خطوة إلى الأمام، خطوات إلى الوراء… عن نقد وائل حلاق لإدوارد سعيد

خطوة إلى الأمام، خطوات إلى الوراء… عن نقد وائل حلاق لإدوارد سعيد

حين شرعتُ في الإعداد لكتابة هذا المقال، عن نقد وائل حلاق لكتاب إدوارد سعيد «الاستشراق»، خطر في ذهني على نحو مُلِحّ نقد محمود شاكر للويس عوض ومقالاته التسع حول المعري، التي نشرها في «الأهرام» بين 16 أكتوبر و11 ديسمبر من عام 1964م، ثم جمعها في كتاب «على هامش الغفران». رد محمود شاكر على لويس عوض كان عنيفًا، وتمثل في خمس وعشرين مقالة جمعها فيما بعد في كتاب «أباطيل وأسمار»، الذي نُشِرَ أول مرة في عام 1965م(1). في تلك الخاطرة بدا لي وائل حلاق كأنه محمود شاكر، على اختلاف الزمن والاختصاص وكثير من الأشياء الأخرى. وكم سرني، حين وقعتُ، وأنا أبحث في غوغل عن محمود شاكر مستذكرًا رده، على مقالة كُرست بأكملها لاستكشاف التوافق الشديد بين شاكر وحلاق، سواء في رؤيتهما النقدية للاستشراق والمستشرقين، أو في تبويئهما الثقافة والأخلاق مكانة مركزية أو في إجراءاتهما المنهجية(2). غير أن المقالة كانت، بخلاف ما أراه، أقرب إلى الاحتفاء بهذا التقارب الذي خطر لي.

شاكر وعوض: جدل البلاغة والإطار الفكري

ثمة إعجاب شديد، قديم ومتجدد، لدى قطاع واسع من ثقافتنا العربية، بمحمود شاكر في مناظرته الثقافية مع لويس عوض (وقبله مع طه حسين)، واهتمام بالغ بمَن أفحم مَن في هذه الجزئية أو تلك، واهتمام أبلغ بالبلاغة والبيان في صوغ المناظرة، إنما مع إغفال يكاد يكون تامًّا لكون الإفحام والبلاغة يمكن أن يقبعا في طرفٍ يدفع منطقَه ويقف خلفه «بارادايم» ماضوي ومُفوت، في حين يمكن أن تقبع عثرات وأخطاء وركاكة في طرفٍ يدفع منطقَه ويقف خلفه بارادايم «علمي» ومعاصر ومستقبلي على الرغم من كل عثراته. وما أقصده بالبارادايم هو الإطارٌ الفكري أو المفهومي والمنهجي الحاكم، الذي يحدد طريقة التفكير والرؤية حيال الأشياء والواقع، ويوجه البحث فيها ويرسم حدودًا لما يمكن اكتشافه.

لطالما أُعجبتُ ببلاغة محمود شاكر وتكتيكاته السجالية، حتى بقسوته وعنفه، لا بالبارادايم الذي يصدر عنه. ولطالما نفرتُ من الأطروحات المحددة التي ابتدعها لويس عوض متعجلًا، لا من البارادايم الذي ارتكب عثراته ضمنه. في بارادايم شاكر، على سبيل المثال، أن ظاهرة الاستعمار الحديث برمتها ليست سوى زحف للمسيحية على الإسلام، وما المستشرقون الذين هم عين الاستعمار سوى «جند المسيحية الشمالية»(3)، وهو ما جعله يرفض حتى زيارة إيطاليا إن لم يكن غازيًا. وبذلك لا يعدو الغزو العسكري أن يكون وسيلة من وسائل الغزو الفكري. ففي بارادايم شاكر كل شيء يبدأ من الفكر، من الثقافة، «ورأس الثقافة هو الدين أو ما كان في معنى الدين»(4). كأن الرأسمالية ليست منبت الاستعمار الحديث، وكأن الاستعمار الأوربي لم يستعمر سوى المسلمين، لا الهنود الحمر ولا الأفارقة ولا الآسيويين.

بين سعيد وحلاق: نقد الاستشراق أم نقد الحداثة برمتها؟

كذلك، كي نفهم خلاف وائل حلاق مع إدوارد سعيد، كما بَسَطَهُ في كتابه «قصور الاستشراق: منهج في نقد العلم الحداثي»، لا يكفي أن نتتبع النقد المفصل نقطة نقطة، بل لا بد من التقاط الفارق الموجود بقوة بين البارادايمَيْنِ اللذين يصدر عنهما الرجلان. بل إن وائل حلاق، من بين نقاد إدوارد سعيد المعتبَرين، كإعجاز أحمد(5) ومهدي عامل(6) وروبرت يانغ(7)، على سبيل المثال، هو الأشد دفاعًا عنه في وجه مُعظم الانتقادات المُوجهة إليه، سواء كانت شكلية (مثل أنه لم يكن دقيقًا بما فيه الكفاية)، أو جوهرية (مثل أنه لم يكن تاريخيًّا بما فيه الكفاية)، فعلى الرغم من أنه لا ينكر أيًّا من هذه الانتقادات، فإنه لا يرى أنها تدحض أطروحة سعيد المركزية. وبذلك يبقى حلاق الأكثر اتفاقًا مع نقد سعيد للاستشراق، لكن هذا النقد، على صحته، هو في رأي حلاق، معطوب عطبًا جوهريًّا لا ينفع فيه إصلاح أو تعديل، ويحتاج إلى تصويب جذري؛ ذلك أن «الاستشراق ليس سوى قمة جبل الجليد، وهو الجزء الذي رآه سعيد، لكنه الجزء الذي لا يقوى، وحده، على إغراق سفينة عملاقة»(8).

