أنسنة ما بعد الحداثة… ثلاث مدوّنات للشاعر أحمد العلي
إذا كان تطوّر الإنسانيّة، كما يقول بول ريكور، هو سلسلة من السرديّات الكبرى(1)، فإنّ السرود الذاتيّة تأتي لتؤنسن هذه السرديّات، ولا شكّ في أنّ المعرفة عامل أساسيّ من عوامل الأنسنة. رفض بعض فلاسفة ما بعد الحداثة، وعلى رأسهم أدورنو وليوتار، المعنى في هذه السرديّات الكبرى، أو ميتافيزيقيّتها، وردّ بول ريكور على هذا النفي بمفهوم التجاوز المستمرّ الذي يثبت حرّيتنا وعقلانتيّتنا؛ إذ لم تعد قراءة النصوص تحديًا تأويليًّا، وإنما فعلًا ذاتيًّا، واستحقاقًا يربطها بماضي الذات، وبعلاقاتها، وبجذورها.
إذن تتحرّر ما بعد الحداثة من حدود التفسير والتأويل، إلى إبداع المعنى والتعامل معه بحُريّةٍ، ما دامت تنفي المعنى النهائيّ. وفي حين تكمن خطورة هذا النفي في خروجه من النصّ الأدبيّ إلى تصوّراتنا عن المفاهيم، مثل مفهوم العدالة مثلًا التي لن ترتبط في هذا الفهم بالإجماع، فإنّه، أي النفي يغني المدوّنة الأدبيّة أو الثقافيّة، فتصبح الظواهر الحياتيّة مثل سلسلة، يمكن فكّ إحدى حلقاتها وربطها بحلقة من سلسلة جديدة تنتمي إلى سياق آخر، وجغرافيا أخرى، فالسلسلة المتعلّقة بسياق ثقافيّ نيويوركيّ، لأثر موجود في المتروبوليتان، أو في متاجر تيفاني في الجادة الخامسة، يمكن وصل حلقة منها بسلسلة من مزرعة النخيل في الأحساء أو في وادي الغضا…
وهكذا فإنّ «الخيال الذي لا يكتمل إلا بالحياة، والحياة لا تفهم إلا بالحكاية التي نرويها عنها»، ويمكن أن نختار لها الشكل السرديّ الذي تفرضه الفكرة أو السياق. لا يغذّي الفنّ غائيّة معيّنة، بحسب ليوتار(2)؛ لذا فهو ليس بحاجة إلى تسويغ، بل يغذّيه الفضول المتواصل عن طبيعته الخاصّة، والمتمثّل في أسئلة مثل: ما الكتابة؟ وما الخيال؟ وما الرحلة؟ وما الشعر؟ وهي أسئلة تقوّض إجاباتها ما أوردته الموسوعات القارّة أو المرويّات الممنهجة.
نتّكئ على هذه المقدّمة في قراءتنا لمدوّنات الشاعر السعودي أحمد العلي الثلاث: زيت، ودليل التائهين إلى نيويورك، وليس للسابح أن يعلو على الماء، التي ترتبط بفكرة الرحلة، وتجربة الاستبصار، وتقارب ما كتبه رامبو في «الإشراقات» التي واجهها أثناء رحلاته إلى بلجيكا وإنجلترا وألمانيا(3).
يهرب أحمد العلي من الأشكال جميعها، فكما أنّ المعنى يهرب من التأويل أو لا يبالي به، ويقيم روابط استدعائيّة أو عجيبة أحيانًا، يهرب الشكل أيضًا من النمط نحو تجليات عدّة: سرد، وشعر منثور، ومشهديّة تصويريّة، ووصايا على شكل شعر نثريّ. لعلّها ثلاث مدوّنات مختلفة في ظاهرها، لكن تجمعها رؤية واحدة، ما بعد حداثيّة، تنمّ عن تجاوز أشكال المعنى المألوفة، وتجاوز المنظّم الخطّي، بحيث يمكن أن نفكّ حلقة من السلسلة في أيّ موقع منها، ونصلها بسلسلة أخرى.
