في نقد المركزية… نحو وعي جديد بالنصوص الهامشية
يستمد كتاب «العيش في مكتبة العالم» لوليم ماركس(1)، المترجَم حديثًا إلى اللغة العربية (2024م)، أهميته من كونه يرد على السرديات الكبرى التي عملت على تطويق الأدب وفق تصورات خاصة تعبّر عن وجهة نظر المؤسسة الأدبية الأوربية التي تُهمل آداب الأمم الأخرى، وتُعلي من مكانة الآداب الغربية بصفتها آدابًا ذات قيمة، فكريًّا وتاريخيًّا. بينما يدافع ماركس عن تصور نقيض يعيد الاعتبار لتلك النصوص البعيدة والمستبعدة، والكتابات الهامشية والمهمشة. بهذا الفهم يقترح مصطلح «مكتبة العالم» بكونها تضم كلّ الإنتاجات العالمية دون تمييز ولا إقصاء.
يتميز الكتاب بقيمة نظرية ونقدية تروم تقديم نظرية للآداب المقارنة؛ ذلك أن الكتاب محاضرة افتتاحية لكرسي «الآداب المقارنة» ألقاها بالكوليج دو فرانس بتاريخ 23 يناير 2020م بصيغة مكثفة؛ للتنبيه إلى أهمية المؤلفات المنسية. بحيث يتبنى خطاب التقريب بين الشعوب بلورة حوار نقدي عميق بين مختلف الثقافات، ونبذ كل مظاهر الانغلاق والتمركز. يبيّن المترجم إدريس الخضراوي في تقديمه للكتاب أن ماركس يقدم مراجعة نقدية للأدب المقارن في علاقته بالمركزية الأوربية من جهة، وبالهوامش التي تعيش على الأطراف في سياق عالم يسير حثيثًا إلى تفكيك المركزيات، واعتبار العيش في الأطراف من الخيارات البديلة ليكون الإنسان كونيًّا. ما يعني أن وعي ماركس تشكّل في إطار ثقافي وتاريخي شديد الصلة بخطاب ما بعد الاستعمار، ونقد النزعة الاستعمارية الممجدة للمركزية الثقافية.
يبين ماركس محدودية هذه المركزية التي تقصي عالَمًا كاملًا من الأدب الرفيع الذي يصوغ أوجهًا جديدة تتيح الكشف عن الغيرية المميزة للوجود. في هذا المنحى يرى إدوارد سعيد أن أصل الأدب المقارن وغايته هو تجاوز الانعزالية والانغلاق والمحلية الضيقة بالانطلاق من رؤية الثقافات والآداب طباقيًّا لاكتساب منظور موسّع يخترق «الرقعة الدفاعية الضئيلة التي تقدمها ثقافة المرء الخاصة، وأدبه وتاريخه الخاصان»(2). وإذا كان هذا الأدب قد سار وفق مشروع إمبريالي يُنفَّذ بشكل واعٍ، فإن الواجب يقتضي -بحسب سعيد- إخراج الأشكال الثقافية الغربية من دائرة الانغلاق الذاتي المحمية إلى بيئة كونية حيوية خلقتها حركة تنقيح الإمبريالية.
الهجرة نحو الأمكنة البعيدة: خطوط متقاطعة
ينطلق ماركس من إثارة إشكالية ازدواجية تواجه الباحث فيما يخص الدراسات الأدبية التي تزعم تطوير معرفة علمية عن العقل البشري ونشاطه اللغوي والرمزي والتخيلي من جهة، ثم تطوير معرفة ذات طبيعة إستطيقية جمالية. يعتبر أنه بصفته أستاذ أدب يعيش حالة عدم استقرار وتمزق عقيم بين الخوض في التجربة الجمالية والأدبية كما تشكلت تاريخيًّا، وبين الاتجاه إلى إضفاء الطابع الموضوعي عليها؛ أي بين التعبير الحر والتحليل الدقيق للعمل الأدبي. إلا أنه يقر في النهاية أن تبني الموضوعية والاستقصاء الذي هو المثل الأعلى لكل باحث يمكن استثماره في «خدمة التجربة الجمالية في حد ذاتها»(3).
في هذا السياق، يسجل أن التناقض الساخر بين المسافة الجمالية التاريخية (دراسة الأدب)، والمشاركة الجمالية (مشاركة تذوق الأدب) هي عملية مثمرة للمعنى والخيال، بل للعلم الأدبي أيضًا. ولعل الافتتان بالطابع الجمالي للأدب هو ما جعله يفتتح درسه لأعمال كرسي الآداب المقارنة بأنشودة «الفاتحون» التي كتبها الشاعر خوسي ماريا دي هيريديا، وهي أحد المختارات الشعرية الفرنسية الرفيعة التي تتحدث عن رحلة كريستوفر كولومبوس نحو أرض اليابان (آسيا)، لكنه اكتشف بالخطأ أميركا. تتميز قيمة هذه الأنشودة في أنها لشاعر كوبي النشأة من أم فرنسية، أتى إلى فرنسا في سن التاسعة، واستطاع أن يصير شاعر فرنسا حتى قبل حصوله على الجنسية بسبب شدة إتقانه لهذه اللغة تعبيرًا وتصويرًا. «هو ذا الغريب الذي لم يكن منتظرًا، في قلب التراث الأدبي الوطني»(4).
