غونتر غراس… لعبة المراوغة وسؤال الحقيقة
في الذكرى العاشرة لرحيل الكاتب الألماني غونتر غراس، ومع صعود اليمين المتطرف، هل ما زال طبله الصفيح مسموعًا، أم إن دويه تلاشى في عالم مِلْؤُه الصخبُ والعنف؟
لم يكن غراس ليلقب بضمير الأمة لولا إيمانه بالفن كفعل مقاومة، وأن الكاتب، بصفته شاهدًا على عصره، عليه أن «ينكأ الجراح التي سرعان ما تغطيها الندوب، وينتشل الجثث المطمورة من القبو الموصد، ويقتحم الغرف الممنوعة»، وهو ما جعله مصدر إزعاج لألمانيا، ليس فقط لأنه يذكَّرها بماضٍ قررت قصَّه من شريط الذاكرة، بل لأنه يطالبها بالتكفير عن خطاياها مهما كلفها من أثمان.
في محاولته تفكيك الذاكرة الألمانية، استطاع غراس أن يجعل من الأدب ساحة محكمة، كلٌّ فيها مُدانٌ حتى الكاتب نفسه الذي بدأ روايته الأولى بالجلوس على كرسي الاعتراف. وبقدر رغبته في التطهر من أوحال النازية، انهالت كلماته كالسياط، تجلد دونما رحمة. وحتى يمعن في تنكيله؛ لجأ إلى الواقعية السحرية لتجسيد الماضي على شكل كابوس جماعي.
حظ الرواية الأولى
ولدت «الواقعية السحرية» من رحم الغموض، حين استشكلت الحقيقة على الإنسان في خضم التحولات الكبرى. من هنا وجد الفن لازمًا عليه أن يتولى زمام المبادرة، أولًا بالاعتراف بما اعتراه من بلبلة، ثم المضيّ قدمًا لإعادة تشكيل ذاته على نحو يُمَكِّنه من تخليص الحقيقة من غبار الفوضى.
في عام 1925م، صكَّ الناقدُ الألماني «فرانز رو»، المصطلح أثناء مراجعته لبعض اللوحات الفنية التي تمزج بين الواقع والخيال. وسرعان ما تسرب إلى الأدب، وبخاصة مع تصاعد أهوال الحروب، وما نجم عنها من تشوش وارتباك، فإذا بالفن يَترنَّحُ عند تلك التخوم الفاصلة بين الحقيقة والوهم.
إنها «الواقعية الرائعة»، كما أطلق عليها أليخو كاربنتييه؛ لأنها تجعل من العجائبي امتدادًا طبيعيًّا لحياة البشر، لا حدثًا مفارقًا لها. غير أن لويس لوينتي دي روخاس يراها تشويهًا متعمدًا للواقع، يعكس تشظي الوعي بعد الصدمات التاريخية الكبرى، وهو ما يمكن إدراكه في لوحات بيكاسو وعوالم سلفادور دالي السائلة.
ويمكن تتبع جذور الواقعية السحرية قبل صك المصطلح، في مسخ كافكا، حين استيقظ غريغور سامسا ليجد نفسه قد تحول إلى حشرة تحت وطأة الظروف القاهرة، أو في عالم إي. تي. أي. هوفمان، حيث تتداخل الأحلام بالواقع. كذلك الأمر في لا معقولية نيكولاي غوغول، ولا سيما في «المعطف» و»الأنف».
وسط هذا التيار، بزغ نجم غونتر غراس الذي لم يكن معروفًا بقدرته على الحكي؛ إذ كان نحّاتًا ورسّامًا وشاعرًا. ربما لهذا، حين جلس بشعره الكثيف، تحت سقف مطعم ريفي عريق، يقرأ فصلين من باكورة نتاجه الروائي «الطبل الصفيح» أمام جماعة 47، خَيَّمَ الصمت على الجميع، وسرعان ما سرى في القاعة مسّ كهربائي.
متى كانت آخر مرة باغَتَتنا مشاعر كهذه، تلك التي دفعت أعضاء الجماعة إلى منح جائزة فورية لكاتب أسَرَهم بكلماته؟ في غضون ساعة واحدة، ومع تصاعد الحماس، تمكنوا من جمع خمسة آلاف فرانك، قبل أن ينهض الكاتب الشاب من مكانه. يصف غراس هذه اللحظة بأنها كانت بالنسبة له أهم من جائزة نوبل، ولم لا؟ فقد نال نوبل عن مجمل أعماله، أما تلك الجائزة فلم تتطلب منه سوى فصلين من روايته الأولى.