ليست السفينة العملاقة التي يريد حلاق إغراقها سوى المنظومة المعرفية لغرب ما بعد التنوير برمتها؛ أي جميع فروع المعرفة الغربية -العلوم، والدراسات الاختصاصية، والعلوم الاجتماعية، والإنسانيات- ومعها مجمل البنى السياسية والاقتصادية والثقافية الغربية المتولدة عن هذه المعرفة وتعود لتدعمها. وجريمة هذا الصرح المعرفي الغربي، بحسب حلاق، أنه قائم على عقلانيات سياسية واقتصادية علمانية -وعلمانية تعني عند حلاق خالية من القيم- نجمت عنها رأسمالية جشعة واستعمار إبادي وكارثة بيئية.

أما عجز سعيد عن طرح المشكلة بهذه الشمولية وهذا العمق، فناجم، بحسب حلاق، عن أنه مولعٌ بالعلمانية والليبرالية، إلى درجة حالت دون أن يدرك أن هذه الأيديولوجيات كوَّنت الرأسمالية والاستعمار والإبادة الجماعية. يقول حلاق: «لم يكن المدفع الرشاش ولا السفينة البخارية أو حتى شكل جديد من الإدارة البيروقراطية المحرك الدافع للاستعمار، كما يعتقد معظم مؤرخي الحروب وسواهم من المؤرخين. كان المحرك الدافع بنية فكر جعلت ذلك كله وكثيرًا مما يشبهه ممكنًا»(9).

إذًا، ليست «السفينة العملاقة» أو «بنية الفكر» التي يرى حلاق أنها أصل الاستعمار والإبادة الجماعية والاستشراق، سوى التنوير الذي ولد الحداثة التي ولدت الرأسمالية التي ولدت تلك الشرور. والحجة في نقد حلاق لتناول سعيد الاستشراق هي «سطحية» هذا التناول الذي أغفل الجذور الفكرية للاستشراق (أي التنوير والعلمانية والمعرفة العلمية الحديثة) وتجلياتها السياسية (الشركة المساهمة والدولة الشميتية، نسبةً إلى كارل شميت).

وهذا واضح في كتاب حلاق منذ العنوان، سواء في أصله الإنجليزي «إعادة صوغ الاستشراق: نقد المعرفة الغربية» أو في ترجمته العربية «قصور الاستشراق: منهج في نقد العلم الحداثي». وهذه الجذور الفكرية هي، عند حلاق، من أطلق العنان لاستعمار العالم تمهيدًا لاستغلاله الرأسمالي من خلال الإبادة الجماعية التي يمكن أن تكون مباشرة، كما في الاستعمار الاستيطاني في أميركا الشمالية وإسرائيل، أو ناجمة عن محاكاة النموذج الغربي، كما حدث من خلال الإصلاحات العثمانية في القرن التاسع عشر.

نقد التنوير وتمجيد الشريعة

حسنٌ، بكلام أوضح، ما مشكلة التنوير والحداثة والمعرفة الغربية؟ ما الذي يجعلها على هذا النحو الذي يصفه حلاق وينتقده؟ يرى حلاق في مجمل أعماله، ولا سيما «الشريعة: النظرية والممارسة والتحولات»، و«الدولة المستحيلة» و«قصور الاستشراق»، أن في الحداثة خللًا أخلاقيًّا هو لب مشكلتها؛ إذ همَّشَت الأخلاقَ وفصلت بينها وبين المعرفة. وهذا يوجب البحث عن بديل يعيد الأخلاق من الهامش الذي نفتها إليه الحداثة إلى المركز.

ولأن الأخلاق لا بد أن تستند إلى دين، في رأي حلاق، ولأن اهتمامه المعرفي الأكاديمي هو الشريعة الإسلامية، فقد خلص على مر السنين إلى أن الشريعة الإسلامية التي كانت تجري من خلال الفقهاء والعلماء والمفتين، تتفوق على القانون العام الغربي في أنها أخلاق أو نظام أخلاقي وليست مجرد قانون. و«مجمل القول: إن سيادة الشريعة كانت حكمًا للقانون أكثر تفوقًا من نظيره الحديث… وليس سعي المسلمين اليوم إلى تبني نظام للفصل بين السلطات الخاصة بالدولة الحديثة سوى رهان على صفقة أقل شأنًا مما ضمنوه لأنفسهم عبر قرون كثيرة من تاريخهم»(10). هكذا بات الإسلام والشريعة الإسلامية والشرق الأوسط الإسلامي قبل الاستعمار الأداة المفككة للحداثة لدى حلاق والمثال المضاد لها، من خلال تأكيد مركزية الأخلاق. ها نحن، إذًا، أمام محاولة جديدة (إلى جانب محمود شاكر، وعبدالوهاب المسيري، وجلال أمين، وطه عبدالرحمن، وبرهان غليون، وكوكبة طويلة من الكتاب والمفكرين العرب) ترفض الحداثة (العلمانية والليبرالية والإنسانوية العلمانية ومركزية الإنسان والدولة الحديثة) رفضًا قاطعًا لصالح نسق قيمي مرتبط بدين بعينه. وأمام محاولة جديدة لإدانة (أو مديح) الفكر والأخلاق والثقافة والدين، باعتبارها الوعي الذي يُنشئ الواقع ويؤسسه وليس العكس.

