التعليم العالي… حين تكون القاعة الدراسية أداة للقوة الناعمة

التعليم العالي… حين تكون القاعة الدراسية أداة للقوة الناعمة

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بدت الولايات المتحدة وكأنها تعلّمت درسًا جديدًا في العلاقات الدولية: النفوذ لا يُبنى فقط بالأساطيل العسكرية أو بالتحالفات الطارئة، بل يُصنع أيضًا داخل قاعات المحاضرات وغرف المكتبات. ومن هنا جاء إقرار قانون «جي آي» (G.I. Bill)، الذي منح ملايين الجنود العائدين من الحرب فرصة إكمال تعليمهم الجامعي مجانًا أو بتكاليف منخفضة. كان الهدف الأساسي من القانون هو دعم انتقال الجنود من ميادين القتال إلى الحياة المدنية، لكنه أدى كذلك إلى توسّع هائل في قطاع التعليم العالي، حيث تحوّلت الجامعات الأميركية إلى حاضنات للمعرفة، والابتكار، وصناعة القادة، في وقتٍ كانت فيه أوربا لا تزال ترمّم ما تهدّم من جامعاتها وبناها التحتية بعد الحرب.

هذا الواقع منح الولايات المتحدة فرصة تاريخية لتتصدّر مشهد التعليم العالي عالميًّا، وتصبح قبلة للطلبة الطموحين من مختلف القارات. وبفضل هذا الزخم، أصبحت الجامعات وسيلة رئيسية لصياغة النفوذ الأميركي عالميًّا، إذ عاد آلاف الطلاب الأجانب الذين تلقوا تعليمهم في أميركا إلى بلدانهم ليتولوا مناصب قيادية. ولعلّ أكثر ما يلفت النظر اليوم أن ما يزيد على ستين رئيسًا من رؤساء الدول والحكومات حول العالم هم من خرّيجي الجامعات الأميركية، في مشهد يذكّرنا بأن النفوذ قد يخرج من قاعات المحاضرات قبل أن يخرج من مصانع السلاح.

قوى ناعمة تبدأ من الفصل الدراسي

يعرّف جوزيف ناي، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد ومبتكر مصطلح «القوة الناعمة»، هذه القوة بأنها القدرة على التأثير من خلال الجذب بدلًا من الإكراه. وخلال توليه عمادة كلية كينيدي، ضاعف ناي عدد الطلاب الدوليين، إيمانًا منه بأن التنوع الثقافي يعزز الفهم المشترك، يتعرف الطلاب إلى القيم الأميركية ويُنتج تأثيرًا يتجاوز جدران الحرم الجامعي.

في كلية كينيدي، اعتاد الأستاذ ناي أن يفتح مكتبه كل يوم ثلاثاء لاستقبال الطلبة، في لقاءات غير رسمية كانت تغلب عليها روح التطلع الفكري والنقاش الهادئ. وفي أحد هذه اللقاءات، قال لي: «أنتم، الطلاب الدوليون، من يصنع الفارق الحقيقي عندما تعودون إلى أوطانكم بأفكار جديدة وشبكات واسعة».

كان ودودًا، متواضعًا، ومهتمًّا بأن يسمع قصتي كطالبة سعودية دولية عاشت وعملت خارج وطنها. في حضرته، شعرت أن لتجربتي مكانًا، وأن خلفيتي الثقافية لم تكن عائقًا، بل مصدرًا للحوار والثراء. وقد أهداني نسخة من كتابه «القوة الناعمة»، كتب فيها: «إلى سارة، مع أطيب التمنيات لقوتك الناعمة». كان يراني امتدادًا لهذه الفكرة، تجسيدًا للقوة الهادئة التي تمثل بلدها في قاعات الدراسة ودوائر الحوار.

وبحسب تقرير NAFSA لعام 2024م، ساهم الطلاب الدوليون في الاقتصاد الأميركي بمبلغ 43.8 مليار دولار، ووفّروا أكثر من 378,000 وظيفة. وتشير هذه الأرقام إلى تأثيرهم الواسع ليس فقط أكاديميًّا، بل اقتصاديًّا أيضًا؛ إذ تشمل مساهماتهم قطاعات الإسكان، والرعاية الصحية، والنقل والخدمات.

وعلى الرغم من أن البيئة الأكاديمية في الولايات المتحدة لم تعد كما كانت، إذ يواجه الطلاب الدوليون اليوم تحديات متزايدة تشمل صعوبة الحصول على التأشيرات، تقلّص الدعم المؤسسي، وتقلب السياسات، فإن هذه التحديات لا تقلّل من أهمية الابتعاث كمسار إستراتيجي، ولا من تأثير وجود هؤلاء الطلاب في الجامعات الأميركية. ففي جامعة هارفارد مثلًا، يشكّل الطلاب الدوليون 27% من إجمالي عدد الطلاب، وقد أثارت بعض السياسات الفيدرالية الأخيرة حالة من القلق، وبخاصة مع التهديد بإلغاء تراخيص مرتبطة بوضع الطلاب الأجانب. ومع ذلك، يبقى تأثير هؤلاء الطلاب ملموسًا، ليس فقط داخل الحرم الجامعي، بل أيضًا في بلدانهم حين يعودون حاملين معهم معارف جديدة، وشبكات دولية، ورؤى عالمية.

