بواسطة شهاب اليحياوي - باحث تونسي | مايو 1, 2025 | مقالات
الخفي والمعلوم في مهنة الخبير «الساحر الحديث»
إن ظاهرة غزو ما يطلق عليهم عبثًا بالخبراء في شتى الميادين السياسية والاقتصادية والصناعية والفلاحية والتربوية وما إلى ذلك، تثير البحث المعمق في دلالتها ومآلاتها وانعكاساتها غير المعلومة والمرئية للنظر غير النقدي والتأويلي للظواهر؛ ذلك أن حضور المسمى «خبير» طغى وغطى على ثقل حضور المثقف والمتخصصين في مجالات بحثية ذات صلات متفاوتة القرب والضرورة بالمشكلات المطروحة في هذا القطاع أو ذاك. فهذا الخبير أصبح أكثر تأثيرًا في تشكيل وتوجيه الرأي العام وصناعة المواقف والأشخاص وتوجيه الوضعيات وجهات تتلون بالجهات المستنجدة بهذا النموذج الجديد الذي يروج له على أنه الأقرب إلى الحقيقة في تماهٍ مع الصورة المتخيلة وغير الواقعية التي تقدمه على أنه الحامل للمعرفة الدقيقة الكمية والنوعية بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والثقافية والسياسية والتنموية وما إلى ذلك. وعليه فإن منتخب الخبراء أصبح مؤثرًا بقوة في وضع السياسات التنموية والاقتصادية والتعليمية وغيرها بأشكال مباشرة عبر اللجان المنبعثة للغرض أو عبر الاستشارات الفردية أو الجماعية للمتنفذين منهم والمحتكرين للمجال عبر شبكة العلاقات المكثفة والمعقدة التي ينسجونها مع سلطة القرار وعرابيها في كل مجال.
لا ينحصر الإشكال في نظرنا في هيمنة حضور سحرة القرن الحادي والعشرين أدعياء تملك قوة الاقتراح، ومن ثم قوة الحضور في هندسة القرارات وصناعة البرامج، وإنما في تحولهم إلى آلية شرعنة سياسة الانتقاء والفرز التي ينتهجها من يملكون سلطة القرار في متعدد إدارات ومركزيات الوزارات إزاء حضور المثقفين في لجان التفكير أو الإصلاح أو التشاور أو وضع السياسات أو هندسة البرامج. بل أكثر من ذلك؛ فحضورهم هيمن على الإعلام وأصبحوا النافذة الأكثر تقديمًا للمعلومة والتحكم في تدفقها والمؤثرين في صياغة الفهم السائد أو المعمم. أما المثقف فلا يمثل طبقة اجتماعية متجانسة إنما كل صاحب معرفة أو مهنة وخبرة أو تجربة(1) أو كل باحث في مجال تخصصه ومالك لتجربة طويلة في الدراسات والبحوث وفي بناء المعرفة في مجاله ويملك إرادة المشاركة في فعل التدبير العمومي في أي مجال من مجالات عمل الدولة دون أن يكون جزءًا منه فهو مثقف.
فنحن أمام مثقفٍ حازَ معرفةً وعلمًا دقيقًا بميدانه والتجربة والإرادة غير القابلة للتورط في لعبة المصالح والمنافع والروابط التي جاءت بالمديرين وتضمن ببقائها ديمومة وجودهم وهيمنتهم على القرار في مجالات عملهم. غير أن المثقف ذاته يتوزع عند محمد عابد الجابري بين مثقف عضوي تقليدي إذا ارتبط بالمجموعات الاجتماعية التقليدية وجعل معرفته في خدمة استدامة هيمنتها وسيطرتها على الدولة أو على المجتمع، وإما أن يكون مثقفًا عضويًّا جديدًا حينما تكون معرفته نقدية ومناصرة للمجموعات الاجتماعية الصاعدة. أو بتعبير آخر يرى الجابري أن المثقف، والمثقف العربي أساسًا، إما أن يكون أداة من أدوات الهيمنة في المجتمع المدني أو أداة من أدوات السيطرة في المجتمع السياسي(2).
