«الحالة الحرجة للمدعو ك.»… استعارة المرض في الرواية السعودية

«الحالة الحرجة للمدعو ك.»… استعارة المرض في الرواية السعودية

رواية «الحالة الحرجة للمدعو «ك.»» للمؤلف السعودي الشاب عزيز محمد، الصادرة عام 2017، عن دار التنوير، تُعدّ عملًا أدبيًّا متميزًا يناقش قضايا الحياة والموت، الصحة والمرض، والوجود والاغتراب. وقد وصلت الرواية إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية لعام 2018، ولفتت انتباه النقاد والجمهور على حد سواء، حيث تمثّل في بنيتها السردية مزيجًا من الفلسفة الوجودية والنقد الاجتماعي. يروي بطل الرواية، المدعو «ك.»، تجربته مع مرض عضال يغير مسار حياته ويعكس عمق التناقضات في المجتمع السعودي الحديث. تتناول الرواية، عبر استعارة المرض، قضايا الاغتراب البشري والمشاكل الاجتماعية الثقافية التي تميز العصر الحالي.

الجسد المريض

تقدم الرواية المرض كصراع وجودي بين القدر المحتوم وقوى الاجتماع. وتلقي الرواية الضوء على التناقض بين التفسير الديني التقليدي للمرض والتفسير العلمي الحديث. المرض ليس مجرد خلل بيولوجي، بل يصير رمزًا لانهيار الجسور بين الموروث الثقافي وواقع التحديث السريع.

إضافة إلى ذلك، يثير مرض البطل إحساسًا بالإهانة الأخلاقية، وكأن إصابته به لم تكن صدفة، بل نتيجة حتمية لخلل في شخصيته. إنّ الشعور بالإهانة الأخلاقية بسبب الأمراض المخيفة ليس أمرًا نادرًا في المجتمعات الإنسانية. أشارت سوزان سونتاغ إلى أن المرض نفسه يثير خوفًا قديمًا. فأي مرض يُعامل كشيء غامض يثير الذعر، حتى وإن لم يكن مُعديًا في الواقع، لكنه غالبًا ما يُعتقد أنه مُعدٍ أخلاقيًّا. (سونتاغ، 7) عندما زار «ك.» جده ليخبره عن مرضه، كان متوترًا وخجولًا طوال الطريق. وعندما علمت عائلته بمرضه، بدأوا يتجنبونه، وكأنهم يخشون العدوى. وفي حفل خطوبة شقيقه، تقيأ البطل وأغمي عليه في الحمام، وحينما وجده الحضور، شعر بالخجل على كرامته وخشي أن يُحمل كجثة، ويخالف التقاليد ويسيء إلى كرم المضيفين. فرض المرض عليه ضغطًا أخلاقيًّا جعله يحدق في نفسه بنقد، مما أدى إلى حالة نفسية مشوهة تدعو إلى التعاطف العميق؛ الحالة الحرجة.

عزيز محمد

ومع ذلك، من المدهش أنّ «ك.» لم يكن يعارض المرض منذ البداية كما يفعل معظم الناس، بل على العكس، كان لديه توقعات غريبة، حيث كان يتخذ المرض رمزًا للإلهام. قبل تشخيصه، كان يرى حياته وعمله في غاية الرتابة. لذا، كان يتمنى أن يعاقبه الله بأقسى العقاب مقابل تجربة ثرية حقيقية تمكنه من كتابة عمل أدبي فريد! من الواضح أنه تأثر بشدة بالكتّاب الذين أحبهم، مثل: كافكا، دوستويفسكي، وتوماس مان، وكان مقتنعًا بشكل مهووس بأنهم اكتسبوا الإلهام من خلال معاناتهم مع المرض، مما أدى إلى انفجار إبداعهم الأدبي؛ حتى أنه لجأ إلى تعاطي الحشيش خلال سنوات دراسته الجامعية بحثًا عن الإلهام. العديد من الشخصيات الأدبية لتوماس مان كانت تعاني من المرض، وكان توماس مان نفسه يرى أن المرض هو بداية لترقية حياة الإنسان، فكلما اشتد المرض، كان الإنسان أكثر سموًا (مان، 37).

