الرواية الجزائرية بين واقع الترجمة والجوائز والكتابة عن المجتمع بعيون غربية

الرواية الجزائرية بين واقع الترجمة والجوائز والكتابة عن المجتمع بعيون غربية

في كثير من الأحيان، يرتبط فوز رواية ما بمواقف كاتبها أو بمساره الإبداعي أكثر من ارتباطه بقيمة الرواية نفسها. فهل يعني ذلك أن الذي فاز هو الكاتب نفسه، بمعزلٍ عن النص الذي كتبه، وأن الرواية ليست مستقلةً عن المركز الثقافي الذي يمثله كاتبها؟ إن كان الأمر كذلك فهو يتعارض مع الموقف الأخلاقي للأدب، ولا يتوافق مع مساراته الإنسانيّة المغلقة؛ لأنّ غاية الأدب -كما يقول تودوروف- هي: «تمثيل الوجود الإنساني». إذن: بقدر ما للجوائز من أهمية بالغة في إعلاء قيمة الأدب الجيد وتوسيع دائرة مقروئيته، بقدر ما قد تُرفع نصوص بسيطة على حساب أخرى جيدة، ممّا قد يضرّ بسمعة الجوائز ويطعن في قيمتها المعنوية.

ولهذا فإنّ التطرق إلى الأدب الجزائري، المكتوب باللغتين العربية والفرنسية، يقتضي طرح تساؤلات حول أهمية الترجمة، ومدى مساهمة الجوائز العربية والغربية في رفد هذا الأدب عربيًّا وعالميًّا. فهذه الجوائز تعبر عن انشغالات واسعة لا يصح تجاوزها لمجرد الانخراط في الاحتفاء فحسب.

الحديث عن الجوائز يقودنا إلى رواية «حوريات»، للكاتب الفرنسي الجزائري كمال داود، التي حازت مؤخرًا على جائزة غونكور الفرنسية، و أثار فوزها ذاك، انقسامًا كبيرًا بين جمهور القرّاء والنخبة. فقد أيّد بعضٌ هذا الفوزَ وبارَكَه لأسباب تتّصل بالانتماء الجغرافي، في حين عارضه بعض آخر للأسباب الحسّاسة نفسها مع الاختلاف في تقدير هذا الانتماء وربطهِ بدقّة اللحظة الراهنة، فقد كانت معارضتهم نتيجةً لأهواء الكاتب التي تتّسق ورؤية لجان التحكيم وتطابق رؤيتهما للكثير من الأشياء ذات الطبيعة السجالية.

هي مواقف رآها الكثير متماهية تمامًا مع الآخر، متجاوزةً مواقف الأدب من القضايا العادلة التي مثّلها الجيل السابق، أيّ الجيل المؤسس للرواية الجزائرية المكتوبة باللغة الفرنسية مثل: محمد ديب، وكاتب ياسين، ومولود معمري، ومولود فرعون، ومالك حداد، وآسيا جبار.

تقول ويندي ليسير: «إنها فكرة جذابة جدًّا، أن تكون هناك لغةٌ أصليةٌ مختبئة، تتسربُ إلى تلك اللغة التي يكتب بها الكاتب: تُؤثرُ فيها وتعيدُ تشكيلها». هذا تحديدًا ما كانت تعنيه الكتابة باللغة الفرنسية لذلك الجيل؛ إذ تتسرب اللغة العربية من خلالها وتعيد تشكيلها ولو على نحو مستتر. هذه القضية، إضافة إلى ما ذكرناه آنفًا من قضايا مرتبطة بالرواية في الجزائر، ما سوف نتحرّاها في «الفيصل» من خلال كتّاب ومثقفين من الجزائر، لهم رؤيتهم فيما يُتدَاوَل من سرديات مفتوحة على الاحتمالات كافة.

أحلام مستغانمي:

نعيش زمنًا غدا فيه اصطياد الجوائز إبداعًا في حدّ ذاته

أعتقد أن زمن الجوائز الأدبية الكبرى التي تمنح للأعمال الخالدة ذات الفلسفة الوجودية والبعد الإنساني، تلك التي تجتاز الحواجز اللغوية والجغرافية، وتعني الإنسانية جمعاء انتهى. اليوم الجوائز الأدبية غدت تحت رعاية رسمية وبأهداف سياسية معلنة. الغرب يكافئ من يروّج لأفكاره ويتبنى قناعاته على حساب أصله وانتمائه، تتغير خياراته حسب الظرف والتوجه السياسي للمرحلة، وهذا واضح مثلًا في فرنسا بالذات في الفترة الأخيرة. أمّا العرب فيكافئون بالجائزة الأدبية من يسايرهم سياسيًّا، أو من يملك شلة من المشرفين على توزيع الجوائز على المواليين والأصدقاء.

أحلام مستغانمي

في زمن غدا فيه اصطياد الجوائز إبداعًا في حدّ ذاته، يتفوّق فيه من ينجح في مدّ شبكة علاقات أخطبوطية عابرة للأوطان، أن يرضى عنك الجميع، يعني أن لا موقف لك ولا انتماء، سوى لحسابك المصرفي، وأن لا حساب تقدّمه للتاريخ يمكن أن يعنيك.

