‭ ‬ذواتها‭ ‬وأخلاقها‭ ‬ومعتقداتها‭ ‬وطريقتها‭ ‬في‭ ‬الحياة‭. ‬وهكذا‭ ‬يصبح‭ ‬النتاج‭ ‬الفني‭ ‬والفكري‭ ‬للأمة‭ ‬عنصرًا‭ ‬من‭ ‬عناصر‭ ‬ثقافتها‭ ‬بحيث‭ ‬يتضافر‭ ‬مع‭ ‬العناصر‭ ‬الأخرى؛‭ ‬ليعطي‭ ‬لهذه‭ ‬الثقافة‭ ‬لونًا‭ ‬معينًا‭ ‬تعرف‭ ‬به،‭ ‬وينسب‭ ‬إليها‭ ‬ويميّزها‭ ‬عن‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬الأمم‭.‬

مكونات‭ ‬الثقافة

الأولى‭: ‬العموميات‭ ‬أو‭ ‬المعارف‭ ‬العامة‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬الأساس‭ ‬اللازم‭ ‬للبناء‭ ‬الثقافي،‭ ‬والتربة‭ ‬الصالحة‭ ‬التي‭ ‬يمتد‭ ‬فيها‭ ‬الدين‭ ‬وجذور‭ ‬الحياة‭ ‬الثقافية‭ ‬للمجتمع‭ ‬كاللغة‭ ‬والتقاليد‭ ‬الموروثة،‭ ‬وهذه‭ ‬كلها‭ ‬تحدد‭ ‬العقلية‭ ‬الخاصة‭ ‬بالنموذج‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الشائع‭ ‬في‭ ‬صور‭ ‬جميع‭ ‬الأفراد‭.‬

والثانية‭: ‬الأفكار‭ ‬الخاصة‭ ‬المتأثرة‭ ‬بنمو‭ ‬العلوم‭ ‬والمعارف،‭ ‬والتعمق‭ ‬في‭ ‬جوانب‭ ‬الاختصاصات‭ ‬المختلفة،‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬تميز‭ -‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬الواحد‭- ‬بين‭ ‬الطبقات،‭ ‬وتضم‭ ‬الأفراد‭ ‬الموهوبين‭ ‬الذين‭ ‬يتأثرون‭ ‬بثقافة‭ ‬مجتمعهم‭ ‬العامة،‭ ‬ويؤثرون‭ ‬فيها‭ ‬بفاعلية‭ ‬مجدية‭ ‬تغنيها‭ ‬وتدفع‭ ‬بها‭ ‬إلى‭ ‬الأمام‭.‬

والثالثة‭: ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬القاعدتين‭ ‬السابقتين،‭ ‬وتعين‭ ‬على‭ ‬نمو‭ ‬المواريث‭ ‬التاريخية‭ ‬بتلقيحها‭ ‬بالأفكار‭ ‬الجديدة‭ ‬ومظاهر‭ ‬التقدم‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬نواحي‭ ‬الحياة‭ ‬الفكرية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والسياسية‭ ‬والاقتصادية،‭ ‬وهكذا‭ ‬يطرأ‭ ‬تبدل‭ ‬على‭ ‬الوجه‭ ‬الثقافي‭ ‬للأمة‭ ‬لا‭ ‬يلغي‭ ‬خصوصيتها،‭ ‬وإنما‭ ‬يجعلها‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬ترسي‭ ‬وجودها‭ ‬الثقافي‭ ‬بين‭ ‬الثقافات‭ ‬المختلفة‭.‬