يستخدم المؤلف مرض بطلنا لتصحيح الاعتقاد الثقافي الخاطئ الذي استنبطه الناس من الأعمال الأدبية، حيث يحذّر القراء من الخلط بين الواقع القاسي والخيال الجميل. في النهاية، قال «ك.»: «لم أشعر خلالها يومًا بأني جدير بمرض كهذا، بموت يستغرق وقته في التحضير. إنه موت يليق بالمفكرين والشعراء والأنبياء والفلاسفة … أما أنا فلم أملك يومًا شيئًا مهمًا أقوله، وحين أحاول التفكير بما يلخّص حياتي لا يخرج من فمي إلا البلاهات.» (ص. 256) لقد أجبره المرض على إعادة اكتشاف ذاته، وجعله يفهم أنه ليس عبقريًّا معذبًا، بل مجرد شخص عادي.

المجتمع المختل

قال كارل ماركس إن الإنسان هو مجموع علاقاته الاجتماعية، ما يعني أن حالة الفرد تؤثر بشكل مباشر على ملامح المجتمع وروحه. إن استعارة المرض في الرواية لم تقتصر على البطل فحسب، بل تتجلى أيضًا في المجموعات المحيطة به. وبالرغم من أنهم لا يعانون من المرض الجسدي مثل «ك.»، إلا أن عالمهم النفسي قد شوه وفسد تمامًا. إن علّتهم الجماعية تتجاوز الطبيعة البيولوجية البحتة للمرض، لتمتد إلى مجاز سياسي ونقد اجتماعي وتقييم أخلاقي متعدد الأبعاد.

يمكن تصنيف الشخصيات إلى ثلاث فئات رئيسية: زملاء العمل، أفراد الأسرة، والطاقم الطبي. معظم زملائه في العمل هم نوابغ كانوا يدرسون في الخارج، ويظهرون بمظهر أنيق في اجتماع «تبادل قصص النجاح»، ويتحدثون عن شهاداتهم الأكاديمية ويمارسون التملق للمدراء. يتصرفون كآلات، يتبعون القواعد بلا مشاعر، ويلتزمون بالروتين اليومي الصارم. في الوقت نفسه، تعاني عائلته من النزاعات وعلاقاتهم يسودها البرود والنفور: والده المتوفى لم يظهر أي محبة تجاهه، ووالدته كانت تفضّل أخاه الأكبر ولا تفهم أفكاره، بينما كان شقيقه وشقيقته في نزاع دائم معه، مما جعله يشعر بالوحدة والانعزال. أما في المستشفى، فقد تجرد الأطباء والممرضات من التعاطف، الأمر الذي جعل صدره يضيق. عامله طبيبه بلا اهتمام، حتى أنه لم يكن ينظر إليه أثناء الفحص، والممرضة أيضًا عاملته بخشونة.

فضلًا عن ذلك، فإن موقف المجتمع تجاه السرطان والمرضى مشوه. يستهجن «ك.» قصص التشجيع التي يرويها الزوار قائلًا: «كل قصص الانتصار المتشابهة لم تكن تمجّد قدرة الناجين على هزيمة المرض فحسب، بل تدين أيضًا عجز وضعف كل من هُزم. لكن من يكترث بما يجري للمهزومين؟» (ص. 214) يقوم الناس بتشكيل القصص التي يسمعونها وتغليفها بروح إيجابية زائفة لتشجيع المرضى على مقاومة المرض، لكنهم لا يهتمون بما يدور في قلب المريض من أفكار حقيقية. هذه التصرفات مجرد محاولة لعرض السلطة والتدخل في حياة المريض، حيث أن الزيارات المتواصلة في الواقع إزعاج وتزيد من معاناة المريض بدلًا من أن تخفف عنه، لكنهم لا يهتمون؛ هم يهتمون فقط بمظهرهم أمام الآخرين. هذا السرد الذي يُعنى بالضعفاء والفئات الهامشية يعكس روحًا إنسانية للمؤلف، ويُجسّد دقة ملاحظته وحساسيته في رصد التفاصيل.

