السفر ومظاهر الانفتاح الثقافي

السفر ومظاهر الانفتاح الثقافي

للسفر مكانته في ثقافتنا العربية، وهنالك ما يناظره في الثقافات الأخرى. يكفي ذكر ابن بطوطة وابن جبير وابن فضلان، وإثراء هؤلاء الرحَّالِين لتراثنا العربي. وفي الغرب أسفار اللورد بيرن داخل أوربا، ورحلات المستشرقين، ومنهم حفيدته آن بلانت وسفرها إلى نجد، كأنما استحال السفر إرثًا بالدم وهواية تتلقفها الأجيال. لا يتسع المجال للتفصيل والتأصيل في أمر السفر، لكن ما يحفزني للحديث عن السفر هو أني مسافر دائمًا داخل المملكة وخارجها. وما أريد قوله: إن بلادنا شاسعة المسافة، كثيرة الأقاليم والقبائل والأسر، متنوعة العادات والتقاليد، شاهقة التضاريس، عميقة الأغوار، وموحدة في الدين واللغة.

السفر بين المدن، وبخاصة بعد النهضة السياحية والمدنية في السنوات الأخيرة، ومظاهر الانفتاح الثقافي، والاستثمارات المادية الضخمة، هو أمر وافر المتعة، وينقسم إلى السياحة المدنية والسياحة الطبيعية. الأولى ارتقت بها الدولة والمواطنون إلى مصاف العالمية، وهي بارزة للعيان، يراها كل مسافر، والثانية في الجبال والصحارى والتضاريس، وأغلب موسمها في الشتاء، ولا تقل أهمية عن الأولى، وهي ما أرغب في التركيز عليه. يصادف أن كثيرًا من مواقعنا الطبيعية تكتظ بالأحداث التاريخية التي وردت في القصائد القديمة، وهذا لا يزال قيد الاستكشاف حتى الآن، على الرغم من كل ما نُشر عنه.

كثبان الربع الخالي

المرتحل داخل أراضينا من أقصى الشمال للجنوب، لا بد أن يتفاجأ بما يراه؛ ككثبان الربع الخالي الموحشة جنوبًا، وجبال حائل الصامدة شمالًا، وساحل «حقل» المشع ليلًا ونهارًا، وشموخ جبال عسير الباردة صيفًا بخلاف معظم مناطقنا. وللمرء أن يتعجب من تجاور الجبل المنخفض في مكة مع الجبل المرتفع في الطائف، وبالقرب منهما الساحل والأرض المعتدلة في جدة.

يعبر المرء هذه الأمكنة إلى المدينة المنورة، وفيها القرى والمزارع والجبال والحرّات، وإلى العلا، بتشكيلتها الجغرافية العجيبة وهضابها الصغيرة، وإلى سواحل ينبع وأملج الساحرة خصوصًا في الشتاء. أما نجد، فأظنها جنة الشتاء، وقد لبست أرضها الزي الأخضر، من النفود شمالًا حتى الثويرات والمستوي جنوبًا، والصمان شرقًا، والدهناء. نجد هي ملتقى التضاريس السعودية، لولا أنها تخلو من السواحل. ومنها الاتجاه إلى الأحساء شرقًا، وفيها جنان النخيل وساحل العقير، وعلى مقربة منها القطيف، وفيها الزراعة والحياة البحرية معًا.

الامتداد المنكشف

سوف تترك الرحلات أثرها في المسافر ولا شك، فالسفر لغةً يعني السفور والانكشاف والتجلي، والمكان هو موضع امتداد المادة وتحيزها وتموضعها. مع السفر ندرك حسيًّا هذا الامتداد المنكشف لنا، ومن دونه يبقى موضع تخيل فحسب. سيبقى الكلام عن السفر مثيرًا للاهتمام وحافزًا على الارتحال، لكن وعينا بالشيء يتضح بتجربته واختباره. وفي خريطة المملكة، نحن أمام رقعة جاهزة دومًا للاستكشاف، وبمعية التقنية، أصبح هذا الاستكشاف أسهل من السابق؛ بتوافر السيارات والهواتف والاتصالات ووسائل السلامة الحديثة، وهو أمر لم يتوافر في السابق بالسهولة نفسها. من شأن هذا الأمر أن يعرف المواطنين والزوار على ثقافات الأقاليم السعودية، ومدى الثراء الذي تكتظ به. مع الأسف، لا يمكن اختصار ذلك، كأي أمر آخر؛ فالسفر هو وعثاء وقطعة من عذاب أحيانًا، لكن عوائده على النفس عظيمة، وهو ما يغري على مكابدة عناء السفر.