كرامة السلام وسلام الكرامة

كرامة السلام وسلام الكرامة

يشير مصطلح «كرامة السلام» إلى الاستحقاق والقيمة المتأصلة في البشر، التي يُحافَظ عليها وتُعزز من خلال غياب الصراع والعنف والحرب. وفي المقابل، يؤكد «سلام الكرامة» دورَ السلام في تعزيز الكرامة الإنسانية والاحترام والمساواة. فكلا المفهومين مترابط بشكل وثيق، حيث إن السلام والكرامة يعزز بعضهما بعضًا، وغياب أحدهما يقوض الآخر. وتدرك العديد من المنظمات الدولية والحكومات والتراثات الدينية والفلسفية أهمية السلام والكرامة الإنسانية. فقد حددت الأمم المتحدة، على سبيل المثال، تعزيز السلام وحماية حقوق الإنسان بوصفهما هدفين من أهدافها الأساسية. وبالمثل تؤكد العديد من الأديان والأنظمة الأخلاقية القيمةَ المتأصلةَ والكرامةَ في حياة الإنسان، وتدعو إلى السعي لتحقيق السلام لحماية هذه القيمة وتعزيزها.

ما الكرامة؟

لدى كثيرين فكرة غامضة عن الكرامة، ولقد كافحت من أجل العثور على تعريف موحد وواسع النطاق. ويبدو أن الكرامة هي مفهوم «مقاس واحد يناسب الجميع»، ويُستخدَم مع دلالات مختلفة في العديد من المجالات الأكاديمية والتطبيقية. ويمكن ربط الكرامة الإنسانية كفكرة فلسفية بالفكر الرواقي، ولا سيما تطور هذه الفكرة من خلال نظرية القانون الطبيعي التي وضعها العالم المسيحي توماس الأكويني في القرون الوسطى.

تتناقض أسس الكرامة في الأنظمة الاجتماعية الأرستقراطية السابقة مع تعريف الكرامة اليوم. وجاءت الفكرة البدائية للكرامة من بنية اجتماعية مصنفة هرميًّا: «الأشخاص اللامعون» أي الأشخاص الذين يتمتعون بالكرامة وبمكانة اجتماعية واقتصادية أعلى من أولئك الذين لا يمتلكون «الكرامة»، وذوو كرامة المزايا المنبعثة من الدرجة: بعضها مادي، في شكل ملكية الأرض، أو ميتافيزيقي، مع إرث من الأهمية. أثرت هذه الخلفية النظرية للكرامة في كيفية تطبيق هذا المصطلح في الفلسفة والعلوم الاجتماعية الأخرى لسنوات عديدة. وغيّرت أفكار

إيمانويل كانط

العلاقة بين الكرامة والسلوك الأخلاقي. يمكن أن يكون الأمر القطعي عند كانط هو الأساس لفكرته حول الكرامة الإنسانية. فمن وجهة نظره تنتمي الأخلاق إلى مجال القانون الأخلاقي، الذي يُخضِع إرادتنا لأوامر لا تتوافق مع العقل، وهذه الأوامر إما شرطية أو قطعية. يهتم الأمر الشرطي بتحديد الإجراءات التي تكون وسيلة لتحقيق غاية. وفي المقابل يعني الأمر المطلق أن جميع الأفعال غير الأخلاقية غير عقلانية لأنها تنتهك العقل. ومن الضروري وجود معيار للعقلانية يجسد ما لا غنى عنه موضوعيًّا في إرادة تجعل نفسها منسجمة مع العقل.

أوضح كانط الأمر القطعي: «تصرف بطريقة تجعلك دائمًا تعامل الإنسان، سواء في شخصك أو في شخص أي شخص آخر، ليس أبدًا كوسيلة فحسب، بل دائمًا كغاية في حد ذاته». وطبقًا لكانط تسمح لنا الإرادة التي يتمتع بها كل كائن عقلاني بتحديد غاياتنا. إذا كنت سأعامل شخصًا آخر بوصفه مجرد وسيلة فسيخلق ذلك تناقضًا؛ لأن مثل هذا الفعل يتطلب أن تكون للإرادة قيمة أداتية فقط. وهذا غير صحيح؛ لأن لها قيمة قطعية؛ ومن الضروري تحديد غاية. وعلى هذا النحو، لكي أعامل شخصًا آخر كوسيلة، فإنني سأعلق إرادتي التي أحدد بها الغايات.

