صورة المثقف الموسوعي في يوميات «خواطر الصباح» للمفكر عبدالله العروي

صورة المثقف الموسوعي في يوميات «خواطر الصباح» للمفكر عبدالله العروي

يمكن القول: إن رباعية يوميات «خواطر الصباح» تجسد نمذجة فعلية لما يجدر أن تكون عليه كتابة «اليوميات»، سواء من حيث التحديد الزمني الذي يمتد نحو أربعين سنة: (من: 1967م إلى: 2007م)، أو الصوغ المتعمد للاقتصاد اللغوي، إذا ما ألمحنا للتراكم المعرفي والثقافي الذي تجسده تجربة الدكتور عبدالله العروي، والجامعة بين الفكري بمعناه الأوسع، والإبداعي. وهو ما يحيل على ثرائها، كما قيمتها حال تمثل الرأي والموقف. إن تجربة رباعية يوميات «خواطر الصباح» تتأطر في سياق التعبير عن الذات. وبالتالي فهي الامتداد لما تشكل سابقًا ضمن الرباعية الروائية: الغربة، واليتيم، والفريق، وأوراق، ثم النص المسرحي «رجل الذكرى»، إلى المذكرات المدونة عن الملك الراحل الحسن الثاني: مغرب الحسن الثاني، أو المغرب والحسن الثاني. والواقع أن الامتداد يجلو طبيعة التداخل والتقاطع في الوقائع والأحداث المتضمنة، إلى المواقف والآراء. وبذلك يكون الدكتور عبدالله العروي قد انخرط تعبيريًّا في أكثر من شكل من أشكال الكتابة عن الذات: السيرة الذاتية، واليوميات، والمذكرات.

إن رباعية «خواطر الصباح» تعكس حضور ثنائية المثقف/السياسي إذا جاز التعبير، علمًا بأن هذه القاعدة تبرز أيضًا على مستوى الأعمال السابقة، ولئن كان من الصعب حيال وضعية مؤلف كعبدالله العروي، التفريق بين المثقف والسياسي؛ إذ ليس المثقف الخبير في حيز تخصصه الدقيق، وإنما الموسوعي الذي طبع جيلًا من المفكرين والأدباء العرب من طه حسين إلى إدوارد سعيد. تحق الإشارة في هذا التقديم، إلى كون مؤلف «أوراق» بما هو سيرة إدريس الذهنية، مثل التجلي الإشكالي لمختلف أجناس الكتابة عن الذات، من السيرة الذاتية حيث تتماهى شخصية إدريس وعبدالله العروي، إلى الأوراق المحيلة على صيغة المذكرات، وتقتضي من السارد وشعيب لملمتها وترتيبها وفق المعنى المتغيا إنتاجه، إلى اليوميات والتعليقات على الكتب بالنقاش والمناظرة. من ثم يتفرد التأليف في بابه، ويستعصي على التحديد والضبط الأجناسي. إن اللافت والمثير على مستوى تلقي رباعية يوميات «خواطر الصباح»، كونه انحصر بشكل أساس إلا فيما ندر، في المهتمين بالدرس الفلسفي. وقد يكون لعامل المعنى المثار والمنتج ضمن الخواطر، وبالتالي لموسوعية الدكتور عبدالله العروي بلاغة أثره، علمًا بأن الدرس الأدبي لم يفرد لليوميات حيزًا على مستوى الدرس والنقد، بالنظر إلى حداثة الممارسة الإبداعية وجدتها، إلى قلق الأسئلة المتعلقة بالممارسة من حيث إشكالية النوع أو الجنس.  يبقى القول في ختام التقديم: إن حصيلة من الخلاصات والاستنتاجات التي انبنت على قراءة الجزء الأول أو الثاني من رباعية اليوميات، أكدت ضرورة إعادة النظر فيها ما دام منجز اليوميات اكتمل كمشروع بصدور الجزء الرابع الموسوم بـ«المغرب المستحب، أو مغرب الأماني»، والمؤطر زمنيًّا بين (1999/2007م).

