تراث في المزاد

تراث في المزاد

تقام في كل عام عشرات المزادات العالمية التي تعرض فيها قِطَع نفيسة من نتاج الحضارة العربية الإسلامية، وتوضح ثراء هذه الحضارة التي تتدفق مقتنياتها كالأنهار الجارية، وتتنوع المعروضات بين فخاريات ومشغولات معدنية وأسلحة وأدوات زينة وسجاد وأوانٍ ولوحات خطية ومخطوطات… تحظى باهتمام كبير من الغربيين الذين يُقبلون على شرائها بأثمانٍ مرتفعة، ويضمونها إلى مجموعاتهم الخاصة أو إلى متاحف ومكتبات تفاخر بعرضها وتتباهى بتملكها.

وتسير آلية العمل في صالات المزادات الغربية المشهورة وفق خطة دقيقة مُحكَمة؛ فلا يُعرَض إلا ما يثبت صاحبه أنه غير مسروق، وأنه أصلي، ثم تفحص المادة المرغوب في عرضها، وتدرس على يد متخصصين محترفين؛ للتأكد من أصالتها، وتقدير سعرها بين حدَّيْنِ أعلى وأدنى. فيفتتح المزاد حسب الحد الأدنى، فإما أن تباع القطعة وفقه، وإما أن تباع بمبلغ يصل إلى الحد الأعلى، وقد يفوق السعر الذي تباع به القطعة ذلك الحد الأعلى إن كانت ذات تميز واضح.

مزادات متنوعة للتراث الإسلامي

ومن أشهر المزادات التي تهتم بعرض التراث العربي الإسلامي كريستز، وسوذبز، وسبنكس، وبنهام، وتوجان، وينفرد مزاد سبنكس بالتركيز على المسكوكات. ففي مزاد لسبنكس أقيم في يوم الإثنين الثامن عشر من شهر فبراير عام ١٩٨٦م عُرضت (٢٢٦) قطعة من عصور إسلامية مختلفة تمثل مناطق إسلامية كثيرة، وبلغ عدد القطع المعروضة في مزاد السابع عشر من مارس عام ١٩٨٧م (٥٢٣) قطعة متنوعة. كما عرضت في مزاد آخر، أقيم في يوم الأربعاء الثالث عشر من أكتوبر عام ١٩٩٩م، (٤٩٣) قطعة، وتضمن المزاد المقام في لندن في يومي الأربعاء والخميس الرابع والخامس من أكتوبر عام ٢٠٠٠م (٢٧٥) قطعة إسلامية، من بين ١٠٨٢ قطعة من مختلف أنحاء العالم. ويتم في بعض المزادات التركيز على نوعية محددة من التراث الإسلامي، كما جرى في مزاد كريستز في شهر إبريل عام ٢٠٠٣م، الذي خُصص لقطع نادرة من السجاد الإسلامي.

وتحظى معروضات التراث الإسلامي بإقبال كبير من قبل المقتنين، وتتخطى أثمانها الحد الأعلى في كثير من الأحيان، كما حصل لباب خشبي من العصر السلجوقي من قونية في تركيا. فقد حدد سعره في كتالوج كريستز بمزاد التاسع والعشرين من شهر إبريل عام ٢٠٠٣م بمبلغ يراوح بين ١٥٠ و٢٥٠ ألف جنيه إسترليني، إلا أنه بِيعَ في أثناء المزاد بمبلغ ٧٦٦,٨٥٠ جنيهًا إسترلينيًّا. كما بِيعَ مُجسّم برونزي لطائر مزخرف بزخارف إسلامية في العصر الأموي في الأندلس بمبلغ ٩٠١,٢٥٠ جنيهًا إسترلينيًّا. وبلغ مجموع مبيعات الفن الإسلامي والمخطوطات في المزاد المشار إليه سابقًا ثلاثة ملايين وسبع مئة وثمانية وعشرين ألفًا ومئة وثمانية وثلاثين جنيهًا إسترلينيًّا.

وفي مزاد نظمته صالة سوذبز في لندن في الخامس عشر من أكتوبر عام ٢٠٠٣م عُرض إطار خشبي من العصر الفاطمي، حُفرت عليه آيات من القرآن بخط كوفي متقن، وقدرت القيمة المبدئية للإطار بين ٤٠ و ٦٠ ألف جنيه إسترليني.

