الصحة النفسية للكُتَّاب وشخوصهم
صدر كتاب جديد بعنوان «الصحة النفسية للكتاب وشخوصهم»، عن دار أوديل جاكوب، من تأليف الطبيب النفسي الفرنسي باتريك لوموان، ذائع الصيت في فرنسا وصاحب كتب حققت نجاحًا باهرًا، والصحافية الفرنسية صوفي فيغيي فانسون. يقع الكتاب في 329 صفحة من الحجم المتوسط، ويتوزع على ستة أجزاء، يتناول كل منها كاتبًا أو شاعرًا أو مسرحيًّا وشخوصه…
موضوع الكتاب هو النظر فيما يقوله الكاتب وشخوصه، وما يقوله عنهما الطبيب النفساني. من ثم، فالكتاب هو مجموعة دراسات لحالات منتظمة حسب أنواع من الاختلالات، حيث الأدب يتحدث على طريقته عن الحياة والصحة النفسية.
يتناول الكتاب بالدرس والتحليل الشاعر شارل بودلير من خلال قصيدته « كآبة»، وألبير كامو من خلال روايته «الطاعون»، كما يتناول ويليام شكسبير من خلال مسرحيته «ليدي ماكبث» وسرفانتيس من خلال شخصية الدون كيشوت، وكذلك يتناول رايمون روديغي من خلال رواية «الشيطان في الجسد»، ويتناول أيضًا رواية «العلاقات الخطيرة» لشودرلو دي لاكلو، كما يتناول الكتاب قصة «القط الأسود» لإدغار ألان بو.
ويتعرض المؤلفان إلى نماذج أخرى كالبرجوازي النبيل لموليير، و«أورلاندو» لفيرجينينا وولف، ورواية «الغيرة والعنف» و«شرق غرب» لشتاينبيك، ويتعرضان لشخصية مونتاين من خلال كتابه «المحاولات»، وكذا شخصية غريغوري سامسا في رواية المسخ لكافكا وشخصية سيت في رواية «المحبوبة» لتوني موريسون وشخصيات وأدباء آخرين.
نختار من هذه الدراسات، الدراسة عن بودلير وقصيدته «كآبة»:
«عندما تنطبق السماء الخفيضة الثقيلة كالغطاء/ على النفس الحزينة المقهورة من ضجر طويل/ وحين الأفق يحتضن الدائرة كلها/ ويصب علينا نهارًا قاتمًا أشد حزنًا من الليالي/ وعندما تتحول الأرض إلى سجن رطب/ ويغدو الأمل وطواطًا يضرب الجدران بجناحيه/ ورأسه بالسقوف العفنة/ وعندما يرسل المطر خيوطه الهائلة/ مقلدًا بها قضبان سجن واسع/ وينسج شعب أخرس من العناكب الدنيئة/ شباكه في تلافيف أدمغتنا/ تفاجئنا دقات أجراس غاضبة/ وتطلق نحو السماء عويلًا مخيفًا/ عويل النفوس الهائمة بلا وطن/ عندما تلح بالنواح والشكوى/ وترتسم في روحي مواكب جنائزية طويلة/ بلا طبول ولموسيقا تمر ببطء/ فالأمل يبكي مقهورًا/ والقلق الفظيع المتجبر/ ينحني فوق رأسي ليغرس فيه/ علمه الأسود» (شارل بودلير، «أزهار الشر»، 1857م).
من الكآبة إلى الاكتئاب الموسمي
كما موسيقا حزينة ليلية، تعود إلينا الأبيات الأولى من قصيدة «كآبة» لشارل بودلير، في الأيام السيئة، حيث القلب مثقل، والزمن الممطر يتأخر حتى الفصل البارد. أهو واقع يجلب المتاعب أم استعارة للاكتئاب؟ هذه القصيدة، المنشورة في مجموعة «أزهار الشر» (1857م)، لا تزال تسكننا بعد أجيال؛ لأننا ببساطة اكتشفناها في المدرسة وقرأناها مرارًا وسمعناها بافتتان. إنها مغروسة في فكرنا، محفورة في جلدنا وتعود للظهور كلما عاد المفزع والجميل معًا.
هاته الكتابة المصقولة تضمن إغواء الشقاء أمام المناخ والزمن الذي يمضي، أو تهافت الأزمنة الحديثة. في حين أن الأمل المسيحي فر متخفيًا في صورة الوطاويط، «في بداية القصيدة، والتي يستحوذ عليها نحن جماعي»، وفي ظل الأمل الفرداني الأكثر حداثة والمغلوب «في البيت الأخير المتمركز على الأنا». لا يبقى إلا الخصب الأدبي، الملل والقلق. هي إذن أزهار الشر، تلك التي نستنشقها من دون مقاومة؛ لكي نحس أكثر بالرائحة الممنوعة للرذيلة ودوار آلام الفكر، ولكن دون أن نستسلم؛ فالكتابة والقراءة تظلّان الترياق.