شخصيًّا لا علاقة لي بالمشرفين على الجوائز العربية، ولا قدرة لي ولا وقت لدي لمسايرة أحد، تلك موهبة لم يمنّ عليّ الله بها. يعنيني القراء قبل هؤلاء، وقتي لهم على حساب كثير من واجباتي. ربما لذلك فاز غيري بجوائز يمنحها شلّة نقاد، وفزت بجائزة وَحْدَه القارئُ مَنْ يَمنحُها وهي حتمًا الأبقى. الدكتورة فريال غزول، أخبرتني قبل سنوات عدة أنها فوجئت ببعض الفائزين بجائزة نوبل للآداب لم تسمع بأسمائهم، وهي التي كانت تدرّس الأدب الإنجليزي في الجامعة الأميركية في القاهرة. هذا بينما يحفظ القراء أسماء كتاب لم يفوزوا بأكبر جائزة أدبية في العالم! ذلك أن الخلود لا علاقة له بالجوائز. الزمن هو الذي يمنحه الكاتبَ عندما تنطفئ الأضواء، وتتوقف ضوضاء المنابر.

روائية وكاتبة

عز الدين ميهوبي:

مجرّد حملة تسويق

تظلُّ إشكاليّة لغة الكتابة قائمة دائمًا؛ لأنها مرتبطة بمرجعيات فكريّة وثقافيّة، إذ إنّها شكّلت مع تراكم تجارب الكتابة في الجزائر، وفي أقطار أخرى شهدت هذه الثنائيّة في الإنتاج الأدبي، حالة تجاذب واستقطاب، وبخاصّة مع بروز الكتابة باللغات المحليّة بعد انتشار الاستخدام الرقمي والإنترنت الذي بعث لغات عديدة من الرميم. والجزائر ليست استثناءً في هذا؛ إذ إن الحقبة الاستعماريّة أنتجت أدبًا، ينسبهُ بعضٌ للغة الكتابة، ويضع بشأنه معايير لتحديد هُويّته وانتمائه، فيكون أجنبيّ اللسان وطنيّ الروح، كما هو الشأن لكتابات محمد ديب، ومولود فرعون، ومولود معمري، ورابح بلعمري، وكاتب ياسين، ومالك حداد، ورشيد بوجدرة، ويوسف سبتي… وبعض كتابات آسيا جبار، وهي كتابات خدَم بعضها القضية الوطنيّة ولم يتنكّر لقيم الشعب الجزائري. في حين اعتبرت الكتابات التي تتماهى مع الرؤية الاستعماريّة أدبًا فرنسيًّا خالصًا، يُلزمُ أصحابَه حتى لو كانوا جزائريين.

عز الدين ميهوبي

لقد تكرّس معيار: بأي لغة تكتب؟ وماذا تكتب؟ ليكون أساسًا للأحكام التي تُتّخذ بشأن الأدب الذي يُكتب بالفرنسيّة تحديدًا، بالرغم من أنّ هناك أدبًا كُتب بالعربيّة، ويُصنّف على أنّهُ «هجينٌ» في انتمائه، إذا كان يخدم الطروحات الكولونياليّة.

وما أثير مؤخّرًا من نقاش حول رواية معيّنة، يعرفُ النقاد وغيرهم من المهتمّين أنّ صاحبَها لا يملكُ سوى بيضةِ ديكٍ واحدةٍ في رصيده، نالت حظوة الترويج والدعاية. هو نقاشٌ ألفناه منذ أن صار معلُومًا أن صنفًا من الجوائز يضع معايير علنيّة وأخرى خفيّة بحسابات سياسية. وبالتالي لا يُشكّلُ النقاش حول الرواية أو صاحبها شيئًا فارقًا، فآخر ما تنتهي إليه، أنها مجرّد حملة تسويق. ولن أبوح بسرّ إذا قلتُ: إنني التقيتُ وزيرةً فرنسيةً، كانت بين جملة وأخرى تذكر اسم السيّد (د)، فاضطررتُ إلى أن أنبّهها بأسلوب ثقافي فيه إيحاء إلى أنّ في كثير من مناطق الجزائر يوجدُ العشرات من الروائيين الذين يتجاوزُون السيّد (د) بسنوات ضوئيّة، فكرًا ولغةً، ويكفي أنّ بلدة صغيرة وحدها مثل القنادسة (ولاية بشّار) بالجنوب الغربي، قدّمت أسماء بارعة في الكتابة باللغتين، وبخاصّة الفرنسيّة. فالأمر جليّ أنّ جهة ما راهنت على السيّد (د)، ليس لعبقريّة فيه، ولكن لحساباتٍ أضرّت به، هو الذي يسعى لأن يكون روائيًّا. 