الابتعاث في السعودية: من النخبة إلى الإستراتيجية الوطنية

تبرز تجربة المملكة العربية السعودية في برامج الابتعاث منذ تأسيس الدولة الحديثة. ففي عام 1927م (1346هـ)، أصدر الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود أول أمر بإرسال بعثة دراسية إلى مصر تضم أعضاء من اللجنة ومبتعثين لها، وكان من بينهم السيد ولي الدين أسعد، الذي يُعد من أوائل السعوديين المبتعثين. مما شكّل بداية رسمية لمسيرة الابتعاث الخارجي ومنذ ذلك الحين توسّعت هذه المسيرة بشكل تدريجي: أُرسلت بعثات إلى لندن عام 1929م، ثم 10 طلاب إلى إيطاليا لدراسة الطيران عام 1935م، وطالبين إلى سويسرا لدراسة الحقوق والعلوم السياسية عام 1936م. كما أنشئت مدرسة تحضير البعثات في مكة عام 1936م، ثم دار للبعثات في القاهرة والإسكندرية عام 1943م.

في عام 1952م، تخرّجت أولى الدفعات السعودية من الجامعات الأميركية، لتبدأ المملكة في بناء نخب متعلمة تعود للمساهمة في نهضة البلاد. ومن بين الأسماء البارزة التي لعبت دورًا مفصليًّا في هذا السياق: الدكتور غازي القصيبي، الذي درس في جامعة جنوب كاليفورنيا وترك بصمة في السياسة والثقافة، والدكتور عبدالله الطريقي، أحد رواد قطاع البترول في العالم العربي وأول وزير للنفط والذي درس في جامعة تكساس. وفي عهد الملك فيصل ابن عبدالعزيز خلال الستينيات والسبعينيات، توسعت برامج الابتعاث بشكل كبير، بما يعكس التزام الدولة آنذاك بتأهيل الكفاءات الوطنية للمساهمة في التنمية الشاملة، ولا سيما مع الطفرة النفطية وتزايد الاحتياج للكوادر المؤهلة.

وشهد عام 2005م طفرة دراسية غير مسبوقة مع انطلاق برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي، الذي شكّل نقطة تحول محورية في تاريخ التعليم العالي في المملكة. لم يكن هذا البرنامج مجرد مشروع ابتعاث، بل كان تحوّلًا إستراتيجيًّا في نظرة الدولة إلى التعليم كرافعة للتنمية ومجال لبناء رأس المال البشري.

فمن خلاله، أصبح التعليم العالي للخارج متاحًا لشرائح واسعة من السعوديين والسعوديات من مختلف المناطق، وبدأنا نرى موجات من الطلاب والطالبات يتجهون إلى أعرق الجامعات العالمية، حاملين معهم آمالهم وأحلامهم، وممثلين ثقافة المملكة في محافل أكاديمية دولية.

ففي عام 2010م، أطلقت وزارة التعليم منصة «سفير»، لتكون همزة وصل رقمية بين الطلاب المبتعثين والوزارة، ومتابعة احتياجاتهم. وفي عام 2011م، بدأت المرحلة الثانية من برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي، وتبعتها في عام 2015م المرحلة الثالثة تحت مسمى «وظيفتك بعثتك»، حيث جرى ربط الابتعاث بالتخصصات المطلوبة في سوق العمل. ثم جاء عام 2019م وانطلاق مسارات جديدة ضمن رؤية السعودية 2030، أبرزها «مسار التميز»، الذي أتاح تخصصات نوعية تدعم القطاعات الواعدة كالسياحة، والإدارة السياحية، والفندقة، وإدارة الأعمال، والاقتصاد، والموارد البشرية، والرياضة، والإدارة الرياضية، وعلوم البيئة والإدارة البيئية.

وفي خطوة تكاملية، أطلق ولي العهد الأمير محمد ابن سلمان إستراتيجية برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث، التي تستند إلى أربعة مسارات رئيسية: مسار الرواد للابتعاث لأفضل 30 مؤسسة تعليمية في 9 دول، ومسار البحث والتطوير، ومسار إمداد لتلبية احتياجات سوق العمل، إضافة إلى المسار الواعد الذي يستشرف مجالات المستقبل. هذه المسارات مجتمعة تعبّر عن تحوّل عميق في فلسفة الابتعاث، من مجرّد إرسال الطلاب للدراسة، إلى بناء رأس مال بشري يتسق مع طموحات المملكة في الريادة والتنافسية العالمية.