هكذا، ينبغي، بحسب هذا الضرب من الفكر، أن نبحث في فكرة العلمانية عن فقدان الإنسان للمعنى، بدلًا من أن نبحث في تطور الإنسان وتاريخه عن ولادة فكرة العلمانية. وينبغي أن نجد في الدين، بل في دين بعينه، المصدر الوحيد للمعنى الإنساني. وينبغي ألا نكف عن تقريع الأفكار والأخلاق الحداثية خصوصًا، فهي، وليس بنى تاريخية بعينها، ما أفضى، وما كان سيفضي حتمًا، إلى النازية والصهيونية. ها نحن، بعبارة أخرى وباختصار، أمام محاولة متكررة مستميتة في الفكر العربي السائد لإبعاد الظاهرة الرأسمالية عن الأنظار، ولا سيما الأنظار النقدية، أو التقليل من شأنها الذي ينبع من كونها الأساس الاقتصادي الاجتماعي التاريخي، الذي قامت عليه تلك البنى الفكرية والسياسية والعلمية وليس العكس.

الغريب أن حلاقًا، في الوقت الذي يصدر عن نظرة خصوصية متطرفة بعيدة من أي قيم عالمية، ويقسم العالم إلى فساطيط (جمع فسطاط) كل منها مغلق ومصمت وممتنع عن أن يداخله أي صراع داخلي أو تناقض، لا يَنِي يستخدم مفكرين غربيين حداثيين ونقديين، مثل: ثيودور أدورنو وأنطونيو غرامشي وحنة أرندت وميشيل فوكو؛ كي يرفض المنجز الحداثي. وهو الأمر الذي يزداد فداحةً حين نعلم أن معظم هؤلاء وجهوا سهام نقدهم للمجتمع البرجوازي وأساسه الرأسمالي وعنفه وعدم المساواة فيه، لا لقيم التنوير التي عجزت المجتمعات الرأسمالية عن تلبيتها. ويزداد الأمر فداحةً أكثر حين نعلم أن هؤلاء المفكرين كانطيون أو كانطيون جددًا، لا يمتدحون كوزمولوجيات العصور الوسطى التي يبدو حلاق مولعًا بها. فعند هؤلاء لا يعني انتقاد المجتمع البرجوازي، لإخفاقه في تحقيق التحرر والتقدم الأخلاقي الذي وعد به خطاب التنوير، أن يلتزموا بالنظام الاجتماعي القروسطي وقيمه على النحو الذي كانت عليه. وبعكس ما يتوقع حلاق، فإنه برفضه العلوم الاجتماعية وأساسها الكانطي النقدي، يُعزز هيمنة الاستشراق الفكرية وليس العكس.

فوكو بين سعيد وحلاق: إرث نقدي مُثقل بالاعتراضات

إذًا، يتناول حلاق في كتابه كثيرًا من الكتاب الغربيين تناولًا جديرًا بالتمحيص وربما بالنقد، لكن خصمه الرئيس، أكثر من سعيد نفسه، هو ميشيل فوكو (ولا سيما في تناوله العلاقة بين القوة والمعرفة، وتناوله التشكيلات الخطابية التي تحط من قدر المؤلف الفرد فلا يقوى على خرقها، ومركزيته الأوربية). وهذا يذكر بنقد كل من مهدي عامل وإعجاز أحمد لسعيد ومن خلفه فوكو. فقد رأى أولهما أن منطق سعيد، في تناوله العلاقة بين الفردي والعقل الجمعي المؤسسي، «يقود، في خط مستقيم، إلى نيتشه، الذي من أحفاده واحد يعرفه جيدًا إدوارد سعيد: إنه ميشيل فوكو.
ونكتفي بالتلميح».

غير أن عاملًا لا يكتفي بالتلميح، بل يقول صراحةً: إن موضوع نقده الفكر السعيدي هو النظرية التي «يستعيرها من ميشيل فوكو… لأنها هي التي تحكم هذا الفكر». وهي نظرية تكشف «عجز البنيوية عن تفسير جديد المعرفة»، وهو الأمر الذي يدفع عاملًا إلى ما لا يقل عن إطلاق البدايات الأولى لمشروع يتناول «الصراع المعرفي… الذي هو القوة المحركة لتاريخ المعرفة»(11) وما يأتي بجديد المعرفة ويتوسع في إعادة إنتاجها.

أما إعجاز أحمد فيرى أن سعيدًا يخضع في كتابه «الاستشراق» لضغوط الإنسانوية الأورباخية (نسبةً إلى إريك أورباخ) التي تدفعه لأنْ يعيد أصول الخطاب الاستشراقي المتواصل «إلى اليونان القديمة»، لكنه يخضع أيضًا للضغوط الفوكوية التي تدفعه لأن يُعيد بدايات الخطاب الاستشراقي «إلى القرن الثامن عشر أو نحوه». ومع أن أحمد يعترف بأن فوكو كان محترسًا إلى هذا الحد أو ذاك حيال الفكرة (غير الماركسية وغير الفوكوية أيضًا بأي حال من الأحوال) «التي تقول بإمكان وجود خطاب… يطول كامل اتساع التاريخ «الغربي» ونصوصه، مستغرقًا لا المرحلة الرأسمالية الحديثة فحسب بل أيضًا جميع المراحل السابقة ما قبل الرأسمالية»، فإنه (أي أحمد) يرى أن «نظرية الخطاب عند فوكو… ما كان لمفكرٍ جدي أن يبتغي استخدامها كمنهج في قراءة كتب المُعْتَمَد المكرس وتصنيفها؛ لأن هذه النظرية ذاتها يتعذر فصلها عن اللاإنسانوية النيتشوية وعن نظريات التمثيل اللاواقعية»(12).