حين يكون المصلح هو ذاته المفسد
حضور المثقف أو العالم، وليس المشعوذين الجدد تحت لافتة الخبير، يشكل دائمًا لدى هؤلاء وكما خبرناه ميدانيًّا خطرًا حقيقيًّا يبث فيهم الرعب والتوتر بحضورهم الثقيل وتملكهم أدوات الحوار والإقناع والقدرة المتحررة من إكراهات وضغوط المركز والعلاقات والمصالح غير المعلنة. فأكثر من يطلق عليهم خبراء ويدعون إلى اللجان المشكلة في الوزارات (في كثير من البلاد العربية) هم تكنوقراط؛ أي: المديرون في الوزارة نفسها، الذين هم في الآن ذاته من يشرفون على تنفيذ البرامج والسياسات التي هي موضوع اجتماع هذه اللجان لتقييمها وإعادة التفكير في مضامينها وأهدافها وآليات تنفيذها، والبحث عن حلول وبدائل بعامل فشلها في تغيير واقع الحال في حقل ما من الحقول وتحقيق الأهداف المرسومة سلفًا، التي وضعها هؤلاء بأنفسهم وقدمت من قبلهم على أنها عصارة تجربة وخبرة ودراية، بما يجعل أخلاق هذه الثقافة كما يقول عبدالإله بلقزيز ليست أخلاقًا علمية، بل هي أخلاق ذرائعية نفعية(3).
فكيف يكون المصلح هو ذاته المفسد بالأمس، وكأن نظام التفاهة لآلان دونو(4) يسجل أيضًا حضوره في هذا المستوى من إنتاج الثقافة وإنتاج المعرفة المرجع لتشكل القرار الإصلاحي، عبر فسح المجال للفاشلين العودة من النافذة لتملك سلطة القرار أو توجيهه دائمًا بدعوة من فشلت تقييماتهم ومشروعاتهم ومقترحاتهم، التي أُهدرت فيها أموال كبيرة في السفرات والاجتماعات والورشات والمشاورات التي لا تعقد إلا في النزل حيث يتسلل الوحي إليهم ليلًا وهم في أبهى تجلياتهم وصفائهم الذهني. ففي تونس مثلًا منذ الثورة وفريق خبراء الإصلاح في كثير من القطاعات وبخاصة الحساسة هم ذاتهم لا ينقص منهم إلا من حال قهر المرض دون التحاقه بخيمة الإخوة البررة من الخبراء.

في هكذا أجواء تناغمية، بين من اجتمعوا بالأمس على خلق المرض في جسم هذا القطاع أو ذاك وحقوله تحت عناوين يفوح منها عبق الخبرة والتجربة، التي جرى اصطفاؤهم على أساسها من أجل هندسة الدواء لمرض هم أحد عناوينه وأحد الأسباب الباتعة لتمكنه من جسم القطاع؛ يضيق المكان على المثقف الذي عرفنا أهم صفاته التي تؤهله لقيادة مشروعات التقييم الموضوعي والعلمي والحيادي ووضع البرامج الأقدر على الإصلاح والتغيير. فمن يملكون سلطة القرار من منتزعي الاعتراف بهم كخبراء القطاع هم واضعو البرامج الإصلاحية بالأمس تحت عنوان الخبراء وهم المقيمون لها اليوم وناقدوها، وواضعو البرامج الجديدة البديلة أو بديل البديل في سلسلة لم تنتهِ منذ الثورة إلى يومنا هذا. فمن مدح وذم فقد كذب مرتين. ومن هو جزء من الجسم المريض لا يرقى إلى صفة الخبير الذي يجب أن يكون من خارج القطاع وعارف به عبر تخصصه العلمي واهتماماته البحثية التي ترقى به إلى صفة الخبير الحقيقي المغيب، لا من إدارة وقيادة مشروعات التقييم والإصلاح، بل حتى من الحضور في مقابل هيمنة خبراء الزيف على المشهد هنا وهناك.
لذلك دعوتنا تصب في أن نقطع مع هذا التمشي وأن نلتفت بقوة وبعمق وفاعلية إلى أهمية قيادة المثقفين لمسارات الإصلاح والتقييم، غير المرتهن إلى أي إكراهات تكبل الذهاب في المسارات الصحيحة والجريئة لتغيير واقع الحال.