باتباع هذا الخط من التوضيح، يدعي كانط أن البشر ككائنات مستقلة هم غايات في حد ذاتهم، ولديهم الكرامة والقيمة. إن هذا الوضع الأخلاقي للبشر حيث يُعَدُّون غاية في حد ذاتهم هو أساس الأمر القطعي. فالكرامة في رأي كانط ليست مكانة هشة تتمتع بها الطبقة العليا من المجتمع. وبدلًا من ذلك فهي تنبثق من القدرة التي وهبها الله للشخص لإبداع مدونة أخلاقية للسلوك واختيار الشخص العيش وفقًا لهذه المدونة التي أبدعها. فالكرامة موجودة في جميع الأشخاص؛ لأنها تعكس مهارة نتقاسمها: قدرتنا على إصدار أحكام أخلاقية والالتزام بالقواعد التي نضعها. ويوضح هذا المثال كيف شهدت الكرامة تحولًا كليًّا من خلال الانتقال من سمة لا يمتلكها سوى قلة مختارة إلى إمكانات متأصلة يمتلكها جميع الأشخاص.

صورة الله كأساس لكرامة الإنسان

تخبرنا قصة الخلق أن الله عندما خلق الإنسان في اليوم السادس من الخلق، خلقه على صورته ومثاله (تكوين 1: 27). وعند قراءة قصة الخلق بأكملها، يلحظ المرء أن كل الأشياء خُلقت بكلمة الله الخالقة. وخُلق البشر بشكل مختلف، ليس فقط بالكلمة، بل أيضًا من خلال التدخل المباشر لله «وَجَبَلَ الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ تُرَابًا مِنَ الأَرْضِ، وَنَفَخَ فِي أَنْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ. فَصَارَ آدَمُ نَفْسًا حَيَّةً» (تكوين 2: 7). ويعبر هذا التمايز عن تفرد البشر من بين الخليقة كلها. لقد حرك التأمل اللاهوتي حول مفهوم صورة الله تفكير اللاهوتيين عبر التاريخ. وبالنسبة لكارل بارث، الإنسان هو «المخلوق الذي كُشِفَت لنا علاقته مع الله في كلمة الله… هو الموضوع المركزي لعقيدة الخلق اللاهوتية».

تتجذر كرامة الإنسان في هذا التفرد الذي منحه التصميم الإلهي للإنسان. كوننا على صورة الله هو ما يميز الإنسان من كل الخليقة. يقول يورغن مولتمان: «بما أن الخليقة هي عمل الله، فهي ليست بالضرورة مشابهة للخالق؛ إنها التعبير عن إرادته. ولكن كصورة، فإن الرجال والنساء يتوافقون مع الخالق في جوهرهم؛ لأن الله يتوافق مع نفسه في هذه المخلوقات». إن أساس كل التعاليم الاجتماعية للكنيسة هو الكرامة المتأصلة في الإنسان، المخلوق على صورة الله ومثاله. تقول الكنيسة: «إن جميع البشر لهم كرامة الإنسان لأنهم خُلقوا على صورة الله». وتقول التعاليم المسيحية: «إن لكل شخص الحق في ممارسة الحرية لأنه حق لا ينفصل عن كرامته كإنسان». إن نظرة الكنيسة إلى الكرامة الإنسانية تشبه رؤية كانط من حيث إنها تنبع من فاعلية الإنسان وإرادته الحرة، مع المزيد من الفهم بأن الإرادة الحرة تنبع من خلق الإنسان على صورة الله.