مخطوطات عربية في المكتبات العالمية

بسبب اتساع الموضوع، سأركز على المخطوطات وحدها؛ فالمعروف أن التراث العربي الإسلامي المخطوط يُعَدّ من أكثر أنماط التراث الإنساني المخطوط عددًا، إن لم يكن الأكثر. وهو الأكثر انتشارًا في أقطار الأرض بلا مراء أو جدال. من حيث العدد لا نملك إحصاءات رسمية دقيقة، ولكن ما يتردد بين الباحثين والمهتمين، أن هناك قرابة ثلاثة ملايين مخطوطة عربية إسلامية، تتوزع في مكتبات العالم المعروفة.

والمؤكد أن هناك مجموعة كبيرة أخرى غير معروفة مملوكة من أفراد أو في مكتبات المدارس أو المساجد أو ضمن مقتنيات مكتبات معروفة إلا أنها لم تفهرس ولم يعرّف بها. أما الانتشار فلا تكاد دولة من دول العالم تخلو من مخطوطات عربية، أو مخطوطات مكتوبة بالحروف العربية.

هناك كتاب موسوعي متميز أشرف على تحريره باللغة الإنجليزية جيوفري روبر، ونشر تحت عنوان: «World survey of Islamic Manuscripts»، (المسح العالمي للمخطوطات الإسلامية)، وقد نقله إلى العربية الأستاذ الدكتور عبدالستار عبدالحق الحلوجي، ونشرته دار الفرقان في لندن بعنوان: «المخطوطات الإسلامية في العالم». يقدم هذا الكتاب معلومات موسعة دقيقة عن الأماكن التي توجد فيها مخطوطات عربية إسلامية، مع إشارة إلى الفهارس أو التعريفات التي تناولتها إن وجدت. على سبيل المثال: أشير في المجلد الأول إلى المخطوطات الموجودة في إثيوبيا، وأذربيجان، والأردن، وأرمينيا، وإسبانيا، وأستراليا، وإستونيا، وأفغانستان، وألبانيا، وألمانيا، والإمارات العربية المتحدة، وإندونيسيا، وأوزبكستان، وأوكرانيا، وإيران، وإيرلندا، وإيطاليا، وباكستان، والبحرين، والبرازيل.

فإذا كان وجود المخطوط العربي في دول إسلامية يُعَدّ أمرًا طبيعيًّا، فإن وجوده في دول أورُبية، مثل: ألمانيا وإيطاليا، معروف ومشهور، إلا أن غير المعروف هو انتشاره في مدن كثيرة داخل الدولة الواحدة. ففي إيطاليا -على سبيل المثال- تنتشر المخطوطات العربية في مدن مختلفة. ففي أريتسو توجد في مكتبة كورنسور نسيالي مخطوطة عربية، وفي مدينة أغريجنتو تضم مكتبة لوكيزيانا، وهي مكتبة كنسية، 13 مخطوطًا عربيًّا.

وفي إيمولا تحتوي المكتبة العامة على ستة مخطوطات عربية. وفي بادوا توجد ستة مخطوطات عربية في مكتبة أنطونيانا، وسبعة مخطوطات في مكتبة الجامعة، وأربعة عشر مخطوطًا في مكتبة المجالس العلمية، وهناك مخطوطات في مكتبة بمدينة بارما.

وفي المجلد الرابع نجد رصدًا للمخطوطات العربية في مصر، والمغرب، ومقدونيا، والمملكة المتحدة، وموريتانيا، والنرويج، والنمسا، والنيجر، ونيجيريا، ونيوزلندا، والهند، وهولندا، والولايات المتحدة الأميركية، واليابان، واليمن، ويوغسلافيا (صربيا والجبل الأسود)، واليونان. ومما يسترعي انتباهنا في هذه المجموعة نيوزلندا واليابان، ولغرابة الأمر سوف أقدم ملخصًا لما ورد عن المخطوطات العربية في هاتين الدولتين.

