إطلالة الفَيْصَل.. الملك الإنسان

إطلالة

الفَيْصَل.. الملك الإنسان

إنه لموقف جليل أن أدلي بشهادتي اليوم، أمام التاريخ وأمامكم، عن شهيد الإسلام والعروبة الملك فيصل بن عبدالعزيز، طيب اللّه ثراه، مُركِّزًا على وقائع الجانب الإنساني، في شخصية الراحلِ العظيم. هذا الجانب الذي عايش وجداني دائمًا، وظل محتجبًا وراء تهيبي أمام مجرد تفسير مواقفه.

وتأتي أهمية الموضوع، من جانب، باعتبار أن الصورة الإنسانية للشخصية التاريخية هي المدخل إلى تفسير مواقفها في شتى جوانب الحياة، وهو ما اتفق اصطلاحًا على أنه «مفتاح» الشخصية. وعلى الجانب الآخر، فإن الأمر يتعلق بشخصية لها ثقلها المتميز في الأمتين الإسلامية والعربية.

روح الأب

ويأتي ذكر «الشهيد» في هذه المحاضرة مجردًا من الألقاب، امتثالًا لرغبته التي عبَّر عنها حين قال: «تكرر على سمعي لفظُ «صاحب الجلالة» و«الجالس على العرش»، وإني أرجو أن تعتبروني أخًا؛ فالجلالة لله سبحانه، والعرش عرشه، وهذه الصفات دخيلة في ديننا ولغتنا.

ومع أن منهج هذه المحاضرة قد يخالف -إلى حد ما- العرف الأكاديمي للمؤرخين، من حيث اعتمادهم الكامل على الوثائق، واعتمادي على سرد ما أعرفه، وقد لا يعرفه آخرون في حياة الشهيد، والذي كان لي شرف الاقتراب منه، بحكم موقعي وانتمائي إليه. أقول: على الرغم من هذا، فإنني ألتزم هنا توثيق كل واقعة في سياق سردها، سواء أكنتُ شاهد عيان أو سمعتُها من الثقات المعايشين، أو كانت موثقة في المصادر.

وعلى ذكر شرف انتسابي إلى الفيصل، بوصفي واحدًا من أبنائه، أجد من الجدير بالذكر -وإن سبقت الأحداث- أن أذكر حقيقة مهمة، هي أن الملك فيصلًا منذ آلت إليه أمانةُ الحُكم، ضمّ إلى قائمة أبنائه، الذين هم من صلبه، كلَّ قوائم المواطنين في المملكة العربية السعودية؛ ليصبح الجميع أبناءه واقعًا فعليًّا، على نحو ما سيأتي في سرد هذه المحاضرة، كما أن روح الأبوة لم تفارق مشاعره لحظة، على النطاق العربي والإسلامي؛ لذلك فما أحسبني إلا مفوضًا من قبلكم، للحديث عن والد الجميع، والد الأمة الذي نشترك جميعًا في مشاعر الحب والتقدير تجاهه، وتجاه الأسرة السعودية التي اقتدت به.

وتعتمد المحاضرة -إلى حد كبير- على الترتيب الزمني في حياة الملك الشهيد، واستنباط ما يفيد الموضوع في كل واقعة، وذلك حتى لا يتكرر سرد الواقعة في كل فصل إذا تعددت دلالاتها. وقد يقتضي الأمرُ أحيانًا أن أبتعد من الجانب الإنساني المباشر، وأتطرق إلى جوانب أخرى في حياة الشهيد استوفاها الأساتذة الذين حاضروا قبلي، لكنه ابتعاد بقصد الاقتراب من جوهر الإنسان في «فيصل».

حي في بطن الأرض

وطبقًا لهذا الأسلوب، يأتي الحديث أولًا عن ظروف النشأة والبيئة، مع التركيز على أثر والده الملك عبدالعزيز، وجده لوالدته الشيخ عبدالله بن عبد اللطيف في تنشئته، ثم رحلته الأولى إلى أورُبا، وكيف اكتشف مرضه في الباخرة، ورد فعل الإشعاعات الأولى للحضارة الغربية على عقليته، ودلائل اعتزازه بنفسه، وبجلدته الإسلامية العربية.

وينتقل الحديث بعد ذلك إلى تعاملاته مع الآخرين: أبنائه، شعبه، أصدقائه، ثم مع موظفيه، بينما يُعنى الفصل الأخير بجمع بعض الوقائع المكملة، لكشف المقومات والصفات والمناقب، مكتفيًا بأهمها: العاطفة الدينية والأخلاق عنده، مصداقيته، سرعة بديهته، صبره، التنظيم في حياته، لطفه، وأخيرًا حبّه للأدب والشعر والقراءة. وتأتي الخاتمة خلاصة لما يدل عليه مجمل الوقائع، في خدمة الكشف عن الجانب الإنساني في شخصية فيصل، الملك الإنسان.

على أن هذه الشخصية تظل -قبل هذا وبعده- كنزًا ثريًّا بالعطاء، لكل الباحثين في سيرة عباقرة الحكام المسلمين، الذين عاشوا في بساطة الزاهدين وأمان العادلين، يحكّمون شرع الله في كل أمورهم.

والفيصل بتاريخه: فكرًا ومنهجًا وعملًا -وإن مضى- هو من أولئك الأحياء في بطن الأرض، يواصلون العطاء بالسيرة والقدوة.

ويبقى فيصل فوق القول مهما يقولون.


هامش:

من محاضرة صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل، في إطار احتفال مؤسسة الملك فيصل الخيرية بمرور عشرين عامًا على تأسيسها. وقد اخترنا هذا التقديم الجزل للمحاضرة ليكون إطلالة هذا العدد؛ لما فيه من تعبير عميق عن تأثر سموه بالجانب الإنساني لحياة والده رحمه الله، ومعايشته الوجدانية لها. كما ينطوي التقديم على إشارة إلى منهج السرد التاريخي الذي اعتمده سموه. وهذا ما سيكشف عنه نص المحاضرة الذي سينشر في العدد القادم، بإذن الله.