المثقف الجامع

العروي-1

عبدالله العروي

إن ما يتحقق استجلاؤه من المعاني المعبر عنها في يوميات «خواطر الصباح»، صورة المثقف الموسوعي. والقصد، المثقف الجامع المتعدد الذي يصعب حصره في مجال تخصصي بذاته؛ فالتفكير ممارسة دالة عن وعي ينزع رباط الحقول والمجالات، بغاية تشكيل تصور ضمن بنية متكاملة تحيل على الكلي وليس الجزئي، إذا ما ألمحنا لكون الصورة متوارثة عن مرحلة جسدها بقوة التراث الكوني والإنساني، إلى طبيعة الخصوصية التي تسم المجتمعات الثالثية، وتحتم إذا في حال رغبنا في إعمال التفكير في ظاهرة التخلف، شمولية الإحاطة بما بالسياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي.

إن موسوعية عبدالله العروي المثقف والمؤلف، تتمثل تجلياتها في الآتي:

• التعدد: ويطول أشكال الخطاب وتمظهراته الجامعة بين الموضوع والموصوف.

• التنوع: ويمكن التمثيل له بحقل التعبير، حيث كتب الدكتور عبدالله العروي في أدب السيرة، وفن الرواية، والمسرحية تأليفًا وترجمة، واليوميات.

• التماسك: ويتجسد خاصة في كون التأليف تحقق من خلال مشروعات متكاملة ومتداخلة في معناها ومبناها.

• الدقة: ويحرص فيها على المنطقي والعقلاني، والموضوعية العلمية. ويمكن القول: إن الوارد سابقًا، اختزله الدكتور عبدالله العروي في قوله: «يمكن تجزئة أعمالي إلى أربعة محاور، كل محور مرتبط بأحد هذه الفصول: الأيديولوجيا، والبحث التاريخي، والتأصيل، والتعبير». (مجلة النهضة. م م).

تداخل الأحداث وتقاطعها

إن ملامسة صورة المثقف الموسوعي في اليوميات، لا تقتضي تقصيها ضمن الرباعية بصفة عامة، وإنما الاكتفاء بالجزء الواحد ما دام التدوين اليومياتي يتحقق وفق الإيقاع ذاته، وإن تغير الزمن ومسار الأحداث. ونجد بداية صورة المثقف المهتم المتابع للشأن السياسي العالمي، العربي والوطني. والواقع أن سعة الاهتمام وليدة التأثيرات التي تترتب على تداخل الأحداث وتقاطعها. ويمكن القول إضافة لما سبق: إن هذه الصورة تجسد مستويات نذكر منها: المتابع المحايد، والمحلل، والمعلق باختصار واقتضاب… ونجد صورة الأديب المبدع. وتتمظهر في إيلاء الفن مجسدًا في الموسيقا، ثم العمارة والتشكيل، والمسرح والرواية، مكانة ضمن الاهتمامات التي تعكس مظاهر الثقافة وتجلياتها بصفة عامة. إذ إن ما يكسب المثقف قوة حضوره، وسعة اهتمامه.

بيد أن اللافت -من خلال تعداد النماذج- الصورة التي يتداخل فيها المفكر بالمؤرخ، إذ تبرز دقة المعاينة وعمق التفكير، إلى سعة الإلمام بالتاريخ في امتداداته وتحولاته. والواقع أن التداخل يطرح على المتلقي استعصاء يتمثل في صعوبة التمييز بين ما يمكن أن يعد فكريًّا فلسفيًّا، وما يحسب على التاريخي، والديني، والاجتماعي، بحكم أن طبيعة صوغ بعض اليوميات تفرض مقاربتها من جوانب متعددة تتداخل وتتقاطع بعيدًا من التصنيف، وهو ما يعود إلى شخصية المدون، وما تتفرد به من عمق فكري جامع، أو ما أشرنا إليه بـالموسوعية. ومن صور العروي صورة الراصد الاجتماعي. وهي صورة تطالعنا حال توقف العروي أمام مشهد اجتماعي بهدف قراءته واستنطاق دلالته الرمزية؛ إذ الغاية حينها معرفة التحولات التي تسم المجتمع المغربي، وتعد مؤشرات على ما يمكن أن يصار إليه مستقبلًا. والواقع أن يوميات «خواطر الصباح»، وتأسيسًا من دقة الرصد الاجتماعي، تقدم مادة خصبة لعلماء الاجتماع.