يحتفي ماركس بهذه الضيافة، ويدعو إلى الانفتاح على الثقافات والحضارات الأخرى، إذ سيكون من «الضروري رفع المرساة، وتوجيه الصواري، وعبور الهوامش الغامضة لآدابنا، ولعاداتنا المكتسبة، والبحث عن هذه الآداب الأجنبية، وهذه النصوص المختلفة والبعيدة»(5). تمثل هذه الصفة جوهر الأدب المقارن الذي هو ذهاب نحو المجهول والغريب، وفتح العقول لمعرفة الآداب الأجنبية، والسعي نحو الفضاءات البعيدة، وتكسير أي حدود جغرافية ولغوية فلا «يوجد أدب يشكل جزيرة معزولة بذاتها»(6). إن مهمة الأدب المقارن هو دراسة الآداب كلها، مجتمعة أو منفصلة أي الفنون والدين والفكر، وكل ما ينتمي إلى المجتمعات ويشكل ثقافتها، بحيث يرى أن الأدب المقارن مبحث معرفي أساسه غياب القواعد، ومهمته الأساس الوصف الكامل للأدب بتجاوز أي عقبات ممكنة، أو تقاليد مدرسية أو جامعية. من هنا يقترح دراسة الآداب المقارنة لا الأدب المقارن، بحيث يفترض هذا الاستخدام التنوع، ليس فقط على المستوى اللغوي، وإنما أيضًا على المستوى الثقافي والأنثروبولوجي.
من الأدب العالمي إلى مكتبة العالم
يؤكد ماركس أنه لا يوجد وعي نقدي، ولا معرفة حقيقية بالذات، أو تشكيل إدراك عالمي دون قراءة النصوص الأجنبية أو البعيدة، وهكذا فمعرفتنا بالعالم تأتي في جزئها الأكبر من الخطابات التي تسمح لنا بمعرفة العالم الأشد بعدًا معرفة مؤثرة. كما أن كل نص ينطوي على تجربة تدفع نحو الآخر، ولتحقيق تواصل مثمر مع هذا الآخر ينبغي، بحسب الباحث، تجنب إساءة التفسير باتباع الصور النمطية، والأحكام المسبقة التي تعمل عادة على «تجميد الآخر» في صورة ثابتة، ولعل هذا ما حاول كشفه ناقد ما بعد الكولونيالية على نحو ما فعل إدوارد سعيد في كتابيه المرجعيين «الاستشراق»، و«الثقافة والإمبريالية. «الواقع أن قراءة المرء أدبًا واحدًا هي إدانة لذاته بالعمى والتجاهل. هل تريد فهم ما يقوله النص؟ فكر أيضًا فيما لا يقوله. هل تريد تحديد ما الأدب؟ اسأل خصومه»(7).
يؤكد ماركس في هذا المقطع على ما سماه بوجوب الاعتراف بقوة السلب أداة للمعرفة، فبدلًا من التساؤل عن معنى الأدب، يفضل البدء بالتساؤل عما ليس هو الأدب بالبحث في هوامشه، وتأمل أدبنا من منظور الآداب الأخرى لبلورة تاريخ وجغرافيا مختلفة عن مفهوم الأدب. يدافع بهذا التصور عن ضرورة تجاوز المركزية الغربية بوصفها جوهر العالم، ومنتهى الآداب. يجب إدراك الغشاوة التي تفرضها الثقافة، وتجعل الأمم تكتفي بنفسها، وتتقوقع على ذاتها. ولتجاوز هذه المآزق نحتاج بشكل مستعجل بناء ما أطلق عليه «المكتبة العالمية» أو «المكتبة الكلية»، وهي ليست الأدب العالمي/ المُعولم الذي يكرس بدوره المركزية، من فهمه بأنه «ضرب من النصوص الخارقة»(8).
إن هذا الأدب المكرّس يخدم الإمبريالية الثقافية واللغوية. لقد كان إدوارد سعيد سباقًا إلى التنبيه إلى الفكرة الاستعمارية المحركة للأدب المقارن، فعلى الرغم من أن المفهوم يحيل إلى الحديث عن تفاعل آداب العالم بعضها مع بعض، فإن الحقل كان «منظمًا من الناحية المعرفية كنوع من التراتبية التي تحتل أوربا وآدابها المسيحية اللاتينية المركز والموقع الأسمى منها»(9). في هذا المسار، يتبنى ماركس المكتبة العالمية بصفتها سردية بديلة ونقيضة لفكرة المركز؛ ذلك أنها مكتبة كلية تضم جميع مكتبات العالم الخاصة بكل الثقافات والبلدان واللغات والعصور. إن هذه المكتبة ليست «مؤسسة حقيقية، ولكنها مفهوم إجرائي، وأداة علمية، وبرنامج قراءة، وطريقة خاصة للتعامل مع الأعمال، وأخلاقيات المعرفة. إنها تجربة حياة. باختصار: تجربة دارس للأدب»(10).