كتاب الزيت: وجهًا لوجه مع أمين الريحاني
يبدأ كتاب الزيت بلحظة اكتشاف، فمثلما اكتشف النفط في بطن الجزيرة العربيّة، أو (الزيت) كما أطلق عليه في أدبيّات القرن التاسع عشر، اكتشف أحمد العلي كتاب أمين الريحاني: (Maker of Modern Arabia) الصادر في نيويورك وبوسطن عام 1928م(4)، وذلك أثناء بحثه عن تفاصيل مؤتمر وادي العقير 1922م، وتبين له أنّ رحلة الريحاني النجديّة استغرقت كتابين أشهرهما كتاب (ملوك العرب، الذي صدر عام 1924م، حيث يسرد أمين الريحاني رحلته إلى الرياض للقاء ابن سعود).
فتن أحمد العلي برحلات أمين الريحاني في الجزيرة العربية، وبكونه، فوق أدبيّته، وسيطًا للزيت، وبتحوله من الكتابة السرديّة الإنجليزية إلى العربية، وبعلاقته بيعقوب صروف، وبجبران؛ ليقودنا الافتتان إلى نيويورك، المكان الذي سيطلّ منه الكاتب على العالم، كما فعل الريحاني قبله بقرنين، والذي ستتضح مركزيّته في المدوّنة الثانية.
ينقلنا استعمال العلي مفردة الريحاني ذاتها (الزيت) وليس النفط أو البترول إلى سياق اجتماعي اقتصادي وثقافي آخر، يقتصّ عبرها أثر (فيلسوف الفريكة)، وصاحب (الريحانيات)، وهي نصوص شعريّة منثورة، وواحدة من الحالات المرهصة لقصيدة النثر العربيّة. تبدأ الوجهة إذن من (الزيت)، وهو أحد العوامل المشتركة بين الكاتبين أمين الريحاني وأحمد العلي، وثمّة عوامل أخرى: الجزيرة العربية، ونيويورك، والشعر المنثور، والرحلة، والبحث عن التأصيل، والحكاية، ووالت ويتمان، وأدونيس…
يمكن هنا أن نراجع ملفّ جماعة قصيدة النثر، ونعاود الكلام على إقصاء الوزن، والروح الأميركية، ومفهوم الحرية، والتطلع للعدالة، وأميركا الحلم. وسنجد صدى ذلك في تأصيل علاقة أدونيس بقصيدة النثر، وبالشاهد الذي يذكره العلي من قصيدة «قبر من أجل نيويورك»(5). لا شكّ في أنّ شعراء قصيدة النثر، التي تطوّرت عن كلّ من الشعر المنثور، والنثر الشعريّ، تأثّروا بوالت ويتمان، ورثوا الحداثة، وهذا ما فعله الريحاني، وتوفيق صايغ الذي رثى بالرؤية ذاتها والشكل ذاته، عالم ناطحات السحاب، طالبًا العودة إلى بيت أمّه في القرية. سيربط أحمد العلي نفسه بسلسلة شعراء نيويورك، وبذلك يكون قد وجد أكثر من نسب له مع الريحاني: نيويورك، والزيت، والأحساء، فتمسّك بهذه العلاقة، ووثّق عراها من الجغرافيا إلى الثقافة، ومن الأنثروبولوجيّ إلى الجماليّ.
يتقصّى أحمد العلي النصّ الأوليّ الذي أشار إليه فوكو في «الكلمات والأشياء»(6)؛ ليصنع لا نهائيّة التأويل، ويرينا الوحدة بين الكلمة والشيء، من خلال تكوين حكاية لكل شيء، حكاية الأثر؛ إذ ينطمس النصّ الأوليّ المكتوب في الأشياء غالبًا، وتبقى الحكاية التي تتحوّل إلى خطاب كما يشير فوكو أيضًا، ولا شكّ في أنّ الخطاب رهن بسياقه، أي بغاية أحمد العلي من تقديم الحكاية، ومن اختيار اللحظة لتقديمها، لكن، بعيدًا من صراع التأويلات، يتنفّس نصّه الحريّة التي تتيحها تجاوزات ما بعد الحداثة.