الخبرة هي الندرة، وإذا حضرت الكثرة غابت الخبرة
ثمة خلط أو إرادة عدم رسم الحدود بين المفاهيم؛ ليظل الغموض مصدرًا من مصادر اللعب حول مصطلح الخبرة، وتحوله من خاصية خاصة أهل التجربة إلى لقب يوزع انتقائيًّا على أشخاص يملكون الأقدمية في الميدان، تمنحهم دراية دقيقة باشتغاله وتفاصيله. غير أن الخلط العفوي أحيانًا والقصدي في غالبية الأحيان بين الأقدمية والتجربة هو المعبر السري لتمرير غير الخبير إلى عالم الندرة، الذي هو عالم الخبراء بما هم القلة التي قد لا توجد دائمًا وقد لا نجدها في أحد من الميادين. فحجتنا الأولى التي تمنح لما كتبناه قوة ومقبولية نفي صفة الخبير على مدعي الخبرة وعدم أحقيتهم بالوجود حيث يحتلون مقام ومكان المثقف، هو ما أسميناه بالخلط غير البريء بين الأقدمية والتجربة من جهة وبين الخاصية أو الصفة (خبير) المترجمة لجملة كفاءات وقدرات وإمكانات شخص ما ليس مصدرها الوحيد ميدان العمل (الأقدمية) وبين اللقب الذي يطلق على من نريد أن نحشره حشرًا في مجتمع الخبراء لنمكنهم من أدوات سلطة التوجيه واتخاذ القرار من جهة ثانية.
إن الانتماء إلى ميدان العمل لحقبة طويلة وبلوغ المراتب القيادية العليا ضمنه لا تعني أبدًا التميز والاستحقاق. فالترقيات المهنية كما نعلمها جميعنا تخضع في كثير إذا لم نقل في الغالبية العظمى من الحالات إلى منطق غير مهني، ولا تملك التسميات في كثير من الحالات قوة الحجة وتبرير تفضيل شخص من بين الراغبين والمتطلعين إلى المنصب. فضمن هذا المنطق لا يوجد عمليًّا مصطلح الترشح وإنما الترشيح في معنى تزكية، هي ترجمة حقيقية غير معلنة أو غير مقالة لنسيج العلاقات والتحالفات داخل الإدارة، التي تكافئ الأكثر قدرة على إتقان طقوس الطاعة والولاء للمجموعة المتحكمة وإعادة إنتاج هذا المنطق.
هنا يتسلل لقب الخبير بصفته إحدى تقنيات صناعة الشخص في مجتمع الفرجة (سيطرة ثقافة الصورة وضمور ثقافة النص)(5) وإعداده ليرتقي إلى جدارة الانتماء وإلى الأقلية المتنفذة والمتحكمة في دواليب الإدارة هنا وهناك. أن نطلق على الشخص لقب الخبير -وهي ليست صفة مترجمة لمكتسباته وتجربته- يعني أن نعبد له طريق النفاذ إلى النخبة والانتصاب كمرجع ومستند وحكم في الخيارات والبدائل والتوجهات(6) التي تطرح ضمن النقاش داخل هذه النخبة المتنفذة. وبما أن الخبير المزعوم هذا -أو ما أسميناه بمشعوذ العصر- يرتبط بعلاقات ولاء وموالاة ومصالح وأهداف مع من أوجدوه بينهم وفتحوا له جسرًا للعبور إلى الداخل، فإن رأيه وموقفه لن يكون متحررًا من تأثيراتهم ومن ثم لن يكون علميًّا وموضوعيًّا ومتجردًا مما ينزع عنه صفة الخبير ويجعل بينه وبين المثقف الذي تحدثنا عنه في المقالة السابقة مسافات ضوئية.
أما الحجة الثانية على عدم أحقية من يهيمنون على مسارات الإصلاح والتغيير وإعادة تصور الإستراتيجيات وهندسة البرامج تحت مظلة الخبير فهي كثرتهم (تقل بركتهم). فإذا تناسلوا في ميدان من الميادين فاعلم أنهم جيش مأجور لقتل المثقف (طبعًا معنويًّا) وقطع الطريق على حضوره الذي لن يكون بطبيعة الحال مضمونًا ومتاحًا للتوجيه والتحكم، على خلاف من يستجلبونهم ويمنحونهم تعويذة الشعوذة السحرية لفرض وجودهم حيث يريدون لهم أن يكونوا.
