في ديوانه الجديد «لا أراني» يضعنا الشاعر المصري أحمد الشهاوي أمام ذات تحدّق كثيرًا في مراياها ومرايا الوجود بحثًا عن نفسها، واستكشافًا لأناها، ذات تريد أن ترى نفسها، بما يحمله فعل الرؤية من ظلال صوفية كعملية «الكشف» الذي يعني إزالة الحُجُب، وبما يحمله معنى الرؤية من دلالة تتجاوز فعل المشاهَدة البسيطة وبما يتشارك به فعل «أراني» مع معنى «الرؤيا» بدلالاته المفارقة. وتتبدى في خطاب الشهاوي الشعري مركزية الذات، لا في تَمثُّلها نفسها فحسب، إنّما -أيضًا- في تمثلها العالم والوجود. فالذات أمستْ قطبَيِ العملية الفعلية، هي الفاعل والمفعول معًا، الرائي والمرئي في آنٍ. وإذا كان الديوان الموسوم بعنوان «لا أراني» يتكون من أربع وخمسين قصيدة تمثِّل محاولات الذات في الرؤية، فإنّه بملاحظة أنّ أيًّا من عناوين القصائد الأربع والخمسين لا يحمل هذا العنوان «لا أراني»، فبإمكاننا أن نستنتج أنَّ حاصل مساعي الذات في رؤية نفسها واستكشاف أناها هو اللا-رؤية.
ولكن هل يعني هذا العنوان، «لا أراني» نفي الرؤية بمعنى انعدامها؟ أم يعني أنّ الذات لا ترى أو بالأحرى لم تجد نفسها التي تنشد بعد؟ ومن هنا، تأتي مراوغة النفي المستعمل في عنوان ديوان أحمد الشهاوي، كما في متن نصوصه؛ فليس النفي -عند الشهاوي- بريئًا من عمدية المراوغة، فالنفي لا يعني فقد الذات للرؤية بقدر ما يعني حالة عدم رضا لها عن رؤيتها لأناها في وجودها المحايث وكينونتها الآنية.
الاستكشاف المرآوي
تدخل الذات في خطاب أحمد الشهاوي في ديوان «لا أراني» في حالة من الاستكشاف المرآوي، بعد أن استحالت الذات نفسها موضوعًا لتفحصها وتأملها الوجودي الموغل في استكناه أغوارها وتَبصُّر ماهيتها واستشراف مصيرها الوجودي.
وفي علاقة الذات بالمرايا يتبدى إقرار الذات واعترافها بحضور قوي للمرايا في عوالمها الوجودية: مثْلمَا أنا مَدِينٌ لأبي باسمي/ فلأعترف بأنَّني مَدِينٌ/ للمرايا/ بوجهيَ../ عَاريًا من الزَّيفِ. (ص79).
هل تشعر الذات بأُبوَّةٍ ما للمرايا لها؟ هل ترى الذات أن المرايا تمنحها هويتها الحقيقية؟ الواضح أنّ الذات تعيش حالة من الاستكشاف المرآوي، وكما يتبدى من الحضور الجمعي للمرايا، فإنّ ثمة غير وجه للذات، وجوه عديدة تكثر بتعدد تلك المرايا. وإذا كانت الذات، كما من عنوان الديوان، تنفي رؤيتها نفسَها، فإنّ هذا النفي يبدو رغبة تُراوِد الذات وتسعى إليها: أحب مِنَ النحوِ/ ما يُثْبِتُ النونَ في نقطة الصدرِ/ ومن المرايا/ ما لا أرَاني فيها. (ص13). إذا كان النحو هو آجُرُّومِيَّة اللغة، فإنّ علاقة الذات في تمثلها اللغة وحروفها، وحداتها الأولى البنائية تقرنها بالجسد أو بالأحرى بالذات نفسها بما يعنيه «الصدر» من مركز الأحاسيس والمشاعر النفسية. ولكن ما علاقة المرايا بالنحو؟ هل تكون المرايا «نحوًا» للذات والأنا؟ ولماذا تريد الذات الغياب عن المرايا وعدم التمرئي فيها؟ هل هي خشية من الذات -كما في الأساطير- من أنّ تمرئيها عبر المرايا قد يدنو بعمرها من أجله؟ أم هي رغبة في عدم التحدد أو التقيد بتمرئي ما عبر المرايا؟
إيثار التخفي والوحدة
أحمد الشهاوي
تبدو علاقة الذات بنفسها -عبر فعل الرؤية- قلقة، كأنّ اضطرابًا ما يداهم الذات في معاينتِها نفسَها؛ لذا تؤثر الذات -في النهاية- التخفي: أحيانًا أراني/ وأَحايِين كثيرةٌ لا أعثرُ عليَّ/ أُحبُّ أن أبقى مخفيًّا عنّي/ وعن أعينٍ تثقبني عبرَ الحوائطِ والسقُوف».
يبدو فعل انعدام رؤية الذات لنفسها كرغبة نفسية من الذات في التخفي عن نفسها وعن الآخر، غير أنّ الغالب هو تخفي الذات وانمحاؤها، فيبدو تحصن الذات بالتخفي من الآخر الذي تخشاه وتخشى اختراقه لها وانتهاكه خصوصيَّتَها، فكأنّ «الآخر هو الجحيم» بالنسبة للذات التي تنأى بوَحْدتها بعيدًا من هذا الآخر الذي ترتاب فيه: أحبُّ كثيرًا أن أُغَلِّقَ أيَّ باب عليَّ/ رغمَ أنَّ الوَحدة تشاركُني المَبيتَ/
-سمِّها الوحدةَ لا العُزْلةَ- / فأنا اعتدت العددَ المفردَ والحروفَ اليتيمةَ/ التي ماتت نقاطُها في السديم/ كأنَّ الآخر يعُدُّ أنفاسي علَيَّ.