ينقل كاتب «الزيت» المواجهات بين أمين الريحاني والملك عبدالعزيز، ويناقش التهم التي سِيقَتْ إليه كونه تبشيريًّا، أو عميلًا أميركيًّا بما أنه يحمل الجواز الأميركيّ، أو جاسوسًا لصالح الشريف حسين، أو وسيط الشركات البريطانيّة للتنقيب عن النفط، ثمّ يتحدّث عن امتيازات الريحاني لدى حكومات الاستعمار، ويتقصّى العلي هذا الملف من وادي العقير إلى بار السان جورج، وكر الجواسيس في بيروت، متتبعًا حقبة اكتشاف النفط، ثمّ المواجهات بين النيويوركيين الثلاثة: نعيمة، وجبران، والريحاني، والعلاقة المرتبكة بينهم؛ ليصل بنا إلى لحظة خروج الريحاني من الجزيرة العربيّة بأمر من الملك عبدالعزيز، أو بطرده من جدة عام 1925م: «أمرت يا طويل العمر، بأن أسافر، إذا كنت أرغب في أن أحافظ على صداقتكم، فسافرت»(7).
تنتهي هنا الحكاية المنقولة من الكتب، التي اكتشفها أحمد العلي ليجعلها مرجعًا يتناصّ معه، ويحاكي بهديه شعر الريحاني المنثور، فيتمثّل بعض المواجهات التي حدثت بين الريحاني وذاته، وبين الريحاني والملك عبدالعزيز، وبين الريحانيّ والزيت؛ ليكتب مشهديّات شعريّة تشكّل الفصول التالية للكتاب.
ففي مقابلته للسير برسي كوكس المندوب السامي في العراق، الذي سيقابل الملك عبدالعزيز، تمنّى الريحاني أن يشركه في الرحلة، يقول: رأيت نفسي مسافرًا إلى الحسا، فما الفائدة من الأحلام، إن لم يشركوني بها، فيصوّر العلي ذلك قائلًا: «لا زمان في نجد/ لا ساكن ولا مسكون/ الغضا لا يشبّ والماء لا يروي…»(8).
بمثل ذلك يصوّر العلي حادثة أوردها الريحاني، أو عبارة كتبها في رسالة، أو مقطعًا سرديًّا ويبني عليه نصّه الشعريّ، كأنّه يعود من جديد ليقرأ التاريخ الذي يحتاج في كلّ مرةّ إلى من يكتبه برؤية جديدة كما يقول غوته. يقحم العلي ذاته في الماضي، ويجد أنّ من حقّة دخول هذا التاريخ، والارتباط بعلاقة مع أقطاب الحدث، وهي إن لم تكن علاقة تاريخيّة فلتكن علاقة شعريّة.
وبذلك نعود إلى بول ريكور، وإلى أنّ الذات هي التي تمنح التاريخ، بوصفه سرديّة كبرى، إنسانيّته وتوقف تدفّقه، من أجل التأمّل والمساءلة، وإنّ السرد الذاتيّ هو الذي يحقّق وجود التاريخ، فهو «كشف بطيء عن معنى خُبِّئَ في أصل ما»(9). بذلك تُرفض السرديّات الكبرى، أو تُساءَل، أو تُتجاوَز، فالحكايات التاريخية المحددة مركزيًّا هي نوع من تجاوز السرديات الكبرى، والذين يحاكون هذه التجاوزات بالخيال، أو يعيدون صياغتها، يلعبون على ميتافيزيقيا التجاوز. وهكذا ستتوالد النصوص الموازية لحوادث نجد والحجاز وبغداد وبيروت، التي تدور حول نقطة واحدة، نقطة الزيت.

مواجهات ما بعد الحداثة في دليل التائهين إلى نيويورك
يمكن أن تكتشف العلاقات بين جهات العالم وظواهره من غرفة في مانهاتن، ولا شكّ في أنها صغيرة، وتقع في واحدة من ناطحات السحاب، وهي مؤثّثة بما يخدم حياة طالب. لا يمكن لمثقّف، قارئ، أو متابع للسينما، والمسرح، من أن ينجو من فتنة نيويورك، ومن سحر الفيفث آفنيو، وبردواي، والتايم سكوير. بهذه الفتنة يبدأ الكتاب، وبعبارة تقول: «تمتحن الحياة بالجغرافيا»(10).