فالخبراء هم الندرة بما أن بلوغهم هذه المرتبة تُحيل إلى مسارات كاملة من المعرفة العلمية المتخصصة بالأساس والمنفتحة على الحقول المعرفية المتقاطعة معها وخوض التجارب البحثية وتحصيل التجربة القيادية المتعددة والناجحة، لمشروعات وبرامج وإستراتيجيات تغيير أو تطوير أو إصلاح. فهذا الخبير هو إنتاج تجربة ثرية ومتنوعة ومنفتحة على تجارب مقارنة في بلدان شبيهة وأخرى مختلفة، لا تقترن تجربته الخبيرة بالضرورة بأقدمية التواجد بالإدارة أو بميدان من ميادين العمل. فإذا أخضعنا هذا الجيش من الخبراء -الذي غزا الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب مثلما لجان التفكير والإصلاح في الميادين كلها- إلى هذا التعريف فإنهم سيتساقطون كحبات المطر، ولن يصمد إلا القلة القليلة. ذلك أن الخبرة هي الندرة والاستثناء لا الكثرة وضعف الجدوى.
هوامش:
(1) جيرار ليكلرك، «سوسيولوجيا المثقفين»، ترجمة جورج كتورة، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، 2008م، ص12.
(2) محمد عابد الجابري، «المثقفون في الحضارة العربية»، مركز دراسات الوحدة العربية، ط.2، بيروت، 2000م، ص 20.
(3) عبدالإله بلقزيز، «نهاية الداعية: الممكن والممتنع في أدوار المثقفين»، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط2، بيروت، 2010م، ص78.
(4) آلان دونو، «نظام التفاهة»، ترجمة مشاعل عبدالعزيز الشاعري، دار سؤال للنشر، بيروت، 2020م.
(5) ياسر بكر، «مجتمع الفرجة وصناعة الإنسان ذو البُعد الواحد»، Book. E، مصر، 2021م.
(6) Berrebi-Hoffmann, Isabelle, et Michel Lallement. “À quoi servent les experts?”, Cahiers internationaux de sociologie, vol.126, N°1, 2009, pp. 5-12.
بواسطة شهاب اليحياوي - باحث تونسي | مارس 1, 2023 | مقالات
يمتنع رابط الفرد بممارسة الطقوس المقترنة بدينه، عن أن يسيج داخل حقل نص مؤسس مغلق. بل أعمق من ذلك، فإن النص المؤسس ذاته لا يوجد أصلًا في صيغة المفرد والمتفرد. فالحق أننا أمام نصوص مرجعية متحولة بما أن المنطوق الديني للفرد إنما هو فهم أو حامل لفهم لا ينضبط ضرورة لمشترك يظل مفترضًا. فالذي هو مشترك إنما الظن أننا نتفق حول نص غير أن واقع الحال أننا كفاعلين نؤول باستمرار أفعالنا في حياته اليومية وعلاقاتنا الاجتماعية، أي أننا نحمل كذوات اجتماعية تختلف في تجاربنا وفي سياقاتها الحياتية أفهامًا مخصوصة، تحتفظ بمسافة غموض وتباعد بعضها من بعض، قد تضيق وقد تتسع بحسب طبيعة ونوعية علاقاتنا وروابطنا الاجتماعية.
معنى ذلك أن الإرث الديني الذي ينقل للفرد عبر التنشئة الاجتماعية بقنواتها المتعددة وأشكالها المتنوعة لا يحتفظ أبدًا بنقاوته أي تماهيه مع فهم الناقل ومستنداته القِيَمِيّة. فالتصورات والتمثلات التي يحملها الفرد وتلون روابطه بسياقاته الاجتماعية المتلبسة بالتنوع والتخالف والتعارض تجاه المشترك نفسه (التراث الديني) إنما هي تحصيل تبادل أفعال متنبه بقوة لمعطى التغير والتحول في السياقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للفعل الاجتماعي للفرد. وينكشف البعد الفردي في رابط الذات الاجتماعية بالتدين في تنوع البراكسيس الديني اليومي وبخاصة المناسباتي. إننا أمام رابط ثقافي بالدين يتأكد ويتعمق عبر إثبات أشكال التنوع حد التخالف تجاه هذا المشترك الافتراضي.