تُؤْثِر الذات مفهوم «الوحدة» على «العزلة» اعتدادًا بنفسها، رُبما لأنّ الوَحْدة تعكس إرادةً ما فرديةً، بينما تشفُّ «العزلة» عن نقص ما وفقد ما للآخر، فقد صارت الوحدة شريكًا للذات في المبيت أي بديلًا عن الآخر الذي يغيب أو بالأحرى تُغَيّبه الذات. ومما يتبدى من الجملة الاعتراضية (-سمِّها الوحدةَ لا العُزْلةَ-) التي ينتقل فيها الخطاب الشعري من ضمير المتكلم إلى ضمير المخاطب أنّ ثمة انشطارًا ما يقسم الذات التي تعاين وحدتها في وعيها الشقي؛ فتمثل عملية المراوحة الضمائرية الالتفاتية لإيقاع الذات النفسي في تردداته، لتمثل المسافة بين ضميري المتكلم والمخاطب المسافة بين الذات الموضوعية والذات الجَوَّانِيَّة.
الفقدان والسلب
المعاين لأحوال الذات في الخطاب الشعري بديوان «لا أراني» لأحمد الشهاوي يجدها في حالة شعور ضاغط بالفقدان والسلب والغياب، وهو ما يتبدى في شيوع «اللاءات» بهذا الديوان، فتقول الذات الشاعرة عن فقدها: لا اسمَ لي/ ولا نهرَ يطل بيتي عليه/ لا منفى يلم عظامي/ ولا وطنَ يُدفِئُ تربتي. (ص36).
تشعر الذات بفقدان متعدد؛ إذ تفقد الاسم أي الهوية والخصوصية، والنهر بما يعنيه من امتداد حيوي وبما يحمله النهر في الوعي الجمعي ولا سيما للمصريين وغيرهم من أصحاب الحضارات القديمة من قداسة خاصة واعتقاد بكونه مصدرًا للحياة، كما تفتقد الذات الشعور بالاحتواء سواء في منفاها أو وطنها، إحساس اغترابي سواء في غربتها أو موطنها. وأحيانًا ما تعبر لاءات الشاعر عن افتقاد الذات أدواتها ووسائلها في مقابل ما عليها من استحقاقات وأدوار يجب أن تؤديها؛ كما في قصيدة بعنوان «ليس في البيت سوى لا»: لا حبر في القلم/ وعليَّ أن أكمل هذي القصيدة/ لأروي عطش هدهدي اليتيم./ لا عودَ ثقابٍ في جيب المجاز/ وعليَّ أن أشعل النار في اللغة». (ص103).
ثمة شعور ما يراود الشاعر بجسامة الأدوار و«الواجب» الذي عليه أن يؤديه في مقابل افتقاده أدواته وأسلحته، إحساس بعدم مواتاة العالم لطموحات الشاعر وأحلامه. شعور بمحدودية الوسائل إزاء اتساع وعي الشاعر بعالمه الوسيع اللامتناهي. وفي تمثل علاقة المجاز باللغة يرى الشاعر أنّ المجاز هو ما يشعل اللغة لا العكس، وكأنّ الشعر هو وقود اللغة ومؤجج حرائقها الجمالية، وكأن الشاعر هو المشعل لثورات اللغة، فيبدو الشاعر في صراع وجودي مع اللغة ومن أجلها:
«تعبتُ من الرتابة/ وليس في البيت سوى لا/ وعليَّ أن أقتفي أثر الظلال/ أو أتبع القلب حيث تكون الفريسة/ قد نضجت شمسُها». (ص ص104- 105).
يتضاعف شعور الذات بالفقد والسلب بوجودها في البيت لإحساسها برتابته، وضرورة الخروج لاقتفاء أثر الظلال، ولكن هل تكون الظلال هي ذوات أخرى شبحية للذات؟ ذوات فائضة بديلة؟ ثمة شعور يسكن الذات بكونها حبيسة الداخل: لا أبواب لي أو نوافذ/ وإن كان فهي عمياء لا ترى». (ص95).
إذا كان الباب أو النافذة هما وسيلتا الذات للانفتاح على الخارج والتخفيف من حدة الشعور بالاحتباس في الداخل؛ فإنَّ الذات تشعر بقطيعة ما وانفصال إزاء الخارج، لكنّ المفارقة تتبدى في أنّ حالة الفقد والسلب هذه هي التي تخلق الشعر، فمن رحم المعاناة تولد القصيدة: «لا مدَّ في البحرِ أو في النهرِ/ سِوى مدٍّ لأذقان السواحل./ بين جزر لا يجيء مُصَادفةً/ يُصبح الإيقاع عبدًا للقصيدةِ/ وتأتمرُ الشموسُ بأمر مرشدها/ ولا ترتاح إلا على حبر يمينه». (ص39).