البطل الصعلوك
على الرغم من أن غراس لم يُصنف ضمن كُتّاب الواقعية السحرية، فقد شغل موقعًا فريدًا داخل هذا التيار، رغم تخليه عن استحضار العجائبي من الأسطورة أو التراث الشعبي، كما فعل ماركيز ويوسا، واشتغاله بدلًا من ذلك، على تشويه الواقع لفضح زيف الذاكرة الجماعية، بحيث يتبدى الخارق لا بوصفه تجلِّيًا سحريًّا، بل مسخًا وُلِدَ من انهيار القيم في ظل النازية. ألا يمكن القول: إن الواقعية السحرية عند غراس، مهدت لظهور مسخ ماركيز في «مئة عام من العزلة» وإن كان عند ماركيز مسخًا بالمعنى الحرفيّ بحيث نرى ذيله
في ختام القصة؟
تبدو الواقعية السحرية عند غراس كما لو كانت حالة قائمة بذاتها من زاوية ما، وجسرًا بين تراث كافكا وانفجار الواقعية السحرية في أميركا اللاتينية من زاوية أخرى. وما بين ضفتين، ابتعث غراس شخصيةَ البيكارو من تقليد شفهي طويل، ذلك الصعلوك المارق الذي ظهر مبكرًا في «الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني، وفي مقامات بديع الزمان الهمذاني، ثم انتقل إلى إسبانيا بعد سقوط الأندلس وطرد المسلمين واليهود عام 1492م، وهو ما أدى إلى ظهور شخصيات على هامش المجتمع، ودفع بالأدب الإسباني إلى الهروب من ظل البطل النبيل كامل الأوصاف.

مع لازاريو دي تورميس (١٥٥٤م)، وُضعت أولى لبنات الرواية البيكارسكيّة (الشطارية)، قبل أن يعمّقها ثيرفانتس في دون كيشوت (١٦٠٥م)، التي كانت بمنزلة إعلان عن موت الفروسية وإعادة تعريف البطولة وفق المتغيرات الراهنة. وهو الأمر الذي تطور في الأدب الإنجليزي مع «توم جونز» (١٧٤٩م) لهنري فيلدنغ، ثم في «أوليفر تويست» (١٨٣٨م) لتشارلز ديكنز.
غير أن غراس لم يكتفِ باستلهام إرث البيكارو بنسخه المكررة، بل عمل على توسيعه وإعادة تشكيله على نحو غير مسبوق. فبطله ليس رجلًا مشردًا مجهول الأهل، بل طفل غامض ملتبس النسب، أنجبته أم واحدة من رجلين؛ أحدهما بولندي والآخر ألماني. وهو ليس مجرد مخادع داهية يجوب الشوارع ويختفي كالزئبق، بل قزم صاخب يحمل طبلًا مدويًا يصمّ الآذان، إلى جانب قدرة خارقة في السيطرة على جسده، كأن يوقف نموه ويحطم الزجاج بصراخه.
راوي غير موثوق فيه
في «الصخب والعنف»، يفتتح وليام فوكنر روايته بصوت بنجامين كومبسون، وهو رجل يعاني إعاقةً ذهنيةً منذ طفولته، وهو ما يجعله راويًا غير موثوق فيه، ويضطر القارئ إلى التحرك بحذر شديد بين شذرات وعي مضطرب إلى أن ينتقل السرد إلى راوٍ آخر سليم الذهن يعيد ترتيب الأحداث. أما في «طبل الصفيح»، فإننا نواجه راويين غير موثوق فيهما؛ الكاتب وبطله. أولًا يعترف أوسكار قبل الشروع في الحكي بأنه نزيل مصحة أمراض عقلية، مزعزعًا ثقة القارئ قبل حتى أن تتوثق عراها، ما دام كل ما سيروي لاحقًا هو حصيلة عقل مشوش.