كاتب ووزير ثقافة سابق

أمل بوشارب:

موجة توحيد أنماط الكتابة

الحديث عن الرواية الجزائرية بمعزل عن السياق العالمي لا يمكنه تقديم إجابة شافية عن التحولات الجذرية التي عرفها الأدب الجزائري في العقد الأخير سواء أكان مكتوبًا باللغة العربية أو الفرنسية. وليس من قبيل المصادفة أن هذه الطفرة الروائية تزامنت مع بدء الثورة الصناعية الرابعة؛ لذا لا يمكن تصور إفلات طبقة كاملة من الروائيين من موجة توحيد أنماط الكتابة التي فرضتها العولمة لمجرد أنها تكتب بالعربية بينما خضعت فئة أخرى لها لأنها تكتب بالفرنسية. والحقيقة هي أنه وفي الوقت الذي نجد فيه نخبة بارزة من المثقفين الغربيين يدْعُون للتمرد على ظاهرة «الفكر الأحادي» التي أخذت تقوض النصوص الأدبية في السنوات الأخيرة على غرار ثيمات «الووك» والالتزام «بالصوابية السياسية»؛ نرى كتابًا جزائريين تحولوا لوكلاء بيع داخل مجتمعهم لهذا التوجه الفكري باللغتين العربية والفرنسية على حد سواء.

أمل بوشارب

والأمر لا يحتاج إلى جهد نقدي كبير للتعرف إلى المواقف المتناغمة لكتاب معرّبين ومفرنسين بدؤوا في السنوات الأخيرة بالكتابة بذات النفَس -وبعضهم أسماء كبيرة من الجيل القديم وقد سجلوا انقلابات أيديولوجية معروفة على ماضيهم، بينما تزامن صعود الجيل الجديد مع هيمنة قواعد لعبة العولمة على الفكر أساسًا- لينخرط كل هؤلاء في بيع سلعهم لسوق الفكر الأحادي الخاضع لسلطة الترويج والدعاية، وهي السلطة التي غدت ممثلة اليوم في الجوائز الأدبية الكبرى.

باستخدام هذا المفتاح في قراءة المشهد الأدبي الجزائري ندرك أن ثمة عالَميْنِ أدبييْنِ تشكلًا مؤخرًا ليس اللغة هي ما تحدد ولاءات كل منهما، وإنما القيم التي تحكم كل واحد منهما: عالَم الأدباء الأحرار الذين ينطقون بصوت المجتمع، مقابل الأدباء السلعة الناطقين باسم السوق والمنظومة النيوليبرالية.

روائية ومترجمة

عمارة لخوص:

غياب الآليات الفعّالة لوصول النص إلى الناشر الأجنبي

يُعاني الأدبُ الجزائري، كغيره في العالم العربي، قلةَ الترجمةِ إلى اللغات الأخرى. غالبًا ما يُعزى هذا الواقع إلى دور النشر الأجنبية التي يُزعم أنها تنتقي النصوص استنادًا إلى دوافع مشبوهة، متجاهلةً جودة المحتوى الأدبي. غير أن هذا الطرح، النابع من نظرية المؤامرة، يتسم بالسطحية الشديدة، حيث يغفل الأسباب البنيوية لهذه الأزمة. في رأيي، هناك سببان رئيسيان يعوقان وصول الأدب الجزائري والعربي إلى القراء في العالم.

السبب الأول هو غياب آليات فعّالة تضمن وصول النصوص الأدبية العربية إلى الناشرين الأجانب. رغم أن الجوائز الأدبية تساهم في لفت الانتباه إلى بعض الأعمال، إلا أن تأثيرها غالبًا ما يكون مؤقتًا لافتقارها إلى دعم مستديم من وسطاء محترفين، وهما عنصران أساسيان في هذا السياق. أولًا، تلعب الملحقات الثقافية للسفارات دورًا محوريًّا في الترويج للأدب المحلي، عبر التواصل مع دور النشر، وتوفير مترجمين أَكْفاء، ودعم الترجمة، وأحيانًا تغطية تكاليف حقوق المؤلف. خلال ثلاثين عامًا قضيتها بين إيطاليا والولايات المتحدة، شاهدت بوضوح أهمية هذا الدور، الذي يغيب للأسف عن الملحقات الثقافية الجزائرية والعربية، تاركًا فجوة يصعب تجاوزها. ثانيًا، يُعَدّ الوكيل الأدبي وسيطًا أساسيًّا في الترجمة، إلا أن وجوده في الجزائر منعدم وفي العالم العربي محدود للغاية. غالبًا ما يغيب الدور الفعّال للوكلاء الأدبيين في الترويج للأعمال الأدبية وبناء علاقات مع الناشرين الأجانب، حيث يقتصر عملهم غالبًا على انتظار العروض لتوقيع العقود والحصول على نسبة من العمولة.

عمارة لخوص

السبب الثاني يكمن في ضعف جودة النصوص الأدبية المنشورة في الجزائر والعالم العربي. العديد من هذه النصوص تُطبع وكأنها مسودات، نتيجة غياب لجان قراءة محترفة تتولى اختيار النصوص. إضافة إلى ذلك، يؤدي غياب المحررين الأدبيين في دور النشر إلى إصدارات مليئة بالأخطاء الإملائية، والركاكة الأسلوبية، وضعف البناء السردي، وهو ما يُضعف قيمتها الأدبية. ما يزيد الأمر تعقيدًا أن بعض الكتّاب يرفضون تدخل المحرر، عادِّينَ نصوصهم «مقدسة» وغير قابلة للتغيير. هذا الموقف يقف حائلًا أمام تحسين هذه النصوص وتطويرها لتتماشى مع معايير النشر العالمية.