صورة مفقودة

إن ما يمكن استخلاصه من مقاربة صورة عبدالله العروي المثقف والكاتب الموسوعي تأسيسًا من رباعية «خواطر الصباح» أن النموذج المعبر عنه لم يعد يمتلك حضوره في الراهن، بحكم سيادة ما يدعى بالتخصص والخبرة، وما إلى ذلك من التحديدات والتسميات. ومن ثم فالقيمة الأساس لهذه الخواطر، تتأسس من هذا النزوع والتوجه الدال على صنف من المثقفين الفاعلين، ليس في الحياة العربية وحسب، وإنما العالمية. ونمثل بالإضافة لعبدالله العروي بهشام جعيط، ومحمد أركون، وإدوارد سعيد، إلى المثقفين الأفارقة الذين يوسعون حقل الدراسات الثقافية أو النقد الثقافي مثل نغوجي واتينغو. والواقع أن هذه الصورة اليوم، وفي سياق التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية العاصفة، هي المطلوبة والمفقودة لمواجهة التخلف الجديد والمضاعف الذي يزحف على العالم كله، والموجه تأسيسًا من بعض الخطابات الغربية المراهنة على الكسب الاقتصادي.

ومن ثم فهذه الرباعية التي تقول الذات، والذاكرة والتاريخ، وثيقة جامعة شاملة عن مرحلة دالة في الحياة العربية بصفة عامة، وهي القيمة التي تستدعي تجديد قراءتها والتفاعل مع مضامينها.

تجربة في الكتابة

تبقى «خواطر الصباح» من خلال التحليل المعتمد، تجربة في الكتابة كما التعبير، من داخل جنس أدبي لم تتحقق عربيًّا الممارسة الإبداعية فيه، لسيادة أجناس نثرية أسست تقاليد الكتابة الإبداعية: القصة، والرواية، والمسرحية، علمًا بأن التأثيرات الأدبية الغربية فرضت سلطتها على أكثر من محفل إبداعي، من دون أن تفسح بلاغة هذه التأثيرات لتجذير فن كتابة اليوميات. والواقع أن الدكتور عبدالله العروي الكاتب المبدع وليس المفكر، اختط عبر مساره الإبداعي الكتابة في أجناس أدبية متعددة: المسرحية، والقصة، والسيرة الذاتية، والرواية، واليوميات، والمذكرات، على أن ما انتظم التعدد، إنتاج وعي إبداعي غايته الأساس كتابة الذاكرة وأسئلة الذات القلقة والمقلقة. ومن ثم فالدكتور عبدالله العروي يعد منجزه الإبداعي، رواية كبرى صيغت وفق تنويعات تحيل – على رغم التعدد والتداخل – على الواحد.

بيد أن ما تتفرد به يوميات «خواطر الصباح» هو: أولًا، تعدد المعاني والحقول؛ ذلك أن التدوين اليومياتي لم يحصر في الحقل الأدبي أو الفكري مثلما المألوف في كتابة اليوميات، وإنما شمل السياسي، بغاية تبيان توسع دوائر اهتمام المثقف، إلى الحقول التي يخوض الكتابة والتفكير فيها. ثانيًا، التماسك: ويحيل عليه الرهان على مكون الزمن، وبخاصة أن «خواطر الصباح»: أ- متابعة ورصد لما يمثل صورة عن أربعين سنة من تاريخ الحياة العربية والعالمية. ب- تخصيص كل مرحلة بتحديد زمني دقيق، علمًا بأن نواة هذه اليوميات تشكلت كما ورد في التقديم، في مرحلة مبكرة، وفق ما دلت عليه الروايتان: اليتيم وأوراق. ت- الجرأة والموضوعية: وتبرز في سياق سرد بعض الأحداث الفكرية والوقائع السياسية، حيث لا يكتفى بالتدوين، وإنما التعليق والنقد الرصين. ثالثًا، كتابة تاريخ الذات: وهنا تجدر الإشارة إلى كون رباعية يوميات «خواطر الصباح»، تشكل التوازي، والاستكمال، والاستمرار، لما عُبِّر عنه ضمن الرباعية الروائية: الغربة، والفريق، واليتيم، وأوراق، خاصة فيما يتعلق ويرتبط بالمسائل الذاتية والشخصية. ويمكن القول في الختام: إن هذه اليوميات على مستوى الأدب المغربي الحديث، تتباين عما أبدعه كل من: محمد شكري، ومحمد خير الدين، وعبداللطيف اللعبي، بحكم توسع المدة الزمنية، إلى تعدد الحقول وموسوعية عبدالله العروي الكاتب والمثقف.