ففي نيوزيلندا تمتلك المكتبة الوطنية أربعة مخطوطات، ثلاثة منها مصاحف؛ اثنان منها مكتوبان على رِقٍّ، والرابع مجموعة نصوص من القرآن تتخللها تفسيرات وابتهالات وتعاويذ. أما في اليابان فهناك ٣٥١ مخطوطًا عربيًّا في معهد الثقافة الشرقية بجامعة طوكيو، وهي في أصلها مجموعة العالم الألماني هانز دايبر التي جمعها من بلدان عربية وإسلامية، وأقدم مخطوطة فيها تعود إلى سنة ٥٥١هـ. وقد ذكر هانز دايبر أن المجموعة تضم عددًا من المخطوطات الفريدة، التي لم يرد لها ذكر في «تاريخ الأدب العربي» لبروكلمان، ولا في «معجم المؤلفين» لعمر رضا كحالة. ومن النوادر التي تستحق الذكر نسختان من رسالة في أنواع المشروعات، وهي رسالة مفصلة في مصطلحات الفقه الإسلامي، ألفها لطف اللّٰه الكيدائي. كما تضم مكتبة جامعة طوكيو للدراسات الأجنبية ١٢٣ مخطوطًا عربيًّا شرع في جمعها في عام ١٩٧٥م.

أمثلة على التفريط في التراث المخطوط

إن أغلبية المخطوطات العربية التي نقلت إلى مكتبات العالم الغربي. تم نقلها في وقت ساد فيه الجهل في البلاد العربية الإسلامية. وتحول التراث المخطوط في ذلك الوقت إلى ركام من الأوراق المهملة المنسية، وتعاون الإنسان مع عوامل الطبيعة والحشرات على تدمير قسم كبير منها بالإتلاف والحرق، وحمل عشرات الآلاف منها للبيع جملة في مدن أوربا وأميركا، وكان مصدرها مدن الحضارة الإسلامية المشهورة، مثل: بغداد والبصرة والنجف ودمشق وحلب والقاهرة وسمرقند وبخارى ومراكش وفاس ومكناس وشيراز ونيسابور وأصفهان وتمبكتو.

ولإعطاء صورة عن بدايات التفريط في التراث المخطوط عن طريق البيع، أشير إلى حادثتين تعودان إلى القرن الثالث عشر الهجري، التاسع عشر الميلادي: أولاهما: المزاد الذي أقيم في القاهرة سنة ١٢٧٨هـ على مكتبة إلهامي باشا التي كانت تحتوي على ١٧٠٧ مخطوطات ومطبوعات. وقد فُهرست تلك المخطوطات والمطبوعات ووضع في آخرها إعلان عن بيعها في المزاد، نصه كما يأتي: الكتب المسطر بيانها أعلاه من المخلف عن المرحوم إلهامي باشا، سيصير الشروع في بيعها بالمزاد العام بسراي إلهامي بمصر المحروسة ابتداء من يوم الجمعة ٢٥ ربيع الأول سنة ١٢٧٨هـ الموافق ٢٠ سبتمبر سنة ١٨٦١م. وهكذا بعد ذلك في كل يوم جمعة ويوم ثلاثاء من كل أسبوع حتى ينتهي بيعها. ولذلك صار طبع فهرسها على هذا الوجه، ونشر عنها هذا الإعلان، فكان كل من له رغبة في الحصول على بعض الكتب؛ إما أن يحضر بذاته وإما أن يوكل الوكيل المقتضى لحضور مجلس المزاد المذكور، وشراء ما يرغب منها. في ١٧ من المحرم سنة ١٢٧٨هـ/ ٢٥ يوليو عام ١٨٦١م، وكيل تركة المرحوم إلهامي باشا.

وكان مما احتوت عليه المكتبة من المخطوطات: كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، ترتيب جديد لمربجي باشا، نسخة كاملة مذهبة، الجزء الثاني من الخطط المقريزية، ديوان المقرَّب (لعل المقصود: ابن المقرَّب)، مختصر العلامة ابن إياس، كتاب في الجهاد وتعلم الفروسية للشيخ محمد بن يعقوب- نسخة كاملة، المطالب العالية للرازي- نسخة كاملة مجدولة بماء الذهب.