للتغلب على هذه الأزمة، أعمل في جامعة ييل على مشروع تعاون بين الكاتب ومترجميه، بهدف تحويل دور المترجم من مجرد ناقل للنصوص إلى شريك فعّال في تحسينها وتطويرها. خلال تجربتي في ترجمة روايتي الأخيرة «طير الليل» إلى الفرنسية والإيطالية والإنجليزية، قدم المترجمون الثلاثة (لطفي نيا، فرانشيسكو ليجو، وألكسندر ألينسون) اقتراحات وتحسينات قيمة للنص الأصلي. إضافة إلى ذلك، لم يقتصر نقاشهم على نقل المعنى الحرفي، بل تناولت الخيارات الأنسب التي تراعي اختلاف الثقافات واللغات، مستفيدين من خبراتهم المتنوعة. هذا النهج جعل عملية الترجمة أكثر إبداعًا.

هذه التجربة جعلتني أُومِنُ بأن المترجم هو أفضل محرر للنص الأصلي. بناءً على ذلك، قررت أن أنشر روايتي القادمة بالعربية بعد الانتهاء من ترجمتها إلى اللغات الثلاث، مستفيدًا من التحسينات التي يمكن أن تقدمها عملية الترجمة التعاونية.

في الختام، لا يمكن تجاهل الجهود الكبيرة التي بذلها بعض المترجمين لخدمة الأدب الجزائري. في السياق الإيطالي مثلًا، قدّمت يولاندا غواردي وفرانشيسكو ليغو إسهامات قيّمة في ترجمة الأدب الجزائري إلى الإيطالية، وغالبًا دون مقابل. لقد تجاوزا دور المترجم التقليدي، ولعبا أدوار الملحق الثقافي، والمحرر، والوكيل الأدبي، وهو ما ساهم في تعزيز حضور الأدب الجزائري في إيطاليا. الاحتفاء بمثل هؤلاء وتقدير جهودهم الثمينة هو أقل ما يستحقونه.

روائي يكتب بالعربية والإيطالية

لحبيب السايح:

مركز اهتمام بالغ الأثر

لحبيب السائح

هناك الآن حقيقة تفرض نفسها وهي أن الجوائز الأدبية العربية الكبرى صارت مركز اهتمام بالغ الأثر والتأثير في أي مهتم بالأدب، مثل: النقاد والمتابعين والصحفيين، والناشرين (لأنها تحقق لهم عائدات مهمة جدًّا من مبيعات الرواية الفائزة). أما كتاب الرواية، من جميع الأجيال، فصاروا اليوم أكثر من غيرهم انجذابًا إلى ثلاث جوائز كبرى في العالم العربي.

صحيح أن قيمة الجوائز الثلاث المالية معتبرة جدًّا، وهي ذات منفعة للفائز، ولكنها من حيث القيمة الاعتبارية لها فائدة أكبر على مسار الكاتب؛ لأنها تحقق له انتشارًا واسعًا في العالم العربي ومكانة مرموقة في المشهد الأدبي. إضافة إلى أنها تفتح له نافذة على العالم من خلال الترجمة. لكن هناك حقيقة موازية للأولى وهي أن الكتابة الروائية، في البدء والمنتهى، لم تكن للجوائز؛ لأنها همٌّ روحي ووجداني وإنساني سامٍ ونبيل. فالجوائز نفسها لم توضع لأن يُكتَب لها ولا يُرضيها أن يُكتَب من أجلها. إنما توضع الجائزة لتكون حافزًا للإبداع الروائي حتى يقدم الإضافة، وتكريمًا له في الوقت نفسه.

روائي

لونيس بن علي:

فكرة الصراع بين أكثر من جيل

لونيس بن علي

كثيرًا ما طغت على علاقة الأجيال الأدبية، في الجزائر، فكرة (الصراع) بين أكثر من جيل: جيل المخضرمين الذي تلا جيل المؤسسين، وجيل التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، ثم جيل الكتّاب الشباب الذين أصبحوا يزاحمون الجيلين السابقين بحثًا عن ورقة اعتراف بهم في الساحة الأدبية. أما بخصوص المقارنة بين هذه الأجيال، فمن وجهة نظرنا لا تصح هذه المقارنة دون وضع كل جيل في سياقه التاريخي والاجتماعي والثقافي، ما يفرض جوهريًّا اختلافات حتمية؛ ذلك أنّ لكل جيل أسئلته وقضاياه وهمومه، مما ينعكس على أساليب الكتابة وأشكالها ومستواها أيضًا. فإذا أخذنا بهذا المعطى، لم تعد المقارنة مطلوبة إلا إذا جاءت في سياق وضع الأجيال في سلم تراتبي وفق قاعدة المركز والهامش، أو وفق تراتبية أبوية تنحو نحو صراع بين أبوية متسلطة وبنوة متمردة تبحث عن طريقة لتدمير هذه السلطة. ولو أنّ الواقع يميل أكثر إلى هذا المنظور الصراعي؛ فبعض الروائيين الكبار نصبوا أنفسهم أباء مقدسين، يحتكرون الفضاء الثقافي والنقدي، ويفرضون وصايتهم عليه، وأحيانًا يفعلون ذلك بإقصاء من يرون فيه تهديدًا لمكانتهم من الكتّاب الموهوبين.