يتخذ الكتاب شكل مقالات في أدب الرحلة، يفلسف فيها العلي هذه العلاقة بين الحياة والجغرافيا، ويقدّم في كلّ مقالة صورًا فنيّة نكتشف معها بعدًا إضافيًّا في اللغة، كما يكتشف كاتبها مقتنيات المتاحف، وما يدور في المسارح، والأجساد التي تتحرّك على الأرصفة، والقطارات، ويكتشف العلاقات بين الشمال والجنوب وبين ناطحة السحاب والنخلة، وبين نبتة في أصيص على حافة نافذة، وزهور ملوّنة مطبوعة على قماش تخيطه الجدة عند خيّاط الحيّ الهنديّ في قرية في الأحساء: «كانت غرفتي نيويورك، وإذا عطشت فتحت ثلّاجة مانهاتن»(11).
يأخذنا في رحلة من متحف المورغان إلى المتروبوليتان، ويشهدنا على العلاقات بين الأشياء أو بين الظواهر، تلك العلاقات الثقافيّة أو التاريخيّة أو العلاقات الخياليّة التي يبتدعها بين أشياء لا علاقة بينها. نتعرّف معه إلى روابط الخطّ؛ إذ يتفحّص خطوط السرياليين والشعراء المحفوظة على وثائقهم: هتلر، أو لوركا، أو سلفادور دالي، أو نزار الذي طبع بعض نصوصه عن خطّ يده، حيث تنساب الحروب ليقع بعضها في أحضان بعضها الآخر، إلى خط أدونيس الذي له تجربة فنية هائلة في الخطوط بالاتّساق مع اللوحات.
ثمّ يعرج بنا إلى الثقافة العربيّة الإسلاميّة الكلاسيكيّة التي جعلت الخطّ أحد مكوّنات فنونها، وصنّفته من الفنون الأرقى نسبة إلى التجريد: «الخطّ السيئ قذى في العين»(12)، وسيحضر حينها الجدّ ببلاغته الشخصيّة: «تستطيع إصلاح كلّ شيء إلّا خط اليد، عليك أن تولد مرّة أخرى لإصلاحه»(13). يقود خط هتلر ولوركا ودالي إلى معرض الحرب العالميّة الثانية، وإلى دماغ أينشتاين، والقنبلة الذرية التي صيغت أبجديّتها في نيويورك؛ إذ «تعتبر مانهاتن أول ميناء في العالم، وكانت بروكلن غرفة التحكّم الأميركية في تلك الحرب»(14).
حركات دراميّة
ينقلنا العلي بحركة دراميّة من صوفيّة الخطّ إلى الحرب المرتبطة بالجغرافيا، وإثم الخرائط ومناظر الإدريسي، فالجغرافيا عدوّنا الأول، كما يشير إدوارد سعيد، ولذلك سنتأمل مع العلي علاقة الخرائط بالاستعمار، والقطارات بالعبيد، وسنصل إلى التناسب الطرديّ بين الحداثة والعبودية، والمعرفة والعنف؛ لنعود إلى عالم السبح، والحنوّ الروحاني، والتصوف مرّة أخرى، مشفقين من عنف الحرب.
نتجه نحو متحف روبن، حيث «سُبح تغرغر بالضوء» تنقلنا من نيويورك إلى غرفة الجد في الجنوب، في الأحساء، في قارة أخرى، وزمن آخر، حيث الطقوس الأليفة والخلوات، وما إنْ يرى الكاتب/ الرحالة اللؤلؤ في المتحف حتى يصيح: لؤلؤيّ «سبحة لؤلؤ يا روبن مكانها الخليج أمام بيتنا تمامًا»(15)، وبعدها نتفحّص سبح المتصوفين والعبّاد في الصين، والتبت، وفي عالمي المسيحية والإسلام: «من يصنع من عظام أستاذه خرزًا ليسبّح به»، فيذوب الفيزيقيّ بالميتافيزيقيّ، ويتجلّى المعنى الحقيقيّ للأَسْتَذة، أو المشيخة، أو الإمامة؛ لنجد أنّ موضوعًا واحدًا يشكّل حالة أيقونيّة لتحولات التاريخ: من الفراعنة حيث إحصاء أنفاس الرحمة، إلى سبح الصيّادين التي تشكّل الطعم، إلى المحسب الرقميّ، إلى رؤية ما بعد الحداثة الفرديّة التي لا تأبه للعلاقات الغائيّة: «انظم سبحك الآن ولا ترها لأحد»(16).