ثمة شعور ما يداخل الذات بالجزر والانحسار الكوني، وفي المقابل يعلن الشاعر تبعيةَ الإيقاع للقصيدة وخضوعه لها لا العكس، وكأنّ الفن يخلق وسائله ويطوعها لأغراضه واستخداماته لا العكس، وتقوم الصورة الشعرية -لدى أحمد الشهاوي- على ما يمكن أن نسميه بالتناظر الصوري؛ فخضوعُ الإيقاعِ للقصيدة يناظره ويوازيه صوريًّا خضوعُ الشموس لأمر مرشدها، وهو ما يرفد شبكة الصور الشعرية بمنابع متعددة للتدفق التصويري.
تثير مجموعة «إيقاعات الجوع.. موسيقا العطش» للكاتب والقاص السعودي أحمد بوقري، أول ما تثير، عند قراءتها، سؤالًا حول «النوع الأدبي»، فعلى الرغم من تصنيف الكتاب وفقًا لغلافه بوصفه «مجموعة قصصية» فإننا نجدنا إزاء قصٍّ يتجاوز سمات النوع القصصي بمفهومه التقليدي في كثير من نصوصه مقتربًا من النوع الشعري مع احتفاظه ببنية القص في آنٍ. في قصِّ أحمد بوقري نعاين ذاتًا تسافر في الوجود في رحلة بحث ممتد في «المكان»، ثم ما تلبث أن تتجاوز هذا المكان الذي تبحث فيه وتستكشفه، لتُوغِلَ فيما هو أعمق، لتدخل في حالة بحث وتأمل وجودي ممتدّ، بما يسفر عن طموح جامح للذات في أن تمتلك شفرات هذا الوجود وتسبح في أعماق العالم.
تتجاوز نصوص أحمد بوقري الاعتماد على «الحدث» أو تصاعدية الأحداث أساسًا للبناء العضوي للقص، رغم وجود هذا الحدث، إلى الاعتماد على «الموقف»، فكأنّ الذات تعلن عن موقف وجودي ينطلق من مرتكز فلسفي إزاء العالم الذي تعيش فيه والوجود بمعناه الفلسفي الرحب. تبدو الذات في الخطاب القصصي لبوقري في حالة تجوال دائم، كما في النص الذي منح المجموعة عنوانها، «إيقاعات الجوع.. موسيقا العطش»، الذي تبدو الذات فيه في طور قلق وجودي، عَوَزٌ ما واحتياج ما، كما يتبدَّى من مفهومي «الجوع» و«العطش»، غير أنّ تعبيري «إيقاعات» و«موسيقا» يجعل من حالة العَوَز والشعور بالاحتياج هذه أداءً جماليًّا دافقًا بالجمل والأفكار المتفاعلة كما لجمل الموسيقا وإيقاعاتها من «هارمونية» وتفاعلية. تبدو الذات في حالة تأمل دائم لعلاقتها بالمكان وتساؤل مستمر عن مصيرها فيه وشعورها نحوه: وعندما كنت أجول في تلك المدينة المكومة عند البحر، شعرت أنني منفصلٌ عن وجوه كائناتها.. يمشي الجوع في سحناتهم كالدود.
فأنْ تجوعَ في هذه المدينة المنخورة بالعطش معناه أنك شريان آخر ينزف في أحشائها وعليك أن تداري نَزْفَك؛ كي لا تموت صريعًا على الشاطئ المتواري خلف تلالٍ من أعشاب البحر… (ص45).
ثمة وحشة ما وشعور آسيان بالاغتراب تعايشه الذات في العالم المديني، ولنا أن نلاحظ أن المدينة التي تتحدث عنها الذات الساردة تأتي من دون تسمية، بما يتسم مع إستراتيجية أحمد بوقري السردية في اعتماد «الموقف» بدلًا من الحدث، ثمة نزوع، في أغلب نصوص أحمد بوقري، نحو «التجريد»، تجريد المكان والزمان من أية تعينات بالتسمية. ثمة شعوران متآنيان يلازمان الذات في تجوالها بالمدينة: الانفصال عن كائناتها، وتبدي الجوع، بما يعنيه من العَوَز والاحتياج، على وجوه كائنات المدينة. إذن يمتزج شعور الاغتراب بالعوز والنقص، ليؤكد إحساسًا بلفظ المدينة لكائناتها وعدائيتها لهم.
وبمتابعة حركة الضمائر في النص السابق نجد التفاتية من ضمير المتكلم الفردي إلى ضمير المخاطب الفردي، كأنّ الذات تستحضر مُخَاطَبًا آخرَ افتراضيًّا، أو كأنها تُحادِث نفسَها، في مناجاةٍ ذاتيةٍ تُجرِّدُ الذاتُ فيها من نفسِها آخَرَ تبوح له بما يُداخِلها من مشاعرَ وتمثلات نفسية، فيما يمثل حالةً انشطارية تعيشها الذات تدخل فيها في مداولة ذاتية. وتبدو الذات في الخطاب السردي لأحمد بوقري في حالة حركة دائمة وسير مستمر بالمكان، كما في نص بعنوان: «سقراط في الشوارع».