ما السلام؟

إذا أردنا فهم فكرة السلام، فلا بد لنا أن نعرف معناه الحقيقي. وهذا المعنى الحقيق للسلام ضروري قبل التعرف إلى السلام بمختلف جوانبه. تُستخدم كلمة «السلام» على نطاق واسع، ويبدو أن للسلام معاني متنوعة تختلف باختلاف سياق الاستخدام. وكلمة «السلام» مشتقة من الكلمة اللاتينية الأصلية pax، التي تعني ميثاقًا أو سيطرةً أو اتفاقًا لإنهاء حرب أو أي نزاع أو صراع بين شعبين أو دولتين أو مجموعتين متعاديتين من الناس. وأعلنت الأمم المتحدة في إعلانها العالمي لحقوق الإنسان أن السلام لا يعني غياب الحرب فحسب، بل يعني غياب الفقر والتمييز وغير ذلك من أشكال الظلم الاجتماعي. وأكدت وجوبَ حماية كرامة كل فرد، وأن ذلك لا يمكن تحقيقه إلا من خلال إقامة مجتمع سلمي وعادل. وبذلك أكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أهميةَ كرامة الإنسان كقيمة أساسية يجب الحفاظ عليها في جميع المجتمعات، بغض النظر عن انتماءاتها الثقافية أو السياسية أو الدينية. بالتالي يمكننا تعريف السلام بأنه التناغم أو الهدوء، الذي يتحقق غالبًا بتغييب الصراع أو العنف. لقد كانت فكرة السلام موجودة عبر تاريخ البشرية، وسعى العديد من الأفراد والمجتمعات إلى تحقيقها. وهناك أنواع مختلفة من السلام؛ منها السلام السلبي وهو غياب العنف، والسلام الإيجابي الذي يشمل العدالة والمساواة وحقوق الإنسان. وغالبًا ما يُعَدّ السلام الإيجابي هو الهدف النهائي لجهود بناء السلام؛ لأنه لا يعالج أعراض الصراع فحسب، بل يسعى أيضًا إلى معالجة الأسباب الجذرية.

تشمل ثقافة السلام مجموعة من القيم والمواقف والتقاليد وأنماط السلوك وأساليب الحياة التي ترفض العنف وتمنع الصراعات من خلال معالجة أسبابها الجذرية، وذلك لحل المشاكل من خلال الحوار والتفاوض بين الأفراد والجماعات والأمم. وهو نهج متكامل لمنع العنف والصراعات العنيفة، وبديل لثقافة الحرب والعنف يقوم على التربية على السلام، وتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستديمة، واحترام حقوق الإنسان، والمساواة بين المرأة والرجل، والمشاركة الديمقراطية، والتسامح والتدفق الحر للمعلومات ونزع السلاح.

كرامة السلام

تشير كرامة السلام إلى القيمة والاستحقاق المتأصلين في البشر، اللذين يُحافَظ عليهما ويُعززان من خلال غياب الصراع والعنف والحرب. ويرتبط هذا المفهوم ارتباطًا وثيقًا بفكرة حقوق الإنسان التي تؤكد حمايةَ كرامة الفرد واستقلاله. وينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على: «يولد جميع الناس أحرارًا ومتساوين في الكرامة والحقوق». إن السلام ضروري لإعمال حقوق الإنسان، حيث يقوض الصراع والعنف حماية هذه الحقوق. ففي حالات الحرب والصراع، يتعرض الناس لأشكال مختلفة من العنف، بما في ذلك الأذى الجسدي والصدمات النفسية والنزوح من منازلهم ومجتمعاتهم. ما ينتهك حقوق الإنسان الأساسية، مثل الحق في الحياة، وعدم التعرض للتعذيب والمعاملة القاسية، وحرية التنقل.

ترتبط كرامة السلام أيضًا ارتباطًا وثيقًا بتعزيز العدالة الاجتماعية والمساواة. فغالبًا ما يكون خطر الصراع والعنف أعلى في المجتمعات التي ينتشر فيها الفقر واللامساواة والتمييز. فقد يشعر الأشخاص المهمشون والمستبعدون من المجتمع أنه ليس لديهم ما يخسرونه إذا انخرطوا في سلوك عنيف أو إجرامي. ولذلك فتعزيز العدالة الاجتماعية والحد من اللامساواة ضروري لتعزيز كرامة السلام.

ويتطلب تعزيز كرامة السلام اتباع نهج متعدد الأوجه يعالج الأسباب الجذرية للصراع والعنف. ويشمل ذلك الجهود المبذولة لمعالجة الفقر واللامساواة، وتعزيز حقوق الإنسان، ودعم مبادرات حل النزاعات وبناء السلام. ويشمل أيضًا خلق ثقافة السلام التي تؤكد قيمةَ الحوار والتفاهم والتعاون وترفض العنف والعدوان كوسيلة لحل النزاعات.