المشترك المفترض والفردي الحاصل: حدود التماس
تستحضر المقاربة السوسيوثقافية الدين بوصفه نظامًا ثقافيًّا، وأن الحالة الدينية إنما هي صورة للتحولات في هذا النظام الثقافي للمجتمع التاريخي ومنظومته القِيَمِيّة المتحولة. فليس ثمة استنساخ ثقافي تحتكم إليه العلاقة بين الفردي والجماعي، وإنما ذاكرة ومخيال جماعي غير نُصبي أي متحفي، بل خلافًا لذلك مفتوح باستمرار على التغير والتبدل. فالفرد المتدين يتحيز أو ينجرف إلى فهم ما للدين ويتذوت مدونة طقوسية ما بعامل ما يسميه جرافمير بأثر السياق (العائلة، مجتمع المدرسة، مجتمع الشارع، مجتمع الشغل،…) الذي يفرض إكراهاته على فعل الفرد المجتمعي وترتيب أولوياته، غير أن هذا الفرد يحتكم دائمًا إلى هامش من العقلانية في أفعاله وتصرفاته واختياراته مثلما تصر على تأكيده الفردوية المنهجية لريمون بودون يجعله فاعلًا في سياقه، وواعيًا إلى حد ما باختياراته ومواقفه وتصرفاته.
فلا يمكن لنا أن نواصل الانزلاق إلى المقاربات التقليدية التي تستشكل الفعل الديني للفرد في حضور لثنائية نظرية المصلحة ومفهومها الأداتي للأيديولوجيا ونظرية الجهد اللتين قام بتفكيك خطابهما غيرتز في كتابه «تأويل الثقافات» في اتجاه نقدي يقدم الدين نظامًا ثقافيًّا فاعلًا، ينتج حالات نفسية دافعة بصفة مستمرة. فأشكال التدين والممارسة الموصولة به تصيغ عالمًا مشتركًا يرثه الفرد مجتمعيًّا (إسلام الأهل) غير أنه يضعه أمام مراجعات دائمة بفعل تنوع الروابط الاجتماعية التي تنعقد ضمن السياقات الاجتماعية المتعددة والتي يوجد فيها الفرد الاجتماعي طوال حياته، وتعيد ترتيب علاقته بسردية الأهل نحو سرديات منقحة تمجّد أشكالًا متباينة أحيانًا للتدين والممارسة الطقوسية للدين.
لذلك نرى أن أثر النسق الديني في النسق الاجتماعي حتى الشخصي يجعل من الاستحالة بمكان قبول تعميم تقييم ديني ما في المعنيين الأخلاقي والوظيفي. فالتجارب الشخصية بالدين وبالحياة الاجتماعية من منظور ذاتي تضعنا أمام حالات نفسية ودوافع تتغاير وتتخالف في الزمان والمكان، وهو ما يضعنا أمام تجارب طقوسية ووضعيات إيمانية ورؤى إن تقاطعت، فلا يعني ذلك القفز على اختلافاتها أو نفي فردانية الرابط بالدين وأشكال تعبيراته في متعدد مجالات ومناحي الحياة الفردية والجماعية للذات الاجتماعية. تُفَكِّكُ الحالةُ الفردانيةُ للرابط بالديني المنظومةَ الدينيةَ الموروثةَ إلى مدونات قِيَمِيّة أو قيميات متنوعة ومتعددة توجد صنوفًا كثيرة من السرديات الدينية وأشكال التدين تميل إلى إعادة تعريف وإلى رسم للفواصل والحدود بين الحيز الذاتي وحيز المشترك، بين الخاص والعام، بين الفردي والجماعي وبين النص المؤسس كمرجع والأفهام المشبعة حمولة سوسيولوجية تحيلنا إلى تنوع التجارب والخبرات الفردية التي تلون حضور الدين في الفعل اليومي للشخص الاجتماعي ومدى تقارب أو تباعد أو حتى تخالف الحمولة القيمية والتصورات والممارسات الطقوسية.