أحمد بوقري
تبدو الذات في فيضها التأملي في حال ما بَيْنَ بَيْنَ، بين الغفو والصحو، أي تكاد تكون في منطقة برزخية بين الوعي واللاوعي، فنجد الصوت السارد قد دخل في طور مما يمكن أن نسميه «سَقْرَطَة» الذات أو «التماهي السقراطي» الذي تتخذ فيه الذات هيئة سقراط في هيامه على وجهه وتجواله بشوارع مدينته أثينا محاولًا هدم الأفكار البالية في عقول الناس والشباب وتأسيس وعي جدلي لديهم، كأنّ الذات تشعر بفساد أَثِينيٍّ يُهيمِن على مكانها. أما تمثلُ الذاتِ نفسَها تسير محنيةَ الظهرِ وتخوض الشارع عاريةً، فيؤكِّد حالة التماهي السقراطي والشعور برغبة عارمة في تطهير المدينة ومقاومة الفساد الفكري. كأنّ الذات تريد أن تعيد تشكيل الوجود باحثةً عن يُوتُوبْيَاها المثالية.
في نصوص أحمد بوقري القصصية نجد حضورًا متمددًا للذات ومتعدد الهيئات، كما في نص «ظلام في الظهيرة». يبدو أنّ للذات، في تمثلها نفسها وفي معاينتها حضورها، ذاتًا فائضة، هي ذات شَبَحيَّة، ذات حضور ظِلِّيّ تراود الذات الموضوعية من حين لآخر، ولكن لِمَ تبدو تلك الذات الظِّلِّيَّة برائحة الأدغال والفيافي؟ هل هي رغبة من الذات في العودة للطبيعة الأولى في بكارتها ونقائها وصفائها؟ هل هو سعي للوجود في مكان رحب يشعر الذات بالفساحة ولا تناهي الوجود؟
ومما يتبدى من استعمال ضمائر الغائب، هنا، أو في استعمال ضميرَيِ المتكلم الفردي أو المخاطب الفردي أحيانًا، في تعبير الذات عن نفسها، أنّ الذات تعاين نفسها من زوايا متعددة، كما يشي استعمال ضمير الغائب بأنّ ثمة رغبة من الذات في أن تعاين نفسها من على بعد ومسافة تسمح لها بتأمل أناها. ويسمح ضمير الغائب للذات أن تعاين نفسها بقدر ما من الموضوعية في علاقتها بأناها وبالعالم: يأتيه النادل بكأس مترعة بالشاي، ينبعث دخانها ممزوجًا برائحة النعناع.. يرتشف منه ببطء وينظر ساهمًا إلى اللاشيء. الحركة والضجيج البشري الذي يخبط الرصيف أمامه لا يلتفت إليه بل يستغرق ناظرًا إلى السماء الفارغة بتجريدية مطلقة. تتقد عيناه كجمرتين، ثم فجأة ينتزع ورقة بيضاء من حقيبته المهترئة بين قدميه. تمتطي أصابعه قلمًا متآكلًا ويأخذ بتدوين سطور متشابكة بادئًا من منتصف الورقة.. تاركًا النصف الأعلى كسحابة بيضاء تظلل كائنات الحروف المتلاصقة. (ص49).
في خطاب أحمد بوقري القصصي تتوازى علاقة الذات بالعالم مع علاقة الذات بالكتابة، فيبدو التطلع إلى «اللاشيء»، الذي قد يعني تأمل العدم بمثل ما قد يعني تأملًا منفتحَ الأفقِ. أما الكتابة بدءًا من منتصف الصفحة وتَرْك النصف الأول فارغًا فيعكس أنّ الخطاب المبثوث هو خطاب استئنافي، كأنّه «عَوْد على بَدْء»، كأنّ ثمة خطابًا سابقًا أو قولًا مطمورًا لم يُقَلْ بعد. كما تبدو علاقة الأصابع بالقلم، «حالة الكتابة»، كعلاقة الفارس بجواده، كأنّ الذات تُروِّض القلم وتمتطيه ليدوِّن لها مشاعرها وتأملاتها وتمثلها العالم الذي تعيد صياغته وتدوينه عبر فعل «الكتابة».
عملت الكتابات السردية للمصري مكاوي سعيد (يوليو 1956 ــ ديسمبر 2017م) سواء في الرواية أو القصة على سرد حياة الذات في الفضاء المديني، وتمثيل إغراباتها وأحلامها وإخفاقاتها فيه، كذلك تجسد كتاباته السردية قلق الذات بالمكان ورحيلها وعدم استقرارها بين الأماكن، وكذلك اضطراب علاقة الذات بالآخر، بغيرها من الشخوص؛ إذ تنقل أعماله السردية حالة الاغتراب واللاانتماء التي تعيشها الذات في عالمها وتحسها إزاء الآخرين، مهما كانت لها من بعض علاقات صداقة أو ألفة بشخوص ما أو أماكن ما، تظل الذات تائهة في عالمها، تشعر بشتات مزمن فيه. الغالب على شخوص مكاوي سعيد الرئيسية وأصواته السردية المركزية أنها تنتمي إلى شريحة المثقفين من الطبقة الوسطى اجتماعيًّا الذين يمثلون وعي المجتمع النابض ومراياه في رصد التحولات التاريخية والتغيرات السوسيوثقافية، التي لحقت بالمجتمع وغيرت ملامحه حد أن نسخت شخصيته الجمعية.
