المطرب عوض الدوخي في رواية «سيرية» للروائي طالب الرفاعي

المطرب عوض الدوخي في رواية «سيرية» للروائي طالب الرفاعي

«نوخذة الطرب» هو اللقب الذي يطلقه باسم عوض الدوخي على والده المطرب الكويتي الشهير عوض الدوخي (1932- 1979م). والنوخذة في عالم البحر والصيد هو مالك السفينة أو مركب الصيد، أو قائده في عمليات صيد اللؤلؤ. والدوخي، كما يضيف الابن، مثل قطعة «الأنتيك»، ويقصد التحفة النادرة التي يصعب وجودها وتكرارها؛ وذلك لما يملكه الدوخي من أحاسيس ومشاعر أبدع في إيصالها إلى متذوق الفن الكويتي والخليجي خاصة، والعربي عامة.

والفنان الدوخي -كما سنعرف من رواية طالب الرفاعي- بدأ حياته من الكتاتيب إلى المدرسة ثم اضطر للعمل، وركب السفن الشراعية، وأداء دور «النهام»، قبل أن يواكب «زمن النفط» والتطور والعمران، ويصبح مطربًا في وزارة الإعلام الكويتية… وصولًا إلى نهاية مسيرته الغنية بعطائه.

أتى حديث باسم في سياق تقديمه لرواية الكويتي طالب الرفاعي، «دوخي: تقاسيم الصَّبا» (دار ذات السلاسل للنشر والتوزيع)، وهي رواية تجمع بين التوثيق والتخييل، وتمزج بين السرد الروائي والسيرة الغَيرية، وتعد أول رواية لحياة مطرب عربي، أو كما قال الرفاعي نفسه: إنها «ضمن روايات عربية قليلة تتناول سيرة حياة مطرب». ويبنيها المؤلف على مستويات عدة من السرد والحوارات والمونولوجات الداخلية، ومن خلال مجموعة من الشخصيات، أولها المطرب عوض نفسه، المسجى في سرير الاستشفاء، ثم الشخصيات المقربة؛ خصوصًا عائلته، والدته وزوجته وأولاده وأخوه وخالته وابن خالته، وغيرهم ممن يحيطون به في محنته؛ محطته الأخيرة مع المرض.

رحلة بدأها الدوخي بالعلاج في لندن ثم عاد منها وسط حشود من جماهير المستقبِلين، وها هو يعيش الساعات الأخيرة من حياته على سرير المرض. ثلاث ساعات ونصف تقريبًا هي زمن السرد في الرواية، وفي أثنائها تجري استعادة حياة عوض منذ طفولته حتى لحظة رحيله. وفي المشهد- الفضاء هناك عدد من الأطباء والممرضين والمرافقين القلقين على حاله، مع إدراكهم أنه قد يلفظ أنفاسه الأخيرة.

محطات بين زمنَين متداخلين

تجمع الرواية بين الصوت والرؤية البصرية لتنتج مشهديتها الغنية بالعناصر. وتبدأ أحداثها من الساعة العاشرة والنصف، ليل السابع عشر من ديسمبر 1979م، وتنتهي في الساعة الثانية فجر الليلة نفسها. ساعات من الآلام والتوترات ومن الأمل أمام سرير المريض في غيبوبته الأخيرة، ما بين صحو وغياب. في فضاء- مسرح المشهد الأول، ثمة حضور كثيف ومخيف لريح غامضة، يسميها السارد «عواء الريح»، وهو عواء أو ريح تتكرر في مشاهد الرواية جميعها تقريبًا، وتختلط في غرفة الاستشفاء مع أصوات الأهل وصوت مقرئ القرآن محمود عبدالوهاب الذي كان يحبه (الدوخي) منذ طفولته، وحاول تقليد صوته، مثلما أحب لحن الأذان وتكبيرات العيد، والمدائح النبوية، والاستماع للمطربين البحرينيين، وعوامل أخرى كان لها تأثيرها الكبير في تجربته. إضافة إلى عوامل أخرى منها تعلقه بمكتبة «ابن رويح» ووقوفه ساعات أمام الكتب والفرح بشراء كتاب، أو على الشاطئ لسماع غناء البحارة بنغمات «فن الصوت»، وعزف العود وضربات «المرواس»؛ إذ أمضى الدوخي طفولته مع العود، فهو كما يقول: «كنت مستعجلًا لتعلم العزف والغناء كي أكون مطربًا».