يرى الناقد بول دي مان أن «النصوص التي تعتمد على عدم الموثوقية تخلق فجوة دائمة بين المعنى والتأويل، بحيث يصبح القارئ حائرًا بين طبقات النص المتعددة». لكن المشكلة لا تقتصر على البطل، بل تمتد إلى غراس نفسه الذي يسخر من طرق السرد المختلفة قائلًا: «والمرء يستطيع أن يبدأ القصة من الوسط، ثم يسير متقدمًا، أو متراجعًا إلى الخلف، بجرأة، مخلفًا وراءه الحيرة والارتباك. ويمكن أن يبدو المرء معاصرًا فيلغي الأزمان والمسافات كلها، ليعلن، أو يدع الآخرين يعلنون أنه حل معضلة المكان- الزمان، وكذلك يستطيع المرء أن يدعي، ومنذ البداية، بأن من المستحيل كتابة رواية هذه الأيام.»
في النهاية يقرر أنه سيبدأ من مسافة بعيدة؛ «إذ لا يجوز لأحد أن يسرد وقائع حياته دون التحلي بالصبر، فيذكر على الأقل نصف أجداده قبل أن يؤرخ لوجوده الشخصي»، وبعد أن يعلن سخريته من طرق الحكي، يسترسل في تطبيقها ليملأ نصف الرواية تقريبًا بالتاريخ العائلي، كما يتلاعب بالزمن تارة للأمام وتارة إلى الخلف، بينما بطله راقدًا على سريره الأبيض يدون ما نقرؤه من ذاكرته. وسرعان ما تنتقل عدوى عدم الموثوقية إلى المتلقي نفسه كشكل من أشكال العقاب، نظرًا لكونه جزءًا من ذاكرة جماعية لم يكن غراس يثق فيها؛ لأن قوامها الانتقاء، تصنع الأساطير بقدر ما تمحو الحقائق، وهو ما يدفع القارئ إلى الدخول بقدميه دائرة الشك. من هنا يشير تزفيتان تودوروف، إلى أن الأدب الذي يعتمد على «عدم اليقين السردي» يورط القارئ في شبكة من التساؤلات التي لا إجابة نهائية لها، وهو ما يجعل القراءة تجربة إشكاليةً في حد ذاتها.
المترجم الخائن
مثل بطله أوسكار، يحمل غونتر غراس طبلًا ومطرقتين، بحيث يتحول السرد إلى قرع متواصل، يتناوب بين الإيقاع المتوتر المتسارع والبطء الشديد في لحظات التأمل، أو يتبدل جرس كلماته بين الهامس والجهوري، وهو ما يجعل قارئه في حالة توتر دائم، حيث لا يمكنه الاستقرار على نغمة يدرب أذنه عليها.
لكن العلاقة بين القارئ والنص تصبح أكثر تعقيدًا عند الانتقال إلى الترجمة، فكيف يمكن الحفاظ على إيقاع الجملة الغراسية، ولا سيما مع تراكيبها الطويلة المتشابكة، وجملها الاعتراضية، وحمولتها الرمزية؛ لهذا تشكل نصوص غراس تحدِّيًا حقيقيًّا لأي مترجم، شأن أعمال جيمس جويس؛ «عوليس» و»يقظة فينيغان»، وصمويل بيكيت في «مولوي ومالون» يموت، حيث لم يعد التحدي قاصرًا على نقل المعنى، وإنما في بناء نسيج لغوي يحافظ على توتره الداخلي وصخبه الإيقاعي، بحيث تظل قرعات الطبل مدوّية حتى بعد عبورها حاجز اللغة.
إن مترجم غراس يجد نفسه أمام معضلة حقيقية حين يتبين له مقدار ما أهدره مرغمًا من النص، وذلك بعد أن جَدَّ في البحث عن مكافآت ثقافية ولغوية وخذلته القواميس. هكذا، تصبح الترجمة حاجزًا يحول دون انتشار الأدب إلا جزئيًّا، ليس فقط بسبب التحديات السابقة، بل لأن كل ترجمة، كما يقول بول ريكور، هي «خيانة جزئية للنص».
لكن إذا كانت الترجمة تشكّل عقبة منطقية، فإن القارئ نفسه يمثل عائقًا أكبر أمام انتشار غراس. فهو يميل، بحسب بيير بورديو، إلى الأعمال التي توفر له «رأس مال ثقافي» يمكن توظيفه اجتماعيًّا، بينما تدفعه كتابات غراس إلى تجربة تتطلب صبرًا وجهدًا لا يتماشى مع إيقاعه العجول ورغبته في الاستهلاك السريع. وبهذا، لا يتبقى لغراس، كما لغيره من التجريبيين، سوى قلة من القراء لا يقتنعون إلا باقتحام الغرف الممنوعة والانطلاق في رحلة الاستكشاف العظيمة.