كاتب جزائري

يوسف بعلوج:

فوضى تترسخ في سوق النشر

علاقتي بالجوائز الأدبية ارتبطت بشكل وثيق بمسار الكتابة عندي، فمنذ قررت أن أتعامل بجدية أكبر مع الأدب بدأت أحاول تشكيل صورة أشمل عما يمكن أن يمنح كتاباتي فرصة لإيجاد قارئ محتمل. وقتها كانت الأبواب مغلّقة على المبدعين الشباب، والمنابر محتكرة بشكل علني وفاضح وممجوج. يستغل من كان في الواجهة آنذاك وضعًا كرسوه بأساليب مختلفة سواء أدبية أو غيرها؛ لتحقيق المزيد من الحضور على حساب الفرص الضرورية لجيل جديد.

يوسف بعلوج

أيضًا، تزامن دخولي المشهد الأدبي مع فوضى كبيرة بدأت تترسخ في سوق النشر، جعلت نشر الكتب متاحًا لمن يستطيع دفع تكاليفه، وهكذا أصبح نشر الأعمال مشوبًا بشبهة بغيضة. شهدت بنفسي حالة التعالي من أجيال سبقتني، وكنت أشعر بالاستغراب من حالة الصفاقة والأنا المتورمة لدى جزء لا يستهان به من رواده. كنت أقول لأصدقائي: «هؤلاء لا يملكون في قاموسهم سوى كلمات الذم والتحقير، ولا يمكن أن يصدر منهم سوى أحكام مسبقة كسولة». من هنا فكرت في سبيل لأصنع فرصتي بنفسي بعيدًا من كل هذه التوترات، وكانت الجوائز الحل الأمثل. الجوائز لها ما لها وعليها ما عليها؛ لها أنها تضع نصَّك في سياق منافسة تحتكم نظريًّا إلى جودة النص، وتغلب الذائقة الأدبية على المعطيات التجارية التنافسية. وجدت أن الوصفة مناسبة لي، لهذا قررت منح نصوصي فرصة للانتشار. أذكر أني لما فزت بجائزة الشارقة للإبداع العربي أول جائزة أدبية لي عام 2012م، كان الأمر حدثًا، وشكل لحظة فارقة وتحولًا مذهلًا، ليس فقط في مشروعيتي وأحقيتي بالوجود، ولكن أيضًا في تعامل الزملاء من مجايلي ومن سبقوني. فجأة، أصبح وجودي حقيقة لا يمكن إنكارها، وكل التشكيكات انهارت، والمثير أن الأمر كان حتى قبل صدور نصي والاطلاع عليه. أي أن الفوز في حد ذاته كان تذكرة عبور نحو صفوة أدبية ما. وقد نتج عن الأمر قناعة أن الجوائز مهمة، وهكذا استمررت في المشاركة، وتمكنت من الفوز والوصول إلى قوائم قصيرة لجوائز في سبعة بلدان.

روائي

جواد رستم تواتي:

مفهوم الهيمنة الثقافية

من الواضح اليوم أن «النجاح» في الأدب الجزائري المكتوب باللغة الفرنسية يصنع -في أغلب الأحيان- في فرنسا. لا بد قبل التوسع في هذه النقطة من العودة إلى مفهوم الهيمنة الثقافية الذي طوره أنطونيو غرامشي. لا بد كذلك من التذكير أن الاستعمار صيرورة تاريخية قائمة على علاقات هيمنة اقتصادية وثقافية وسياسية، كما تقول المؤرخة أني لاكروا ريز، «لا تقوم هيمنة اقتصادية إلا بتصدير آليات الهيمنة السياسية والثقافية الداعمة لها». والأدب بصفة عامة يلعب هذا الدور، بل صار من أخطر الأسلحة في ترسانة حروب الجيل الخامس.

بعد الاستقلال، كان هناك مشروع ثوري للتحرر الفعلي والكلي، وتشييد اقتصاد ذاتي التمركز من أجل سيادة وطنية فعلية. توصلنا هذه النقطة إلى مفهوم آخر: التصور للعالم، الذي صاغه كانط وطوره في مجال الأدب غولدمان. في الحقبات الثورية، كما تسعى الشعوب إلى الذاتية في تقرير مصيرها، تسعى كذلك إلى الذاتية في تصورها للعالم ولنفسها.

مع التخلي عن المشروع الثوري والعودة إلى أحضان الاستعمار الجديد من الثمانينيات وما سُمي بالانفتاح، صار بعض الكتاب باللغة الفرنسية الراغبين في الاندماج في اصطبل صانعي الهيمنة الثقافية بفرنسا يتناولون العناصر الفكرية والأيديولوجية التي تسمح لهم بالانخراط في صفوف ما سماه حميد دباشي بالمخبرين المحليين. فصاروا يقومون بإعادة تدوير الخطاب الاستعماري المهيمن في القرن 19 في قالب «محلي». فوجدت هذه الأعمال صدى كبيرًا عند التيارات الرجعية الفرنسية. فصار ما يأتي من الغرب بصفة عامة، وفرنسا بصفة خاصة، يحمل علامة الجودة، بغض النظر عن المحتوى، وصار التصفيق لهؤلاء واقتناء كتبهم علامة الانتماء إلى صف التقدميين والمتقدمين، ولو كان خطابهم في غاية القدم (صور نمطية للقرن 19) والرجعية. هذا بمجرد الترويج الإعلامي. فكيف بإعطاء الجوائز؟ ولا يتسع المقام للتفصيل في «ثقافة النرجسية» التي حللها كرستوفر لاش في كتابه الشهير، حيث بيَّن كيف يعيش الفرد النرجسي نجاح المشاهير بالنيابة. وهذا يشمل كل النجاحات، ولا سيما الأدبية… إن صح أن نسمي ذلك الارتقاء بالزحف نجاحًا.

