رسائل فيتزجيرالد إلى همنغواي «الصديقين اللدودين» علاقة تجمع بين التنافس الشديد والاحترام مع الود العميق

رسائل فيتزجيرالد إلى همنغواي «الصديقين اللدودين»

علاقة تجمع بين التنافس الشديد والاحترام مع الود العميق

التقى فرنسيس سكوت كي فيتزجيرالد (1896- 1940م)، صاحب «جاتسبي العظيم»، وإرنست همنغواي (1899- 1961م)، صاحب «العجوز والبحر»، أول مرة في باريس في مايو 1925م. وقد جمعتْ بينهما علاقة صداقة معقدة ومضطربة. علاقة يمكن وصفها بصداقة عدوين في الأدب، بدأت بعد لقاء باريس. وكانا حينها عضوين بارزين فيما يعرف غالبًا باسم «الجيل الضائع»، وهي مجموعة من الفنانين والكتاب الأميركيين المقيمين في باريس في عشرينيات القرن الماضي. في البداية، أرشد فيتزجيرالد همنغواي الأصغر سنًّا، مستخدمًا نفوذه لمساعدته في الحصول على ناشر أفضل. قام فيتزجيرالد، بدور المرشد للكاتب الشاب همنغواي، الذي كان أقل خبرة، وساعده في التعامل مع عالم النشر وإقامة علاقة جيدة مع محرر أعماله، ماكس بيركنز. وبعد وقت قصير، وتحديدًا في 1926م، أدى مزيج من الإعجاب المتبادل والغيرة المهنية، مع صعود شهرة همنغواي، إلى خلافات تشبه العداء.

وقد أسهمت مقالة فيتزجيرالد «الانهيار» التي نُشرت عام ١٩٣٦م، إضافة إلى الإشارات السلبية التي ذكرها همنغواي في قصته «ثلوج كليمنجارو»، في تعميق الخلاف بينهما، وهو ما توضحه بعض الرسائل. ويضاف إلى ذلك المشاعر السلبية التي كان همنغواي يكنُّها تجاه زيلدا، زوجة فيتزجيرالد، وكان مقتنعًا بأنها أثَّرتْ سلبيًّا في حياة فيتزجيرالد ومهنته. وعلى الرغم من خلافاتهما، فكان كل منهما يكنُّ احترامًا عميقًا لكتابات الآخر. فقد عدّ فيتزجيرالد رواية همنغواي «الشمس تشرق أيضًا» تحفة فنيةً، وأشاد همنغواي برواية فيتزجيرالد «جاتسبي العظيم» وعدَّها عملًا فنيًّا من طراز فريد؛ لذلك استمر تبادل الرسائل بينهما حتى وفاة فيتزجيرالد.

وقد كتب فيتزجيرالد قبل وفاته رسالة إشادة إلى همنغواي، أعرب فيها عن إعجابه بأعمال همنغواي الأدبية. وما زالت العلاقة بينهما مثالًا كلاسيكيًّا لما يمكن أن نطلق عليه «الصديقين اللدودين» في تاريخ الأدب، حيث تُظهر كيف يمكن أن يوجد التنافس الشديد مع الاحترام والود العميق في آنٍ واحد بين كاتبين كبيرين.

أرسل فيتزجيرالد إلى همنغواي 25 رسالة، وهي كل ما عثر عليه، وأرسل همنغواي إلى فيتزجيرالد عشرات الرسائل، وذكره في رسائل أرسلها إلى أصدقاء مشتركين. ولما كنت قد ترجمت رسائل همنغواي في مجلدين كبيرين صدرا عن دار آفاق في 2019م، أكتفي فيما يلي بترجمة رسائل فيتزجيرالد إلى همنغواي.

– 1 –

ختم البريد بتاريخ: ٣٠ نوفمبر ١٩٢٥م

رسالة بخط اليد، صفحتان. مكتبة جون ف. كيندي؛ من كتاب تيرنبول،(1) «الحياة في الرسائل».