ويبدو أن بيع المخطوطات والكتب العربية بمثل الصفة التي بيعت بها كتب إلهامي باشا كان شائعًا في ذلك الوقت وكان الأورُبيون يقتنصون مثل هذه المناسبات لتجميع النوادر بشرائها بأثمانٍ بخسة. أما الحادثة الأخرى التي تؤكد نشاط الأوربيين في شراء المخطوطات، ومن ثم توجه المتاجرين بها إليهم في ديارهم، فيوضحها أمين بن حسن الحلواني المدني الذي حمل مخطوطات من المدينة المنورة إلى هولندا في عام ١٣٠١هـ/ ١٨٨٣م. وهناك عرضها للبيع على مؤسسة E.J. Brill ذات التاريخ الطويل في طباعة الكتب العربية ونشرها والاتّجار فيها، بما فيها المخطوطات. وقد سارعت مؤسسة بريل إلى شراء مجموعة الحلواني التي كانت تزيد على ست مئة مخطوطة، ووضع لها كارل لندينبرج فهرسًا تفصيليًّا، وكتب مقدمة تحدث فيها عن أهميتها، وأشار إلى بعض نوادرها، كما يذكر عاصم حمدان.

وقد نُشر الفهرس في العام نفسه الذي أُعلن فيه عن المجموعة، ١٨٨٣م. فبادرت مكتبة جامعة ليدن في هولندا إلى اقتنائها، كما باعت مؤسسة بريل مجموعة أخرى -من بينها مخطوطات اشترتها من أمين الحلواني المدني- إلى مكتبة جامعة برنستون في الولايات المتحدة الأميركية في نحو عام ١٨٨٦م. وفي تلك الفترة الزمنية تكونت أغلب مجموعات المخطوطات العربية النادرة في المكتبات الوطنية والجامعات الأوربية. ومن يعد إلى فهارس المكتبة الوطنية الفرنسية والمكتبة البريطانية، ومكتبات أخرى في ألمانيا وإيطاليا، سيجد نفائس لا تُقدَّر بثمن وصلت إليها عن طريق السماسرة والمستشرقين والرحالين، الذين اقتنصوها من أماكن زاروها في البلدان العربية والإسلامية التي كان أكثرها يقبع تحت الاستعمار البريطاني والفرنسي والروسي.

حال المخطوطات بعد الاستقلال

كان المتوقع بعد أن استعادت البلاد العربية والإسلامية استقلالها ونشطت فيها حركة العلم وظهرت عليها بوادر الاستيقاظ والتنبه، أن تتوقف موجة إغراق السوق العالمي بالمخطوطات العربية الإسلامية، إلا أن ما حدث هو العكس؛ إذ ازداد نشاطها لثلاثة أسباب:

أولها: انسلاخ بعضها عن مسار الثقافة العربية الإسلامية، مثل تركيا التي انسلخت طوعًا، ودول وسط آسيا، وبعض الدول الإسلامية في إفريقيا التي انسلخت قسرًا عن ثقافتها وتراثها، وشبه القارة الهندية التي تضاءل فيها تأثير العربية الإسلامية، خصوصًا في الجزء الذي كوّنته الهند. والسبب الثاني هو موجة الحروب والاضطرابات التي شهدتها مناطق من العالم الإسلامي، مثل أفغانستان، والعراق، وغيرهما. ويتمثل السبب الثالث في الإغراءات المادية التي حفزت ملاك مكتبات عريقة إلى التخلص منها مقابل المال، وهو حال بلدان، مثل: المغرب، ومصر، وسوريا. وتونس، واليمن. وظهور متخصصين في عمليات البحث والتنقيب عن المخطوطات في مثل تلك الدول يشجعون على بيعها، ويعملون على شرائها بأثمان منخفضة، ثم يقومون بتهريبها إلى منطقة الخليج والدول الأوربية.

وقد أدى توافر المخطوطات وكثرة المعروض منها في تلك البلدان إلى ظهور التجارة بالمخطوطات من المنابع إلى مَصَبّات جديدة، وحظيت دول الخليج، مثل: المملكة العربية السعودية والإمارات العربية والكويت وقطر، بكثير من المخطوطات التي استقرت في مكتبات الجامعات بالدرجة الأولى، ثم في مكتبات المؤسسات العلمية الأخرى. وإلى جانب ما كان يأتي إلى دول الخليج، كانت هناك مجموعات أخرى نادرة ومهمة تسوق في الدول الغربية، وتباع من خلال شركات التجارة بالكتب النادرة في لندن وباريس وليدن، وغيرها.