يغلب على الذوات اللائي يقدمهن في سرده أنهن ذوات إشكالية يحملن وعيًا محبطًا، مثلما كانت حال بطله في روايته «تغريدة البجعة». تمثّل الشخصية الرئيسية في «تغريدة البجعة» – كما هو غالب في رواياته ومعظم قصصه- لجيل الإحلام المجهضة والأماني المحبطة، ذلك الجيل الذي صُدِم بعصر الانفتاح الساداتي ومعاهدة كامب ديفيد للسلام بين مصر وإسرائيل، الجيل الذي انعكس شعوره بالإحباط مكتويًا بنار واقع سياسي يرفضه وتراجع اقتصادي قومي على إحساسه الذاتي بفشل المشاريع الحياتية لأفراد هذا الجيل، ما أثقله بشعور استسلامي راضخ إزاء الإحساس بالهزيمة التي أثقلت كاهله. وفيما يتبدى أنّ ثمة نزعة غنائية تطغى على سرد مكاوي سعيد، حيث صوت مفرد يغني حالته الشعورية ويطرح مواجده ومكابداته في نزوع بوحي، كما يحضر ضمير المتكلم، الضمير السردي الأول، بشكل طاغٍ في سرده، لتُمسي حكاياته التي تبثّها أصوات سرده كشهادات تحمل سمات كتابة الاعتراف، كما يستحوز الفعل الماضي على النصيب الأكبر من زمن السرد لديه، رُبما لأنّ عملية السرد تريد أن تقف بساردها ومتلقيها على مسافة زمنية من زمن الحكاية التي يتم بثها عبر السرد، في تثبيت للحظة ما أو مجموعة لحظات ومشاهد أو لإصدار حكم ما على تجربةٍ انتهت الذات الساردة منها.
اللاانتماء
في تمثل الذات للعالم، الموضوع الحاضر في وعيها -في كتابات مكاوي سعيد السردية- نجدنا إزاء ذات تشعر باغتراب متفاقم ولا انتماء مُؤكَّد تجاه عالمها الذي تشعر بأنّه يلفظها حد العداء، كما في «تغريدة البجعة». تبدو الذات في تمثلها أحداث العالم واستيعاب أفعاله المحايدة مسكونة بشعور معاداة العالم لها، شعور اغترابي وإحساس ما بتآمر أشياء العالم ضدها وتربصها بها، لتستحيل الذات قنصًا أو هدفًا للعالم للإيقاع بها وسحقها. ويلازم إحساسَ الذات بمعاداة العالم ومحاصرته لها إحساسٌ آخر بافتقادها البيت. من علامات الاغتراب في سرده أنّه يساكن معظم الذوات شعورٌ بافتقاد البيت والإحساس بالبيتية، فلا ألفة تنشأ بين الذات والبيت الذي تسكنه، ما يعني افتقاد الذوات الشعور بالخصوصية والأمان اللذين يَسِمان البيت. ومن تبديات الشعور بالاغتراب الذي ينقله لنا سرده ضيق الذوات بالتكنولوجيا والتقدُّم التقني في هذا العالم وخصوصًا عند الغياب عن الوطن والرحيل عنه للعمل وكسب العيش. كأنّ الذات في إحساسها بأثر التقدّم التكنولوجي للمعيشة عليها تضيق بهذا التقدّم التقني؛ إذ تعمل التكنولوجيا وفقًا للتصوُّر الماركوزي على تسطيح الإنسان ومفاقمة اغترابه، مثلما طرح هربرت ماركوزه في «إنسان البعد الواحد» فكرة أنّ التطوُّر الآلي والتقني يعمل على إفقاد الإنسان الشعور بإنسانيته كما تعمل التكنولوجيا على إخماد شعور الإنسان بالتمايز والاختلافات والفوارق ما يضاعف من إحساس الإنسان بالاغتراب الوجودي.
يبدو موقف الذات من العالم وإدراكها لوجودها في هذا العالم وموقعها منه أمرًا مهمًّا في تبيُّن رؤية الذات الوجودية في إحساسها بالعالم وتمثُّلها له، وفي سرد مكاوي سعيد يبدو أنّ للذوات وضعًا خاصًّا في إدراكهن العالم. في سرده تنحو الصورة المشهدية -في الأغلب- إلى تصوير الذات الإنسانية في مواجهة الطبيعة والعالم على هيئة أعزل، وحيد يجابه عنف الطبيعة الذي هو رمز مادي لعنف الوجود وقسوته وعصفه بالذات، ولكنّ المفارقة تبدو -هنا- في تمثيل علاقة الذات بالموضوع، العالم، وتمثُّل التفاعل الحاصل بينهما، بتصوير الذات كمركز يتَّسم بثبات ما بينهما يبدو العالم، الموضوع، هو الذي يمارس حركة ما باتجاه هذه الذات، حيث يقترب الميدان الفسيح المغمور بالأضواء الكابية من الذات، فتقلب الصورة اتجاهية الحركة من الموضوع إلى الذات بعكس منطق الواقع فيما يعكس مركزية الذات في تصورها العالم وإحاطته بها. وتتبدى عناية كتابة مكاوي سعيد السردية في وصفها العالم والتقاط أشيائه الصغيرة ورصد حركاتها ولفتاتها الدقيقة. وتعمل الصياغة السردية في كتابته على تذويت العالم؛ إذ تعمل الذات في تَمثُّلها العالم موضوعًا لإدراكها على إسقاط تمثُّلاتها النفسية على أشياء العالم، فما الأغصان المتهاوية الموسومة بالعجز والخيبة إلا انعكاس وتمثيل للذات نفسها التي تشعر بالعجز والضعف في مواجهتها العالم، فتعكس ذلك على موضوعاتها المُدرَكة، وهو ما يؤكده توقع الذات حصول انهيار ما، فالشعور بعنف العالم يثقل بوطأته وعي الذات بهذا العالم وبأشيائه.