عزيزي إرنست:

خجلْتُ بشدة مما حدث صباح ذلك اليوم. ليس فقط لأنني أزعجْتُ هادلي(2)، بل لأنني أقحمْتُ عليك «جودا لينكولن» المعروف بجورج مورجنثاو. لكن من الإنصاف القول: إن الرجل المقيت الذي دخل شقتك صباح السبت لم يكن أنا، بل رجلًا يُدعَى جونستون، وكثيرًا ما التبس أمره على الناس وظنوه أنا. وعلى عكس ما يبدو، لم تكن زيلدا تعاني نَقْصَ الرعايةِ، بل هستيريا عصبيةً لا يُخفِّفها إلا طبيبٌ يُعطيها المورفين. وقد ذهبنا إلى غابة بيلو في اليوم التالي للتعافي.

لسببٍ ما، كذبْتُ عليك كذبةً سخيفةً، أو بالأحرى مبالغة سخيفة؛ لأن الحقيقةَ وحدها كانت تكفي لبعث البهجة في نفسي. رفعت مجلة «ساترداي إيفننج بوست» مكافأتي إلى ٢٧٥٠ دولارًا، وليس ٣٠٠٠ دولار، أي بزيادةٍ قدرها ٧٥٠ دولارًا في شهر واحد. وربما خطر ببالي أنني أستطيعُ الآن الحصولَ على ٣٠٠٠ دولارٍ من المجلاتِ الأصغر. ولم تفعل البوست سوى أن ساوت عرض هيرست، ونادرًا ما تفعل ذلك.

قلْتُ لك: إنني لا أعرف الروايات المحرفة عن واقعة مكالمون أو حفلة المجون الإنجليزية التي شاركنا فيها مؤخرًا. صحيح أنني أنقذْتُ مكالمون(3) من علقة ربما كان يستحقها، وأننا ذهبنا إلى حفلات صاخبة في لندن مع ماركيزة ميلفورد هافن التي التقيناها أول مرة مع تالولا بانكهيد(4). أعتقد أنها من عائلة شبه ملكية. على أي حال، كانت لطيفة جدًّا، وأي شيء آخر أضفته عن العلاقات بين آل فيتزجيرالد وبيت وندسور محض خيال.

أنا متحمس لقراءة الرواية الفكاهية(5). هل تذهب إلى مطعم ماكليش يوم الثلاثاء؟ أتمنى أن تكون هادلي بخير الآن. أرجو أن تصدق أننا نبعث بأطيب أمنياتنا إلى إرنست م. همنغواي.

* * *

فيلا سانت لويس، خوان ليه بين

ديسمبر ١٩٢٦م

من تيرنبول، «الحياة في الرسائل».

عزيزي إرنست:

سنغادر هذا المنزل يوم الثلاثاء متجهين إلى جنوه ونيويورك. أتمنى أن تكون أحوالك أفضل. إذا كان هناك أي شيء تحتاج إلى إنجازه، هنا كما في أميركا -أي شيء يتعلق بعملك، أو أموالك، أو أي مساعدة إنسانية من أي نوع- فتَذكَّرْ أنك تستطيع اللجوء إليَّ دائمًا.

صديقك المخلص، سكوت

* * *

ديسمبر 1926م

رسالة بخط اليد، صفحتان. مكتبة جون ف. كيندي

ورق مكاتبات س. س. كونتي بيانكامانو

مُرسلة من واشنطن العاصمة

عزيزي إرنست:

أحزنتني رسالتك، بشكل غير منطقي؛ لأنني كنت أعرف تقريبًا ما سيحدث(6). أتمنى أن أراك وأسمع منك الحكاية، لو أحببْتَ. على أي حال، آسف لك ولهادلي وبومبي(7)، وآمل أن ترضوا جميعًا بطريقة ما، وألا تبدو الأمور صعبةً وسيئةً إلى هذا الحد.

لا أستطيع أن أُعبِّر لك عن أهمية صداقتك لي خلال هذا العام والنصف. إنها أروع ما في رحلتنا إلى أورُبا. سأحاول رعاية مصالحك مع سكريبنر في أميركا، لكنني أعتقد أنه لم يعد هناك حاجة إلى ذلك الآن، وأنك قريبًا ستكون في وضع مالي أفضل بكثير.

أسفْتُ لأنك لم تأتِ إلى مرسيليا. أعود بروايتي التي لم تكتمل بعد، وبصحة أقل، وبمال ليس أكثر بكثير مما كان معي حين أتيْتُ. لكنني راضٍ إلى حدٍّ ما، حاليًّا، بالحركة، ونيويورك التي تنتظرني، وتعافي زيلدا تمامًا. وسعيد بالقدر الذي أنجزْتُه بالفعل من كتابي.

