كيف انتصر فِلم «هوبال» للحياة؟

كيف انتصر فِلم «هوبال» للحياة؟

اتَّخذَ الفِلم عنوانًا شديدَ الفرادة، يتكوّن من كلمة واحدة: «هوبال»، وهي تعني -كما ذكر الفنان إبراهيم الحساوي- النداء الصوتي الذي يستخدمه راعي الإبل حين ينادي القطيع. ومما زاد الكلمة طرافةً أنها ذات إيقاع موسيقي يعود بالذاكرة إلى النداء الغنائي الشهير: «يا مال يا مال.. يا مال» الذي طالما تغنّى به البحارة وسواهم. كتب قِصّة فِلم «هوبال» الكاتب مفرِّج المجفل، وتولّى إخراجه الفنان المتميِّز عبدالعزيز الشلاحي. أمّا فريق التمثيل فيتكوَّن من: الفنان الكبير إبراهيم الحساوي (ليام)، والفنانة ميلا الزهراني (سرّا/ سارة)، والفنان مشعل المطيري (شنار)، والفنان حمدي الفريدي (بتّال)، والطفل الموهوب جدًّا حمد فرحان العنزي (عسَّاف)، والفنانة أمل سامي (ريفة)، والفنانة راوية أحمد (مرزوقة)، والفنانة نورة الحميدي (الأم)، والفنانة ريم فهد (صيتة)، والفنان عبدالرحمن عبدالله (نهار)، والفنان دريعان الدريعان (سطّام)، والفنان فايز بن جريس (ماجد)، إلى آخر أفراد فريق الفِلم.

تميَّز الفِلم بحبكة درامية ذات بناء شديد الترابط والانتظام، مع تتابعٍ متدرِّج ومُشوِّق للمَشاهد والأحداث، إلى جانب الاهتمام الكبير الذي بذله المخرج بكلِّ العناصر: الموسيقا، والتصوير، والإضاءة، والمونتاج، والملابس، والمكياج، والإكسسوارات، والخيام، والإبل، والسيارات وجميع التفاصيل. وأتى الحوار مُقنِعًا وجميلًا جدًّا؛ حتى بَدَتْ بعض فُصُولِه أشبه بمقاطعَ شعرية مفعمة بالحكمة، ولا سيما حين ينقلب الحوار إلى شجار بين الزوجين اللدودين «شنار» و»سرّا». فضلًا عن تناغم النظرات والحركات واللفتات الصادرة عن فريق التمثيل، التي جاءت محسوبة بدِقَّة متناهية، على الرغم من تلقائيّتِها وعفويتها. وقد اتصفَ أداءُ الفريق بالصدق والعفوية والحرفية الفائقة، وهو ما جعل أفراد الفريق يمتزجون بعضهم مع بعض في كتلة واحدة؛ جعلت أغلبَهُم (إن لم يكن جميعَهُم) نجومًا وأبطالًا لهذا العمل.

سجـنٌ بلا أسوار

الصحراء مكانٌ جميل، يمكنُ زيارتها والتجوُّل فيها، وربّما الإقامة فيها لمدة محدودة ومتقطعةٍ، ولا سيما في أثناء فصل الربيع. لكنَّ القيام بجولةٍ سياحيّة أو زيارة قصيرة للصحراء شيء، وأن يُجبَر أحدٌ على العيش في الصحراء، ويُمنع من مغادرتها لأيِّ سبب، وإن أدّى ذلك إلى هلاكه أو هلاك أحد أفراد أسرته؛ فذلك أمرٌ آخر، يُحِيلُ الصحراء إلى سجنٍ، حتّى إن كان بلا أسوار أو أبواب، فإنه يظلّ سجنًا شديد الضيق، محدود الأفق، مهما تمدّدت أبعاده، أو اتّسعت أرجاؤه. وهذا ما حدث لأفراد عائلة «ليام»، بعد أن حَرّم الأب «ليام» على جميع أفراد عائلته الذهاب إلى المدينة، تحريمًا مطلقًا غيرَ قابلٍ للنقاش أو المُراجعة. ويسري ذلك التحريم في جميع الظروف، حتّى في حالات المرض المُفضِي إلى الوفاة، وحالات تفشِّي العدوى وانتقالها
من فرد إلى آخر.

وبما أنَّ الإنسان لا يستطيع العيش من دون مأكل ومشرب وملبس، وما إلى ذلك من احتياجات لا تتوافر في الصحراء، كان لا بدَّ للأب «ليام» من إيجاد حلٍّ استثنائيّ يتيح له إرسال أحد أبنائه إلى المدينة بغرض بيع بعض المنتجات، وجلب ما يلزم من احتياجات تفرضها ضرورة البقاء على قيد الحياة. وقاده التفكير إلى أنَّ: «من حفظ كتاب الله، حفظه الله»، وكان ذلك هو المَخرَج الذي أباح كسرَ المحظور المتمثِّل في الذهاب إلى المدينة.

أسند الأب مهمَّة جلب الاحتياجات الضرورية من المدينة إلى الابن «شنار»؛ نظرًا لحفظه القرآن. مع التنويه إلى أنّ حِفظ «شنار» للقرآن الكريم، ربمّا لا يعود لدوافع إيمانية خالصة لديه، بقدرِ ما يعود لأغراضٍ أخرى يكشفُ عنها سير أحداث الفِلم. في حين ينحصر نشاط بقيَّة أفراد العائلة في سجنهم الكبير، على عدد يسير جدًّا من الأفعال: كُل واشرب ما تيسَّر، ونَلْ نصيبكَ من النوم، ثمَّ نفِّذ ما يلزم من أعمال يوميّة/ روتينيّة محدودة، واقضِ ما تبقّى لك من وقت في العبادة.