غاية القول هنا أن حلاقًا لا يأتي بجديد في موضوع فوكوية سعيد التي أُشبعت نقدًا، إنما خارج الإطار الثقافوي الأخلاقوي الذي يؤطر فيه حلاق نقده المكرور لها، ذلك الإطار الذي ما كان يمكن أبدًا أن يخطر لعامل أو لأحمد ببال. بل إن سعيدًا نفسه انتقد فوكو لاحقًا على تصوره الناقص لـ«النزوع التاريخي الذي أحكم قبضته عليه فكريًّا وسياسيًّا في سنواته الأخيرة… وساقه من ضروب التمييز والتدقيق التي أَخْضَعَ لها القوة في «الكلمات والأشياء» و«أركيولوجيا المعرفة» إلى رؤية القوة على أنها مفرطة الضخامة في أعماله الأخيرة مثل «المراقبة والمعاقبة» والجزء الأول من «تاريخ الجنسانية».

وهذا ما قاد فوكو، في رأي سعيد، إلى نظرة عميقة التشاؤم، تتصور القوة على أنها أَمْرٌ تتعذر مقاومته ويتعذر إيقافه. بل إن سعيدًا يستخلص أن «تصور فوكو للقوة هو تصورٌ يقف معها إلى حد بعيد وليس ضدها… واهتمامه بالسيطرة كان اهتمامًا نقديًّا لكنه لم يكن في النهاية منازعًا لها أو معارضًا كما يبدو في الظاهر»(13).

كونية سعيد وخصوصية حلاق

لقد نال إدواردَ سعيد نقدٌ كثيرٌ مُحِقٌّ ولا يزال يَنالُه، لكن إدوارد سعيد، بخلاف حلاق وعلى النقيض منه، ينتمي في النهاية إلى فكر يرى أننا نعيش في العالم الواحد ذاته الذي تخترق التناقضات كلًّا من «غربه» و«شرقه»، وهو ما يجعل هاتين المقولتين، «شرق» و«غرب»، مَحَلَّ تشكيك وتدقيق وتناقض وصراع في داخل كل منهما، بخلاف نظرة أصحاب الخصوصية الذين لا يرون في «الغرب» ولا في «الاستشراق» سوى شيء واحد وحيد. واعتقادي أن هذه النزعة الخصوصية لدى حلاق، بالقياس إلى كونية فكر سعيد وعالميته وانطلاقه في نقد الاستشراق من هذه الكونية، هي ما تحول دون أن يبلغ حلاق أيَّ تأثيرٍ كبير يداني، ولو من بعيد، تأثير سعيد الذي لم يقل عن هز مؤسسة راسخة مثل الاستشراق وزعزعتها.

في النهاية، يعود مقدار كبير من قوة سعيد وأثره إلى إيمانه بأن «الثقافات مكونة على الدوام من خطابات مختلطة، متغايرة العناصر، بل متناقضة، فلا تعود هي ذاتها… إلا بمقدار ما تكون ليست ذاتها»(14)، وبأنه «ليس ثمة سوى فضاء ثقافي عالمي واحد، ملكية مشتركة للجنس البشري بأجمعه، وكذلك لغة كونية من الحقوق والمُثُل يُشَن فيهما النضال من أجل التحرر والتئام الشمل… هكذا كانت لغة إيميه سيزار ومفرداته المفهومية وقيمه… هي لغة ومفردات وقيم ماركس وفولتير، وكانت غايته إنقاذ أفكارهما التحررية من ضروب الإفساد التي فرضتها الإمبراطورية»(15).

إن كون الشيء استشراقيًّا لا يعني أنه خاطئ بالضرورة أو خالٍ من الأخلاق حتمًا. بل يعني أنه موظف ومندرِج في بنية تريد أن تستعمر الشرق وتفهمه وتصوره على النحو الذي ييسر استعماره. وهذا لا علاقة له بمنطق الخطأ والصواب ولا بالمنطق الأخلاقي، بل بمنطق علاقات القوة. وهما منطقان متمايزان على الرغم من تقاطعهما في بعض الأحيان. ولعل من الضروري على الدوام أن نتذكر أن رفض مناهج «الغرب» البحثية والرغبة في عدم دخول «الغرب» إلا غزاةً، ربما يستلزم ألا يجري هذا الغزو بالبدلة الميري «الغربية»، فما بالك بالعربات والأسلحة «الغربية»؛ لأن فيها الشيء الكثير من مناهج الغرب وعقله و(لا) أخلاقه.


هوامش:

(1) يُنظَر: لويس عوض، «على هامش الغفران»، كتاب الهلال، العدد 181، القاهرة، إبريل 1966م؛ ومحمود محمد شاكر، «أباطيل وأسمار»، الجزءان الأول والثاني، مكتبة الخانجي، القاهرة، دون تاريخ للنشر.