أنا سعيدٌ جدًّا بالتغطية الصحفية التي شاهدتها لرواية «الشمس تشرق أيضًا» وغيرها. لم أكن أدرك أنك سلبْتَ كل هذا مني، لكنني مستعد لتصديق ذلك، وسأخبر الجميع. بالمناسبة، أعجبتْني النسخة المطبوعة أكثر من النسخة المخطوطة.

كانت الطبعة الأولى على الأرجح 5000 نسخة. قد تعني الطبعة الثانية أنهم باعوا 4500 نسخة، فطلبوا 3000 أخرى. وقد يعني ذلك مبيعات تُراوِحُ بين 2500 و5000 نسخة.

مجلة «كوليج هيومر» تدفع بسخاء. لن تتحول «الشمس تشرق أيضًا» إلى فِلْمٍ، إلا إذا حقق الكتاب نجاحًا كبيرًا أو أثار فضيحة. هذا مجرد تخمين.

استمتعْنا جميعًا بـ«الحياة جميلة مع بابا»(8). نتفق مع بومبي.

مع خالص التحيات، سكوت

اكتب لي، طرف سكريبنر.

* * *

فندق روزفلت، واشنطن العاصمة

مارس ١٩٢٧م

من تيرنبول.

عزيزي إرنست:

بضعة سطور على عَجَلٍ. تناولْتُ الغداء مع مِنْكن في بالتيمور أمس. بدأ للتو قراءة «الشمس تشرق أيضًا»، إلخ. لا يتذكر أنه رأى قصة «النهر ذو القلبين الكبيرين» ويعترف بارتباكه بشأن وجود طبعتين من «في عصرنا». انتزعْتُ منه وعدًا بأن يدفع لك ٢٥٠ دولارًا مقابل أي شيءٍ قد يستخدمه من أعمالك. أمامك إذنْ منفذٌ آخر. أخبرْتُه كيف كنت ستضربه. إنه «رجلٌ رائع» (بلا سخرية؛ مجرد زلة قلم). إنه مهتمٌّ تمامًا، ولا يضمر أي حقد. كان الأمر برمته فوضويًّا ببساطة، فهو من أكثر الرجال انشغالًا في أميركا.

«القاتلان» قصة رائعة.

صديقك المُخلص، سكوت

* * *

18 إبريل 1927م

رسالة بخط اليد، صفحة واحدة. مكتبة جون ف. كيندي؛ من كتاب تيرنبول، «الحياة في الرسائل».

من قصر «إلرسلي»، إدجمور، ديلاوير

يا إلهي! آل برومفيلد هؤلاء مريعون! تعرفْتُ على عشاء البخل.

عزيزي إرنست:

قصتاك رائعتان (في عدد إبريل من سكريبنر). لكن عليك الحذر، مثلي، من إيقاعات كونراد في الاقتباس المباشر من الشخصيات، وبخاصةً إذا كنتَ تُشير إلى عبارة واحدة وتُجبر إنسانًا على العيش بها.

«في الخريف، كانت الحرب هناك دائمًا، لكننا لم نعد نخوضها»(9) من أجمل الجُمَل النثرية التي قرأْتُها على الإطلاق.

تعرضْتُ للكثير مؤخرًا حتى يئسْتُ من استيعابه أو نسيانه، سيان.

أكره التفكير في أنك في ضائقة مالية. أرجوك استخدم هذا المبلغ إن كان سيساعدك(10). ستدفع مجلة أتلانتيك نحو ٢٠٠ دولار، على ما أعتقد. سأتواصل مع بيركنز بشأن ذلك حين يعود من إجازته (أسبوع). ألم يُقدموا لك كل ما تحتاجه مقدمًا عن كتاب القصص؟ العنوان جيد بالمناسبة. ما فرصة عبورك المحيط هذا الصيف؟

سأنتهي من روايتي في الأول من يوليو.

مع أطيب أمنياتي وأشواقي، سكوت

عنواني لمدة عام: قصر إلرسلي، إدجمور، ديلاوير. منزل قديم ضخم على نهر ديلاوير. بأعمدة، وكل ما يميز القصور القديمة. يُنادونني «العقيد». وينادون زيلدا «المدام العجوز».

* * *

أكتوبر 1927م

رسالة بخط اليد، ٣ صفحات. مكتبة جون ف. كيندي؛ من تيرنبول، «الحياة في الرسائل».