يشدد ماركس على أن جدوى كرسي الآداب المقارنة هو إثارة الانتباه إلى مكتبة العالم هذه غير المرئية، وأن يكوّن قراءً يتميزون باللاحدود بقراءة ما وراء الأدب؛ لأن الأدب العالمي ينبني على تسليع الأعمال، وجعلها في صلب الدائرة الاقتصادية، في حين أن المقاربة العلمية التي يدافع عنها هدفها عكس ذلك؛ أي تحرير النصوص من هذه النظرة بالبحث في مقاصد النصوص ومكامن قوتها. وهكذا، في مقابل اهتمام الأدب العالمي بالنصوص النموذجية والروائع، تأخذ المكتبة العالمية على عاتقها عدم إهمال النصوص الصغرى والأعمال المنسية. «يختار الأدب العالمي النصوص التي تنجح في اختبار الترجمة؛ أما المكتبة العالمية، فتجد أن أكثر النصوص إثارة للاهتمام هي تلك التي تجتاز اختبار الترجمة بصعوبة؛ لأن هذه النصوص على وجه التحديد، تنطوي على غيرية أقوى»(11). يبين ماركس أن الأعمال المكتوبة بالإنجليزية تأخذ امتيازًا لغويًّا بغض النظر عن جودتها، أما الآداب الأخرى، فتحتاج إلى المرور بمطبات كثيرة، ومحطات مختلفة قبل أن تُترجم، وتفرض وجودها في اللغة المستقبِلة؛ لذلك يُفضل النصوص التي اجتازت اختبار الترجمة بصعوبة على النصوص المتاحة والمكرسة فقط لأنها كُتبت بلغة المركز.
يحارب الباحث الانكفاء على الذات، وادعاء التملك الثقافي الذي لا يشكل إلا عملية تؤدي إلى الحد من حرية الفكر، وتقسيم الشعوب والثقافات. «سيكون من الضروري الركون إلى تقديم المعرفة لا باللونين الأبيض والأسود، بل باللون الرمادي، استنادًا إلى الأخلاق وإلى إبستمولوجيا التواضع»(12). يدفع هذا بماركس إلى تأكيد أن الأدب المقارن يتأسس في العمق على السؤال، وليس على الجواب؛ ذلك أن هذا الأدب بمقدوره «أن يجعل من الممكن التشكيك في أشد المعارف تأكيدًا، وتعطيل أشد العادات تأصيلًا، وزعزعة أكثر المفاهيم رسوخًا واستقرارًا»(13). إن الأدب المقارن مصدر قلق دائم، وبحث مستمر في مكتبة العالم.
نخلص إلى أن الكتاب يثير قضايا لها أهمية شديدة، تَقرأُ الأدب المقارن قراءة منفتحة، وليس وفق تقاطبات تمركزية، ولا بالاستعانة بخلفيات جاهزة، ومرجعيات جامدة. بل يقدم تصورًا متقدمًا يمكن الاستفادة منه لتطوير الأدب المقارن في العالم العربي تبعًا لتصورات ما بعد حداثية تنطلق من حقيقة التشابك والتداخل الثقافي والإنساني الذي لا مجال لإنكاره على نحو ما أبرزه بعمق هومي بابا في «موقع الثقافة» وإدوارد سعيد في منجزه الضخم.
ساعدت الترجمة الرصينة التي أنجزها الناقد إدريس الخضراوي في جعل الكتاب يتميز بالسلاسة والدقة؛ إذ لا يشعر القارئ بأنه أمام نص مترجم، علاوة على أنه عمل على تذييل الترجمة بشروحات وتعريفات وهوامش مهمة تُغني القارئ، وتُعرّفه على كثير من المصطلحات والأعلام واللحظات التاريخية التي تحدّثَ عنها ماركس.
(1) باحث فرنسي مختص في الأدب العام والمقارن، عمل أستاذًا محاضرًا في جامعة براون بالولايات المتحدة الأميركية، ثم في جامعة فوردهام بنيويورك، كما درّس في مختلف الجامعات الفرنسية، من أعماله: «نشأة النقد الحديث: الأدب من منظور إليوت وفاليري» (2002م)، «في وداع الأدب» (2005م)، «معاداة الأدب» (2015م)، «نجوم جديدة عندما يكتشف الأدب العالم» (2021م). منذ أكتوبر 2020م تقلد كرسي «الآداب المقارنة» بالكوليج دو فرانس.
(2) إدوار سعيد، «الثقافة والإمبريالية»، ترجمة كمال أبو ديب، (بيروت: دار الآداب، ط4، 2014م)، ص111.
(4) وليم ماركس، «العيش في مكتبة العالم»، ترجمة إدريس الخضراوي، (بيروت: دار الكتاب الجديدة المتحدة)، ص34.
(9) إدوارد سعيد، الثقافة والإمبريالية، ص113.
(10) العيش في مكتبة العالم، ص85.
(13) نفسه، ص104.