«عن البلاغة العامية»

«عن البلاغة العامية»

كتب الشاعر الإيطالي الأشهر، ومؤلف الكوميديا الإلهية، دانتي أليجييري (1265- 1321م) مقالًا «عن البلاغة العامية» في السنوات الأولى من القرن الرابع عشر (نحو 1302-1305م) بعد مدة وجيزة من نفيه من مدينة فلورنسا. «عن البلاغة العامية» هو التنظير الأدبي الوحيد المعروف في القرون الوسطى الذي أنتجه شاعر مُمَارس للأدب، وأول عمل يُعلي من اللغات العامية الحية على اللغة اللاتينية.

كان من المخطط أن يتكون النص من أربعة كتب، إلا أن دانتي توقف فجأة في منتصف الكتاب الثاني، دون إشارة إلى سبب هذا التوقف الغريب. في الكتاب الأول، يناقش دانتي تطور اللغة التاريخي وتفرعها إلى لغات مختلفة، بناء على القصَص الديني وتأويلاته المختلفة، كما يبيِّن هذا الجزء المترجَم، والعلاقة بين اللغة اللاتينية واللغات الدارجة، والبحث عن لغة دارجة «مُعبِّرة» في المنطقة الإيطالية؛ أما الكتاب الثاني فيبحث عن الأشكال الأدبية المناسبة للغة العامية، وبهذا يصل دانتي إلى «الكانتو» أو الأغنية ليُحلِّل بنيتها، وهي نوع أدبي طُوِّرَ في مدرسة الشعر الصقلية.

يُعَدّ هذا العمل تطورًا للنقد الأدبي غير مسبوق في عصره، وقد تعامل دانتي فيه مع اللغة على أنها نظام من العلامات يستشرف علم العلامات (السيميولوجيا) الذي سيظهر في القرن العشرين. الأمر المثير للمُفارقة أن دانتي قد كتب هذا العمل باللغة اللاتينية على الرغم من موضوعه الذي يُبدي اللغات الدارجة عليها.

وقد اعتمدت هذه الترجمة على الترجمات الإنجليزية للنص اللاتيني، وبالأخص نسخة جامعة كمبريدج مزدوجة اللغة.

الكتاب الأول

لغتنا الأساسية

بما أني لا أجد أحدًا قبلي قد تعامل بأي صورة مع نظرية البلاغة في اللغة الدارجة، وبما أنه يمكننا الرؤية بوضوح أن مثل هذه البلاغة ضرورية للجميع- ليس فقط الرجال، بل النساء والأطفال أيضًا يسعون لحوزها، بقدر ما تسمح به الطبيعة- سأحاول، مُلهمًا من الكلمة الآتية من الأعالي، أن أقول شيئًا مفيدًا عن لغة الأشخاص الذين يتكلمون باللسان العامي، متطلعًا بذلك إلى إنارة، بعض الشيء، فَهْمِ أولئك الذين يسيرون في الشوارع مثل العميان، ظانين أبدًا أن ما يتقدمهم وراءهم. مع ذلك، في شروعي بهذا الأمر، لن أجلب ماء تفكيري فقط لمثل هذا الكوب بالغ الضخامة، بل سأضيف إليه مكونات فعالة أكثر، مأخوذة أو مُستخرَجة من مكان آخر، حتى أتمكن من تحضير أحلى شراب مُمكِن.