ولا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬الثقافة‭ ‬الإسلامية‭ ‬قد‭ ‬حققت‭ ‬في‭ ‬أيام‭ ‬ازدهارها‭ ‬هذا‭ ‬التصور‭ ‬العام‭ ‬للثقافة‭. ‬فقد‭ ‬أَضْفَت‭ ‬العقيدة‭ ‬الإسلامية‭ ‬على‭ ‬تصور‭ ‬الإنسان‭ ‬العربي‭ ‬المسلم‭ ‬للوجود‭ ‬شيئًا‭ ‬جديدًا‭ ‬قلبت‭ ‬ما‭ ‬ورثه‭ ‬من‭ ‬تراث‭ ‬روحي‭ ‬زائف،‭ ‬وعلاقات‭ ‬اجتماعية‭ ‬مبنية‭ ‬على‭ ‬العصبية‭ ‬القبلية،‭ ‬وحياة‭ ‬فكرية‭ ‬ضيقة‭ ‬الأفق‭ ‬محدودة‭ ‬الاهتمامات‭. ‬قلبت‭ ‬ذلك‭ ‬كله‭ ‬رأسًا‭ ‬على‭ ‬عقب؛‭ ‬حتى‭ ‬استوى‭ ‬هذا‭ ‬العربي‭ ‬المسلم‭ ‬خلقًا‭ ‬آخر‭. ‬تَحررَت‭ ‬رُوحه‭ ‬حينما‭ ‬أخلصت‭ ‬عبوديتها‭ ‬لله‭ ‬وحده،‭ ‬وتحررت‭ ‬أخلاقه‭ ‬من‭ ‬الكره‭ ‬والحقد‭ ‬والانتقام،‭ ‬فغدت‭ ‬علاقاته‭ ‬مع‭ ‬الآخرين‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬المحبة‭ ‬والإيثار‭ ‬والتعاون‭ ‬وإرادة‭ ‬الخير‭ ‬العام‭ ‬الشامل،‭ ‬وتَحَرَّر‭ ‬عقله‭ ‬حين‭ ‬أُمِرَ‭ ‬بالنظر‭ ‬في‭ ‬نفسه‭ ‬وفي‭ ‬السماوات‭ ‬والأرض،‭ ‬فنظر‭ ‬وتأمل‭ ‬وتدبّر،‭ ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬كلّه‭ ‬من‭ ‬أثر‭ ‬الإيمان‭ ‬الذي‭ ‬طور‭ ‬الموروث‭ ‬العربي،‭ ‬فأَقَرَّ‭ ‬ما‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬خير،‭ ‬واستأصل‭ ‬منه‭ ‬ما‭ ‬يخدش‭ ‬المفهوم‭ ‬الإنساني‭ ‬الخير‭ ‬الكريم؛‭ ‬‮«‬إنما‭ ‬بُعِثْتُ‭ ‬لأتمِّمَ‭ ‬مَكارِمَ‭ ‬الأخلاق‮»‬‭.‬

وقد‭ ‬سار‭ ‬المسلمون‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬واختلطوا‭ ‬بالأمم‭ ‬الأخرى‭ ‬التي‭ ‬دخلت‭ ‬الإسلام،‭ ‬فأثرت‭ ‬فيهم‭ ‬وتأثرت‭ ‬بهم‭. ‬فغدا‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬الأثر‭ ‬الإسلامي‭ ‬الذي‭ ‬امتص‭ ‬ثقافات‭ ‬أمم‭ ‬أخرى‭ ‬كالفرس‭ ‬والروم‭ ‬والهند‭ ‬وغيرهم‭ ‬من‭ ‬الشعوب‭ ‬التي‭ ‬دانت‭ ‬بالإسلام‭ ‬واختلطت‭ ‬بالعرب،‭ ‬وتكلمت‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬وعاءً‭ ‬عاليًا‭ ‬لثقافات‭ ‬هذه‭ ‬الشعوب‭ ‬جميعًا‭ ‬قرونًا‭ ‬عديدة‭. ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬فلم‭ ‬يكن‭ ‬هم‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬أحد‭ ‬العرب‭: ‬‮«‬أن‭ ‬ترث‭ ‬لغات‭ ‬أخرى،‭ ‬ولا‭ ‬أن‭ ‬تمحو‭ ‬لغات‭ ‬قومية‭ ‬قائمة‭ ‬كما‭ ‬فعلت‭ ‬في‭ ‬إفريقيا‭ ‬وآسيا،‭ ‬إنما‭ ‬كان‭ ‬تنوع‭ ‬الثقافات‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬وصبغها‭ ‬بالصبغة‭ ‬الإسلامية‭ ‬تجربة‭ ‬حضارية‭ ‬تميّزت‭ ‬بها‭ ‬أُمتنا‭ ‬في‭ ‬الماضي‮»‬‭.‬