غير أن أنفس النفائس من المخطوطات العربية والإسلامية هي التي كانت ولا زالت تعرض في المزادات العالمية التي تقام في أوربا وأميركا، التي تُعَدّ مصدرًا مهمًّا لاقتناء المخطوطات العربية الإسلامية، ولا يخلو مزاد منها من نسخ نادرة؛ كأن تكون أقدم من النسخ المحفوظة في مكتبات بعينها ويعتمد عليها في التحقيق والنشر، أو أن تكون غير معروضة من قبل، أو أن تكون ندرتها في تصاويرها وزخارفها المتقنة أو خطوطها.

والمؤسف أن أغلب النوادر كانت وما زالت تقتنيها مكتبات وأفراد أجانب من غير العرب والمسلمين، فهؤلاء لا يترددون في شرائها بأغلى الأثمان، ولا يجدون أي منافسة من قبل العرب والمسلمين الذين قد يحضرون هذه المزادات لكنهم لا يستطيعون مجاراة الأوربيين في إعطاء المخطوط النادر حقه من التقدير المادي؛ لاختلاف ثقافة الاقتناء بين العرب والأوربيين، فالأوربي يرى أن اقتناء قطعة واحدة نادرة بسعر مرتفع أهم من اقتناء مجموعة قطع لا قيمة لها، وعلى العكس من ذلك نجد أن المقتني العربي يهتم باقتناء مجموعات بائسة لا فائدة ترجى من اقتنائها بسعر منخفض؛ لذلك ذهبت أغلب النوادر التي عرضت في صالات المزادات إلى المقتني الأوربي من المكتبات والأفراد الذين يفخرون بما اقتنوا، ولهم الحق في ذلك، على حين ذهبت المجموعات البائسة في كثير من الأحيان إلى المقتني العربي من أفراد ومكتبات لتشكل عبئًا على الفرد أو المكتبة لارتفاع تكلفة صيانتها وحفظها من دون أن يكون لها أي تميز علمي أو فني.

نفائس لا تقدر بثمن

ولعل من أكثر الأمثلة الموضحة لهذا التباين الثقافي كثرة المخطوطات ذات القيمة الفنية في مكتبات العالم الغربي وقلتها في مكتبات البلدان العربية والإسلامية، وإذا أردنا أن نوضع ذلك أكثر، فإن أنفس المخطوطات المنمنمة في العالم تحفظ اليوم في مكتبات العالم الغربي، وأهم نماذجها «مقامات الحريري»، و«كليلة ودمنة». وقد تسنَّى لي شخصيًّا الوقوف على مجموعة من الكتالوجات الخاصة بمزادات أقيمت في بريطانيا وفرنسا ووقفت فيها على عينات من النوادر والنفائس؛ لقيمتها العلمية أو الفنية.

ففي مزاد نُظِّمَ في باريس في يومي ١٩ و ٢٨ إبريل عام ١٩٩٧م عُرضت ورقة من القرن الثامن الميلادي، مكتوبة بخط النسخ الحجازي على ورق البردي، كما عُرضت في المزاد نفسه مجموعة نفيسة من المصاحف المزخرفة. وفي مزاد سوذبز في أكتوبر عام ١٩٨٩م، عُرضت نسخة من كتاب الفروسية والبيطرة، تعود إلى القرن التاسع الهجري، وقُدِّرَت قيمتها بين ألفين وأربعة آلاف جنيه إسترليني. وفي مزاد بباريس أقيم في سبتمبر عام ١٩٩٧م، عُرضت نسخة من الصحاح في اللغة لإسماعيل بن حماد الجوهري، كُتبت في بغداد سنة ٦١٠هـ. ومما عرض في سوذبز في شهر مايو عام ٢٠٠١م، عشرون قطعة من البردي كتبت في الفسطاط بين القرنين الثاني والرابع الهجري (١٠-٨م)، كانت من مقتنيات H.RKrous، عثر عليها في القرن الثامن عشر في مصر القديمة، تعد على درجة كبيرة من الأهمية؛ لاحتوائها على معلومات قيمة من الحياة الاجتماعية والاقتصادية في سنوات مبكرة من تاريخ الإسلام. وقُدِّرَت قيمتها ب ٢٠ إلى ٣٠ ألف جنيه إسترليني.