التسارع الاجتماعي والاغتراب البشري

أدت الثروة الهائلة الناتجة عن الاقتصاد النفطي المتطور إلى دفع عجلة الحداثة في السعودية، كما أن انتشار وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة أدى إلى تأثير الأفكار والثقافات الخارجية على المجتمع. في ظل ازدهار الاقتصاد، تسببت المفاهيم الثقافية والعادات الاجتماعية المتخلفة في حدوث حالة من الانقسام، مما جعل جيل الشباب الذي نشأ في عصر الإنترنت يقع في صراع وحيرة. يمكن لقارئ النص أن يلاحظ كيف أن الفرد في هذا السياق الاجتماعي يفقد استقلاله ويُستَغل كأداة لخدمة رأس المال، مما يؤدي إلى تدمير النقاء البشري والفضائل.

من أجل السعي نحو النجاح الدنيوي، أصبحت تصرفات الناس خارجة عن سيطرتهم، ليصبحوا مثل الحيوانات التي تركض في القفص باستمرار دون أي تقدم؛ أو يطيعون بلا شروط القوانين الإدارية في الشركة كالجنود، مما يعطل احتياجاتهم الشخصية. وفي هذا السياق، اضطر البطل إلى تعديل سلوكه ليتماشى مع الجماعة. في الفصل الأول للرواية، يوضح البطل لماذا انضم إلى شركة البتروكيماويات. هو خريج في تخصص تكنولوجيا المعلومات، وفي الواقع، لم يحب هذا المجال، ولكن من أجل مواجهة المنافسة الشديدة وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب، كان عليه أن يختار هذا الطريق. أما صناعة البتروكيماويات، فقد كانت مجرد اختيار عشوائي، لأن كل الصناعات تحتاج إلى مبرمجين.

إنه شخص يحب الحرية، لكن لم يتمكن من السفر إلى الخارج بسبب العمل المتواصل. في مكتبه، كان «ك.» ينشغل بأعمال تافهة ليبدو مشغولًا بأمور مهمة، فيتظاهر بقراءة الأخبار بينما يقرأ أعمال أدبية في الحقيقة. كان يذهب إلى الطابعة لطباعة بعض الوثائق غير المهمة ثم يتركها. وكان يتعرض باستمرار للتقييد، وكان عليه أن يخفي أفكاره الغريبة ويخفي تميزه ليظهر كموظف متعاون، لكن في داخله كان يعاني بشدة. هذه المشكلة تعكس نظرية النقد الاجتماعي لتسارع المجتمع التي قدمها باحث الاجتماع الألماني هارتموت روزا. يعتقد روزا أن المجتمع المعاصر في عصر ما بعد الحداثة في حالة تسارع مستمر خاضعًا لمبدأ المنافسة، وأن التسارع الاجتماعي في العصر الحديث قد تحول إلى نظام ذاتي الدفع لا يحتاج إلى محركات خارجية.(روزا، 38) أدى هذا التسارع الاجتماعي إلى اغتراب في العلاقات العالمية، حيث تسود العزلة واللامبالاة والبرود في التعامل مع الآخر، كما ينعكس ذلك في تعامل البطل مع الآخرين. بعد تعرضه للهجمات المتتالية من السرطان والعلاج الكيميائي والاكتئاب، انهارت أخيرًا دفاعاته النفسية الصلبة، وأصبح يتوق للتواصل مع العالم الخارجي، لكن العالم بقي غير مكترث به. عندما كان يرقد على السرير بلا وعي، فهو في عيون الأطباء مجرد «حالة طبية» على جهاز القياس بدلًا من كونه «إنسان حي».