الثقافة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬المجتمع

ولا‭ ‬مجال‭ ‬للحديث‭ ‬اليوم‭ ‬عن‭ ‬واقع‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬دون‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬التجارب‭ ‬والخبرات‭ ‬والخلفيات‭ ‬التاريخية‭ ‬والتراثية‭ ‬للإنسان‭ ‬العربي‭ ‬المعاصر‭. ‬ولا‭ ‬مجال‭ ‬للحديث‭ ‬عن‭ ‬دور‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬الحالية‭ ‬دون‭ ‬دراسة‭ ‬أثر‭ ‬هذه‭ ‬الثقافة‭ ‬في‭ ‬مدارك‭ ‬الإنسان‭ ‬العربي‭ ‬ودرجة‭ ‬وعيه‭ ‬وارتقاء‭ ‬ذوقه‭ ‬ونوع‭ ‬الخدمة‭ ‬التي‭ ‬يشارك‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬مجتمعه؛‭ ‬لأن‭ ‬هذه‭ ‬الخصائص‭ ‬جميعًا‭ ‬تشكل‭ ‬ثقافته‭ ‬ولا‭ ‬تفضل‭ ‬واحدة‭ ‬منها‭ ‬عن‭ ‬الأخرى‭.‬

من‭ ‬الصعب‭ ‬الحكم‭ ‬على‭ ‬ثقافة‭ ‬أمة‭ ‬دون‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬التوافق‭ ‬بين‭ ‬الوجه‭ ‬النظري‭ ‬والوجه‭ ‬التطبيقي‭ ‬لثقافتها،‭ ‬وإذا‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬انفصال‭ ‬بين‭ ‬هذين‭ ‬الوجهين‭ ‬في‭ ‬ثقافة‭ ‬أمة‭ ‬من‭ ‬الأمم،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬دليل‭ ‬انحدارها،‭ ‬وهي‭ ‬المشكلة‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬منها‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬تراث‭ ‬عريق‭ ‬لم‭ ‬تستطع‭ ‬الأجيال‭ ‬الحديثة‭ ‬أن‭ ‬ترتقي‭ ‬إلى‭ ‬مثيله‭ ‬في‭ ‬الحاضر‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬ضاعت‭ ‬بين‭ ‬اتجاه‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬الأخذ‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬عند‭ ‬الغرب‭ ‬من‭ ‬خير‭ ‬وشر،‭ ‬واتجاه‭ ‬يرفض‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬عند‭ ‬الغرب‭ ‬من‭ ‬خير‭ ‬وشر‭. ‬وينسى‭ ‬الطرفان‭ ‬أن‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬أوج‭ ‬ازدهارها‭ ‬كانت‭ ‬منفتحةً‭ ‬على‭ ‬ثقافات‭ ‬الأمم‭ ‬الأخرى،‭ ‬فظهر‭ ‬كيان‭ ‬جديد‭ ‬للأمة‭ ‬عرف‭ ‬بالثقافة‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬عماده‭ ‬والمصبّ‭ ‬الذي‭ ‬تجمعت‭ ‬فيه‭ ‬كل‭ ‬الثقافات‭ ‬المتنوعة‭ ‬للشعوب‭ ‬المسلمة‭ ‬كافة‭.‬

ويجب‭ ‬التنبه‭ ‬إلى‭ ‬أشياء‭ ‬لها‭ ‬أثرها‭ ‬الخطير‭ ‬في‭ ‬إظهار‭ ‬الوجه‭ ‬الثقافي‭ ‬المعاصر‭ ‬لأمتنا‭ ‬واضحًا‭ ‬سليمًا‭ ‬معافًى،‭ ‬أو‭ ‬مريضًا‭ ‬مشوهًا‭ ‬حائرًا‭.‬