(2) تقي محمد يوسف، «بين محمود شاكر ووائل حلاق»، مركز خطوة للتوثيق والدراسات:

https://www.khotwacenter.com/%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D9%85%D8%AD%D9%85%D9%88%D8%AF-%D8%B4%D8%A7%D9%83%D8%B1-%D9%88%D9%88%D8%A7%D8%A6%D9%84-%D8%AD%D9%84%D8%A7%D9%82/

(3) محمود محمد شاكر، «رسالة في الطريق إلى ثقافتنا»، مطبعة المدني المؤسسة السعودية بمصر ودار المدني بجدة ومكتبة الخانجي بالقاهرة، 1987، ص 48-49.

(4) «رسالة في الطريق إلى ثقافتنا»، ص 33.

(5) إعجاز أحمد، «في النظرية: طبقات، أمم، آداب»، ترجمة ثائر ديب، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة –بيروت، 2019م؛ وكذلك إعجاز أحمد وإدوارد سعيد، «الاستشراق وما بعده»، ترجمة وتقديم ثائر ديب، دار ورد، دمشق، 2004م.

(6) مهدي عامل، «هل القلب للشرق والعقل للغرب؟ ماركس في استشراق إدوارد سعيد»، دار الفارابي، بيروت، 1985م.

(7) روبرت يانغ، «أساطير بيضاء: كتابة التاريخ والغرب»، ترجمة أحمد محمود، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2003م.

(8) وائل حلاق، «قصور الاستشراق: منهج في نقد العلم الحداثي»، ترجمة عمرو عثمان، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، 2019م، ص 278-279؛ يُنظَر أيضًا:

Wael B. Hallaq, Restating Orientalism: A Critique of Modern Knowledge. New York: Columbia University Press, 2018, p. 199.

وهذان الكتابان هما الترجمة العربية والأصل الإنجليزي. وقد ضاهيت المقاطع التي اقتبستها من الترجمة مع الأصل وبدلت فيها، أو أعدت ترجمتها أحيانًا.

(9) «قصور الاستشراق»، ص 218، وRestating Orientalism، ص 150.

(10) وائل حلاق، «الدولة المستحيلة: الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي»، ترجمة عمرو عثمان، مراجعة ثائر ديب، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة وبيروت، 2014م، ص 144.

(11) مهدي عامل، «هل القلب للشرق والعقل للغرب»، ص 47، 49، 54 على التوالي وما يليها.

(12) إعجاز أحمد، «في النظرية»، ص، 228، 229، 226 على التوالي.

(13) Edward W. Said, Reflections on Exile and Other Essays, Harvard university press 2000, pp. 240-241.

(14) إدوارد سعيد، «تأملات حول المنفى» (1)، ترجمة ثائر ديب، دار الآداب، بيروت، 2004م، ص 19.

(15) المصدر ذاته، ص 34-35.

نيويورك إدوارد سعيد

نيويورك إدوارد سعيد

ثمّة مقارنة شاعت بعض الشيء في الثقافة العربية، هي مقارنة بين حدثين وقعا مع تصفية الاستعمار الفرنسي في كلٍّ من سوريا وفيتنام. ففي عام 1947م، تجمّع في الساحة الرئيسة من إحدى المدن السورية، بناءً على نداء شاعرها الأبرز، «مثقفو تلك المدينة وطلابها حاملين معهم ما يملكون من كتب فرنسية وقاموا بإحراقها باعتبارها «أثرًا» من آثار الاستعمار الفرنسي». وهذا ما تكرر في المدن السورية الأخرى في مذبحة ثقافية رأى فيها المفكّر السوري ياسين الحافظ تدشينًا لسيرورة نزع الثقافة الحديثة من البلدان العربية، تلك الثقافة التي حملت التجربة الاستعمارية بعض تظاهراتها من دون أن تتعمدها.

أما في فيتنام، ومع تصفية الاستعمار الفرنسي في الشمال عام 1954م، فعبّر أحد قادة الفيتناميين عن الأمر بالقول: «في الوقت نفسه الذي كنا نقاوم فيه السياسة الغاشمة للمستعمِرين الفرنسيين، لم نكن قط ننسى أن نستفيد من الثقافة الحقّة للشعب الفرنسي. وخلافًا لتوقعات المستعمرين… استطعنا أن نتعلم… التفكير والتصرف والعمل حسب الطرق والمناهج العلمية»(١). والعبرة في الأمر هي الاختلاف بين رؤيتين؛ أولاهما تطابق وتماهٍ بين الاستعمار وجميع البلد المستعمِر، وكل ما يمكن أن يكون هذا البلد، بفئاته المختلفة والمتعددة والمتناقضة، قد أنجزه عبر تاريخه من مآثر حضارية في الفكر والمعرفة والعلم والثقافة والأخلاق؛ وثانيتهما تنظر بعكس ذلك، فترى أنّ ثمة نتاجًا مهمًّا على جميع هذه الصعد، وأنّ أفكار فولتير وروسو وميرابو… إلخ سلاح شديد المضاء في مقاومة الاحتلال الفرنسي، على سبيل المثال.