مأساة أطفال الشوارع
مع عناية كتابة مكاوي سعيد بالمهمشين والمارقين فإن «تغريدة البجعة» قد قدمت مأساة أطفال الشوارع في مدينة القاهرة، هذه الفئة التي تمثُّل شريحة مجتمعية وظاهرة بارزة بوصفها ملمحًا من ملامح التحولات الاجتماعية التي طالت المجتمع المصري في العقود الثلاثة الأخيرة. وتتبدى المأساة التي تجسدها «تغريدة البجعة» في فقدان الإنسان إنسانيته وسلبه إياها منذ طفولته وحداثة وعيه بالحياة، فقد أمسى الفرد مجرد رقم بين آخرين في تجلٍّ باد لاغتراب الذات الإنسانية. كذلك يعمل السرد على كشف الجيوب الخبيئة للمدينة وتمثيل عوالم المهمشين والمارقين والمتمردين والتمزُّق والتفسُّخ الاجتماعي الحاصل في بنية المجتمع. الحقيقة أنّ الراحل الذي كان يبدو منذ روايته الأولى «فئران السفينة»، معنيًّا في كتابته السردية بالتفاصيل الدقيقة التي تُشكِّل مشهد السرد. إذ يبدو السرد عند مكاوي سعيد الذي يسعى في حكاياته إلى المراوحة بين الأمكنة وبيان شخصيتها، سينمائيًّا في بث الحكاية بعناية السارد على مشهدة الأحداث ونثر التفاصيل الدقيقة والحركات الصغيرة؛ مما يجعل للسرد إيقاعًا مدققًا في رصد العالم وبث أحداثه. كما يكثر في السرد لديه حضور الأشخاص المجهلين والعابرين والفواعل الثانويين؛ مما يضفي على سرده سمتًا من الواقعية ويمنحه قدرًا من الثراء المشهدي.
كما يتسم السرد لديه -مع كلاسيكيته- بتشجُّر بنية الحكي وتعدد مسارات السرد لتعدد الحكايات التي تتفرع عن البناء السردي؛ ففي «تغريدة البجعة» ثمة أكثر من خط سردي وأكثر من حكاية يرويها السارد، كحكايته مع زينب، وحكايته مع «مارشا»، وحكاية «يوسف حلمي» مدير الإنتاج السينمائي، وحكاية «كريم» ورفاقه من أطفال الشوارع، وفي رواية «أن تحبك جيهان» تبرز تقنية الأصوات المتعددة بتأسيس الحكاية على رواة ثلاثة، ومع تعدد مسارات السرد نجد أن ثمة تقاطعات، تربط أوصال الحكاية، تتمثل في وعي ساردها الرئيسي وعلاقاته المتشعبة بأطرافها.
يأتي ديوان «خرز الوقت» أحدث دواوين الشاعر السعودي علي الدميني، ليستأنف خطابًا جماليًّا لدى شاعر يبدو الشعر عنده سؤالًا وجوديًّا، تطرحه القصيدة من خلال مسعى الذات إلى تقديم رؤية للعالم، عبر فاعلية التأمل الوجودي الذي تمارسه القصيدة في معاينتها العالم الذي يبدو موضع تساؤل دائم كموضوع للذات التي تتدبر دائمًا أحوال هذا العالم وتحولاته. تبرز في الخطاب الشعري لعلي الدميني الذات التي يبدو صوتها واضحًا وجليًّا في تعبيرها عن وحدتها، وإعلانها عن عزلتها الوجودية الغالبة في تفاقُم اغتراباتها، لتمسي الذات نفسها موضوعًا لتأملها؛ فالأنا – لدى علي الدميني – تُحَدِّق في مراياها باستمرار بحثًا عن ذاتها، في ضياع سائد يُفاقِم قلقها الوجودي.
ماهية الوقت
من عنوان الديوان «خرز الوقت» تتبدى لنا رهافة الذات، وحساسية وعيها في تعاطي الوقت بإدراك تكويناته التمفصلية، وبنيته الوحدوية؛ لأنّ الوقت هو التمظهُر الدقيق والتجزئي للزمن، وهو ما يُبرِز أرق الوعي الشقي للذات بالزمن، فتقول الذات الشاعرة في قصيدة «خرز الوقت»:
للوقت رائحةُ القطار
ورعشة المرآة لامرأةٍ تزيّن صدرها بسحابةٍ عطشى،
وأغصانٍ من الولعِ المعذَّب بالغناءِ،
وللثواني
مثلُ رائحةِ الطفولة في الحقائب،
رنّة الأجراس في عنق الحصانِ،
وصوتُ وثبتهِ الأخيرة.