لا يسجل الدين حضوره وسطوته بنفس الحجم والتأثير والقوة التوجيهية ضمن الحياة اليومية للأفراد. فثمة مشهدية معقدة جدًّا في تلون وتعدد أشكال تشابك الديني واليومي، الالتزام بالمنظومة القيمية والمعاييرية الدينية (دين سكوني) وما تفرضه إكراهات الواقع اليومي من أساليب اندماج وصراع وتلون وتأقلم وتكيف اجتماعي (دين حركي) قد لا يجد له ما يعلي مقبوليته في المدونة الأخلاقية الدينية. تتسع أو تضيق مساحة العقل والاجتهاد والتأويل بين الخاصية السكونية (المحافظ والقطعي) أو الحركية (المتجدد والاجتهادي) للرابط الذي يقيمه متعدد المؤمنين في سياقات متغايرة ومتحركة مع الدين وأشكال التدين.
التدين كتعبير طقوسي: ثابت متحول
تضعنا أنثروبولوجية الدين أمام مشترك إنساني ظل ثابتًا على امتداد التاريخ البشري، وهو ترجمة المؤمن بفكرة القوة الغيبية ميتافيزيقيًّا أو لاهوتيًّا للمنظومة الأخلاقية ومنظومة المعاني في تعابير طقوسية يلزم نفسه بها. وهذا الالتزام الأخلاقي لا يشجع فقط على التدين لدى غيرتز بل يقتضيه أو يفرضه. فالمعاني التي يمنحها الإنسانُ الأشياءَ التي تحيط به والتي يبحث دائمًا عن تفسير وتأويل ما لها يمسرحها طقوسيًّا؛ لتنقل وتتبادل وتخزن ضمن رموز تضاهي الواقع وتحكيه أو تفسره. وتتخذ هذه الرموز في كل الأزمنة والمجتمعات قدسية تمنحها نافذة على الالتزام الجماعي والتحول إلى نظام ديني ينتعش في الممارسة الطقوسية الجماعية.
والالتزام هنا بالطقس الديني إنما هو جماعي يوصم الخارج عنه إيمانيًّا (الدين) أو طقوسيًّا (التدين) بالخروج عن المنظمة الأخلاقية على اعتبار التنافذ الحتمي بين الأخلاقي والمعياري في المنظومة الدينية دائمًا. فالثابت في التدين إذًا هو معقولية التعبير الطقوسي عن معانٍ جماعية مشتركة، تتذوتها الفرديات الدينية في سياق ولائها الهووي الجماعي؛ ولذلك تعمل الجماعة الاجتماعية على إحاطة التعبير عن الهوية الجماعية بقدسية تستمدها من معقولية الالتزام التي تعيد تدييم معطى التوافق كحارس هووي لوجود وإعادة إنتاج وجود الجماعة ثقافيًّا في وعي المؤمن المتدين.
من هنا لا يحضر معطى أو مبدأ الاختلاف الفردي في هذا المقترب الهووي إلا مهددًا للأنا الجماعية التي توثق رابط الفرد بها هوويًّا عبر تقديس معنى الالتزام بالتماهي في التعبيرات الطقوسية عن الدين في مظاهرها الشكلية الموصولة باللباس والهيئة وما إلى ذلك، أو بالمظاهر السلوكية المتعلقة مثالًا بالحركات في الصلاة أو الدعاء أو الأداء الجماعي للصلاة عبر القوة التأثيرية للمتخيل الديني المحاط بهالة من القدسية التي توظفها الجماعات التكفيرية والجهادية والسلفية المتشددة مثلًا لتوحيد الهويات المتنافرة والمتداخلة في سردية دينية واحدة تنتج هوية الراديكالي المنقطع عن المجتمع الواقعي والمنتسب إلى مجتمع متخيل صنعته له هذه السردية البراديغم التي تتعالى عن الجغرافيا وعن التاريخ وعن منطقق الزمن.
