أدب الصحراء وملامح الخطاب في كتابات جميلة طلباوي
داخل وسائل التعبير الإنساني المتباينة، تطل علينا الروائية والأديبة الجزائرية جميلة طلباوي في إطار الحدث السردي، ويظهر ذلك جليًّا في ظل التفاعل الثقافي، من خلال ملامسة عوالم إبداعية ضمن أفق أشكال الكتابة وفعل التخييل، رغبة منها في التجديد، حتى تفتح الذات الساردة مساحة أمام القارئ من نوع مختلف في بناء عالم النص الروائي. ولا غرو في أننا ندرك سمات هذه العلاقة الواعية من خلال المنظور السردي، بما يتساوق مع اللحظة المعرفية البراغماتية والمقومات الثقافية المرجوة.
وتأسيسًا على ذلك، فإن هذا التحول يتمثل في تلك الأعمال الثلاثية الإبداعية. يتعلق الأمر برواية «الخابية»، ورواية «الغار، تغريبة القندوسي» ورواية «كنزة».
وداخل هذا السياق، نشير إلى ثيمة الفضاء الصحراوي الذي جعلته صاحبة رواية «وادي الحناء» على رأس الهرم. ويستدعي هذا الطرح قولتها المشهورة، التي ما فتئت ترددها على طرف لسانها أينما حلّت وارتحلت: «أنا عجينة تمر ورمل وطين ومن ماء السواقي». وبلا أدنى شك، يلعب أدب الصحراء، من هذه الزاوية، دورًا حاسمًا، وبطريقة غير مباشرة، في ترقية السياحة في العالم العربي، بل إن العمل الإبداعي، في ارتحاله الثقافي عبر الأزمنة والأمكنة، أو في مخالطته للشعوب يُكسب اللغة العربية تلك المكانة ضمن المنظومة السياحية في العالم.
تجليات الأمكنة وإستراتيجيات الإقناع
تتمثل البواعث الأساسية لهذه القفزة النوعية عامةً، في الإغراق في ذكر التفاصيل الدقيقة المتعلقة بالصحراء، أي: بالتعرض لكل المظاهر التي لها علاقة بالتاريخ والعادات والتقاليد والدين والموروث الثقافي المتنوع والمناسبات الكبيرة المختلفة والحالات الإنسانية المتباينة. ومن ثم تجد الذات نفسها إزاء رأسمال ثقافي يمنحها نظرة جديدة إلى الحياة. تقول الساردة في هذا السياق: «الواحة الصغيرة تنام على سفح جبال البرقة كصبية فاتنة غفت مأخوذة بسحر المكان الحالم. صوت الأذان يرتفع من صومعة المسجد، الأجراس تقرع في الكنيسة، ومن دير اليهود يرفع صوت نداء الصلاة، أصوات تعزف سيمفونية العوينة أو القنادسة، ومن الجنان المتاخمة لزاوية الولي الصالح سيدي محمد بن بوزيان تطلّ أشجار النخيل بشموخ، يهتزّ سعفها الأخضر لمداعبة نسائم منعشة خفيفة»(1).
واستنادًا إلى ذلك، تبقى صورة المكان عالقة في الذاكرة من خلال تنشيط العملية السياحية محليًّا وعالميًّا. وكما هو معلوم، فإننا ندرك أهمية هذه الخاصية، عبر تقديم المعلومات والأخبار المتاحة حول المنطقة. ومن هذه الزاوية تحديدًا، يسهم المكان في تطور الوعي الإنساني بين الأنا والآخر. وعلى هذا الأساس، تقوم عوالم الرواية على إخراج الكينونة من عباءة الصور النمطية المشوهة، والانحرافات الفكرية المزيفة والانتماءات الضيقة في دوافعها الموضوعية.
ويبرز ذلك بجلاء في إطار تعزيز شراكة التفاهم والتبادل المحترم بين الشعوب والمجتمعات المتباينة، وبناء جسور التواصل التي تراعي التقاليد والعادات الاجتماعية والثقافية. وهي خطوة كفيلة ببث جرعة زائدة على مستوى السلم الحضاري؛ لذا، فإن هذه القيمة الممنوحة تضفي على العلاقات الإنسانية طابع الدينامية والحركية والحيوية، بحيث تمنح الذوات كل أسباب التعايش مع الآخر، أو بين الثقافات المختلفة. وفي أحسن الأحوال، فإن الفن الروائي، ضمن عالم الإنسان، يؤمن بحقيقة التنوع؛ لذلك، فمدلولات السياحة -من هذا المنطلق- في نظرتها المتفائلة، تحاول تخطي الحدود الضيقة على أرض الواقع؛ لأن منطق الحكي، بمظاهره التنفيذية، يسعى إلى إحداث التطور الذي يدخله بقوة ضمن المجالات الحيوية الأخرى، تحت مظلة باب التأثر والتأثير.
يقودنا هذا التفسير إلى استحضار المقطع السردي المأخوذ من رواية «كنزة». تقول الساردة: «أفتح النوافذ لتصفعنا زوابع الرمل ملتهبة ببقايا تجارب أسلحة كيميائية لا يتحدث عنها العالم، سكنت رحم وادي الناموس في بلدتنا الصغيرة بني ونيف، ونفايات سموم خلّفها الاحتلال الفرنسي وطواها النسيان كما طوى ذكريات أجدادنا. كانوا هنا ينصبون الخيم، من حولهم قطعان الأغنام تجعل لحياتهم معنى آخر. وفي البراري كانت الغزلان الشاردة تصنع جمال المكان»(2).