سلام الكرامة

يؤكد سلامُ الكرامةِ دورَ السلامِ في تعزيز الكرامة الإنسانية والاحترام والمساواة. ويدرك هذا المفهوم أن السلام ليس مجرد غياب الصراع والعنف. كما أنه ينطوي على خلق بيئة إيجابية وتمكينية يمكن للناس فيها الازدهار وتحقيق إمكاناتهم الكاملة. ويرتبط سلام الكرامة ارتباطًا وثيقًا بالتنمية التي تهدف إلى تحسين رفاهية الناس وجودة حياتهم. وتتضمن التنمية: النمو الاقتصادي وتحسين التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية. ويساهم تعزيز التنمية في تحقيق السلام والكرامة عن طريق الحد من الفقر واللامساواة وخلق فرص للناس؛ ليعيشوا حياة مُرضية ومنتجة.

ويرتبط سلام الكرامة أيضًا بتعزيز حقوق الإنسان وحماية الفئات الضعيفة. ففي حالات النزاع والعنف، غالبًا ما تكون النساء والأطفال وغيرهم من الفئات المهمشة أكثر عرضة للأذى وسوء المعاملة. ولذلك يتطلب تعزيز سلام الكرامة التركيز على حماية هذه الفئات وتمكينها وعلى محاولات دعم حقوق الإنسان ومقتضيات القانون على نطاق أوسع.

إن الترابط بين الكرامة الإنسانية وثقافة السلام أمر لا جدال فيه، ولكنه يظل افتراضيًّا بسبب تزايد أوجه القصور في الهياكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية على المستويين العالمي والوطني، وهو الأمر الذي لا يزال ينتهك الكرامة الإنسانية بشكل كبير. إن مبادئ الكرامة الإنسانية -الرحمة والتعاطف والعدالة والتضامن واحترام التنوع والحوار والتفاهم- هي صفات وحقوق الحياة التي يستحقها الفرد في المجتمع. وهي تقوم على الاعتقاد بأن لجميع الناس قيمة خاصة مرتبطة بإنسانيتهم وحدها ولا علاقة لها بطبقتهم أو عرقهم أو جنسهم أو دينهم أو قدراتهم أو أي عوامل أخرى غير كونهم بشرًا.

لا بديل للكرامة

كرامة السلام وسلام الكرامة مترابطان ويعزز كل منهما الآخر. الكرامة أساس السلام، والسلام ضروري للحفاظ على الكرامة. إن الحفاظ على كرامة الأشخاص سوف يزدهر في السلام؛ لأن السلام يزدهر في تناغم مع الكرامة. الكرامة لا بديل لها وتعطي قيمة للحياة. إن فهم البعد الأخلاقي للكرامة يتطلب منا تجنب الإيذاء ومساعدة بعضنا بعضًا بشكل فعال في تحقيق حالة من «الرفاهية» للجميع والحفاظ عليها. فمن خلال التناغم يمكن تحقيق فوائد أعراف السلام. إن الكرامة الإنسانية هي تعبير عن الشرارة الإلهية المضيئة والساكنة في كل منا. وعن طريق أفعالنا تصبح أكثر إشراقًا أو تتضاءل. إن الحفاظ على الكرامة هو طريق إلى السلام؛ لأنه يركز على أصل الخلاف ويعزز المصالحة والعدالة. وبالمثل فالسلام هو الطريق إلى الكرامة، ويوفر بيئة مشجعة للأفراد والجماعات للحفاظ على احترامهم لذاتهم وتقديرهم لها. إن معالجة الفقر واللامساواة والتمييز والظلم أمر مهم لتعزيز الكرامة والسلام. وتخلق هذه المعالجة عالمًا أكثر عدلًا وسلامًا وتناغمًا. وعلينا أن نتذكر أن «المجتمع العادل لا يمكن أن يصبح واقعًا إلا عندما يقوم على احترام كرامة الإنسان السامية. فالإنسان هو الغاية النهائية للمجتمع. والنظام الاجتماعي وتطوره يجب أن يعملا دائمًا لصالح الإنسان، وليس العكس».


المصدر: المجلة الدولية للعلوم الاجتماعية والدراسات التربوية، مجلد 4، عدد 4 إبريل 2024م.