هكذا شاع الكلام في الثقافة العربية على «الغرب» بوصفه كلًّا مقابل «الشرق» بوصفه كلًّا آخر مضادًّا، وذلك بمنطق لا يختلف في جوهره عن منطق المستشرقين الأوربيين الذين عملوا في ظل الاستعمار الأوربي لمناطق العالم المختلفة وفي خدمته. ومن المعروف، بالطبع، أنَّ إدوارد سعيد كان قد ركّز مشروعه في كتاب «الاستشراق» وسواه على نقد منطق المستشرقين هذا. ومن المنطقي أن نتوقّع منه انتقاده حيثما وجده، وأن ننتظر منه اتساقًا في تمسّكه بالمنطق النقيض على طول الخط. وهذا ما نجده لديه بالفعل، بتلك الدقّة وذاك الالتزام المعرفي والأخلاقي اللذين قلّ نظيرهما. ومن الأمثلة على ذلك رؤيته إلى مدينة نيويورك التي وصلها فتًى طري العود في خريف عام 1963م وظلَّ يعيش فيها، ويكتب، ويحاضر، ويكافح حتى وفاته.

نيويورك كما رآها أدباء عرب

يمكن الكلام عن نيويورك كما رآها عدد من الكتّاب والأدباء العرب وسواهم، ممن قاموا بتأويلها، إذا جاز القول. ثمّة، على سبيل المثال، القصائد شديدة التشاؤم التي كتبها الشاعر الإسباني فيديريكو غارسيا لوركا في أثناء إقامته في نيويورك طالبًا في جامعة كولومبيا طوال عام (1929-1930م)، أي في عزّ الأزمة الاقتصادية الكبرى في أميركا، وندد فيها بلا إنسانية المجتمع الحديث، وطالب بالحرية والعودة إلى الطبيعة في مواجهة اغتراب عصر الصناعة الطاحن، ودافع فيها عن فقراء المدينة وأقلياتها المهمّشة، ولم تُنشر إلا في عام 1940م، أي بعد وفاته بأربعة أعوام، في ديوان «قصائد الى نيويورك»(٢).

وهنالك أيضًا أدونيس في قصيدته «قبر من أجل نيويورك» (1971م)، حيث يعدّ نيويورك تمثيلًا لحضارة بهيمية تعجّ بالقتل والضحايا، عمياء البصيرة لا البصر، جرداء اللغة لا اللسان. أمّا حريتها المزعومة فليست سوى خرقة ترفعها بيد لتخنق الطفلة الأرض باليد الأخرى. وما من أحد يرى هناك سوى زنجي أو عصفور مشرفين على القتل. وما من شيء يدل على الزمن سوى هارلم، حيّ الزنوج(٣). كذلك، لا تخرج قصيدة عبدالوهاب البياتي، «قداس جنائزي إلى نيويورك» (1977م) عن منطق الإدانة هذا ورؤيته أن لا شيء ذا بال حسنٌ أو حضاريّ في إنجازات أميركا(٤).

تتقاطع نيويورك إدوارد سعيد مع ذلك كلّه، لكنها تختلف عنه أيضًا. فهي، كما يعترف سعيد، بادئ ذي بدء، متعددة وليست واحدة، متقلّبة وليست ثابتة، تستمد أهميتها من غرابة أطوارها ومن ذلك المزيج الخاص المتنوّع من الصفات والخصائص التي تميّزها. وهي صفات وخصائص ليست إيجابية فحسب، بل سلبية أيضًا، ولا سيما بالنسبة إلى مقيم فيها غير مرتبط بشركة عالمية، أو بملكية فعلية، أو بعالم الإعلام وإمبراطوريته. وهذا ما يؤدّي بهامشية الغريب وعزلته لأن يتغلّبا على إحساسه بعاديّة وجوده فيها. غير أنَّ سعيدًا يعترف أيضًا بأنَّ نيويورك لعبت دورًا مهمًّا في ذلك الضرب من النقد والبحث الذي قام به. ولا يقتصر الأمر في ذلك على أنَّ الجامعات الأميركية بصورة عامة، ومنها جامعة كولومبيا التي عرف قسمها للأدب الإنجليزي والمقارن إدوارد سعيد طالبًا ومعلّمًا، تكاد أن تكون بمنزلة اليوتوبيا الأخيرة الباقية سواء بالنسبة إلى هيئتها التدريسية أم بالنسبة إلى كثير من طلابها، بل يتعدّاه إلى كون نيويورك، بحسب سعيد، هي تلك المدينة القلقة، المضطربة، المتنوعة بغير انقطاع، والمفعمة بالطاقة، والمتقلّبة، بل المقاومة التي تمثّل ما كانت عليه باريس منذ مئة عام، عاصمة العصر.

بدت حياة نيويورك الثقافية لإدوارد سعيد على أنّها تتّبع عددًا من السبل المميّزة تمامًا، معظمها مستمدّ من الخصيصة الجغرافية للمدينة بوصفها ميناء الدخول الأميركي الأكبر. فنيويورك غالبًا ما كانت أول مكان يقيم فيه الوافدون إلى المجتمع الأميركي، ومعظمهم من الفقراء، بل كثيرًا ما كانت أيضًا محطّهم الدائم. وهؤلاء كانوا إيطاليين، وإيرلنديين، وأوربيين شرقيين، وأفارقة، وكاريبيين، ومن الشرقين الأوسط والأدنى. وهذا ما جعل المدينة تستمد من جماعات المهاجرين هؤلاء قدرًا كبيرًا من هويتها كمركز للحياة السياسية والفنية الراديكالية التي تجلّت في الحركات الاشتراكية والفوضوية، وفي نهضة هارلم السوداء، ولدى عديد من الرواد والمبدعين في الرسم، والتصوير الضوئي، والموسيقا، والدراما، والرقص، والنحت؛ إذ تمكّن هؤلاء المغتربون من احتلال مكانة رفيعة الشأن تجلّت في المتاحف، والمدارس، والجامعات، وقاعات العزف، ودور الأوبرا، والمسارح، وقاعات العرض، وفرق الرقص التي حققت لنيويورك مكانتها المعتبرة كنوع من المقصد المسرحي الدائم، كلّ ذلك مع تضاؤل الصلة الفعلية لهذه المجموعات بجذورها المهاجرة شيئًا فشيئًا بمرور الزمن.