لكن بما أنه مطلوب من أي معالجة نظرية ألا تترك أساسها مُضمرًا، بل تعلنه صراحةً، حتى يكون واضحًا ما يتناوله نقاشها، أقول، مسارعًا للتعامل مع المسألة، بأني أسمِّي بـ «اللغة الدارجة»، ما يكتسبه الأطفال ممن حولهم عندما يبدؤون في تمييز الأصوات لأول مرة؛ أو، بشكل أكثر إيجازًا، أعلن أن اللغة الدارجة هي تلك التي نتعلمها دون أي توجيه رسمي، من خلال محاكاة مُربياتنا. يوجد أيضًا نوع آخر من اللغة، أنأى عنَّا، أطلق عليه الرومان «جراماتيكا»(1). كما أن الإغريق وبعض الشعوب الأخرى -لكن ليس كلهم- لديهم هذا النوع الثانوي من اللغة أيضًا. قلة، على أية حال، هم الذين يحققون الطلاقة الكاملة فيها، حيث لا يمكن تطوير المعرفة بقواعدها ونظرياتها إلا من خلال التفاني في مسار طويل من الدرس.

من بين هذين النوعين من اللغة، الدارجة هي الأكثر رِفعَة: أولًا، لأنها كانت اللغة التي استخدمها الجنس البشري في الأصل؛ ثانيًا، لأن العالم كله يستخدمها، وإن كان بنطق مُختلف وباستخدام كلمات مختلفة؛ وثالثًا، لأنها طبيعية إلينا، بينما الأخرى، في المقابل، مُصطنعة.

وهذا النوع الأكثر رفعة من اللغة هو ما أنوي مناقشته.

لغة الإنسان ولغة الحيوان

هذه، في الحقيقة، هي لغتنا الأساسية. لا أقول، مع ذلك، «نا» لأنه هناك، أو يمكن أن يكون هناك، أي نوع آخر من اللغة غير لغة البشر؛ لأنه، من بين جميع المخلوقات الموجودة، مُنِحَ البشر فقط قُدرة الكلام؛ لأن ذلك كان ضروريًّا لهم فقط. والطبيعة تكره، بالطبع، فعل أي شيء زائد عن اللزوم.(2)

إذا أردنا، الآن، أن نحدِّد بدقة ما هي نيتنا حين نتكلم، فمن الواضح أنها ليست سوى أن نشرح للآخرين المفاهيم التي تشكَّلت في أذهاننا، والتي لا توصف من أجل إيصال مفاهيمهم المجيدة- هذه الكفاية التي من خلالها إما أن يجعلوا أنفسهم، في أنفسهم، معروفين لبعضهم تمامًا، أو ينعكسون، على الأقل، عبر تلك المرآة المتألقة التي تحتفظ بصورة لهم جميعًا في امتلاء جمالهم وحماسهم- يبدو أنهم لا يحتاجون إلى إشارات لتمثيل الكلام. وإذا كان هناك اعتراض بأن هناك بعض الساقطين، فيمكن تقديم إجابة مزدوجة. أولًا، عندما نناقش الأشياء الضرورية لحياة مُنظَّمة بشكل صحيح، يجب أن نترك الساقطين جانبًا؛ لأنهم اختاروا، بانحرافهم، عدم انتظار رعاية اللـه؛ ثانيًا، والأجدى، أن هذا يحتاج فقط إلى معرفة طبيعة ودرجة حالة سقوط أي واحد من زمرتهم من أجل إظهار فسادهم لبعضهم. وهذا ما يعرفونه بالفعل، لأنهم كانوا يعرفون بعضهم قبل خرابهم.

أما بالنسبة للحيوانات الأدنى، فنظرًا لأنها تسترشد فقط بغرائزها الطبيعية، لم يكن من الضروري منحها قُدرة الكلام؛ لأن جميع الحيوانات التي تنتمي إلى النوع نفسه متطابقة من حيث الفعل والشعور؛ وبالتالي يمكنهم معرفة أفعال ومشاعر الآخرين من خلال معرفة تلك الخاصة بهم. على الناحية الأخرى، لم يكن الكلام غير ضروري فحسب بين الكائنات من مختلف الأنواع، بل كان سيكون ضارًّا؛ لأنه لم يكن ليوجد تبادل ودِّي بينهما.