تعمل الذات على صناعة تَمثُّلات للوقت تُحيله من معطى مجرد إلى صور مادية، وتجسيدات ملموسة تكون بمثابة تجليات له على مرايا الوعي، كرائحة القطار بما يحمله القطار كعلامة دالة على الرحيل في المكان والزمان، وهو كرعشة المرآة بما تحمله المرآة من دلالة معاينة الذات لأناها، وقد يكون لقرينها في الآن، ثم يبدو الوقت كأغصان الولع المعذَّب بالغناء، وهو ما يعكس تَبطُّن الصورة بمشاعر الذات التي تصبغ الأشياء بها. وفيما يتبدى من الصياغة التصويرية لعلي الدميني تشجُّر الصورة؛ إذ يورق المشبَّه فروعًا للمُشبَّه به، كذلك أحيانًا ما تقوم الصياغة الفنية بعملية قلب على عكس البنية التركيبية التقليدية للتصوير وذلك بتقديم المشبَّه به كما في (للثواني) على المشبَّه (رائحةِ الطفولة في الحقائب، رنّة الأجراس في عنق الحصانِ) وفي هذه الحالة يُمكن أن يتبادل المشبَّه والمشبَّه به أدوارهما، وهو ما يخلق مراوحة تصويرية، ويجعل للصورة إيقاعًا دافقًا.
وفي تَمثُّل الذات الشاعرة للوقت لدى الدميني يبدو أنّ ثمة وشيجةً ما بينه والأحزان، كأنّ تفكُّر الذات في الوقت هو ما يؤجج شجون الذات ويبعث أحزانها:
الوقت نافذة على الأحزان
ثوبٌ من رماد العمر،
وجهٌ من أساور عزفِ شاعرة على ماء الكلامِ،
ورقصةُ التانغو،
وعودةُ بعض جُنْد الحربِ في التابوتِ،
كان الوقت مبتسمًا لأسرى في معارك لم يخوضوها،
ومنتشيًا بصوت القائد الحربيِّ في جيش تخلّى عن بنادقهِ،
وأنتَ تُطلّ مكسورًا على الشُّبّاكِ،
تقرأ عن جنون الطير في ملهاة «سيرفانتس»
علي الدميني
ما الذي يجعل الوقت نافذة على الأحزان؟ هل هو شعور الذات بالفقد وتبدد العمر كالرماد؟ وما علاقة هذا الإحساس بالحزن المتفاقِم بعزف شاعرة على ماء الكلام؟ وكأنّ شعور الذات بالحزن وتبدد العمر بأثر عزف شاعرة. فيما هو بادٍ أنّ الذات تتمثل الوقت إيقاعًا متنوعًا في عديد من الحركات والصور كعزف الشاعرة على ماء الكلام، ورقصة التانغو، وعودة بعض جند الحرب في التابوت، إيقاعات متفاوتة بين النشوة والحزن، وإن كان الحزن هو الغالب، حتى ما قد تبدى من نشوة فهي نشوة زائفة لقائد حربي في جيش تخلى عن بنادقه. إحساسٌ عارم بالفقد، وشعورٌ طاغٍ بالهزيمة يساكن الذات إزاء الوقت.
وكما يبدو من استعمال الصوت الشعري لضمير المخاطب أنّ الذات في تحديقها في مرايا الوقت، إنّما هي في حالة انشطار تعاين من خلاله الذاتُ ظلَّها أو قرينَها الشبحي الذي يطل مكسورًا من الشباك. وكما هو بادٍ فإنّ مفردات كالنافذة والشباك تتردد بشكل لافت في تَمثُّل الذات للوقت، على رغم أنّها علامات مكانية بالأساس. وهو ما يعني ليس تمكينًا للزمن؛ أي جعل الزمن ذا أبعاد وعينات مكانية فحسب، إنّما يعكس كذلك إحساسًا ما لدى الذات بحاجة إلى الانفتاح على الخارج، غير أنّ هذا الخارج الذي تتوق الذات لمعاينته لا تجني منه غير الأحزان والانكسار. ولكأنّ الذات تتلبسها روحٌ «دون كيشوتية» في مواجهة رياح أقدارها العاتية ومصيرها غير الموات.
وفي وعي الذات بالوقت، يتبدى أنّ الليل هو الغالب والأكثر هيمنة على مشاهد العالَم، فيقول علي الدميني:
تحت شمسٍ ترتِّبُ أغصانها للمنامْ
يقفُ الليلُ مشتملًا بعباءتهِ، قربَ وقتي
ويكسِرُ بين يديهِ مجازَ اللغاتْ.
أمدُّ يديَّ إلى ظلّهِ
فيبارحني
ناشرًا ريشَهُ في أقاصي الجهاتْ
بلا راية للوداعِ
ولا وردةٍ للعتاب الأخيرْ!
يتجلى ميل الذات الشاعرة للنهار والشمس في استعارتها المجازية للشمس بأنها «ترتب أغصانها» لتمسي كشجرة في استعذاب الذات للشمس، في حين يبدو الليل هو المرابض قربَ وقت الذات، ما يكشف عن ذاتية ونفسانية هذا الوقت الذي تعيشه الذات وتعاينه، وهو ما يبرز في فعل هذا الوقت الليلي بكسر مجازات اللغات في إشارة لسطوته، كما يتبدى عدم سيطرة الذات على ذلك الوقت الليلي على رغم كونه نفسيًّا حتى إنّه يبدو منتشرًا ومهيمنًا في أقاصي الجهات، وكأنّ إحساس الذات بالليل يفيض منسكبًا على الوجود متسيدًا فضاءاته.