حرص الأب «ليام» على تعليم القراءة للأطفال، ربَّما لتمكينهم من تلاوة القرآن الكريم وحفظه، وفقًا لقاعدة «حِفظ كتاب الله» التي يتمسك ويعمل بها، حيث لا خوفٌ على الحافظ لكتاب الله من الذهاب إلى المدينة «المسكونة بالشر والفتنة والخراب» وفقًا لقناعات الأب وأوهامه. كما يبدو أن لا فرقَ -لدى «ليام»- بين اتِّخاذ المدينة مكانًا للإقامة الدائمة، وبين الذهاب إليها لإنجاز غرضٍ ما ثمَّ الرجوع؛ لأن رؤية المدينة -حسب تفكيره- ربَّما تقود إلى الانبهار بما تحتويه، والإعجاب والافتتان، وبالتالي الإصرار على البقاء فيها، ورفضِ العودة إلى الصحراء مُجدّدًا.

وفقًا لذلك، اهتمَّ الأب «ليام» بوجود معلِّم لتحفيظ أطفال العائلة القرآن الكريم، فضلًا عن تعليمهم القراءة والكتابة. لكن اللافت أنّ وجودَ المعلِّم ربّما يشير (ولو ضمنًا) إلى أنّ الأب كان في وُسعِه أيضًا أن يحضر طبيبًا، طالما أنّ دورَ الطبيب لا يقلُّ أهميّة عن دورِ المعلم، وربمَّا يفوقُ دورَ المعلِّم في حال كان المرض والموت يتهددان أفراد العائلة بأكملها. ولأنَّ قصّةَ الفِلم مبنيّةٌ أساسًا على عدم وجود طبيب في ظلِّ وجودِ وباءٍ مُعدٍ لا يرحم، قد يؤدِّي إلى الموت، فقد شكّل ذلك، فيما أظنُّ، العقدةَ أو القاعدة التي ارتكز عليها بناء الأحداث وتحديدِ مساراتها.

ربّما كان من الأحرى، منطقيًّا، أن تُسد تلك الثغرة المتمثِّلة في وجود معلّم وافد، بإسناد مهمّة تعليم الأطفال إلى بعض أفراد القبيلة (المتعلِّمين)، أمثال الأخوين «شنار» و»بتّال». لكن هذه الملحوظة هي مجرد رأي عابر، قد يصحُّ أو يخطئ، وينبغي تجاوزها إلى ما هو أجدى وأكثر أهميَّة. فالفِلم يشتمل على كثير مما يستوجب التوقُّف عنده والتأمُّل فيه ولفت الانتباه إليه، ولا سيما الرسالة أو المضمون الأعلى قيمة الذي احتوته قصة الفِلم، وكشف عنه المشهد الأخير.

كسرُ القيد

للوهلة الأولى، ظننت بصفتي مُتلقيًا أنّ الفِلم قد انتهى مع وفاة «عسَّاف» الذي شكّل- على الرغم من صغر سنِّه- نموذجًا ليقظة الضمير وللفطرة الإنسانيّة السوِيّة، التي لم تتلوَّث بنزعات الأنانية المُفرِطة، ولم يُعكِّر صفوها الكذب والنفاق، أو التلون والانتهازية المقيتة. كان في وسع المُخرِج أنْ يختم الفِلم بنهاية مفتوحة، بعد اكتشاف موت «عسَّاف» الذي شكَّل موته ذروة السُّلَّم التصاعدي لأحداث الفِلم المأساوية. غير أنّ الحسَّ الفنِّي العالي للمخرج الشاب، فضلًا عن وعيه الإنساني العميق آثر ألّا يُنهي قِصّة «هوبال» دون أن يبعث رسالة واضحة تشيرُ إلى كسر القيد الذي صنعه الأب، وتحطيم ذلك السجن الصحراوي الذي أصرَّ «ليام» أن يحبس فيه نفسه مع أولاده، فيضع الجميع في عزلة شديدة، بعيدًا من الحياة الاعتياديّة أو الحقيقيّة التي يحياها سائر الناس.

إذ لم ينتهِ الفِلم مع موت «عسّاف»، ولكن بعد الوداع الأخير لـِ»عسَّاف»، الذي تلا عمليّة الدفن. حيث تحلّق الجميع حول القبر، وقد بلغ فيهم الألم مُنتهاه، ولم يَعُد أيٌّ منهم يحتملُ استقبال المزيد من المآسي. فاستعدُّوا جميعًا لترك المكان الذي لم يشهد مُعظمهم -من قبلُ- سواه، حيثُ شكّلَ سجنهم الكبير منذ أن ولدَتهُم أمَّهاتُهم، أو هكذا كان حالُ أغلبهم. ولم يتوقّف التصوير، إلَّا وقد تحرَّك الجميع للرحيل، ومغادرة الصحراء.

كانت تضحيةُ «عسَّاف» وموتُه المُفجِع بمنزلة منبِّه أو رسالةٍ أخيرة أيقَظت أذهانَ الجميع وحفزتهُم على الرحيل من دون رجعة. مثلما كان مشهد الرحيل الجماعي (الذي أعقب وداعَ «عسَّاف») واحدًا من أبرز مشاهد هذا العمل السينمائي الممتع، وأكثرها روعة، حين أكّدَ على توقِ الإنسان للتحرّر وتحطيم القيود ومغادرة جدران السجن إلى الأبد، ما يُمثِّل انتصارًا للحياة.