وفي ضوء تداعيات هذه الصورة الإيجابية، جاءت اللغة وسيلة مثلى في خدمة البرامج التي تكون وثيقة الصلة بالمؤسسات الثقافية. وفضلًا عن ذلك، تسهم اللغة أيضًا -بشكل أو بآخر- في التنمية الاقتصادية والتجارية، وفي تعزيز المواقع التراثية والمتاحف الأثرية. وعلى هذا الأساس، فهذه التشكيلات اللغوية «التي يجاور بعضها بعضًا، تعطي للنص دلالات تركيبية وبنيوية لإشباع رغبات جمالية معينة ولتبليغ مضامين فكرية محددة»(3).
دلالات ورموز توظيف التراث الشعبي
تماشيًا مع هذه الفكرة الجوهرية، لجأت الكاتبة جميلة طلباوي إلى توظيف التراث الشعبي بأشكاله المختلفة، فأصبح بذلك مرآة عاكسة للممارسات الحياتية، أو الوقائع الإنسانية، ويتبدى ذلك في الأهازيج والأناشيد الشعبية الغنائية. ويمكن التمثيل لذلك بأغنية فرقة السد: «ما يدوم حال، ما يدوم/ لو كان الدنيا تدوم، تدوم للي كانوا هنا»(4). وتقول في سياق آخر: «شربت من راس العين/ منين كان الماء زين/ وكي تخلطوا ليدين/ تخلط الماء والطين»(5). كما تتجلى السياحة اللغوية بالحديث عن الأعياد والمناسبات الدينية، وما تشمله من طقوس وعادات وتقاليد؛ إذ تعكس كل منطقة من المناطق الجزائرية خصوصيتها الثقافية.
وبناءً على ما سبق، تقول الكاتبة عبر التبئير السردي: «فكثيرًا ما التحقن بالموكب النسوي في (سيد الميلود) ذكرى المولد النبوي الشريف ليشهدن الحدث العظيم؛ إذ كن يعتقدن بأن الشمس ترقص في ذلك اليوم. يطلقن البخور ويحملن أواني الماء لعلّ الماء الذي شهد أشعة الشمس الراقصة إذا اغتسلن به جلب لهنّ الحظ السعيد؛ لأجل هذا الحدث سهرت كنزة والغالية وبنات أخريات يضربن الدف ويغنين: يا عايشة، لا ترقدي والليلة يزيد النبي. وكل واحدة تحلم بتحقيق حلمها ووصول فارس أحلامها»(6).
فعل الكتابة، من ناحية تركيبتها اللغوية وآليات التواصل وتقليص المسافة، يطالعنا في إطار العلاقات الإنسانية، كرؤية تؤكد القراءةَ المنفتحةَ على الاختلاف والتعدد الهوياتي. ويتبدى لنا حجم هذا الحضور عبر انتقالها بين شعوب العالم المختلفة، فمن خلال المحمول الخطابي، في طابعه التواصلي: «يتحقق التبادل الثقافي، وتنتقل اللغات والمعتقدات الفكرية والآداب والفنون ومختلف ألوان الثقافة عن طريق النهضة السياحية الوافدة إليها فتتأثر بها وتؤثر فيها، وبذلك يتحقق التأثير التفاعلي للسياحة الذي يمثل محورًا مهمًّا من محاور التنمية في المجتمعات الحضارية والنامية»(8).
يمكننا القول: إن العمل الإبداعي، من هذا المنطلق، يكون بمنزلة المروج السياحي بامتياز. والحالة هذه، نستشف تداعياتها في مدلولاتها المباشرة ضمن أبعادها التداولية. وهو على مستوى الوعي، يطول جميع المجالات من خلال النموذج العربي الذي استطاع، في إطار الاستثمار الثقافي، أن يحقق هذه الطفرة النوعية؛ إذ يدفع الأطراف المتضادة إلى الانخراط في عوالم المثاقفة البناءة، بتحريك رغبات الكينونة من باب التشويق والإثارة والإقناع والجذب والتشجيع. ومن ثم، يرفع من سقف التفاعل الحضاري والثقافي ضمن مقتضيات التواصل الإنساني.
(1) جميلة طلباوي، رواية «الغار»، تغريبة القندوسي، دار خيال للنشر والترجمة، برج بوعريريج، الجزائر، 2021م، ص 9.
(2) جميلة طلباوي، «كنزة»، دار خيال للنشر والترجمة، برج بوعريريج، الجزائر، 2024م، ص 12.
(3) حسين خمري، حسين خمري، «سرديات النقد في تحليل آليات الخطاب النقدي المعاصر»، منشورات الاختلاف، الجزائر، ط1، 2011م، ص 98.
(4) جميلة طلباوي، «الخابية»، دار خيال للنشر والترجمة، برج بوعريريج، الجزائر، 2024م، ص 30.
(8) خالد بن عبدالرحمن آل دغيم، «الإعلام السياحي وتنمية السياحة الوطنية»، دار أسامة للنشر والتوزيع، عمان- الأردن، ط1، 2014م، ص 23.