روائي يكتب بالفرنسية

أسماء بوزيد:

الكتابة عن الجزائر بعيون العنصريين

أسماء بوزيد

وجودي في فرنسا قرّبني أكثر من عالم الكتّاب الجزائريين الذين يكتبون باللغة الفرنسية وجعلني أكتشف أسماء أخرى ليست معروفة لدى الجميع. سعاد لعبيز مثلًا روائية، شاعرة ومترجمة تمكّن القارئ من عيش رواياتها بكلّ حواسه، فيستطيع شمّ رائحة الأكل الجزائري وسماع أصوات الأمهات والجدّات، وينمو بداخله حنين إلى الجزائر وأجوائها. على عكس كمال داود مثلًا الذي يكتب لجمهور اليمين المتطرف الفرنسي؛ ليصنع له مكانة بين الكتاب الفرنسيين. أرى أنه يكتب عن الجزائر بعيون العنصريين لينال إعجابهم ومديحهم. لا أقول: إن كل ما يكتبه غير صحيح، لكنّه ينقل صورة نمطية مليئة بالحقد تحصر الجزائر في قالب الإرهاب والتخلف. كلّ كاتب هنا يختار كيف يشقّ طريقه بين الآلاف من الكتاب الفرنسيين الذين صنعوا أسماء برّاقة، وفرضوا أقلامهم في الساحة الأدبية التي من الصعب إيجاد مكان فيها للكتاب المهاجرين.

روائية مقيمة في فرنسا

ضيف حمزة ضيف:

عقدة النقص نتيجة تسلط الأغلبية

من غير الواضح كثيرًا أن الغونكور أنصفت الأدب الجزائري المكتوب باللغة الفرنسية خارج الأيديولوجيا. هنالك قولٌ منسوب إلى برناردشو يقول في معناه «لا توجد جوائز بريئة». بالتأكيد لا تخلو أيّ جائزة من نيّة طيبة وأخرى خبيثة، و«الغونكور» لا يمكن أن تتحرّر من هذا التعميم. لم تفصلني سوى أيام قليلة عن إكمال رواية «حجر الصبر» للكاتب الأفغاني «المنشق» عتيق رحيمي، وهي رواية نمطيّة على جاري ما توفّره الروايات العربيّة للقارئ الغربي من «متعة» يراها آمنة لاكتشاف البيئة العربية من داخل البيوت.

لكن ما يربط رحيمي بكمال داود ليس الانتقام الموضوعي، و«أحيانًا» الشخصي، من مجتمع العادات «المتخلّفة»، وإنما الاتفاق على استظهار التفوق اللغوي للقارئ الفرنسي في لغته، بحيث، نستذكر من خلالها «عقدة» النقص التي يشعر بها بعض الكتّاب نتيجة تسلّط مجتمع الغلبة والأكثريّة، مثلا: إبداع أنطوان شمّاس في اللغة العبريّة. مبالغة سليم بركات (الكردي) في تفجير اللغة أمام القارئ العربي… إلخ.

في رأيي هنالك سببٌ غير خالص النية من منح كمال داود الغونكور كان عبارة عن مكافأته أولًا على إتقان اللغة الفرنسيّة وتسويقها كما يجب، ولا سيما أنّ الفرنسيّة تشهد محاولات إقالة من المغرب الكبير. ثانيًا: قدرة كمال داود على استغلال المساحات التي بدت للغرب بحاجة إلى إجابات كثيرة. إضافة إلى توفيره لكوّة تمكّن من التلصص على مجتمعات الذكور والستر وعوالم النساء الخفيّة فيها. ثالثًا: الرغبة الدائمة في إثبات أحقيّة «ملف» اللجوء الثقافي الذي قدّمه بواسطة اللغة الفرنسيّة. هنالك كتّاب جيدون في فرنسا لم يحظوا بما أخذه داود مثل الكاتب التونسي الهادي قدور الذي تكلّم عن بشاعة الاستعمار في إفريقيا في عشرينيّات القرن الماضي بأدوات روائيّة عاليّة وأكثر مهارةً من كمال داود وليلى سليماني، ومع ذلك يستفيد دائمًا من الترشّح ويُحرم من التتويج.