محمد زفزاف… مغامرة الكتابة وإشكالية التلقي

محمد زفزاف… مغامرة الكتابة وإشكالية التلقي

zfzafمثلت تجربة الكتابة الروائية المنجزة من طرف الروائي محمد زفزاف، تميزًا وفرادة وفق ما دلت منذ البداية روايتاه: «المرأة والوردة» و«أرصفة وجدران». ذلك أن الإبدالية التي أسس لها، والمتجسدة على مستوى الصيغة الفنية الجمالية، دفعت التلقي للتفاعل ونمط في كتابة الروائية غير مألوف ولا متداول، وهو ما جعل التمثل التقليدي للكتابة الروائية المستند إلى قوة الرؤى الأيديولوجية، يناهض هذه النقلة والتحول في محاولة لتسييد صيغ تقليدية وتثبيتها، علمًا بأن التحديث الذي طال المجتمع المغربي اقتضى البحث عن الشكل الأنسب والموازي، إلا أن كفاءة الروائي محمد زفزاف، وبالتالي مرجعياته (وبخاصة الفرنسية منها)، دفعته إلى الحفر في المسار ذاته إلى آخر تجاربه: «أفواه واسعة»، الرواية التي اكتمل في ضوئها مساره، إذن عن وعي قصدي (محنة المرض)، أو في غيابه مثلت بيانًا روائيًّا جماليًّا لتجربته في القول الروائي، كما الرد النقدي على نقود توسعت في كمها لتحاكم في الروائي شخصه، وليس تجربته الإبداعية. إن الوقوف على هذه التجربة الروائية بالذات، وفي سياق الامتداد، لا يعني أن المغامرة لم تمتلك مجاورتها المنخرطة أيضًا في النقلة والتحول، لولا أن رهانات مغامرة الكتابة الروائية لدى محمد زفزاف تأسست عن وعي ثقافي وسياسي دلت عليه مقالاته ووجهات نظره في الكتابة والإبداع، إلى ترجماته المنتقاة. على أن ما يستوقف في هذه المجاورة تجربة الروائي أحمد المديني التي شكل نواتها نص «زمن بين الولادة والحلم» حيث مفهوم الكتابة الروائية يتأسس على مكون اللغة، وكأن الحكاية، حكاية اللغة في عنفها الذي لا تقول من خلاله إلا ذاتها. ولنا أن نقارن بين النص النواة و«ممر الصفصاف» بغاية الإدراك أن خلخلة ثوابت التجربة من داخلها، جسد وعيًا نقديًّا ذاتيًّا بأن حكاية اللغة عن اللغة وباللغة، لا يمكنه الحيلولة دون الحكاية كضرورة ثابتة.

والواقع أن اختيار البداية له تأثيراته ومرجعياته التي -وكما سلف- تقف من خلفها رواية إدوار الخراط «رامة والتنين» التي مارست تأثيرها على مرحلة، وليس جيلًا من الكتاب والمبدعين الذين آثروا كتابة ما سمي بـ«النص»، أو«النص – العابر»، أو«النص المفتوح»، علمًا بأنه ومنذ تنظيرات: «جورج لوكاش»، و«لوسيان غولدمان»، و«ميخائيل باختين» وإلى تصورات النقاد والمبدعين (نموذج: توماس بافيل وآني إرنو) يصعب تحديد مفهوم دقيق لجنس الكتابة الروائية؛ إذ الرواية تبقى -وككل- محفل تعدد اللغات، الأوعاء، الشخوص، الأزمنة والأمكنة على السواء. وأرى أن اختيار البداية إلى النقد الذي واكب التجربة، جنى أساسًا على بقية الإبداعات كمثال روايته «فاس لو عادت إليه». ويحق في هذا السياق إيراد حكم نقدي للباحث الأستاذ لحميداني حميد في صيغة تساؤل دال: «كيف يمكن التعبير عن نظام الأشياء بواسطة فوضى الكتابة؟» (الرواية المغربية ورؤية الواقع الاجتماعي. ص: 411).