وإذا كان هناك اعتراض بأن الحيّة خاطبت المرأة الأولى، أو أن الحمار فعل الشيء نفسه مع بلعام(3)، وأنهم فعلوا ذلك بالكلام، أجيب بأن ملاكًا (في الحالة الأخرى) والشيطان (في السابقة) حيث خرج صوت يماثل الكلام الحقيقي؛ لكن بالنسبة إلى الحمار، لم يكن هذا أكثر من نهيق، للحية فحيح فقط. علاوة على ذلك، إذا وجد أي شخص حجة مُناقضة فيما يقوله أوفيد، في الكتاب الخامس من التحولات، حول طيور العَقْعَق المتكلمة، أجيب بأن هذا يقال بشكل مجازي ويعني شيئًا آخر. وإذا قيل إن طيور العَقْعَق والطيور الأخرى تتحدث بالفعل حتى يومنا هذا، أجيب بأن الأمر ليس كذلك؛ لأن فعلهم ليس كلامًا، بل هو محاكاة للصوت الإنساني، أو ربما يحاولون تقليدنا في كوننا نُحدِث صخبًا، ولكن ليس في كوننا نتكلَّم. بالتالي، لو قال شخص «عَقْعَق» بصوت عالٍ ورد عليه الطائر بكلمة «عَقْعَق»، فسيكون هذا فقط استنساخًا أو محاكاةً للصوت الصادر عن الشخص الذي نطق بالكلمة أولًا.

ولذا فمن الواضح أن قُدرة الكلام أُعطيت للبشر فقط. لكنني سأحاول الآن بإيجاز أن أتحرّى لماذا كان ينبغي أن يكون هذا ضروريًّا لهم.

لغة الغريزة ولغة العقل

بما أن البشر، إذًا، لا يحركون بغريزتهم الطبيعية بل بالعقل، وبما أن هذا العقل يتخذ أشكالًا متنوعة في الأفراد، وفقًا لقدرتهم على التمييز أو الحكم أو الاختيار -إلى الحد الذي يبدو فيه أن الجميع تقريبًا يتمتعون بوجود نوع فريد بهم- أعتقد أنه لا يمكننا أبدًا فهم أفعال أو مشاعر الآخرين بالرجوع إلى أفعالنا، كما تستطيع الحيوانات الأدنى. ولم يُعط لنا أن ندخل إلى أذهان بعضنا عن طريق التأمل الروحي، كما تفعل الملائكة؛ لأن الروح البشرية تنوء بثِقَل وكثافة الجسد الفاني.

لذلك كان من الضروري أن يكون للجنس البشري إشارة ما مبنية على العقل والإدراك، حتى يتمكن أعضاؤه من إيصال مفاهيمهم فيما بينهم. ونظرًا إلى أن هذه الإشارة احتاجتْ إلى تلقي محتواها من العقل وإعادته إلى هناك، كان يجب أن تكون عقلانية؛ لكن، بما أنه لا يمكن نقل أي شيء من ذهن عقلاني إلى آخر إلا بوسائل قابلة للإدراك بالحواس، فكان لا بد أيضًا من أن تُبنى على الإدراك؛ لأنه لو كانت محض عقلانيَّة، فلن تتمكن من القيام برحلتها، لو كانت محض محسوسة، فلن يمكنها استخراج أي شيء من العقل أو إيصال أي شيء إليه.

هذه الإشارة، إذًا، هي الأساس الرفيع الذي أناقشه؛ لأنها محسوسة، من حيث إنها صوت، وفي الوقت نفسه عقلانية أيضًا، من حيث إن هذا الصوت، وفقًا للعُرف، يؤخذ بصفته يعني شيئًا.

المتكلم الأول

هكذا، فقدرة الكلام أُعطيت للبشر، كما يتضح مما قيل آنفًا. أرى أنه يتوجب عليَّ الآن أيضًا اكتشاف أي كائن بشري مُنح هذه القدرة لأول مرة، وماذا قال أولًا، وإلى من، وأين ومتى؛ وأيضًا بأي لغة حدث هذا التلفظ الأوليّ.

