تجربة الشاعر إبراهيم مبارك… شعر ينفتح نصيًّا

تجربة الشاعر إبراهيم مبارك… شعر ينفتح نصيًّا

تندرج نصوص الشاعر السعودي إبراهيم مبارك ضمن تجارب الأجيال الجديدة في الشعر. ففي ديوانه «خطوة أخيرة للحفاة»، أكثر من خطوة على أرض الشعر المتحركة بحركية هذه التجارب. والأمر نفسه في ديوانه «مسمار في نعش العالم» الذي يحاول فيه «دق مسمار في نعش» عالم الشعرية التقليدية. في هذين الديوانين، وفي نصوص أخرى له منشورة كتابيًّا وصوتيًّا، يتبدى ميله نحو قصيدة متعددة الموضوعات، منفتحة الدلالات، غير مستقرة على بناء شكلي نمطي. فبقدر ما تنبني، تبحث عن ذاتها في معمار لغوي ونصي مناسب لها قصد إقامة لا متناهية في أرض الشعر المتقلبة الغاصة بالمتاهات، كإقامة من يسير عمدًا في الأرض الوعرة حافيًا من أسمال البلاغة؛ ليحس بأثر قدميه على الصخور المدببة.

انطلاقًا من المتن الشعري الذي راكمه نسبيًّا، نَتبيّن نزوعه نحو جهة شعرية تجريبية متنقلة بين أشكال عدة للقصيدة، بل أيضًا بين صيغ شعرية عدة. فهو يُدخل الشعر إلى الكتابة، ثم يَسُلّه منها ويُدخله في كتابة أخرى سينقلها معه ليفتح بها باب قصيدة ما، سيغادرها كذلك نحو مشهد سردي، ومنه صوب حالة نصية شذرية… وهكذا.

انفتاح النص ونص الانفتاح

استدلالًا على ما ذكرناه، نقف عند نماذج دالة نستشف منها ملامح للانفتاح الشكلي لنصوص إبراهيم مبارك الشعرية. وأول ما شد انتباهنا فيها امتداد عديد منها سطريًّا في شكل الفقرة النثرية. والمقصود بشكل الفقرة النثرية هو الشكل البصري الذي تعرض بوساطته القصيدة، وهو استرسال السطور بما يوحي بصريًّا بنمط الكتابة النثرية. هذا الاختيار ليس جديدًا في حد ذاته؛ إذ بدأت به قصيدة النثر في أوربا، واستمر فيما سمي اصطلاحًا بالسرد الشعري، كما ظهر عربيًّا في البداية ضمن الشعر المنثور، ووُطِّنَ فيما بعد بوساطة بعض تجارب قصيدة النثر والكتابات الجديدة.

ما يهمنا هو الإضافة التي تتحقق بكيفية استثمار هذا الشكل لا الشكل في حد ذاته. واختيار إبراهيم مبارك للشكل السطري المسترسل يتأطر بما ألمحنا إليه بخصوص منزعه التجريبي الشعري. فهو لا ينطلق من نمط شعري جاهز بل يميل حيث مالت به العبارة حينًا، وحيث مال به الشكل حينًا آخر، تاركًا القصيدة تتشكل وفقًا لما يناسب أحوالها، بوعي شعري يُعمِل الحرية في تشكيل خطاب النص وفقًا للبناء المناسب له، حتى لو أفضت تلك الحرية لخلخلة معايير ومسلمات دأبت على تثبيت البناء الشكلي قبل مخاض التجربة ذاتها. يقول إبراهيم مبارك في نص بعنوان: «يغسلون أوطانهم بالقصائد»:

«رأيت اللغة كيف تجف وتستحيل إلى هذيان يشبه آخر قطرات الينابيع على شفاهها، حمّالو نعش الليل، تحديدًا في الساعة الثالثة، رأيتهم بزيهم الموحد يغنون، ولا أدري لماذا إلى الآن هم يطاردونني»(1).

هذا النص الشعري المعروض كتابيًّا في صورة الفقرة النثرية كنصوص أخرى في أعمال إبراهيم مبارك، يعبر عن قلق الشاعر تجاه حال الشعر والشعراء في عالم يصدمهم وجوديًّا بأساليبه في النبذ والعزل والتزييف وتسطيح القيم. فالشعراء ليس لديهم لمواجهة قوى الظلام سوى قصائدهم، وهي في تصوره الشعري قادرة على تنقية الأوطان من الأوحال التي قد تلطخها بها تلك القوى لَمّا تغطي حقيقتها الساطعة وتحجب معدنها الأصيل.