والواقع أن هذه «الفوضى»، تجسيد لما نعته الأستاذ أحمد اليابوري بـ«جنون الكتابة» غير المطابق نهائيًّا لـ«الكتابة عن الجنون». (دينامية النص الروائي. ص: 104).

zfzaf1بيد أن من التجارب التي أسهمت في نقلة الامتداد والتحول، وبالتالي جاورت على مستوى الاختيار والتوجه المنحى الذي انخرط الروائي محمد زفزاف تجربة المفكر والروائي عبدالله العروي. فإذا كانت رواية «المرأة والوردة» صدرت في 1971م، فإن في الفترة ذاتها ظهرت «الغربة» كبداية تعبير عن مشروع روائي تشكل في قسم منه على الرباعية: «الغربة، اليتيم، الفريق وأوراق».. بيد أن الفارق بين الممارستين الإبداعيتين: أن تجربة العروي في الكتابة الروائية تأسست بالموازاة ومشروعه الفكري الرصين كاستكمال تنويع يتأطر في الموضوع كفكر، والموصوف كإبداع. أقول: إن ما يقف خلف الإبداعي الفكري.

إن تجربة محمد زفزاف انبنت على الوعي التلقائي في الكتابة والإبداع الروائي، وبالتالي على الانتقاد المباشر والواقعي للظواهر الاجتماعية. إن ما يوحد بين التجربتين المكانة التي حظي بها بالفرد كتاريخ؛ تصور ومواقف (صورة المثقف). فإذا كانت شخصية إدريس الرابط الأساسي في الرباعية فالتنويعات التي عكستها الذات في التجربة الروائية لمحمد زفزاف، أقنعة أتوبيوغرافية يحيل إيهامها على التماهي وشخصية الكاتب.

إذا كانت مغامرة الكتابة الروائية الإبداعية لدى محمد زفزاف اختطت مسار تفردها، فإن أول ما لفت النظر المعنى المنتج في هذه الكتابة، وهو بالطبع المعنى الأتوبيوغرافي الذي ينهل من تفاصيل الذات لإعادة إنتاجه وصوغه تخييلًا روائيًّا. ذلك أن نقلة الامتداد والتحول، راهنت على مفهوم الكتابة الذاتية الأشبه بالاعترافات دون أن تكون. فالذات وفق هذا الاعتبار، جزء من الاجتماعي الذي حرصت الرواية المغربية والعربية في مرحلة على تفعيله بالتثبيت الكتابي الإبداعي. وبالتالي، هي صورة الفرد في عالم حاز حريته بعد نضال وطني لولا أن الطريق إلى تحقيق حداثة التقدم ظل معاقًا في مقابل ترسيخ قيم تحديثية تجذرت مظاهرها وشاعت كاستهلاك وانحطاط قيمي. والواقع أن الإخفاق مثل العامل الأساسي للعودة إلى الرهان على الذاتي. ومن ثم فمفهوم الكتابة الروائية لدى محمد زفزاف، يتأسس على إحلال الذات مكانتها وموقعها اجتماعيًّا، وقد عانت فداحة اغترابها، وأرى أن تمثل رمزية البحر في معظم روايات محمد زفزاف، تجسيد لعشق صوفي ضاق من عنف وأسر الواقع، إلى الماء حيث فساحة التأمل.

ولعل السؤال الذي يمثل: أكان محمد زفزاف يكتب سيرته الذاتية على امتداد منجزه؟

بدءًا يمكن القول بأن المرحلة التي عرفت ولادة منجز محمد زفزاف الروائي أساسًا، والممكن تحديدها كما سلف في بدايات السبعينيات وإلى نهاية التسعينيات، عرفت نوعًا من المجاورة الخارجية والمتمثلة في المتداول الروائي الذي دلت عليه كتابات الروائي الأردني «غالب هلسا» والسوري «حيدر حيدر». هذه المجاورة أسست إذا حق لإنتاج المعنى الذاتي في الكتابة الروائية العربية، وهو الانخراط الذي سنه محمد زفزاف. ذلك أن الغاية من إرساء تقاليد مغايرة في الكتابة الروائية العربية، بحث عن نقلة كما تحول، إلى الرغبة في استجلاء الأحاسيس الذاتية المغيبة في سياق إكراهات الواقع الأيديولوجية. وبذلك فإن كتابات محمد زفزاف الروائية جنحت إلى تخليق معانيها استنادًا لتجربته الذاتية المعيشة والمعاشة في الوجود والحياة. وكان محمد زفزاف على وعي دقيق بما يسهم في إنتاجه، وبخاصة أنه في حواراته أكد على أنه لن يكتب سيرة ذاتية، وإنما على استعداد للقيام بإملائها إذا اقتضى الأمر.