وفقًا لما جاء في بداية سفر التكوين، حيث يصف الكتاب المقدس أصل العالم، نجد أن امرأة قد تكلمت قبل أي أحد آخر، عندما أجابت حواء، الأكثر تجرؤًا، مداهنات إبليس بهذا: «من ثَمَر شجر الجنة نأكل، وأما ثَمَر الشجرة التي في وسط الجنة فقال اللـه: لا تأكلا منه ولا تمساه لئلا تموتا». لكن على الرغم من أننا نجد في الكتاب المقدس أن امرأة تكلمت أولًا، ما زلت أعتقد أنه من المعقول أكثر أن رجلًا قد فعل ذلك؛ وقد يُعتقد بشكل غير ملائم أن فعلًا مميزًا جدًّا للجنس البشري كان لتقوم به امرأة وليس رجلًا؛ لذلك من المعقول أن نعتقد أن قدرة الكلام قد أُعطيت أولًا لآدم، من قِبَل الذي خلقه للتو.

أما فيما يتعلق بما نطق به لأول مرة بصوت المتكلم الأول، فسيظهر ذلك بسهولة لأي شخص في رجاحة عقله، وليس لدي شك في أنه كان اسم اللـه، أو إيل(4)، في هيئة سؤال أو إجابة. من العبث الواضح، وإهانة للعقل، الاعتقاد بأن أي شيء قد سمّاه إنسان قبل اللـه، وهو قد جُعل إنسانًا بواسطته ومن أجله؛ لأنه لو بدأ حديث كل واحد منا بـ«ويل!»(5) منذ الكارثة التي حلت بالجنس البشري، فمن المعقول أن من كان موجودًا قبلها لا بد أن استهلّ بصيحة فرح؛ وبما أنه لا يوجد فرح خارج اللـه، بل كل فرح في اللـه، وبما أن اللـه نفسه هو الفرح نفسه، فإن هذا يعني أن أول إنسان تكلم لا بد أنه قال أولًا وقبل كل شيء «اللـه».

من هذا يبزغ سؤال: لو تكلم أول إنسان في هيئة إجابة، كما قلت آنفًا، هل هذا الجواب موجه إلى اللـه؟ لأنه إذا كان الأمر كذلك، فمعناه أن اللـه قد تكلم بالفعل الذي سيبدو أنه يثير اعتراضًا على الحُجَّة المُقدمّة آنفًا(6). أرد على هذا، على أيّة حال، بأن آدم ربما يكون قد أجاب عن سؤال من اللـه، لكن لا يعني، بناءً على هذا، أن اللـه تحدث باستخدام ما نسميه لُغَة؛ لأن مَنْ يشك في أن كل ما هو موجود يخضع لإشارة من اللـه، الذي بواسطته، حقًّا، كل الأشياء تُخلَق وتُحفظ، وفي النهاية، تبقى في نظام؟ لذلك، لو كان من الممكن تحريك الهواء، بأمر من الطبيعة الصغرى التي هي خادمة اللـه وخلقه، إلى تحولات عميقة لدرجة أن تضرب الصواعق، ويومض البرق، وتغضب المياه، ويسقط الثلج، ويطير البَرَد، أفلا يمكن أيضًا، بأمر اللـه، أن يتحرك ليصنع صوت كلمات، إذا ميّزهم هو، الذي صنع تمايزات أعظم بكثير؟ لم لا؟

وعليه، أعتقد أن هذه الإجابة وافية لهذا السؤال وغيره من الأسئلة.