إن انفتاح النص شكليًّا في هذه الحالة له أكثر من إفادة؛ منها كون الشاعر يرافع بمقصدية مبطنة عن القيمة الإنسانية للشعر ضمن الصيغة البصرية المعهودة في النثر، كما لو أن غايته هي نقل المعركة الوجودية للشعر إلى ساحة النثر التي طالما مثلت معتركًا معاديًا للشعر في التصورات المنمطة التقليدية. أو لنقل بتعبير مغاير: إن الكتابة عن الشعر، شعريًّا، في هذه الصورة البصرية نثريًّا يعد تحدِّيًا لأنماط الخطابات الشعرية المعهودة؛ فبدلًا من أن تروم البحث عن الشكل المفترض أنه أصفى أشكال الشعر، والمكرس بعادات الكتابة والقراءة والأعراف الثقافية، تَعْمِد إلى تأزيمه بالكتابة المسترسلة سطريًّا بما تتضمنه من أساليب للنثر في بناء التركيب والربط بين الجمل.

ليس الشكل البصري للفقرة النثرية هو المنفرد وحده بقصائد إبراهيم مبارك، فنحن نلفيه يختار في ذات الوقت كتابة عديد من قصائده في الشكل السطري المتقطع الممتد على فضاء الصفحة كامتداد قصيدة النثر المقطعة سطريًّا، وشكل الشعر الحر العربي. وهذا الشكل هو المهيمن على جملة التجارب الشعرية العربية ذات منحى قصيدة النثر عادة. ومن أمثلة القصيدة المقطعة سطريًّا، قصيدته التي بعنوان «نهاية مفتوحة»، ومطلعها:

«على أية حال/ البؤس هو ذاته/ فمنذ أزل الكتابة لم يتغير شيء/ في البدء/ حاولته شعرًا/ ثم أعدته سيناريو لفيلم/ أبطاله غرقى ساخطون»(2).

في المقطع أعلاه، يتبدى، وبالقلق الإبداعي نفسه، مدى حضور التفكير في مصير الشعر وفي وظيفته وجدواه بالنسبة للذات الشاعرة. وهذه «النهاية المفتوحة» التي وسم بها الشاعر قصيدته، تتشاكل مع أكثر من بداية مفتوحة لنصوص أخرى في ديوانه «خطوة أخيرة للحفاة»؛ انفتاح على الشكل وانفتاح على تعدد الدلالات، وانفتاح على ربط الشعر بما هو رؤية ونظام لغوي مغاير للمألوف، بأفق التفكير في وظيفته وحضوره الجمالي والفني والثقافي.

تشابك الأشكال وتكثيف الدلالة الشعرية

لعل تشابك التفكير في الشعر بالشعر ذاته عند إبراهيم مبارك كان من عوامل رحلته بين أنماط الأشكال التعبيرية التي وجدها تستجيب لمقاصده من تشكيل الخطاب الشعري، إما بإفراد قصائد معينة بشكل الفقرة النثرية، أو بإفراد أخرى بشكل القصيدة ذات الأسطر المقطعة، وهذا ما أجملنا الإشارة إليه، وإما بالمزاوجة بين الاختيارين في النص الواحد عينه على حد ما نراه على سبيل المثال لا الحصر في قصيدته المعنونة بـ«صلاة الجبل»، التي أعدُّها نصًّا لافتًا للقراءة بشعريتها المندمجة شكليًّا وموضوعاتيًّا، عبر حفر الشاعر في ذاكرة اللغة وذاكرة العلامات المكانية والزمانية بما تفتحه للقراءة من تأملات في مصاير البشر وقيمهم.

لماذا إذن اختار الشاعر كتابة «صلاة الجبل» بصيغة مندمجة تجمع بين الكتابة المقطعة سطريًّا والكتابة السطرية المسترسلة؟ الجواب عن هذا السؤال ينحدر من الجواب عن السؤال الأعم المرتبط بوظيفة البناء الشكلي في تحقيق القصد الشعري وبناء الأفق الدلالي. وفي جملة النصوص ذات الصلة بالكتابات الجديدة والحساسيات الشعرية الجديدة أيضًا. فالكتابة هي تجربة تفاعلية تتأسس على دينامية العلامات من جهة البناء ومن جهة الدلالة لا على جاهزية المعطيات، وعلى فاعلية التجربة لا على سلطة الاقتداء.