ورق مكاتبات «إلرسلي». إدجمور، ديلاوير

عزيزي إرنست:

سيرسل لك الآلاف من هذه القصاصة(11). أظن أنها ستجعلك تعي تمامًا وجودَك العام. كتبها بحسن نية؛ فقد أشاد بكتابك قبل بضعة أيام.

الكتاب رائع. أعجبني بقدر ما أعجبتني رواية «الشمس تشرق أيضًا»، وهذا لا يعبِّر عن مدى حماسي. على الرغم من كل تشعُّبه الجغرافي والعاطفي، فهو وَحْدَة متكاملة، تمامًا مثل مجموعات الحكايات لكونراد. قرأتْه زيلدا بانبهار، وأُعجِبَتْ به أكثر من كل ما كتبْتَه. قصتها المفضلة «تلال كالأفيال البيضاء»، أما قصتي المفضلة، باستثناء قصة «القاتلان»، فهي «الآن أضطجع». والقصة عن الهنود هي الوحيدة التي لم تُثِرِ اهتمامي، وأنا سعيد لأنك أغفلت «في متشجن». ربما تنتمي هذه القصص على الأرجح إلى مسار سابق، وقد استُنفِد غالبًا.

«في الخريف، كانت الحرب هناك دائمًا، لكننا لم نعد نخوضها». يا إلهي، ما أجمل هذا السطر! وأحلام اليقظة في قصة «الآن أضطجع» والجو العام لقصة «تلال كالأفيال البيضاء».

هل رأيْتَ المراجعة التمهيدية لذلك الوغد راسكو، من الواضح أنه لم يقرأ إلا ثلاث قصص، لكنه يريد أن يبدو مطلعًا على كل جديد؟

يقول ماكس: إن العدد بيع ٧٥٠٠ تقريبًا، لكن ذلك كان قبل خمسة أيام. يعجبني عنوانك -كل الشباب الحزانى بلا نساء- وأشعر أن تأثيري بدأ يظهر. مانويل غارسيا هو غاتسبي بلا شك. ما لم تتعلمه مني ستتعلمه من رواية «المرأة الصالحة» لبرومفيلد، وقريبًا تسير في طليعة جيل الشباب.

لم أعمل في هذا الصيف، لكنني سأعمل كثيرًا في هذا الخريف. آمل أن أنهي الرواية بحلول أول ديسمبر. توترْتُ بشدة في الآونة الأخيرة توترًا جسديًّا بحتًا، لكنه أخافني بعض الشيء؛ حتى إنني أقلعْتُ عن الشراب، وبدأْتُ في تدخين السجائر منزوعة النيكوتين. زيلدا تتدرب على الباليه ثلاث مرات أسبوعيًّا مع أوركسترا فيلادلفيا السيمفوني، وترسم أيضًا. أعتقد أنك تصرَّفْتَ بحكمة بعدم قبول عرض هيرست. وقَّعْتُ عقدًا معهم، واتضح أنه سبب لي أضرارًا جسيمة بطريقة ما. لونج زبال عاطفي لا يتمتع بأي ذوق أو شخصية، ولا يقارن بلوريمر على سبيل المثال. ومع ذلك، لم لا ترسل قصصك إلى بول رينولدز؟ سيكون سعيدًا بمعالجتها ويوفر لك مكافآت سخية. تدفع لي صحيفة «ذا بوست» الآن 3500 دولار؛ هذه التفاصيل حتى تتأكد من حقيقة كاتب هذه الرسالة.

لا أستطيع وصف مدى اشتياقي إليك. قد أعبر المتوسط لستة أسابيع في مارس أو إبريل. رواية «الجدات»(12) محترمة لكنَّها غير متميزة، وأنتَ هل تعود إلى الوطن. مع أطيب تحياتي لبولين(13). مع أطيب التمنيات والمودة.

سكوت

* * *

رسالة بخط اليد، صفحتان. مكتبة كيندي؛ من المراسلات.

يوليو 1928م تقريبًا

باريس، ركن تيني ويني(14)، صن شاين فيل

بابا العزيز، مصارع الثيران، النهم، إلخ.

وصل إلى مسامعي:

(أ) أنك شوهدْتَ وأنت تركب دراجتك عبر كانساس، تمضغ وتبصق خليطًا من لحم الماعز والهندباء البرية، الذي يجمعه السكان الأصليون ويبيعونه ملينًا للشرايين وإغراق السوق.