غير أن سيرورة التطور المجتمعي نحو الانفتاح الطوعي أو القسري المباشر (الاستعمار والهجرة نحو المجتمعات المتقدمة…)، أو الافتراضي (ثورة وسائل التواصل الجماعي وتقنيات الاتصال…) خلقت ما يسميه باتريك هايني الحراكية الاجتماعية الثقافية، التي أخضعت المسافات والتقاطعات بين ما هو فردي وما هو جماعي في الممارسة التدينية إلى مراجعات بعثرت تقليدية الفواصل التي أنتجها النهج التذويتي للفردي في الجمعي عبر رفض مسارات التجديد وعبر تبديع الاختلاف في حيزه الخاص أو العام؛ أي تصويره خروجًا من التدين الرسمي الجماعي، وتهديدًا للتوافق الهووي للأنا الجماعية.
فلم يعد للفرد وللفردي مع هذا التراجع لدور مؤسسات التنشئة الدينية التقليدية (العائلة، الكتاتيب، المساجد، الزوايا) تمثل الدين نفسه بما هو ثابت هووي جماعي ونظام قبلي لفك رمـوز الواقـع، وظيفته توجيه انطباعاتنا وتقييمنا وسلوكياتنا، يسيج تمثلات الفرد لذاته ولروابطه بالجمعي والجماعي غير أنه يصبح بفعل أثر عوامل عدة يحمل أفهامًا وتصورات متعددة ومتخالفة فرديًّا عن العلاقة بالدين وأشكال التعبير عن هذه العلاقة في الحياة الاجتماعية لكل الأيام. وعليه فإن هذا الثابت الذي هو الدين كنظام ثقافي ورمزي حامل لرؤى وأفهام مشتركة ومتقاسمة اجتماعيًّا للعالم وللعلاقة بين الروحي والمادي، أو لحضور الله في الحياة الاجتماعية لكل الناس، إنما ينفتح بشكل دائم على دينامية تغير في النظرة للدين ذاتها وفي أشكال التدين، تستعصي عن النفي.
فالتدين الفردي يختلف عن التدين الشعبي، مثلما أن التدين الشبابي لا يتماهى في تعرجاته وحمولاته القِيَمِيّة مع التدين الشعبي أو مع التدين الرسمي. فتدين المواطن المستقر بعبارة إتييان دو لا بويسي لا يلتصق بمعطى الحق والعدل، بقدر ما يكشف عن انحباس التدين في الشكل وعدم انتقاله إلى القيم أو إلى السلوك. فهو أداء شكلي لطقوس وارتباط لا يجد تعبيره وقوته إلا في التمسك غير الرخو بالشكل. فهو لا يغفر لنفسه تفويت فرض الصلاة في توقيته مثلًا، ويشعر تجاه هذا التراخي بذنب شديد ينحسب أو هو يغيب بوضوح في حيز القيم والسلوك حين نجد أنه لا يتوانى عن الكذب أو عدم الإدلاء بشهادة حق أو هضم حق الآخرين. وإنما هو مجرد أداء للطقوس واستيفاء للشكل، لا ينصرف غالبًا للسلوك. ثم إن الطقوس التدينية لا تحتل التراتب القيمي ذاته عند الفرد. فترك الصلاة مثلًا لا يتساوى مع عدم القيام بفرض الصيام.
فإن كان الفرد لا يصلي طوال العام فإنه لا يبيح له ذلك الابتعاد أو الفتور التديني أن يهجر الصيام، بل على خلاف من ذلك يصر على الإيفاء به في احتفالية تضعه في قلب الجماعة والمشترك الديني. فما يلحظ إذًا هنا هو تنوع شكل الرابط بالتدين لدى الفرد الواحد من طقس ديني إلى آخر. فلا يستجيب الرابط الفردي بالتدين (المتحول) إلى المرجعية القيمية نفسها ويتعالى عن معقولية السلفنة التي تجمد حركيته وانفتاحه على التجربة الاجتماعية الفردية بامتياز على اعتبار أن رابط الفرد بالمجتمع الحديث يعلن عن نهاية المجتمع وموت الاجتماعي لصالح مسارات فردية للذوات الاجتماعية ضمن الفهم التوراني.