بلاغة التداعيات، وبلاغة التناصّات
يأخذنا الشاعر أحمد العلي إلى معرض إدغار آلان بو، فنرى معه رموزه الرومانسيّة- الديستوبيّة: الغراب، والقطة السوداء، ومخطوطات قصصه التي كانت «ألف ليلة وليلة» واحدة من مشاربها الرئيسة، وبمجرد أن يظهر شعاع من الشرق في الفضاءـ تحدث عند الكاتب التداعيات، فنتوقّف معه عند مخطوطة «الأعراف»؛ لأنّها تحيل إلى الجذور، وستظهر في كلّ لحظة مماثلة حالة طباقيّة contrapuntal بحسب إدوارد سعيد؛ أي الشرق يستدعي الغرب، والغرب يستدعي الشرق: «أشعر أنّها تخصّني أكثر من غيري، أقصد مخطوطة قصيدته «الأعراف» المستوحاة من السورة القرآنيّة»(17).
يتغيّا ساكن مانهاتن الهروب من رأسماليّتها المتوحّشة، مثلما فعل شعراء وكتّاب آخرون غمرهم الحنين إلى عالم أكثر بساطة: «شيّدت العمائر لنذبل على نوافذها، في درجها الطويل وغرفها، لنموت دون أن يدري أحد»(18)، وسنحت له فرصة الانتقال إلى عالم ممتدّ أفقيًّا لا شاقوليًّا، حيث الريف، والبيوت المفتوحة على المروج، التي لا تعلو فيها سوى أنفاس المداخن، ونعود هنا إلى بلاغة الصور، التي تعوّض عن الرغبة، أو عن الحنين لأماكن تتنصّل منها الحداثة وما بعدها، صور يستمدّ الدالّ فيها شعريّته من ألفة المدلول، وذلك حين يتحدّث عن مخبز إيطالي بعيد من المدينة، يتحوّل إلى مأوى أو إلى جنّة المأوى، ولعلّ أفضل تعبير عنه هو (دكّان) : «هو حقًّا دكّان، لا اسم يختزل الدفء كهذا، لا اسم يركّب في مخيّلتك الباب والنوافذ وقطع الخشب والمنيو البدائيّ، ومنصّات الكعك بكلّ ألوانه وغنجه، والطاولة الدائريّة…سواه.
تحوم نساء الفرن حولك، يحمن فيما يشبه مدارات العشق، ليس البيع ما يشغلهنّ بقدر مشاركة المعجزات والكرامات التي يخرجنها من الفرن»(19)، لكنّ خادمات الفرن يقدن الكاتب إلى الشعر أو يصرن ربّات الشعر ويسافرن به إلى الوطن: «ما الذي يشفيك سوى تمر الحسا، أو نبتة نادرة في الشرق اسمها الشعر»(20).
ينزلنا أحمد العلي، الرحّالة، بيت والت ويتمان في قلب المروج الممتدة التي تكشف لنا سرّ علاقته بـ«أوراق العشب» ديوانه الذي ألهم شعر الحداثة عبر العالم(21): «ملاعب البيسبول مسّدها الله قبل البشر، وتبدو السيّارات خطأ مطبعيًّا بحتًا»(22). لا بدّ بعدها من العودة إلى عبث بردواي، أو لهاث وول ستريت، وعالم المال، والشاشات، والديجيتال. وبينما ينسّق خبراء المتروبوليتان التاريخ في موضوعات، يعيدنا مبنى الـ CNN إلى البلاد، ويخترع كثيرًا من أخبارها أو يزيّفها.