حين وصلتُ إلى بوسطن بدايات الألفية الثالثة لم يتجاوز عدد السعوديين هناك 40 طالبًا، معظمهم من المدن الكبرى. أما اليوم، فقد تجاوز عددهم الآلاف، يمثلون مناطق المملكة ولهجاتها كافة. هذا التنوع لا يغني التجربة الجامعية فحسب، بل يعكس صورة أكثر واقعية وثراءً عن السعودية. في ذلك الوقت، كان كثير من الطلاب الدوليين والأميركيين يتفاجؤون عندما أقول: إنني من السعودية، وغالبًا ما تكون ردودهم: «السعودية؟ هل تقصدين دبي؟» أما اليوم، فأصبح السؤال: «هل أنتِ من جدة أم الرياض؟» ويُتبع أحيانًا بعبارة: «نخطط لزيارتها قريبًا.» لم تكن التأشيرة السياحية متاحة آنذاك، وكانت المملكة منغلقة نسبيًّا أمام الزائرين من غير المسلمين. هذا التحوّل يعكس بوضوح مدى التغيير في صورة السعودية على المستوى الدولي خلال العقدين الماضيين.

من «دار سارة» إلى الوطن الكبير

خلال دراستي في كلية كينيدي، أطلقت مبادرة بعنوان «دار سارة»، تمثلت في عشاءات ثقافية أسبوعية جمعت طلابًا من خلفيات متعددة. من خلال الطعام والحوار، تحولت هذه الأمسيات إلى مساحات للتبادل الثقافي والتعرف إلى الآخر. ومن المفارقات أنني، بصفتي سعودية لم أسافر كثيرًا داخل المملكة، تعرفت إلى مناطق بلادي من خلال زملائي عبر الأندية السعودية في الجامعات، وهي مبادرات طلابية ثمينة، لم تكن موجودة حين بدأت دراستي، وأدرك اليوم أهميتها وأثرها في تعزيز الهوية والانتماء. تعلمت عن القصيم من لهجة أهل القصيم التي تختلف عن اللهجة الحجازية التي نشأت معها، وتذوقت السليق من أهل الطائف، وتعرفت على جمال عسير من شجرة الجاكارندا البنفسجية. شعرت كأنني أتنقل بين مناطق المملكة وأنا جالسة في قاعة دراسية في كامبريدج.

التعليم، إذًا، ليس مجرد وسيلة للتنمية، بل هو أداة إستراتيجية لصياغة المستقبل، وتعزيز الحضور الدولي، وبناء جسور ثقافية راسخة.

هذا المقال هو بداية لعدد من المقالات، ستأخذ عنوان جامع «سفراء على مقاعد الدراسة»، القصد منها تسليط الضوء على تجارب الطلبة السعوديين في الخارج. فهم لا يكتفون بطلب العلم، بل يشاركون العالم لهجاتهم وأطباقهم وحكاياتهم، ويمثلون المملكة بإنسانيتهم قبل شهاداتهم. سفراء نوايا حسنة يكتبون فصولًا جديدة من التفاهم، ويَبنون جسورًا صامتة بين الشعوب.


المراجع:

قانون «جي آي بيل» (G.I. Bill):

– U.S. National Archives. “The G.I. Bill’s History and Impact.”

– https://www.archives.gov/milestone-documents/servicemens-readjustment-act

عدد الطلاب الدوليين في جامعة هارفارد 2023–2024:

– Harvard International Office. “Student Statistics.” https://www.hio.harvard.edu/statistics

التاريخ المبكر للابتعاث السعودي 1927–1952

– https://www.arabnews.com/node/2332511/saudi-arabia

– https://saudipedia.com/en/article/2415/government-and-politics/education-and-training/scholarship-in-saudi-arabia

– https://www.akhbaar24.com/article/detail/591726?utm_source=chatgpt.com

– https://saudipedia.com/article/13117/حكومة-وسياسة/التعليم-والتدريب/الابتعاث-في-السعودية

– https://www.okaz.com.sa/specialized-corners/na/2146960

شخصيات سعودية بارزة من خريجي الجامعات الأميركية:

الدكتور غازي القصيبي (University of Southern California):

https://en.wikipedia.org/wiki/Ghazi_Abdul_Rahman_Al_Gosaibi

الدكتور عبدالله الطريقي: (University of Texas)

https://en.wikipedia.org/wiki/Abdullah_Tariki

برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي (2005–الآن) + برنامج الملك سلمان:

– Ministry of Education Saudi Arabia. https://www.moe.gov.sa/ar/Pages/default.aspx

الطلاب الدوليون في الاقتصاد الأميركي

– https://www.nafsa.org/policy-and-advocacy/policy-resources/nafsa-international-student-economic-value-tool-v2?utm_source=chatgpt.com