الحديث الأول

مُعتقدًا، إذًا، ليس من دون أسُس معقولة مُستمدة من أعلى وأسفل معًا(7)، أن الإنسان الأول وجَّه حديثه الأول إلى اللـه، أقول، بشكل معقول بالدرجة نفسها، أن هذا المتكلم الأول تكلَّم في الحال- بالفعل، فور أن نُفخت فيه قُدرة اللـه الخلاقة؛ لأننا نؤمن بأنه أكثر إنسانية للإنسان أن يُدرَك عن أن يُدرِك، طالما أنه، أو أنها، يُدرَك ويُدرِك كإنسان. لذلك لو كان خالقنا، مصدر ومُحِب الكمال، قد أكمل سلفنا الأول من خلال غرس كل كمالٍ فيه، أجد أنه من المعقول ألا يبدأ هذا المخلوق النبيل في الإدراك قبل أن يُدرَك.

ولو اعترض شخص ما على هذا، قائلًا: إنه لا توجد حاجة له للكلام؛ لأنه كان الإنسان الوحيد الموجود حتى تلك اللحظة، واللـه يعرف كل أسرارنا دون أن نضعها في كلمات (بالفعل، قبل أن نعرفها نحن)، أجيب بكل الاحترام الذي يجب أن نشعر به عند التعبير عن رأي حول إرادة اللـه الأبدية، بأنه حتى لو عرف اللـه (أو بالأحرى عرف مُسبقًا، وهو الشيء عينه فيما يَخص اللـه)، تصوّر المتكلم الأول دون أن يكون عليه الكلام، فإنه، مع ذلك، لا يزال يرغب في أن يتكلم آدم، حتى يتم تمجيد من قدم بمحض إرادته عطية عظيمة كهذه في توظيفها. وبالمثل، علينا أن نؤمن بأن حقيقة أننا نبتهج بالنشاط المُنظَّم لملكاتنا هي علامة على الألوهيّة فينا.

ومن هذا يمكننا أن نستنتج بثقة المكان الذي نُطِق فيه الحديث الأول: لأني قد بيَّنتُ بوضوح أنه إذا نُفخ روح اللـه في الإنسان خارج الجنة، فإنه خارج الجنة قد تكلم؛ لو بالفعل في الداخل، فإن مكان الحديث الأول كان في الجنة نفسها(8).

لغة آدم

بما أن الشؤون الإنسانية تُجرى الآن بلُغاتٍ مُختلفة كثيرة جدًّا، بحيث إن كثيرًا من الناس لا يُفهَمون بشكلٍ أفضل مِن جانب الآخرين حين يَستخدِمون الكلمات عمَّا لو لم يستَخدِمُوها، تعيَّن علينا تقصِّي اللغة التي يُعتقَد أنها استُخدِمَت مِن جانب الرجل الذي لم يكن لديه أبدًا أمٌّ ولا شَرب من لبَنها، الرجل الذي لم يرَ أبدًا طفولة ولا نضُوجًا.

كما في أمور عدَّة أُخرى، فـ«بيترَامَالا»(9) في هذا الشأن مدينةٌ عظيمة بالفعل، بيتُ القِسْط الأكبر من أبناء آدم؛ لأن أي أحد مُضَلَّل جدًّا أنْ يَظُن مكان مَولِده هو أكثر موقع بَهيجِ تحت الشمس، سيعتقد أيضًا أن لُغته الخاصة -أي لُغتِه الأم- فُضلى بين كل الأُخريات؛ نتيجة لذلك، سيعتقد أن لُغته كانت أيضًا لُغة آدم. بالنسبة لي، على أية حال، العالم كُلّه وَطَنٌ، مِثل البَحر بالنسبة للسمكة -على الرغم أنِّي شَرِبتُ مِن «آرْنُو» قبل أن أُسنِّن، وأُحبُّ «فلورنسا» كثيرًا جدًّا إلى حد أني أعاني النفي ظُلمًا بسبب أني أحببتها- وسأزِنُ حُكمي بالمنطِق أكثر مِن العاطفة. وبالرغم من أنه لا يوجد مكانٌ على الأرض موافق أكثر لمسرَّتي (أو بالأحرى لإشباع رغبتي) من «فلُورَنْسَا»، فحِين أقلِّب صفحات أسفَار الشعراء والكُتَّابِ الآخرين، الذين عَبرَهُم وُصِفَ العالم كله وفي أجزائه المُقوِّمة، وحينَ أتأمَّلُ، في داخلي، مواقعَ الأماكن المُختلفة في العالم، وعلاقتهم بالقُطبَين والدائرة عند خَط الاسْتوَاء، أقتنعُ، وأقرُّ بوضوح، أن هناك مناطق ومُدُنًا عدَّة أكثر نُبلًا وبَهجَة من «تُوسكَاني» و«فلُورَنْسَا»، حيث وُلِدتُ وتَوطَّنْتُ، وأُمَمٌ وشُعوبٌ عديدة يتحدَّثون لُغةً أكثر أناقة وعمليَّة من الإيطاليين.