وبالنسبة لقصيدة «صلاة الجبل»، فالشاعر في تقديرنا إنما لجأ في مقاطع منها إلى التقطيع السطري؛ لأنه أرادها أن تكون في صيغة تعاويذ وأدعية. فكان أن صيغت في جمل قصيرة تتطلب وقفات صوتية ودلالية في القراءة كي تحقق مقصديتها. بينما لجأ إلى الاسترسال في الكتابة غير المقطعة سطريًّا في المقاطع ذات المنحى الوصفي السردي؛ لتدافع الجمل وهي تتوسع تعبيريًّا للإحاطة بالتاريخ الديني والثقافي والاجتماعي للعلامات على حد ما سنشير إليه.

غير أن قصائد إبراهيم مبارك لم تقف في تنويع بنائها الشكلي عند ما أسلفنا ذكره، فهي في تصوري بمنزلة ملتقى منازع شعرية متعددة الأشكال ومتعددة الشعريات ذاتها.

فهو يكتب كذلك القصيدة القصيرة جدًّا، وقصيدة الومضة والشذرة الشعرية، ولديه ميل بموازاة ذلك نحو قصيدة الهايكو. ويلجأ أحيانًا إلى «تشبيك»(3) نصوصه القصيرة في نص جامع وناظم لها تبعًا لموضوع مشترك أو علامة مهيمنة، كما هو الأمر في نص بعنوان: «صاعدًا في البناية هابطًا من الحب»(4)؛ إذ شُبِّكَت نصوصه الفرعية القصيرة حول موضوع المصعد، ونص «سوناتة للعصافير»(5) الذي شُبِّكَتْ مكوناته النصية الفرعية حول موضوع «العصافير»(6).

في هذه النصوص القصيرة للشاعر، سواء منها ما شُبِّكَ أو سواه، نلمح فيه ميلًا شعريًّا نحو كثافة الدلالة وإيجاز العبارة، والبناء على حالات قد تتقابل وقد تتعاقب. نقرأ من نص «سوناتة للعصافير»:

«أنا أحلم بالطيران/ جاري العصفور/ في الشجرة المقابلة/ يفعل ذلك/ وحسب»(7).

تتقابل في المقطع حالتان لذاتين؛ إحداهما في حيز مفتوح، والأخرى في حيز مغلق. تقابلهما تحديدًا هو مصدر شعرية المقطع بعد الاستبدال الذي وقع في حال إحداهما. فحال العصفور في النص هي حالُهُ الملازمة له، أي أنه في الشجرة وفي الحيز المفتوح وأنه يطير متى شاء. فالطيران فعل ملازم له. بمعنى أن الطائر ليس في القفص. الذي في القفص هو الذات الشاعرة. هي المحبوسة في حيز مغلق بدل العصفور. وبالتالي تصبح في وضع حصار وسلب للحرية التي أصبحت حلمًا بدل أن تكون فعلًا ملازمًا للذات كملازمة فعل الطيران للعصفور يطير متى شاء.

وكحال الشعر والشعراء في تفاوت نصوصهم من جهة درجة الشعرية، تتفاوت نصوص إبراهيم مبارك بالتأكيد في ذلك، وإن كان لديه في عديد منها قوة إدهاش؛ لأن الفاعليات الشعرية التي تَنشُد تجاوز وصف الكائن إلى الممكن، بإعادة بناء العلاقات والرؤى، هي من أكثر التجارب الشعرية عمقًا في النصوص القصيرة بصفة خاصة.

من الانفتاح النصي إلى توتر الدلالة

إن التوتر الدلالي في الخطاب، الذي ندركه بالقراءة المتفاعلة، قد ينشأ ضمن تقابل الدلالات المتعارضة، وقد ينشأ تبعًا لتداخلها في سياق نصي معين جامع لها. ولعل قصيدة «صلاة الجبل» تمثل محفلًا ناطقًا ليس بالحضور الدينامي للتوتر الدلالي فحسب، بل كذلك لاختلاف صيغ حضوره مقطعيًّا، وتركيبيًّا، ونصيًّا، ومرجعيًّا بالإحالة. في المستوى المقطعي نستدل بالمقطع الأول من القصيدة وفيها تقول الذات المتكلمة:

«باسم الخوف/ الذي احتد/ حتى أصبح صلاة»(8).