خلوة للتبتّل: ليس للسابح أن يعلو على الماء
يواجهنا أحمد العلي في هذه التجربة بنصوص تشبه إشراقات رامبو، غير أنّها تختصّ بالصحراء، ومثلما انتقل التوحيدي من المقابسات، إلى الإمتاع والمؤانسة، فالإشارات الإلهيّة، سننتقل من حكايات أمين الريحاني، وملوك العرب وزيتهم، إلى حكايات نيويورك، إلى حكمة الصحراء، ووصاياها، وعزلتها حيث يتنزّل في أغوارها وقلّاياتها الوحي على الأنبياء.
التصدير بوصلة القراءة
يحكي التصدير الحكاية المتخيّلة لهذا الديوان من الشعر المنثور، ويشير إلى أنّه مخطوط قال فيه الباحثون قولين(23): الأوّل أنّه تنزّل مرّة واحدة، والثاني أنّه تنزّل على حقب، عبر وجود ملقّن يمسك أيادي المتلقين ليكتبوا بالخطّ ذاته، وبكزّة القلم ذاتها، وبالمواد المستعملة ذاتها، ويتحقق وجوده بين الملقّن والمدوّن، مثل وحي.
يبدأ النصّ باتصالات الملقّن بالمدوّن، على هيئة الوحي، ويتناص مع عمليّة التنزيل، حيث تتحدّد الأولويّات، والكلام ليس على رأسها؛ إذ تسبقه القراءة، والتدوين، والشعر، والبحث عن الحقيقة. تحدث الاتصالات في عدد فرديّ من الأوّل إلى التاسع، ويتمخّض عنها الكتاب أو الدليل الذي يجمع الحكمة إلى النبوّة وأساس ذلك التوحيد: «يا ولدي، تحت النخيل: أحد أحد»(24)، و«يا ولدي، الأطيان تيجان، يا ولدي، الضيفان ملائكة، يا ولدي، نخلة المرء في جوفه»(25)، و«القريب قارب»(26). تشغل المتلقّي كلّ من بصريّة النصّ، ونتاج صناعة الصورة الخاصّة بالشعر المنثور: الخط، وتوزيعات السواد والبياض، وتصوير التردّد والغياب عبر طمس العبارات المحذوفة، ثمّ ننتقل إلى التكليف: «لا تكتب ما لا أقوله/ سأزورك دومًا/ سلام»(27).
حتى إذا انتهى الاتصال المتعلّق بالغيبيّ، دخلنا طور الاتصال الأرضيّ الذي يتغلّب فيه المدوّن على الملقّن بعد اكتشافه سرّ القراءة، أو تعلّم سرّ الصنعة: «الماء فوقك يا أحمد»(28)، لتنتقل الخطابات من الذات إلى الناس: «الحرب أيّها الأغرار/ يا أهل الأرض/ أيّها الربيع من قطفك»(29).
يحاكي النصّ «كتاب أدونيس»، ويحاكي «كتاب النهايات» لمصلح النجّار، و«مواقف النفري» من قبله، ووصايا لقمان لولده. وضع الكتاب، كما يظهر على غلافه، في جبل الفاية في إمارة الشارقة، وهو من أقدم المواطن التي سكنها الإنسان، ويبدو من علاماته ومن دلالاتها أنّه وليد عزلة الصحراء حقًّا.
(1) ريكور، بول. الوجود والزمان والسرد. المركز الثقافي العربي، ط1، 1999م. ص139.
(2) يُنظر المرجع السابق. ص137.
(3) يُظر برنار، سوزان. رامبو الإشراقات. منشورات وزارة الثقافة، دمشق، 2002م. ص3.
(4) العلي، أحمد. الزيت. مجموعة كلمات، الشارقة. 2025م.
(6) فوكو، ميشيل. الكلمات والأشياء. مركز الإنماء القومي، بيروت، 1966م. ص55.
(9) ريكور، بول. الوجود والزمان والسرد. ص139.
(10) العلي، أحمد. دليل التائهين إلى نيويورك. مجموعة كلمات، 2026. ص9.
(21) ويتمان، والت. أوراق العشب. الهيئة المصرية للكتاب. القاهرة. 2006م. ص29.
(22) العلي، أحمد. دليل التائهين إلى نيويورك. ص 22.
(23) يُنظر العلي أحمد. ليس للسابح أن يعلو على الماء. مجموعة كلمات، الشارقة. 2025م.
(29) المصدر السابق. ص95.