مراوحات المكان
البادي على الذات التي ترمق العالم بعيني التأمل ونظرات الاندهاش في شعر علي الدميني، هو توترها وقلقها بالمكان، والبادي على أمكنة علي الدميني أنّها مشحونة بوجع الذكرى ورائحة الفقد، وهو ما يجعل الذات غير مستقرة بالمكان الذي تعاين فيه الفقد والغياب، وتحسّ في ثناياه بالوحدة، فيقول الدميني:
خارجَ البيتِ، يفتحُ أغنيةً
لتلالٍ من الوجدِ تطرق باب المدينةِ،
عارية كاللغات
وحارقة كرحيق المدام.
(…)
داخل البيت، يطفئُ أغنيةً نائمةْ
عن نديمٍ توارى كطير بعيدٍ
ويرقد منزويًا
في السرير الذي يشبهُ المقبرةْ!
يتأسس الخطاب الشعري المتمركز حول (البيت) كبؤرة مركزية للمكان، كما أنّه قد يكون استعارة عن الذات نفسها، والـ(أغنية) كبؤرة مركزية أخرى لفعل الذات في الوجود، على مصفوفة من المتقابلات: الخارج/ الداخل، يفتح/ يُطفئ، ما يُغذِّي التوتر الدرامي للقصيدة النابضة بإيقاع نفسي مضطرب للذات، وسواء في الخارج أو الداخل، فلا ينال الذات إلا الوجد والفقد، بتواري النديم والرقاد والانزواء فيما يشبه الموات الذي تحسُّه الذات في الأشياء وموضوعات عالمها. ونلحظ أن مفردة الغناء ترد بشكل مستمر في خطاب الدميني الشعري، رُبما بفعل وعي إبداعي مسكون بموروث شفاهي يعتقد بالأثر الغنائي للشعر وتداوله.
تُنَوِّع الذات الشاعرة في استعمالات الضمائر التي تتكلم عبرها الذات بين المتكلم والمخاطب والغائب كما في هذه القصيدة، وكأنّ الذات تعاين نفسها من على مبعدة ما يُتيح لها تأمل أحوالها المتَقَلِّبة، هذا التنوع الضمائري في الإشارةللمضمر نفسه بغير ضمير يبرز تعدد زوايا رؤية الذات نفسها كما يُنعِش إيقاع القصيد.
لغة الشاعر
تبدو الذات الشاعرة في خطاب علي الدميني شديدة الحساسية تجاه لغتها، وكأنّ عين الذات على اللغة في استيعابها الأشياء، واحتوائها عناصر العالم، وتعبيرها عن الوجود، وتمثيلها الجمالي له شديدة الانتباه والتبصر، فيقول الدميني في قصيدته «تمثال الماء»:
الماءُ
هل كان الكلامُ يجيد وصفَ الماءِ،
حين يفرُّ من معناه،
عريانًا، نحيلًا، دونما صفةٍ،
ولا لُغَةٍ، ولا أسماءْ؟
إذا كان عنوان القصيدة «تمثال الماء» يحمل نوعًا مما يُمكن أن نصفه بـ«التنافر الضدّي» بين عنصري التركيب، فالتمثال أبرز ما يَسِمه هو الصلابة والجمود، في حين أنّ الماء يوسم بالانسيال والانسيابية، وهو ما يكون مضادًّا لصلابة التمثال؛ فإنّ ذلك يبرز فاعلية الشعر وعمل المجاز استثمارًا لما تتيحه رخصة «الكذب الجمالي» التي تبرز شيئًا من الحس السوريالي الذي يُغلِّف وعي الذات الشاعرة بموضوعات العالم.
وفي تَمثُّل علاقة (الكلام) الذي هو فعل الذات باستعمالاتها اللغوية إزاء (الماء) الذي هو موضوع العالم الذي تسعى الذات لإدراكه بفعل (الوصف)، يبدو هذا (الماء) عصيًّا على الوصف، يفرّ من معناه، بلا صفة أو لغة أو أسماء، في شعور ذاتي بانبهام موضوعات العالم وأشيائه، وهو ما يفجِّر تساؤلًا حول علاقة اللغة بالعالم، أيهما أسبق، وأيهما يخلق الآخر، هل اللغة هي التي تصنع العالم وتصيغ موضوعاته؟ أم أنّ العالم بأشيائه وعناصره هو الذي يُشكِّل اللغة ويُخلِّق الكلام؟
إذًا، فاللغة هي هاجس الذات الشاعرة ومناط تساؤلها في شعر علي الدميني، فتبحث الذات في علاقة اللغة بالعالم، وفعل العالم باللغة:
تتسلّلُ العنقاء حاملةً خطاياها إلى لغتي،
كما تتسلّلُ الأسرارُ من عينين مثقلتين بالتقوى
وبالصبواتِ،
توقدُ قربَ طاولتي مواعيد الخرافة في التفاتاتها،
وتهربُ
حين تفضحُني ارتباكاتُ القصيدةْ.
يتضح -لدينا- أنَّ الذات الشاعرة تدرك انتفاء سيادتها على لغتها في إدراك لفعل اللاوعي اللغوي الذي تتسلل إليه عناصر الخرافة. إذًا، فالعالم -لدى علي الدميني- هو الذي يُشكِّل اللغة ويكتبها، واللغةُ هي التي تكتب الذات، كما في الفكر ما بعد البنيوي، وكذلك وفقًا للمبدأ الهايدغري بأنّ اللغة هي التي تكتبنا أكثر من كوننا نحن الذين نكتب اللغة، وهو ما يفضي بالقصيدة إلى الارتباك الذي يفضح ذاتها الشاعرة.