مدينة المهاجرين والمنفيين

بيد أن نيويورك تغيّرت أيضًا، وشيئًا فشيئًا بمرور الزمن. وعلى سبيل المثال، فإنّ نيويورك بوصفها مركزًا للنشر لم تعد ذلك المكان الذي غامر فيه الصحفيون والكتّاب ذات مرّة وخاضوا في مجال جديد، بل غدت موقعًا رئيسًا من مواقع الإمبراطوريات الإعلامية والتكتلات الضخمة. هكذا انتهت معظم المجلات الصغيرة والجماعات الفنية التي كانت تمدّها بأسباب الحياة والاستمرار. لكنَّ نيويورك بوصفها مدينة المهاجرين والمنفيين لا تزال قائمة، على الرغم من التغيّر الحاصل كلّه، ولا تزال في توتر مع المدينة نفسها بوصفها المركز الرمزي، بل الفعلي لاقتصاد العالم الرأسمالي المعولم الذي توضح قوته الفجّة -بإسقاطاتها العسكرية، والاقتصادية، والسياسية الموجودة في كلّ مكان- أنَّ أميركا هي اليوم القوة
العظمى الوحيدة.

هكذا بدت نيويورك لإدوارد سعيد على أنّها أكثر من مدينة واحدة. فثمة، على الأقلّ، نيويورك المركز الاقتصادي العالمي ونيويورك الأخرى، نيويورك جماعات الشتات العالمثالثي، وسياسات المنفى، والسجالات الثقافية التي سيطرت على الحياة الأكاديمية في ثمانينيات القرن العشرين وما بعدها. وهذه النيويورك الأخرى عادةً ما تكون مجهولة، مختفية خلف مقابلتها الرسمية التي تزدريها وتستخف بها.

شكّل التغيّر الذي اعترى مثقفي نيويورك المعروفين جزءًا أساسيًّا مما وجد سعيد أنّه طرأ على المدينة حين كتب عنها. فعندما وصل إلى نيويورك كان لا يزال لدى تلك الجماعة من مثقفيها المعروفين بعض الحيوية الباقية، وقد تجمّعوا حول «البارتيزان ريفيو» وفي «السيتي كوليج» و«جامعة كولومبيا». غير أنَّ سعيدًا راح يكتشف، منذ مرحلة باكرة فصاعدًا، أنَّ المعارك التي كان مثقفو نيويورك لا يزالون يخوضونها حول الستالينية والشيوعية السوفييتية لم تكن تهمّه كثيرًا أو تهمّ معظم أبناء جيله الذين وجدوا في حركة الحقوق المدنية ومقاومة الحرب الأميركية في فيتنام أمرًا أهمّ بكثير وأمرًا كان له الأثر الفعّال في تكوين ذاك الجيل. بل إنَّ مثقفي نيويورك –بينما كان سعيد يعيش تجربة 1967م، وانبثاق الشعب الفلسطيني كقوة سياسية، وانخراطه في تلك الحركة، وما جرّه عليه ذلك من تهديدات متكررة بالقتل، وأعمال تخريب متعمّدة، وسلوك رديء تجاهه وتجاه عائلته- راحوا يسوّدون صفحتهم بتورطهم البشع في الحرب الباردة الثقافية على نحو ما أدارتها وكالة المخابرات المركزية الأميركية مما كشفته فرانسيس ستونر سوندرز في كتابها «المخابرات المركزية الأميركية والحرب الباردة الثقافية» (صدر بالعربية في ترجمتين؛ أولاهما مصرية والأخرى سورية)(٥).

لكن نيويورك ذاتها، وجامعة كولومبيا على وجه التحديد، وقسم الأدب الإنجليزي فيها، جادت على سعيد بصديقين حميمين وزميلين متشددين ومدققين كانا أقدم منه في الجامعة، وهما ليونيل تريلنغ(٦) (1905-1975م) وفريدريك ويلكوكس دوبي(٧) (1904-1979م). ومع أنَّ سعيدًا يحتفظ لتريلنغ بعاطفة عظيمة كصديق وزميل، فإنّ روح ف. و. دوبي الأشدّ راديكالية وانفتاحًا هي التي حظيت لديه بأعظم الأهمية وهو يباشر كتابته وتدريسه؛ حتى إنّ وفاة دوبي عام 1979م شكّلت لسعيد، كما يقول، خسارة شخصية فادحة ظلَّ يستشعرها على الدوام.