ما قصدناه بالتوتر الدلالي تَشَكَّلَ في جانب منه هنا بوساطة العلاقة الاسمية التي جمعت بين الذات المتكلمة وذات الخوف. لنلحظ بدءًا أن المقطع مؤطر بالعنوان وتحديدًا بكلمة صلاة، ولنلحظ ثانيًا أن صيغة المقطع وردت أسلوبيًّا بصيغة تفيد الاستعانة والتوكل لذات على ذات. استنادًا إلى هاتين القرينتين، نرى كيف أزيحت الذات التي يستعان بها في الأصل، وهي الذات التي من شأنها منح العون والمساعدة، لفائدة ذات أخرى تقوم بفعل معاكس كليًّا. فبدلًا من أن تستعين الذات عبر الفعل الاسمي «باسم …»، بمسمى يفترض فيه أنه يمنح المساعدة والاطمئنان للفاعل اللفظي؛ جرت الاستعانة بالخوف. غدا الخوفُ القوةَ المهيمنةَ السائدةَ التي يُتَبَرّك بها وتَخضع لها الذات وتسمى بها، لسلطتها التي باتت تمارسها عليها.

فحسب منطوق المقطع، احْتَدّ الخوف حتى غدا بالنسبة للذات الشاعرة صلاة. فالخائف متعبِّد والمُخَوِّفُ معبود. انقلبت الموازين وتدَخَّل الشعر بتخييله ليدفع بالعلاقة الاستبدالية كي تحفز القراءة على إدراك مكمن التوتر الدلالي.

نصيًّا، يسهم السياق في تغذية التوتر المشار إليه عبر التعالق النصي بين المقطع وعنوان القصيدة. فالتوتر يتعدى العلاقة بين الاسم والتسمية، ويتعدى المسمى لأنه بوساطة العلامة اللغوية ذات المرجعية الدينية، علامة «صلاة»، اكتسى الخوف بهيئة صلاة، ومن ثمة اندرج ملفوظ المقطع برمته فيما يمثل ملفوظ صلاة هي صلاة الجبل، الصلاة التي إما أن الجبل يتلفظ بها فيكون هو الذات المتكلمة في ملفوظ الخطاب، أو هي صلاة الذات الشاعرة المتلفظة به. في الحالين، تحول الخوف إذن وهو أصلًا حالة عرضية، إلى ذات فاعلة بمنزلة صلاة، أي إلى معتقد له السيادة والهيمنة.

لا بد من التأكيد هنا أن الشاعر اشتغل في قصيدته هذه على العديد من المرجعيات الدينية القديمة في إطار الحوارات النصية والتشاكلات الدلالية؛ لأغراض فنية شعرية وليست اعتقادية. فالشعر يتيح ذلك بقوته المجازية وطاقته التخييلية على حد ما نراه في هذه القصيدة. فالشاعر يعمل على إعادة تشكيل تلك المرجعيات مع غيرها تخييليًّا للتعبير عن رؤية ثقافية لواقع فني وجمالي منفتح على طموحات وأحلام، هي عمومًا أحلام وطموحات الشعراء نحو غد أفضل.

وفي المستوى التركيبي الذي يخص صياغة الصور المجازية في الجمل، نلفي التوتر ذاته متمفصلًا مع الجمل، خصوصًا في المقاطع ذات النفس السردي الذي تتعاقب فيه الجمل بتعاقب حالات مشهدية ترصد الزمن في المكان، والمكان في الزمان. هنا نلفي الجبل ما عاد جبلًا لكن لغة. وهذه اللغة وإن ماتت فهي حية بتناسل الشعراء من رحمها. كيف تغدو اللغة جبلًا، والجبل له ما له من منعة وصمود وعلو في المكان؟ وكيف تموت اللغة وهي الجبل؟ وكيف يكون الجبل وإن مات مصدر خوف بل الخوف ذاته؟ ثم كيف تموت اللغة ويخرج الشعراء من رحمها؟ كيف تنطوي اللغة الميتة على طاقة الخلق والولادة؟

قوة الإدهاش في الصور ليست في عزلها باقتطاعها من النص. فهذا الاقتطاع قد ينقلها إلى فكرة ويجردها من قوة الخلق المجازي. نحتاج هنا إلى أن نربط الجبل بالصورة العامة التي يقدم بوساطتها في القصيدة. فجبل اللغة الميتة الحية، هو ذاته الجبل الذي ترفع له المدائح والتعاويذ، جبل الأضرحة المنقلبة من وضع المفعول المشاهَد إلى وضع الفاعل المشاهِد. الأضرحة التي تجمع بدورها بين وضعي الخلود والفناء المتعارضين؛ خلودها هي وفناء البشر في خلودها ذاك.