باحث فرنسي

«الحرب» لمحمد اليحيائي… الانتصار للذاكرة وللحياة خارج الأدب

«الحرب» لمحمد اليحيائي… الانتصار للذاكرة وللحياة خارج الأدب

أعظم متعة يقدمها الفن الروائي هو أن يجعل القارئ يعيش أزمنة مختلفة ضمن زمن واحد، وهذه التجربة لا تتيح فقط الاستمتاع بتلك الفرصة التي منحها الأدب، بل يصبح القارئ أيضًا قادرًا على فهم الظروف المحيطة، وعلى فهم البشر ضمن النطاق الأوسع للإنسانية، وبخاصة حين يتعلق الأمر بالروايات التي تستحضر الحروب من زاوية أدبية، وليست من زاوية الكتابة التاريخية. فهدف الأدب هو قراءة الواقعة التاريخية في إطار ما تسمح به الرؤية الفنية، وبذلك تقرأ واقعًا أدبيًّا متخيلًا على مقربة من واقع حقيقي نعيد اكتشافه روائيًّا من زاوية الحاضر؛ إذ من المهم دائمًا أن تكون هناك مسافة كافية بين الزمن الذي تتحدث عنه الرواية والزمن الذي تُكتب فيه إذا ما تعلق الأمر بالحديث عن حقبة تاريخية بعينها. في هذا السياق، تمتلك الرواية مقدرة إذابة الأشياء داخلها، لتعبّر عن ذاتها؛ إذ يصبح «كل مكان هنا وكل لحظة هي الآن»، كما عبر عن ذلك الفيلسوف الصيني لاوتسي.

ومن الروايات التي قد يأخذ عنها القارئ تصورًا مختلفًا من العنوان، رواية «الحرب»، للروائي العماني محمد اليحيائي، الحاصلة على جائزة كتارا للرواية عام 2023م؛ إذ يظن أنها تتناول الحرب بمفهومها العام. وفي الحقيقة، الرواية تتناول الحرب عبر تشظيتها وعبر مخاتلة القارئ ودفعه إلى التفكير في أي حرب هي هذه «الحرب»!

استذكار التاريخ روائيًّا

تعيد رواية «الحرب» استحضار مرحلة مهمة من تاريخ عمان، وهي ثورة ظفار في جنوب عُمان، التي دامت عشر سنوات؛ انطلقت شرارة الثورة عام 1965م، وانطفأت عام 1975م، والتي تعد من أطول الثورات العربية في التاريخ العربي الحديث. لكن الرواية كما أشرتُ ليس هدفها استعادة تفاصيل هذه التجربة كما تفعل كتب التاريخ، وإنما استذكار هذا التاريخ روائيًّا. فالحرب في رواية «الحرب» لا تتوقف عند تجربة ثورة ظفار، والحرب المعروفة بحرب الجبل الأخضر في شمال عُمان، وإنما تتجاوزها إلى الحروب الصامتة، تلك التي يخوضها الإنسان يوميًّا من أجل الدفاع عن أحلامه، أو محاولة الوقوف مجددًا، إثر كل خيبة تشله عن الحياة.

الحرب تحضر أيضًا فيما خلفته من آثار نفسية وذهنية، سواء عند الذين كانوا جزءًا منها كسعيد علي وصالح ناجم، أو الذين انعكست آثارها على حيواتهم، من دون أن يشاركوا فيها مباشرة، مثل كريستينا سعيد، وسعيد قيصر، وعيسى صالح، وسهيل محاد، وخليل زاهر، فلكل واحد من هؤلاء منهم قصة نقرأ من خلالها تجارب مختلفة عن الحرب، تجارب من عاشوها وتجارب من عاشتهم من خلال (الذاكرة المروية). فشخصية سهيل محاد في رواية «الحرب» يمكن تلخيصها في عبارة نيتشه: «إن قيمة الحياة ترتكز عند الإنسان العامي العادي على كونه يرى نفسه أهم من العالم. إن الضعف الفادح في الخيال الذي يعانيه يجعله لا يستطيع أن ينفذ بأحاسيسه إلى بقية الكائنات، وبالتالي لا يقاسمها مصيرها ومعاناتها إلا بأضعف ما يكون من مقدار».

الحياة لسهيل محاد تنطلق من ذاته وتعود إليها من دون قيمة تذكر، أو لربما القيمة المثلى لهذه الشخصية أن تركيزها على نفسها يعد المعيار الأهم للتفاعل مع الحياة، أما ما يخرج عن نطاق حيزها فهو لا يعنيها وفي الغالب لا يهمها. وأمثال سهيل محاد يشكلون شريحة لا بأس بها في المجتمع.

بينما تجسد شخصية خليل زاهر التناقض بعينه، مرة تشعر أنه مُنتمٍ لمجتمعه الذي نال بفضله الوجاهة والثراء. لكن، على الرغم من هذه الميزات، فإنها شخصية مستلبة ترى الحرية، كل الحرية، خارج بلادها، هناك في الغرب حيث لا قيود تمنعها من ممارسة ما تريد من وجهة نظرها. وفي الحقيقة أمثال خليل زاهر أنانيون رغم مكاسبهم، فهم يرون أن بلادهم تحدهم عن مواصلة أحلامهم؛ لذا يحاولون التنصل منها عندما يتعلق الأمر بمصالحهم الشخصيّة.

بينما شخصية سعيد قيصر مختلفة تمامًا عن الشخصيتين السابقتين، وينطبق عليها ما عبر عنه نيتشه بقوله: «أما من كان بالمقابل قادرًا على تلك المشاركة فسيجد نفسه مدفوعًا إلى اليأس من مستقبل الإنسانية، وإذا ما أفلح في أن يتمثل في نفسه ضمير الإنسانية وأن يحس به فإنه سينهار». ما كان يود أن يحققه سعيد قيصر، في مجال الأفلام الوثائقية، قوبل بالرفض، وذلك الرفض حطم الكثير من الأحلام داخله. ونموذج سعيد قيصر نصادفه دائمًا؛ إذ يمثل كل من يحلم، لكن أحلامه يحققها شخص لم يفاوض الأحلام على شيء.