كما عرضت في المزاد نفسه قطعة من المدونة للإمام سحنون مكتوبة على رقّ في جنوب إسبانيا، في سنة ٢١٤هـ، تقع في ١٩ ورقة، وقُدّرت قيمتها ب ٢٥ إلى ٣٥ ألف جنيه إسترليني. ومن النفائس التي عرضت في المزاد نفسه نسخة من كتاب «الأربعين في أصول الدين» للفخر الرازي، كتبت في سنة ٩١٦هـ، تقع في ٢٨٧ ورقة، وقدر ثمنها بمبلغ يراوح بين ١٥ و ٢٥ ألف جنيه إسترليني. ونسخة من «الإشارات والتنبيهات» لابن سينا، مكتوبة في سنة ٦٩٦ه، قُدّر سعرها بين ١٥ و ٢٥ ألف جنيه إسترليني، ونسخة من «القانون» في الطب لابن سينا، مكتوبة في سنة ٨٩٩ه، قُدّر سعرها ب ١٥ إلى ٢٥ ألف جنيه إسترليني. ونسخة من تقويم الصحة بالأسباب الستة لابن بطلان، مكتوبة في سنة ٧٤٥هـ بسعر مبدئي يراوح بين ١٢ و ١٨ ألف جنيه إسترليني.

وفي مزاد بسوذبز أقيم في أكتوبر عام ٢٠٠١م، عرضت ورقة واحدة من عجائب المخلوقات للقزويني تضم صورتين: إحداهما لنمر، والأخرى لطائر، يعتقد أنها من نسخة كتبت في اليمن في القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي). وكان الثمن المطلوب لها مبدئيًّا بين ٤ و ٦ آلاف جنيه إسترليني. ولا شك أن ارتفاع ثمن هذه الورقة يعود إلى ندرة التصاوير في منطقة الجزيرة العربية. كما عرضت في المزاد نفسه نسخة تحتوي على القسم الثالث من النهاية، في غريب الحديث لابن الأثير، مكتوبة في سنة ٦٨٤هـ، تقع في ٦٠ ورقة بسعر مبدئيّ يراوح بين ٤ و ٦ آلاف جنيه إسترليني. وشهد ذلك المزاد بيع مخطوطة لا تُقدَّر بثمن، وهي نسخة من الحماسة لأبي تمام، كُتبت في سنة ٤٦٠هـ، بخط نسخ غاية في الدقة والإتقان وتقع المخطوطة في ١٣٥ ورقة. ولعلها ثاني أقدم نسخة معروفة من هذا الكتاب إلى اليوم؛ إذ يذكر سزكين أن أقدم نسخة منه محفوظة في مكتبة الأسد، مكتوبة في سنة ٤٣١هـ، ويراوح المبلغ المقترح لبيعها بين ٢٠و٣٠ ألف جنيه إسترليني.

وعُرضت في مزاد بنهام بلندن في شهر إبريل عام ٢٠٠٢م. نسخة من فتوح الشام للواقدي، كتبت في القرن الثامن الهجري، قُدر ثمنها ب ١٠٠٠٠ إلى ١٢٠٠٠ جنيه إسترليني. وشهدت صالات المزاد بيع نفائس من الجامع الصحيح للإمام البخاري، منسوخة في أزمان متقدمة، منها نسخة كتبت في المرية في الأندلس عام ٥٣٢هـ، مكتوبة على الرق بخط أندلسي، وقدر ثمنها ب ٤٣٠٠ إلى ٧١٠٠ دولار أميركي، وقد عرضت في كريستز بلندن في إبريل عام ٢٠٠٢م. ومما عرض في مزاد كريستز نسخة من الروض الزاهر المستخلص من زيج الديلمي، لسليمان بن أحمد المهري، كتبت في البحرين سنة ٩٤٣هـ، قدر ثمنها ب ٢٠٠٠ إلى ٥٠٠٠ دولار أميركي.

وفي مزاد آخر بكريستز أقيم في أكتوبر عام ٢٠٠٢م، عرضت مجموعة أجزاء من مسالك الأبصار لابن فضل اللّٰه العمري، كتبت في حلب عام ١٧١٠م احتوت على مجموعة كبيرة من الرسوم الحيوانية المتقنة فنيًّا، وقدر ثمنها ب ٧٠٠٠ إلى ١٠٠٠٠ جنيه إسترليني. وعرضت في المزاد نفسه نسخة خزائنية من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان»، لابن خلّكان، كتبت سنة ٨٣٨هـ في مجلدين وقدر ثمن النسخة بمبلغ يراوح بين ١٠٠٠٠ و ١٥٠٠٠ جنيه إسترليني.