يتنقل السارد بين زمن المستشفى الراهن، وذكريات من طفولة عوض الشقية. ذكريات يرويها السارد بأصوات الشخوص الحاضرين المقربين من عوض، مثل ابنه عبداللطيف، وأخيه يوسف، وخالته وابن خالته عبدالله المحبوب. هؤلاء الذين يقدمون سردياتهم عنه، كل بأسلوبه ومخزون ذاكرته. الرواة يتذكرون محطات من سيرته الحياتية والفنية، والروائي السارد يتخيل ويصور المشهد تلو الآخر. وبقدْر من التشويق يجعل القارئ مشدودًا إلى توثيق السيرة، من جهة، وإلى السرد المتعلق بالساعات الأخيرة من حياته، من جهة ثانية، حيث الروائي يرسم صورة المريض ما بين حركة اليد أو العين، وما بين السكون، بينما يقف المحيطون به في حال من الترقب والخوف، بل في حال من اليأس. محطات رحلته -كما تخبرنا رواية الرفاعي- في ثلاثة عشر مشهدًا، مشاهد من التصوير والحركة السينمائية، وكما هي تجارب معظم الفنانين- تبدلت بين العُسر واليُسر، بين إخفاقات ونجاحات ليس في الإمكان الدخول في تفاصيلها، وسنكتفي بالوقوف عند أبرز ملامح هذه الرحلة.

رحلة الدوخي تبدأ منذ الطفولة التي يتذكر منها بعض أيام عمره حيث السكن «فريج المطبة»، واضطراره للعمل بمرافقة البحارة والصيادين و«النهامين». يسافر مع البحارة ليسقيهم الماء، أي «تبانًا» ما بين الغوص والتجارة، مع تفاصيل عمليات الصيد، ثم عمله «نهامًا» لسنوات أمضاها في ركوب البحر، حيث غناء السفن للبحارة الفقراء والغناء يعزي أرواحهم. ثم بدأ فكره ورغبته في التوجه إلى فرق فنية محلية وخليجية، وكانت بداياته في تقديم بعض أغنيات أم كلثوم التي التقاها في القاهرة ورحبت به وأشادت بصوته وأدائه، قبل أن ينفرد بأغانيه الخاصة التي صنعت له شهرته.

صوت المُغني

ومن بين الأصوات الكثيرة المختلطة والمتداخلة في الرواية، أعني الأصوات التي لا تملك للدوخي سوى الدعاء ورجاء الشفاء، يظل صوته هو، صوت عوض، الصوت الواهي والراجي خيرًا. هذا الصوت متعدد النبرات، كما يصوغها الروائي في مونولوجات خاصة؛ في نبرة الشاكي، حيث يبوح: «اختارني المرض دون غيري، أمسك بي وما كان ليتركني»، ونبرة الحالم: «تشربت روحي غناء السامري والخماري واللعبوني»، و«لدي الكثير مما أحلم به ولم أقدمه.. أشعر أنني ما زلت في شبابي، لم أدرك شيخوختي (كان لا يزال في السابعة والأربعين من عمره). لا أدري كيف خانني جسمي، بل حتى صوتي. ما كنت أظن أنني سأغدو يومًا كما أنا الآن! ممددًا على الأرض والريح تدوي في أذنَي. أنادي على أمي وأختي وأم فهمي (زوجته) وأخي. أنتظر أن يساعدني أيٌّ منهم، لكن لا أحد منهم يلبي؟!» (ص 30).