بالعودة، من ثَم، لموضوعي، أقولُ: إن شكلًا ما من اللغة خلَقَه اللـه مع الروح الأولى؛ أقولُ «شكلًا» بالإحالة إلى الكلِمات المُستخدمة للأشياء، وبِنَاء الكلمات، وترتيب البِنَاء، معًا؛ وكان لهذا الشكل من اللغة الاستمرار في استِخدَامه من جانب كُلِّ المُتحدثِينَ، لو أنَّه لم يُهشَّم عبر خطَأ الافترَاض الإنسانيّ، كما سَيُبيَّن بالأسفل.

في هذا الشكل من اللغة تحدَّث آدمُ؛ في هذا الشكل من اللغة تحدَّث كُلُّ نَسْلِه حتَّى بِنَاء بُرجِ بَابِل (الذي فُسِّر بـ«بُرج البَلْبَلَة»)؛ هذا هو شكل اللغة المَوْروث من جانب أبناء «عِبر»، الذين دُعوا عِبرَانِيين لأجل ذلك. بَقِيَت لهؤلاء فقط بَعد البَلْبَلَة، كَي لا يتحدَّث مُخلِّصنَا، الذي كان سينحدِر منهم (بمقدَار ما كان إنسانًا)، لُغة البَلْبَلة، بل النعْمَة.

هكذا كانت اللغة العِبريَّة هي اللغة التي شكَّلتها شِفاه المُتكلم الأوَّل.


المصدر: Dante: De Vulgari Eloquentia, Cambridge University Press, Bilingual Edition, 1996


هوامش:

(1) حرفيًّا «علم النحو»، ويقصد بها عادة اللاتينية، لكن يقصد بها دانتي في هذا النص اللغة الأدبية التي تحكمها القواعد، والتي تنطبق بالشكل الأكبر، مع اللاتينية كما كتبها الشعراء الكبار.

(2) هذه الفكرة مستوحاة من أرسطو على غرار الكتابات القرو-أوسطية المسيحية المتأخرة.

(3) شخصية توراتيّة ذُكرت في سفر العدد.

(4) لقب باللغة الساميّة يعني الإله.

(5) إحالة إلى سفر الحكمة في العهد القديم؛ حك 7:3.

(6) في المقطع الأول والثاني أعلاه، جادل دانتي بأن الملائكة ليسوا بحاجة إلى الكلام، لذلك فبالأحرى ألا يحتاج خالقهم إليه.

(7) ليس من الواضح إذا كان يقصد دانتي أعلى وأسفل النص، أو بشكل لاهوتي، من الأدلة الكتابية والعقلية.

(8) كان الإجماع في تفسير الإصحاح الثاني من سفر التكوين في العصور الوسطى المتأخرة، أن خَلق آدم حدث خارج الجنة، لكن كانت القضية لا تزال جدلية.

(9) قرية على الطريق بين فلورنسا وبولونيا، في الأغلب يُضرب بها المثل لكونها بلدة صغيرة ممتلئة بأوهام العظمة.