تخييل صورة دادان

إن توالي الأبنية المجازية التركيبية هو ما يؤسس أيضًا للتوتر الدلالي أفقيًّا تبعًا للمسار الخطي السطري للقراءة. في هذا المستوى نلحظ تولد فقرات القصيدة في جملتها من وضع النفي، نفي حالة وإحلال أخرى مكانها في اتصال بمركزية الجبل في النص بهذه الصيغة: لم يكن جبلًا.. لم تكن أضرحة.. لم تكن صخرة.

حالة النفي تتعدى كونها صياغة أسلوبية، فهي رؤية تغذي التوتر الدلالي في القصيدة؛ لتوازيها مع دلالة الثبات والرسوخ والخلود. فالشعر يغدو ضمن ذلك دالًّا وفاعلًا في مشهد غاصّ بالقيم المتعارضة والعلامات المتصادمة دلاليًّا في التلقي:

«لم يكن جبلًا، حين التف حوله الشعراء يلقون تعاويذهم، يحرسونه من الكتابة، بأفواه أكثر حدة من الأزاميل، وبكلمات متقطعة ينقرون الصمت، حتى تتجلى صرخات الدادانيين المدفونة في الرمال»(9).

يفصح المقطع المذكور آنفًا عن مرجعية إحالية مركزية في القصيدة، هي مرجعية مملكة دادان(10). ومن له دراية بمملكة دادان وبقايا آثارها وموقعها الجغرافي بالمملكة العربية السعودية، يستطيع أن يعيد قراء مجموعة من العلامات الواردة في القصيدة في ضوء ذلك، مثل علامات الجبل والرمل والأضرحة والمعبد والنقوش… إلخ، والشاعر في قصيدته قدم صورة لدادان حية متخيلة ولصورتها ميتة، ولصورتها حية في آثارها، بعين شاعر متأمل بعمق، ومتمكن من زاد معرفي بالتاريخ الاجتماعي والديني والتجاري لدادان. فكان أن تقاطعت في النص خطابات تاريخية وميثولوجية ودينية… الهدف منها إقامة صورة تخييلية لمملكة دادان تبعثها شعريًّا لتغذية الرؤى الجمالية عبر التأمل العميق في العلامات وذاكرة المكان.

وهذه الصورة هي التي تسعى الذات الشاعرة لحمل المتلقي على اختيارها كي تحل محل الصورة الاستهلاكية السياحية النمطية؛ لأن الأخيرة تجمد الآثار في الزمن وتفصلها عن الحاضر وعن الامتداد المستقبلي في الوجدان. فما بين الصورة النمطية السياحية والصورة الحية الدينامية لدادان، تولد التوتر الدلالي الأساسي في القصيدة وتفرع إلى مستويات مختلفة.

ونلفي لهذه اللغة التي يمكن وصفها أحيانًا بكونها لغة قيامية فجائعية، حضورًا في قصائد عدة للشاعر في هذا الديوان وفي غيره. بيد أنها واحدة من اختياراته الشعرية. فشعرية إبراهيم مبارك شعرية منفتحة بصدد التأسيس لرؤية مستجدة للخطاب الشعري عنده؛ لذلك نراه أيضًا يوقع نصوصًا ضمن السرد الشعري المشهدي، ونصوصًا مكثفة قصيرة، وقصائد من شعر اليومي وأخرى ذات منحى تأملي فلسفي. وهذا ما دعانا في هذه الإطلالة النقدية لأن نصف تجربته بالانفتاح على تعدد أشكال التعبير الشعري في بناء القصيدة شكليًّا ودلاليًّا.


هوامش:

(1) إبراهيم مبارك: «خطوة أخيرة للحفاة». دار أدب للنشر والتوزيع. الرياض، المملكة العربية السعودية. ط1 /2023م، ص 19.

(2) المرجع السابق، ص 95.

(3) نقصد بالتشبيك إحداث تعالق وتشاكل بين نصوص عدة؛ كي تغدو بمثابة نص واحد جامع لها مع احتفاظها بصورتها وشكلها الأصليين.

(4) خطوة أخيرة للحفاة، ص 87.

(5) نفسه، ص 53.

(6) المرجع المذكور، ص53.

(7) نفسه، ص 53.

(8) نفسه، ص 13.

(9) نفسه، ص14.

(10) تقع آثار مملكة دادان في غرب المملكة العربية السعودية، ويعود تأسيس مملكة دادان إلى القرن السابع قبل الميلاد، وكان لها دور تجاري وديني كبير في عصرها.