وفي مزاد بنهام في لندن، المقام في إبريل عام ٢٠٠٢م، عرضت نسخة من الجداول التقويمية، مواعيد الأوقات في الأقاليم، لشمس الدين الخليلي، المتوفى سنة ٨٠٠هـ، كتبت في سنة ٨٣١هـ في دمشق. وعُرض في المزاد أيضًا مصحف كتبته أمة اللّٰه نور العلم بنت رشيد في بكين بالصين سنة ١٠٥٠هـ، حُلِّيَ بزخارف صينية، وقدر ثمنه بـ ٣٠٠٠ إلى ٤٠٠٠ جنيه إسترليني. ويعدّ هذا المصحف من النوادر؛ لأن ناسخته امرأة صينية كتبته في القرن الحادي عشر الهجري، ويندر وجود مصحف من هذا النوع في أي مكتبة من مكتبات العالم المعروفة.

ومن النفائس التي عرضت في ذلك المزاد نسخة من كتاب الأمثال لأبي عبيد القاسم بن سَلَّام الهرويّ، كتبت بخط أندلسي قبل سنة ٦٦٠هـ، وقدر ثمنها بـ ٧٠٠٠٠ إلى ١١٠٠٠ دولار أميركي. كما عرضت فيه نسخة من «الحلل السندسية في الأخبار التونسية» لمحمد بن محمد السراج الوزير، وهي غاية في النفاسة لما احتوت عليه من زخارف، ويعود تاريخ نسخها إلى سنة ١١٧٨هـ. وقدر ثمنها بـ ٥٠٠٠ إلى ٧١٠٠ دولار أميركي. وعرض في مزاد بنهام في لندن في إبريل عام ٢٠٠٢م. كتاب «المواعظ والاعتبار» للمقريزي، نُسخ في سنة ٩٢٥هـ. وقدر ثمنه بـ ٢٠٠٠ إلى ٤٠٠٠ جنيه إسترليني.

ومن النفائس التي لا تقدر بثمن نسخة من أطلس عربي، يعود تاريخه إلى القرن الخامس الهجري، ويقع في مجلدين، ويحتوي على سبع عشرة خريطة ورسوم تخطيطية للعالَم والمذنبات والنجوم، وعده الخبراء الوحيد من نوعه في العالم، وقد اقتنته جامعة أُكسفورد بمبلغ أربع مئة ألف جنيه إسترليني، كما ذكرت سميرة التميمي في العدد ٤٦٨ من مجلة الجديدة.

نماذج أخرى لما يعرض في المزادات

وقد تابعت ما عرض في مزاد كريستز، الذي أقيم في اليوم التاسع والعشرين من شهر إبريل عام ٢٠٠٣م. فكان من بين ما عرض فيه نسخة من المصحف الشريف بخط صفي الدين عبدالمؤمن بن عبدالحق القطيعي البغدادي الحنبلي المتوفى سنة ٧٣٩هـ، وكان عالم بغداد في زمانه، واشتهر عنه أنه كان يكتب الخط المنسوب البديع المميز بالجودة والضبط، وجاءت هذه النسخة من المصحف التي كتبها في سنة ٧١٣هـ؛ لتؤكد ذلك، وقد ثُمِّن المصحف بمبلغ يراوح بين عشرين وثلاثين ألف جنيه إسترليني. وعرض في المزاد نفسه أيضًا نسخة من مصحف قاجاري، نسخ في سنة ١٢١٨هـ، ونسخة خزائنية من «الكواكب الدرية في مدح خير البرية» للبوصيري، مكتوبة في سنة ٨٤٤هـ، وكانت في خزانة السلطان المملوكي الظاهر أبي سعيد جقمق، وقدر ثمنها بمبلغ يراوح بين ٧٠٠٠ و ١٠٠٠٠ جنيه إسترليني.

ومن أهم ما عرض في المزاد أيضًا، نسخة منمنمة من «كليلة ودمنة»، منسوخة في سوريا على يد أبي المنى بن سليم النقاش، في سنة ١٠٨٢هـ. احتوت على خمس وخمسين لوحةً، وقدر ثمن هذه النسخة مبلغ يراوح بين ٤٠٠٠٠ و ٦٠٠٠٠ جنيه إسترليني.

وبعد انتهاء المزاد تابعت ناتج البيع، فكان على النحو الآتي:

– مصحف القطيعي اشتري بمبلغ ٢٣٠٠٠ جنيه إسترليني.