إن اغتراب التصرف يؤدي إلى اغتراب الذات. فالتصرف المستمر ضد قناعات الشخص يجعله يتساءل عن معنى وجوده. لقد أصبح الإنسان مجرد حلقة في آلة ضخمة، قيمته الوحيدة هي دعم استمرار النظام، دون أن يهتم أحد بمشاعر الفرد أو سعادته، مما يجعل معنى وجوده يتلاشى تدريجيًا، ويغرقه في بؤس العدمية. وفيما يخص حياته الشخصية، يكتب البطل بتشاؤم:

«لقد تجاوزت ربع القرن بقليل من دون أن يحدث شيء واحد مهم في حياتي، ولا في حياة الآخرين حولي، ولا في كل المدينة التي أقطنها، ولم أسافر سوى للجوار؛ فإلى أي تجربة ذاتية يمكن أن أرتد؟ وكيف أصل إلى ذلك المكان الخصب الذي يحوز فيه الكتّاب شيئًا يقولونه؟» (ص. 54)

إن هذه الفوضى العبثية تقوده تدريجيًا إلى وحل العدمية، حيث يتغير من شاب متحمس إلى رجل مليء باليأس والتمرد. كما قال روزا: «يتمثل الصمت واللامبالاة والعداء بين الذات والعالم شكلًا واضحًا عميقًا من أشكال الاغتراب.»(روزا، 147-148) لكن من العجيب أنه في الوقت الذي كان فيه قد فقد الأمل في الحياة تمامًا، تم تشخيصه بالمرض، ليكسر دوامة الهبوط الميكانيكية التي كان يمر بها. منذ ذلك الحين، بدأ يرى الحياة والذات من منظور جديد، وفي صراعه مع المرض أدرك قيمة الحياة، ورفض فكرة أنه كان يسعى للحصول على إلهام أدبي مميز عبر تدمير نفسه، معترفًا أنه مجرد إنسان عادي. ومع ذلك، استمر في رحلته المأساوية ليصل إلى مصالحة مع نفسه، محققًا نوعًا آخر من الخلاص.

خاتمة

رواية «الحالة الحرجة للمدعو «ك.»» تستخدم المرض كاستعارة لفقدان الإنسان هويته في مجتمع يتسارع نحو الحداثة. الرواية لا تقتصر على تجربة مرضية فحسب، بل تتعداها إلى نقد اجتماعي وثقافي يعكس الاغتراب والصراع الداخلي في عالم معاصر يعاني من فقدان الذات. مع أسلوب الإبداع مثل كافكا، يتحول المرض إلى مصير غامض لا مفر منه، يعكس العبث والسخرية في حياة «ك.»، الذي يدرك أن وجوده مجرد جزء من فخ الوجود العبثي. الكاتب يستخدم السخرية السوداء ليكشف عن سخافة الحياة والمجتمع، حيث يصبح الألم جزءًا من عالم مليء بالمفارقات واللاجدوى.


هوامش:

(1) عزيز محمد. «الحالة الحرجة للمدعو «ك.»». بيروت-القاهرة-تونس، دار التنوير للطباعة والنشر، عام 2017.

(2) سوسان سونتاغ: «المرض كاستعارة». ترجمة: تشن وي. شنغهاي، دار شنغهاي للنشر والترجمة، عام 2018.

(3) توماس مان. «جوته وتولستوي». ترجمة: جو يان بينغ. هانغجو، دار نشر جامعة تشجيانغ، عام 2012.

(4) هارتموت روزا. «ولادة الاغتراب الجديد: مخطط نقدي لنظرية تسارع المجتمع». ترجمة: جينغ زو يو. شنغهاي، دار شنغهاي لنشر الشعب، عام 2018.