من‭ ‬باب‭ ‬النقد‭ ‬الذاتي،‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬نعترف‭ ‬أن‭ ‬العرب‭ ‬والمسلمين‭ -‬في‭ ‬واقعهم‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬حقيقتهم‭- ‬أصبحوا‭ ‬متخلفين‭ ‬في‭ ‬ميادين‭ ‬العلم‭ ‬المختلفة،‭ ‬فلا‭ ‬ضرر‭ ‬علينا‭ ‬إن‭ ‬أخذنا‭ ‬من‭ ‬ثقافات‭ ‬الأمم‭ ‬التي‭ ‬سبقتنا‭ ‬بفضل‭ ‬ثمرات‭ ‬العقل،‭ ‬على‭ ‬ألا‭ ‬ننسى‭ ‬أبدًا‭ ‬من‭ ‬نحن‭. ‬والخطر‭ ‬كل‭ ‬الخطر‭ ‬أن‭ ‬نتنازل‭ ‬مختارين‭ ‬عن‭ ‬شخصيتنا،‭ ‬وأن‭ ‬نقتبس‭ ‬عن‭ ‬الغرب‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬جو‭ ‬من‭ ‬نسيان‭ ‬النفس‭ ‬والماضي،‭ ‬دون‭ ‬تمييز‭ ‬بين‭ ‬النافع‭ ‬والضار‭.‬

الحياة‭ ‬متجددة‭ ‬ومتطورة،‭ ‬وجديد‭ ‬اليوم‭ ‬سيصبح‭ ‬قديمًا،‭ ‬وما‭ ‬يصلح‭ ‬لمجتمع‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬حقبة‭ ‬من‭ ‬تاريخه‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يصلح‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬حقبة‭ ‬تاريخية‭ ‬أخرى‭. ‬وكل‭ ‬ذلك‭ ‬مبني‭ ‬على‭ ‬تطور‭ ‬الشخصية‭ ‬الثقافية‭ ‬بجوانبها‭ ‬المختلفة‭ ‬خلال‭ ‬العمر‭ ‬الذي‭ ‬قطعته‭ ‬هذه‭ ‬الأمة‭. ‬ولذا‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬المغامرة‭ ‬غير‭ ‬المحمودة‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬المأمونة‭ ‬أن‭ ‬نقتبس‭ -‬نحن‭ ‬المسلمين‭- ‬لمشكلاتنا‭ ‬حلولًا‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬أمة‭ ‬لاختلاف‭ ‬المنابع‭ ‬التي‭ ‬أثرت‭ ‬في‭ ‬تكويننا،‭ ‬وصبغت‭ ‬حياتنا‭ ‬بصبغة‭ ‬تميزنا‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬غيرنا‭ ‬حينما‭ ‬كنا‭ ‬متمسكين‭ ‬بها‭ ‬عاملين‭ ‬في‭ ‬ضوئها،‭ ‬وحينما‭ ‬كنا‭ ‬أمة‭ ‬فاعلة‭ ‬معطية‭ ‬لا‭ ‬منفعلة‭ ‬آخذة‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬حالنا‭ ‬اليوم‭.‬

وقصارى‭ ‬القول‭: ‬إن‭ ‬ثقافة‭ ‬الأمة‭ ‬هي‭ ‬البنية‭ ‬الفكرية‭ ‬والوجدانية‭ ‬التي‭ ‬أقيمت‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬موروثة،‭ ‬وتطوّر‭ ‬يأخذ‭ ‬بالنافع‭ ‬ويتنكر‭ ‬للضار‭. ‬وهذه‭ ‬الثقافة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تحدد‭ ‬هوية‭ ‬الأمة‭ ‬وتبني‭ ‬نظرتها‭ ‬إلى‭ ‬الحياة،‭ ‬وتقوم‭ ‬موازينها‭ ‬الخلقية‭ ‬بجانبيها‭ ‬النظري‭ ‬والتطبيقي‭. ‬ولعل‭ ‬ما‭ ‬سبق‭ ‬يتناول‭ ‬الثقافة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬المجتمع،‭ ‬ويبقى‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الفرد‭. ‬والحديث‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬موصول‭ ‬إن‭ ‬شاء‭ ‬الله‭.‬