في حين يمثل عيسى صالح كل الشخوص المسكونة بالماضي، ماضٍ عاشته، وماضٍ عاش داخلها من خلال ذكريات لم تعشها، لكنها تلقتها عبر ذاكرة الآخرين وتجاربهم عن الحرب وفيها. هنا تبدى اهتمام الروائي بـ«الذاكرة المتنقلة» إن جاز تسميتها بذلك، ذاكرة تنتقل من شخص لآخر عن طريق المرويات الشفاهية. ذاكرة نستشعر ثقلها في كل الأشياء المحيطة بنا، ذاكرة تعيد لنا ذكريات لم نعشها مع أشخاص لم نعرفهم لكننا نشعر أننا شاركناهم ماضيهم؛ حتى أصبحوا الآن ذاكرة تعيش معنا حاضرنا هذا. بينما نجد أن الشخصية الرئيسة التي تكاد ترتكز عليها أحداث الرواية وتدور حولها كل الشخصيات الأخرى، هي كريستينا سعيد، الفتاة التي تحمل أكثر من ثقافة وأكثر من ماضٍ وأكثر من تاريخ.

كيف ذلك؟

للحرب وجوه أخرى

تمثل كريستينا سعيد كل من جاء للحياة عن طريق الزواج المختلط، تجد نفسها تعيش بين ثقافتين وتاريخين مختلفين، فهي الابنة المدللة للسياسي العماني الثري سعيد علي. هذه المرأة التي عرفت ما عرفت عن والدها من خلال منصبه وتاريخه الحالي الذي يترافق وتاريخ الفترة الحالية التي تتحدث عنها الرواية، تكتشف في رسالة منه تاريخًا آخر له، هو تاريخه الشخصي حين كان ثوريًّا. وهنا تحدث الكاتب عن الثورة، وعن الانتقال من معارضة السلطة إلى موالاتها.

نقرأ من خلال سعيد علي والد كريستينا سعيد، ومن خلال صالح ناجم، والد عيسى صالح الذي رأى في الحرب وجوهًا أخرى. لكن شخصية كريستينا سعيد لا تقف عند هذه الفروقات، بل تجسد فكرة أخرى عبّر عنها العنوان، ألا وهو الحب. تحضرني عبارة للكاتبة البيلاروسية سفيتلانا أليكسييفيتش ترى فيها أن «الحبَّ هو الحدث الشخصيُّ الوحيد للإنسان في الحرب. وكلُّ ما عداه، أحداث مشتركة، حتى الموت». وهي تقصد الحب داخل الحروب، لكن، يمكن اقتباس مقولتها هذه للحديث عن الحروب داخل رواية «الحرب» لمحمد اليحيائي تحديدًا، وتناول الحب بوصفه الحدث الشخصي الوحيد الذي تتقارب حوله وجهات نظر الشخصيات وتتباعد، عندما تشعر بالخطر. الحب في الرواية مقترن تمامًا بالحرب، ليس في تشابه الكلمتين ولكن في تشابه المصاير. يقول السارد: «أراد أن يحفر (الحرب خدعة)، لكن السكين أسقطت الراء، فجاءت (الحب خدعة)». نقرأ كذلك من خلال شخصية الأميرة سالمة بنت سعيد بن سلطان تجربة أخرى عن الحب، وعن المنفى، وعن الوطن.

لا تتوقف تجارب شخصيات اليحيائي بوصفها وليدة الفن الروائي، بل تسير وفقًا لكونها «شخصيات قادرة على الحياة خارج النص» كما عبر عن ذلك المؤلف في حوار له. وما يجعلها على قيد الحياة الأدبية هو بناؤها الفني ورؤيتها الأدبية المحملة بإرث عمان على مدى المئة عام الماضية؛ ثقافيًّا، واجتماعيًّا وفكريًّا، ولكنها أيضًا محملة بإرث شخصي يخص الشخصيات وحدها لأنها تنتمي للفضاء الإنساني الأكبر؛ إذ لا ينحصر حيز المكان الذي تتفاعل فيه على عمان، بل يمتد حضوره إلى اليمن، والبحرين، وبولندا، والكويت، والولايات المتحدة الأميركية. ومن هنا، عرف الكاتب كيف يعبّر عن شخصياته ضمن فضائها المكاني من دون أن تتخلى الرواية عن خصوصيتها الثقافية، هذا ما يجعل من رواية «الحرب» نصًّا أصيلًا في انتمائه لفن الرواية.

لا توثق الرواية ما هو موثق ولا تقص ما هو مروي، بل تنتصر للذاكرة بكل أنواعها حين تستعيد ما عبر عنه المؤلف بـ«مقتنيات الذاكرة»، وكلما انتصر الإنسان للذاكرة انتمى للمستقبل، فمن لا ذاكرة له لا مستقبل له، والحياة بتعبير تزفيتان تودوروف: «مهزومة أمام الموت، لكن الذاكرة تنتصر دومًا على العدم».