طريقة لاستكشاف ما هو جديد

كان دوبي كاتب مقالات من الطراز الرفيع (شأن تريلنغ)، وكان هدّامًا حقيقيًّا بالمعنى الفكري والسياسي، ورجلًا ذا سحر لا يضاهى ومواهب أدبية مذهلة تختلف عن مواهب زملائه من الأوساط التي راح يغزوها ضرب من النرجسية المملّة وميل قاتل إلى الاتجاهات اليمينية المعتدّة بنفسها. ودوبي هو الذي شجّع سعيدًا على اهتمامه بالتنظير الفرنسي وبالاتجاهات التجريبية في الشعر والرواية، وكذلك بفنّ المقالة التي برع فيها سعيد ورأى فيها طريقة لاستكشاف ما هو جديد وأصيل بعيدًا من قيود الاختصاص الأكاديمي. بل إنّ دوبي هو الذي قدّم لسعيد الدعم بعد عام 1967م، حين حلّت بالعرب تلك الهزيمة المرّة، فناصره في قتاله المتوحّد دفاعًا عن القضية الفلسطينية. كما كان دوبي وزوجته أندي الصديقين الوحيدين، ممن عرفهم سعيد في حياته الأكاديمية في نيويورك، اللذين زاراه في بيروت، وقتما كانت بيروت مركز السياسات الثورية في الشرق الأوسط (خريف 1972م).

لا بدّ أنّ دوبي كان له دور أساسي في فتح الطريق أمام إدوارد سعيد لاستجلاء نيويورك الأخرى. نيويورك الهجرة البشرية الضخمة التي ارتبطت بالحرب العالمية الثانية، وإزالة الاستعمار، فضلًا عن المجاعات، والتطهير العرقي، ومكائد القوى العظمى. نيويورك الثقافة والمثقفين، والمهاجرين، واللاجئين، والمجتثّين من أوطانهم، حيث شكّل الإبداع والحزن الذي يمكن تبيّنه فيما يبدعونه واحدة من التجارب التي لا تزال تنتظر مؤرّخيها على الرغم من كلّ ما قيل فيها.

لا ينظر سعيد إلى نيويورك، ولا إلى أميركا، ولا إلى الغرب، فيرى أيًّا منها على أنّه كيان واحد مصمتٌ لا يخترقه التعارض أو الصراع. وبخلاف ما فهمت قلّةٌ خطأ كتاب سعيد «الاستشراق»، فليست مناهضة «الغرب» مناهضةً مطلقةً، بوصفه كتلةً مطلقةً، مطروحة أصلًا لدى سعيد. وهو يرى أنَّ كل ثقافة مكوّنة على الدوام من عناصر وخطابات مختلطة، متغايرة، ومتناقضة، وأنّ ثمة ثقافة إنسانية واحدة جامعة يُخاض ضمنها الصراع لا ضدها. وأنَّ ثمة عالمًا واحدًا، تقطنه الثقافة الغربية وسواها، لكنَّ له لغتَه الكونية الواحدة من الحقوق والمُثُل، وفضاءه الثقافي العالمي الواحد والمتناقض الذي هو مشترك للبشرية جمعاء. ومؤدّى ذلك أنَّ خوض الصراع ضد المستعمر الأوربي، على سبيل المثال، لا يعني أنَّ جميع الأوربيين وجميع أوجه ثقافتهم ينبغي أن تؤول إلى النبذ والرفض. فهذه عنصرية معكوسة تحاكي بالمقلوب نظريات التمييز العنصري الغربية.


هوامش:

(١) ياسين الحافظ، «التجربة التاريخية الفيتنامية: تقييم نقدي مقارن مع التجربة التاريخية العربية»، الأعمال الكاملة، ج٣: دراسات في الفكر السياسي، دار الحصاد، دمشق، الطبعة الثالثة ١٩٩٧م، ص ٦ و٧، الحاشية ٣.

(٢) فيدريكو غرسيه لوركا، «شاعر في نيويورك»، ترجمة ماهر البطوطي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1996م. وكذلك: فيديريكو غارثيا لوركا، «شاعر في نيويورك»، دراسة ديريك هاريس، ترجمة حسين عبد الزهرة مجيد، أزمنة للنشر، عمّان، 2015م.

(٣) أدونيس، «قبر من أجل نيويورك»، في «هذا هو اسمي» «صياغة نهائية»، دار الآداب، بيروت، طبعة جديدة 1988م، ص 47- 74.

(٤) عبدالوهاب البياتي، «قدّاس جنائزي إلى نيويورك»، في «مملكة السنبلة»، ضمن الأعمال الشعرية، المجلد 2، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1995م، ص 413-416.

(٥) إدوارد سعيد، «تأملات حول المنفى ومقالات أخرى»، جـ 1، ترجمة ثائر ديب، دار الآداب، بيروت، 2004م، ص 15-19.

(٦) على حدّ علمي، لم تترجم الثقافة العربية لليونيل تريلنغ، للأسف، سوى كتاب واحد حملت ترجمته العربية عنوان «مرآة النفس: نقد وتحليل ودراسة»، يتناول فيه وليم هاولز ووردورث وجورج أورويل وتولستوي وفلوبير وديكنز وجين أوستن وكيتس وهنري جيمس. واللافت أنّ هذه الترجمة التي أنجزها الدكتور سليم سلامة جاءت مبكرة، في عام 1957م، وصدرت عن مطبعة الثبات، دمشق.

(٧) ليس لدوبي، بقدر ما أعلم، أيّ عمل مترجم إلى العربية، وقد انصرف اهتمام أعماله الأبرز إلى هنري جيمس.