فهو يتأرجح بين الديني (نقلًا أو معرفة أو استجابة لقيمة أو معيار ديني) وبين الثقافي. ولعل أكثر الطقوس التعبدية والتدينية قوة في الرابط الفردي بالتدين هي ذات البعد الجمعي (مثل الصيام) الذي يحيلنا إلى القوة الإكراهية للقيم المشتركة لا بالمعنى الدوركايمي في تمثلنا، بل كسلوك تفاوضي ضمن الإستراتيجية الاندماجية للأفراد وسياقاتهم الاجتماعية المتلونة والمتبدلة والمفتوحة باستمرار على التغير، وبالتالي المراجعات التي تلامس بشكل قابل للمعاينة أشكال الرابط بالدين وبالتدين.
خاتمة
إن إثارة هذا البعد الفردي في الرباط بالدين والتدين على درجة من الأهمية النظرية والممارساتية، بما هي استشكال للعلاقة بين الأنا الفردية والأنا الجماعية (النحن) ثقافيًّا. فانتماء الفرد إلى الجماعة لا يعادل دائمًا معنى الاستيعاب الذي لا يعترف بحيز الغموض واللايقين في روابط الفرد بالآخرين، والذي قد يتسع وقد يتقلص في سياقات متغايرة ومتبدلة، ولكنه لا يغيب نهائيًّا. فالثابت الذي يظل مشتركًا في العلاقة هو حضور الدين في منظومة المعنى التي يحملها الإنسان في كل زمان ومكان حول ما يدور حوله من عوالم وأشياء وأحداث يبحث لها عن تفسير متناسق يمنح وجودَه معنًى ومنحًى ما، إلا أن البراكسيس اليومي للناس ينتقل بنا من النص الثابت الواحد إلى النص المتعدد من جهة أنه فهم وقراءة وتأويل يظل منفتحًا على تأثير وتوجيه وسطوة التجربة الحياتية والوجودية للأفراد كذوات فردية لا كذوات متذوتة في الجمعي.
هوامش :
(١) فالآخر المعمم الذي يتحدث عنه غوفمان Goffman إنما يصنع مشتركًا لما يمكن تسميته بالشخصية القاعدية، ولكنه لا يعني تماهي الفرد كليًّا مع الجماعة أو حلول الكل كليًّا في الذات الفردية.
(٢) Goffman. Erving, La Mise en scène de la vie quotidienne II. Les Relations en public, Traduit par Alain Kihm, éd de minuit, paris, 1973.
(٣) اليحياوي. شهاب، «الدين والمجال العام» تقرير الحالة الدينية: 2011-2015م، مؤلف جماعي، مؤسسة مؤمنون بلا حدود، بيروت، 2018م.
(٤) Grafmeyer. Yves, Sociologie Urbaine, dir François de singly, Nathan, paris, 2000, p45.
(٥) Boudon. Raymond, Essais sur la théorie générale de la rationalité, Paris, PUF, 2007.
(٦) أركون. محمد، الهوامل والشوامل: حول الإسلام المعاصر، ترجمة هاشم صالح، دار الطليعة، بيروت، 2007م، ص 41.
(٧) غيرتز كليفورد، تأويل الثقافات، مقالات مختارة، ترجمة محمد البدوي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2009م، ص ص 221-288.
(٨) المرجع نفسه، ص 284.
(٩) المرجع نفسه، ص 289.
(١٠) روا. أوليفييه، «الجهاد والموت»، ترجمة صالح الأشمر، دار الساقي، بيروت، 2017م، ص 82.
(١١) هايني. باتريك، إسلام السوق، ترجمة عومرية سلطاني، مدارات للأبحاث والنشر، القاهرة، 2016م، ص 96.
(١٢) Pétard. J. P, et autres, Psychologie Sociale, France, Bréal édition, 1999, P 164.
(١٣) لا بويسي. إتييان دو، مقالة العبودية الطوعية، ترجمة عبود كاسوحة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2008م.
(١٤) Dubet. François, Sociologie de l’expérience, éd du Seuil, paris, 1994.
(١٥) Touraine. Alain, La Fin Des Sociétés, éd du seuil, paris, 2013.
(١٦) اليحياوي. شهاب، «الدين والمجال العام» تقرير الحالة الدينية: 2011-2015م، مؤلف جماعي، مؤسسة مؤمنون بلا حدود، بيروت، 2018م.