أجمل الذكريات في الرواية هي ما يرويه الدوخي عن نفسه، وعن تجربته، وأهمها ذكريات متعلقة بالغناء والطرب و«فن الصوت» الذي اشتُهر به، وهو ما ينقله الروائي بصياغات مختلفة، منها ما يرقى إلى الشعر. والغالب هي الصياغات المقربة من اللهجة المحكية، بمفرداتها الخليجية المألوفة، تعبيرًا عن الروح والمشاعر والأحاسيس التي تسكن هذا الفنان، وتشغل عالمه الفني والإنساني المُغرق في محليته، ومدى اغتنائه بالتراث الفني الخليجي، بل بتراث الخليج عمومًا، المادي والثقافي، واستناده إليه بصفته رافدًا أساسيًّا من روافد التجربة، سواء من خلال تلقي هذا التراث «عن بُعد»، حينًا، أو من خلال الالتقاء بالفنانين الخليجيين في أحيانٍ أخرى.

وعلى الرغم من أن الدوخي هو بطل الرواية، البطل التراجيدي بلا منازع، وذلك لما بذله الروائي من جهد على مستويين؛ المستوى الأول: يتمثل في جمع وتوثيق المادة الخاصة بحياة الدوخي، وتحولات هذه الحياة، من خلال شهادات وذكريات حميمة وقاسية، والمستوى الثاني: هو الاشتغال على هذه المادة بتحويلها إلى عمل فني/ روائي مكتوب بحب لشخصية البطل وعالمه الخصب. أقول على الرغم من أن الدوخي يظل هو البطل الأساسي وربما الوحيد، في حين أن الآخرين من حوله «مساعدون»، فإن الكاتب حرص على أن يقدم رؤيته الخاصة للمجتمع الكويتي، في علاقته مع الفن والفنان. وقد ظهر ذلك في حياة الفنان وتقلباتها، خصوصًا ما بين البدايات في البحر والصيد وفن «النهامة»، من جانب، وبين مرحلة النفط والتغييرات الجذرية في حياة الكويتيين.

ومن بين خلاصات قراءتنا لهذه الرواية، خلاصة تتعلق بمدى عمق الوعي لدى المؤلف بالعالم الذي يكتبه ويكتب عنه. فهو يعيش المجتمع بعاداته وتقاليده وثقافته على مدى عقود من السنوات، فيستثمر تجربته الحياتية والثقافية هذه في إعادة صياغة بيئته وشخوصه. ولا يكتفي الرفاعي بالتوثيق والتسجيل، بل يمزج بينهما وبين قدراته التخييلية، واشتغاله على الحالة النفسية للبطل وبقية الشخوص وتوتراتها في حزنها وفرحها، فضلًا عن قدراته في مجال الكتابة عن شخصيات ثقافية فاعلة في الثقافة الكويتية والخليجية والعربية، وذلك كله تحت تأثير حبه لمن يكتب عنهم، واهتمامه بتجاربهم.

وبخصوص شخصية الدوخي، استطاع الرفاعي أن يمزج فيها بين الدرامي والتراجيدي، الإنساني والفني، في تحدي سرطان الرئة بالفن والطرب، فيصوره كإحدى الشخصيات الخالدة في المسرح اليوناني، عادًّا -أي المؤلف- أن «المبدعين هم أعطية الله الباقية لبلدانهم».

أخيرًا، يترسخ في وعي قارئ الرواية، من بين الخلاصات، أن «الفن يجعل من الإنسان أسطورة»، وأن أسطورة الدوخي -كما يقول هو نفسه- صنعها إيمانه بأن «الغناء ليس مهنة للفلوس.. الغناء هو نفَسي»، و«الغناء هو حياتي، وحياتي هي الغناء»، وهي قناعات عاش بها تجربته بمراحلها وتحولاتها.