– المصحف القاجاري اشتري بمبلغ ألفين وتسع مئة وسبعة وثمانين جنيها إسترلينيًّا.

– الكواكب الدرية لم يتم بيعه.

– كليلة ودمنة اشتري بمبلغ ثلاثة وخمسين ألفًا وسبع مئة وسبعين جنيهًا إسترلينيًّا.

وعرض في مزاد عقدته سوثبيز في الخامس عشر من أكتوبر عام ٢٠٠٣م نسخة نفيسة من كتاب «الأدوية المفردة» ليونس بن إسحاق الإسرائيلي، كتبت بخط مغربي في سنة ٥٢٤هـ/ عام ١١٣٠م، وقدرت القيمة المبدئية لها بين مئة ألف إلى مئة وعشرين ألف جنيه إسترليني، واستغرق وصفها مع عرض صور لمحتواها الصفحات من ٢٠ إلى ٢٥ في فهرس المزاد.

وعرضت مجموعة من الوثائق الفاطمية والأيوبية، أقدمها سنة ٥٠٠هـ/ عام ١١٠٦م، في مزاد كريستز الذي نُظم في السادس والعشرين من شهر إبريل عام ٢٠٠٥م. وقدرت القيمة التي عرضت في بداية المزاد بين ١٢ و١٥ ألف دولار، كما عرضت في المزاد نفسه قطعة من كتاب «فتوح الشام»، وتقع هذه النسخة في ١٥٥ ورقة، كتبت بخط نسخي. وجاء في نهايتها: فهذا آخر كتاب فتوح الشام. تم الجزء الأول من كتاب «فتوح الشام»، وتتلوه في الجزء الثاني من هذا الكتاب ذكر فتوح الجزيرة على يد عياض بن غنم الفهري، الحمد لله رب العالمين، وصلى اللّٰه على محمد خير خلقه خاتم النبيين وعلى وصيّه وسبطيه وأهل بيته وأصحابه الطاهرين. وكتبه أبو محمد بن إسماعيل بن الفرج بن منصور المقرئ القزويني، غفر اللّٰه له ولوالديه ولجميع أمة محمد صلى اللّٰه عليه وآله وسلم، بمدينة السلام في ربيع الأول سنة خمس مئة وعشرين. وقدرت القيمة المبدئية لهذه القطعة بمبلغ يراوح بين ٥٨٠ و٩٦٠ دولارًا أميركيًّا.

جوانب إيجابية

إن النفائس السابقة هي مجرد نماذج لما يعرض في المزادات، وتظهر في مجملها أن غير المعروف من المخطوطات العربية كثير جدًّا، وأن تجار المخطوطات المحترفين يسعون دائمًا إلى الوصول إلى المتميز من المخطوطات العربية، لعرضه في مزادات الغرب؛ لأن عرضه في البلاد العربية غير مربح لضعف تقديرات من يودون شراءه.

ولعل من المهم ألا ينظر إلى هذه المزادات نظرة سلبية دائمًا، فيقال: إن الغرب يسلب تراثنا، بل يجب تغليب الجانب الإيجابي فيها؛ لأن أغلب ما يعرض يأتي من أماكن حفظ رديئة، ثم إن القادرين من العرب والمسلمين يعزفون، في كثير من الأحيان، عن شراء المخطوطات ذات الأثمان المرتفعة، مفضلين عليها النماذج الرخيصة. كما أن عرض هذا التراث في المزادات هو وسيلة للتعريف بالدور الرائد للحضارة الإسلامية، وهو مثال على عولمة الثقافة؛ فعندما تذهب قطع من فنون التراث الإسلامي، ومن المخطوطات النفيسة إلى مقتنين أجانب، يعرضونها في أماكن حفظ مميزة مع مقتنيات أخرى من شتى أنحاء العالم، تظهر للمشاهد ما كان عليه الفن الإسلامي من تطور وتميز، وتؤكد عمق العلاقة بين الإسلام والنواحي الجمالية.

وأخيرًا فليس من العيب أن يطرح التراث العربي الإسلامي في المزاد، ولكن العيب أن يُسلب بأيدي أبنائه، ثم لا يجد من يقتنيه من أهله.

محاضرة ألقيت في النادي الأدبي بالرياض في 12/3/1424هـ.