(ب) أن بومبي فاز بمنحة بنيامين ألتمان في مدرسة كاندل، وحصل على الجوائز الأولى في نظرية المعرفة المقارنة، وأمراض طيور الغاق والنسور الصغيرة، وأمراض النساء للهواة، وهستيريا الأمعاء.

(ج) أنك ستُنازل جيم تالي(15) في واشدوج، ويسكنسن، في يوم ذكرى شهداء الحرب الأهلية، مرتديًا حزام العفة، وشعرك مقصوص «لا جارسون».

هل هذا كله صحيح؟

عدنا أصدقاء لآل مورفي. تحدثنا عنك كثيرًا، وحاولنا أن نذكر الأشياء اللطيفة فقط، وتمكنا من إلقاء بعض التعليقات الطريفة التي قد تُسليك -عن أي شخص آخر- وهذا ما تناله عادةً حين تكون بعيدًا بهذا الشكل. بالمناسبة، ذهبت مرتين إلى هادلي. كانت غائبة في المرتين، لكنني رأيت بومبي مرة، وأعتقد أنه أفضل طفل رأيته على الإطلاق بفارق هائل.

حسنًا، يا خاطف الماكريل(16) العجوز، التهمْ رقاقة القربان وكأسًا من الدم، وحين تعود ملاكمًا في الظل إلى حياتي بتشبيهاتك الجديدة «السويوا» و«الووسي»(17) (التي، كما لاحظْتَ بلا شك، قدمْتَها للعالم)، لن يكون أحدٌ أسعد من صديقك المخلص سكوت فتزج.

وأنت في أميركا، لا تشكك في كلامي بأنك احتفظت برأس جسر (bridgehead) (ولعل الكلمة الصحيحة هوب هيد hophead) في كابوريتو لمدة ثلاثة أيام، مما أربك الفيلق النمساوي الثاني تمامًا. بعد خمسين عامًا، يكون قد مات كل من يستطيع إنكار ذلك أو انشغل برؤوس جسوره الخاصة، مثل لورانس ستلينجز، الذي ينسب لنفسه مآثر فيلقي المارينز الخامس والسادس. «هيبوترن -أعرفها طبعًا- أنا من استولى على تلك القرية».

أرسل قصة إلى لوريمر(18). قرأتُ اعتذارَ منكن العلني(19). ليس سيئًا بالنسبة لرجل عجوز أنهكته المشاكل. ليساعدنا الرب جميعًا! رأيتُ جويس كثيرًا. أرجو أن تعود، سأكون هنا حتى ٢٠ أغسطس، ٥٨ شارع فوجيرارد. ثم أعود إلى أميركا لبضعة أشهر.

مع أطيب التحيات لبولين!

* * *

28 ديسمبر 1928م

رسالة بخط اليد، صفحتان. مكتبة جون ف. كيندي؛ من تيرنبول.

عزيزي إرنست

آسفٌ جدًّا على ما حدث لك. أعتقد أن فقدان الوالدين من الأمور العادية التي تحدث لشخص في الثلاثينيات(20). كلما رأيْتُ والدي الآن أعتقد أنها ستكون المرة الأخيرة.

شكرًا لبولين على بطاقة الكريسماس الجميلة. يسعدني أن تكونا هنا، حتى لو فقدْتُ الوعي بين الحين والآخر.

أرسل لك ما قد يكون خبرًا(21)، ويا ​​لها من سابقة رائعة للانقضاض على مِنْكن. رأيْتُ مورفي وزوجته لمدة ساعة في نيويورك. سنبحر في أول مارس، وآمل أن تكون الرواية جاهزة. (مع أنني لن أتحدث عن الإبحار حتى أتأكد، لن أذهب إلا بعد الانتهاء من الرواية). ظن رنج أنك بخير، كان متحمسًا على غير عادته.