zfzaf2على أن تمظهرات البعد السير ذاتي في روايات محمد زفزاف يتجسد في التالي:

هيمنة ضمير المتكلم: وهي هيمنة طالت منجز محمد زفزاف الروائي ككل، مثلما أنها اختيار في الكتابة والتأليف، إذ ومن خلالها تأتى تجسيد الأحاسيس الذاتية، والمواقف الملتزمة بصدد العديد من القضايا. يقول الباحث والروائي محمد أمنصور: «فمنذ «المرأة والوردة» ظل ينحت لسارده المتلفظ بضمير المتكلم صوتًا متفردًا».(محكي القراءة. ص: 28).

المطابقة: وتبرز من خلال الحكاية التي يتم صوغها، وتكشف عن كون الشخصية المتحدث عنها في أبرز مظاهرها وملامحها شخصية الروائي والكاتب نفسه. ومن ثم يحق الحديث عن التماهي كما ذكر سابقًا.

صوت المثقف: إن ما تحيل عليه المطابقة السابقة، سيرة المثقف الملتزم الرافض لبنى المجتمع التقليدية، والراغب إحقاق وتحقيق التغيير كمطمح أساسي انبنى عليه واقع ما بعد الاستقلال. فصوت المثقف بالضبط، صوت الفرد والذات الذي ظل مغيبًا، ومورست عليه أكثر من رقابة حالت دون سماعه أو إسماعه؛ ليمثل جنس الرواية الأفق المفتوح على التعبير وتعرية أسرار المجتمعات التقليدية. يرى الدكتور سعيد علوش: «وإذا كانت الدنجوانية في «المرأة والوردة» تبرز كرومانسية ثورية، فهي لا تصنع أكثر من الكشف عن خلفيات النظام الاجتماعي السائد في وجهيه كفراغ يواجه الأفراد وكهروب نحو قيم جديدة تبلورها البطولة والفحولة الجنسية». (مجلة «أقلام»، العدد: 9، إبريل: 1979م، ص: 17).

zfzaf3

موضوعة الجنس: وتحضر على امتداد المنجز الروائي لمحمد زفزاف، إذ وكما يتم اختيار شكل الكتابة والإبداع، فإن هتك المحرمات والمقدسات يوازي هذا الاختيار الذي شكل قلقًا على مستوى التلقي في ظل مجتمعات عربية تؤثر الاستئناس بالجنس صورة وليس كتابة ومقروءًا. إن التمظهرات السابقة تجلو الأبعاد السير ذاتية في نصوص محمد زفزاف الروائية، وهي أبعاد حددها ميثاق كتابة السيرة الذاتية وفق ما نص عليه الناقد والباحث الفرنسي «فيليب لوجون» في كتابه عن «السيرة الذاتية». والواقع أن ما أبدعه كل من «غالب هلسا»، و«حيدر حيدر»، و«محمد زفزاف»، يندرج حسب الأبحاث الأدبية والنقدية المتعلقة بالكتابة الذاتية ضمن ما بات يسمى بـ«التخييل الذاتي» حيث يلجأ الروائي إلى توظيف عناصر من مسار حياته وتجربته في الوجود ضمن كتاباته الروائية بعيدًا عن التحديد الأجناسي في كون المكتوب سيرة ذاتية.

يبقى القول بأن مغامرة الكتابة الروائية لدى محمد زفزاف، شكلت بالفعل امتدادًا عكس نقلة كما تحولًا، وفي الآن ذاته خلقت تلقيًا نوعيًّا لكتابة مغايرة غير مألوفة، إذ اللافت -وهي مفارقة بالفعل- أن التلقي العادي أسس قواعد انسجامه وهذه المغامرة، في حين أن التلقي العالم العارف قاومها محتكما لمناهج نقدية طبقت على نصوص روائية نحت منحى اختيارات مغايرة في الكتابة الروائية. ومن ثم تقتضي الضرورة الأدبية إعادة قراءة المتن الروائي لمحمد زفزاف بغاية استجلاء مناحي التجديد فيه، والتي تأسست على التمثل الأتوبيوغرافي أساسًا، دون إغفال كون بدايات محمد زفزاف كانت شعرية.