أشعر بالضجر وبعض الاكتئاب الليلة؛ لذا لن أستمر. أوه، نعم، قابلْتُ العجوز هـ. ستيرنز قبل مغادرة باريس مباشرة، وكنت أشعر بأنني سكران وأشبه المسيح، فاقترحْتُ عليه عنوانًا: «لماذا أواصل العيش فقيرًا في باريس»، وطلبت منه أن يكتبها كرسالة غير رسمية لي وسأبيعها. كتبها في فورة حماس، وأرسلتها إلى ماكس الذي كتب شيكًا بمئة دولار مقابلها. الآن يكتب لي هارولد أن 100 دولار ليست كثيرة (في الواقع، إنها رسالة لا تذكر أيضًا) ويُظهر استياءً عامًّا حتى إنني أعتقد أنه يعتقد أنني أخفيْتُ عنه جزءًا من المبلغ. يجب أن تكون حذرًا بشأن من تقدم له خدمة، في غضون عام ستسمع على الأرجح أنه بدأ انحداره؛ بسبب سرقتي بلا ضمير لحقوقه.

المجلد الثاني لشبنجلر رائع(22). لا شيء آخر يستحق القراءة. متى تُنقذني من خطر حفظ أعمالك من كثرة قراءتها بإنهاء كتاب آخر؟ تذكر، بروست قد مات. حسد هائل من صديقك الحميم الثرثار، سكوت.

إدجمور، ديلاوير

* * *

باريس، فرنسا

تاريخ البريد: ١٧ مايو ١٩٢٩م

من تيرنبول

عزيزي الهر هيموفيل:

أو «الفتى النازف» كما أُناديك أحيانًا.

هل تتعشى معنا ليلة الأحد أو الإثنين؟ سأقيم احتفالًا إذا تلقيْتُ ردًّا إيجابيًّا. أرسل لي رسالة هوائية أو رُدَّ عليَّ شخصيًّا، ما بين 3 و7. أرفع التوصيات، على استعداد للسفر -رجال العالم، مثقفون، متعاطفون، يبحثون عن مضيف يوم الأحد أو الإثنين- أجب لأنني سأطلب من الأسقف على الأرجح الحضور…

اللهم أنقذنا، واحفظنا، وباركنا.

صديقك المخلص لك، فتزج.


هوامش:

(1) أندرو تيرنبول: محرر رسائل فيتزجيرالد.

(2) هادلي: أولى زوجات همنغواي، وقد تزوج ثلاث مرات بعدها.

(3) روبرت مكالمون: كاتب وناشر أميركي في باريس. كان قد نشر شائعات عن مثلية فيتزجيرالد وهمنغواي.

(4) تالولا بانكهيد (1902-1968م)، ممثلة أميركية في المسرح والسينما، عرفت بحفلاتها الصاخبة وصداقاتها مع المشاهير والأرستقراطيين.

(5) «سيول الربيع» (سكريبنر، 1926م).

(6) الإشارة إلى طلاق همنغواي وهادلي.

(7) بومبي: ابن همنغواي من هادلي، زوجته الأولى.

(8) بالفرنسية في الأصل.

(9) السطر الأول من «في بلد آخر»، إحدى قصتي همنغواي المنشورتين في مجلة سكريبنر في إبريل ١٩٢٧م.

(10) قرض بمئة دولار.

(11) محاكاة ساخرة لهمنغواي في عمود بقلم F.P.A. في «كوننج تاور».

(12) رواية من تأليف الكاتب الأميركي جلنواي ويسكوت (1987-1901م).

(13) بولين: الزوجة الثانية لهمنغواي.

(14) ربما يقصد ركنًا ضئيلًا جدًّا، مستخدمًا طريقة طفولية في النطق.

(15) جيم تالي: كاتب متشرد.

(16) خاطف الماكريل: تعبير دارج قديم وازدرائي في الولايات المتحدة (من منتصف القرن التاسع عشر) يُطلق على الكاثوليك؛ بسبب عادتهم في أكل السمك- خصوصًا الماكريل الرخيص- يوم الجمعة بدلًا من اللحم. العبارة اليوم مهجورة وتُعَدُّ مسيئة، يستخدمها فيتزجيرالد هنا على سبيل المزاح. وكان همنغواي قد تحول إلى الكاثوليكية عند زواجه من بولين فيفر، زوجته الثانية.

(17) السويوا والووسي: واضح أنهما نوع من التهكم والسخرية.

(18) جورج هوراس لوريمر: محرر ساترداي إيفننج بوست.

(19) ربما تكون إشارة إلى مراجعة مِنْكن لكتاب «رجال بلا نساء» في مجلة The American Mercury (مايو 1928م).

(20) إشارة إلى انتحار والد همنغواي.

(21) قصاصة من جريدة بعنوان: «طرد مصارع الثيران لضربه ناقدًا».

(22) انحدار الغرب.