«الجميل فظيع والفظيع جميل». ستضيف الساحرات الثلاث في «ماكبث»، الفصل الأول المشهد الأول، من مسرحية شكسبير التي يحيل إليها بودلير في «المثال» قصيدة أخرى في هذا الباب من المجموعة.
لم يكن غريبًا أن تثير هذه النصوص الإدانة التامة لأزهار الشر عند العديد من مجايلي بودلير. فقد كتب الناقد غوستاف بوردان في صحيفة الفيغارو، 5 يوليو 1857م، مباشرة بعد نشر المجموعة: «لم نرَ قط كيف يمكن تبديد طاقات متألقة بهذا الشكل. هناك لحظات نشك فيها في سلامة عقل السيد بودلير، وأخرى لا نشك فيها أبدًا: إذ هي تكرار رتيب ومتعمد للأفكار نفسها، حيث يجاور الدنيء السافل، ويعانق المنفّر البغيض… كتابه هذا مستشفى مفتوح لحماقات الفكر وتعفنات القلب. حبذا لو كان من أجل شفائها، ولكنها مستعصية». وبعدها بأسابيع (20 أغسطس 1857م)، أُدين الشاعر «بتهمة الإخلال بالأخلاق العامة والآداب الحسنة»، وغُرّم 300 فرنك، وأُجبر على حذف مقاطع من الديوان.
يؤكد تيوفيل غوتيي في مرثية للشاعر بأنه عانى «ذلك المرض الفظيع: الحنين ذي الآثار الوخيمة». وتعترف أمه، بأنه «رجل مجروح ومستاء، مبارز قاس، مجنون عبقري، مثير للأرق». ويرى أنطوان كومبانيون، أستاذ في الكوليج دي فرانس، أن معاناته كانت نابعة من ضيق الوسط البرجوازي، ومن علاقته المتوترة مع زوج أمّه الجنرال أوبيك. حين كان تلميذًا في الإعدادية، كان يقلق رفاقه وأساتذته بنوبات اكتئابه. وفي ثانوية لويس لوغرون سيحكم عليه بكونه طريفًا وغريب الأطوار، وسيطرد من الثانوية وبالكاد ينال شهادة الباكالوريا. قلقين تجاه انجذابه الذي لا يقاوم نحو الشعر والحياة البوهيمية فإن أمه وزوج أمه البغيض سيرسلانه في سن العشرين على متن سفينة بحار الجنوب لكي يبحر نحو الهند من أجل «تسليته» وإعادته إلى رشده. من موريس وعبر جزيرة بوربون وبعد رحلة مجهضة، سيعود على العكس وهو أكثر وثوقًا بموهبته وقدره الأدبيين، مسكونًا بمخيال عجيب سيلون عمله ويتناقض مع وجه أكثر سوداوية من إبداعه. إن بودلير هو «شاعر الغروب، الظل، الندم والخريف»، كما يؤكد أنطوان كومبانيون، وكما تشهد على ذلك شتى القصائد المخصصة لذلك الفصل.
بعودته إلى باريس الرمادية، سيشرع في كتابة النصوص الأولى من «أزهار الشر». صار يحب الجنات الاصطناعية، والأناقة المرفهة. عاد مثقلًا بالديون، وسيشرع في تبديد إرث أبيه بعد بلوغ سن الرشد قبل أن يوضع تحت الحجر ويصير محدودًا في إمكانياته، وهاته إهانة أولى. سيهدد بالانتحار وبأن يوصي بثروته لعشيقته جان دوفال، وفي الوقت نفسه سيشرع في العمل وينتج، يترجم، ينقد، ينشر، ويلتزم سياسيًّا على متاريس ثورة 1848م، على الرغم من اتهام نفسه بالكسل.
وفيما بعد سيتعاطى الأفيون المهدئ الذي يستخدمه لغايات علاجية من أجل الصداع النصفي. لا يخفي أيضًا نوبات اكتئابه، كآبته التي يحولها إلى مادة شعرية. إدانة أزهار الشر زعزعته. سيلاحق بالديون، بالقلق، وبرفضه من الأكاديمية الفرنسية سنة 1862م إهانة أخرى، وقد يكون فكر في الانتحار من جديد. صحته الجسدية والنفسية هشة، وتنهار في سنة 1860م: «البعض يرى فيها نتائج المخدرات وخاصة المتاعب، المنغصات وأشكال البؤس والتحديات من كل صنف واللصيقة بالحياة الأدبية»، كما يؤكد ذلك تيوفيل غوتيي. وبعضها الآخر يعتبرها الانحدار الصحي والعقلي الناتج عن الزهري الذي أصيب به مبكرًا في سن الثامنة عشرة. وسيموت نصف مشلول وفاقدًا القدرة على الكلام في دار للمجانين في 31 أغسطس 1867م، وكان عمره 46 عامًا.
تشخيص الطبيب النفساني: الاكتئاب الموسمي
أول ما يتبادر إلى ذهن الإكلينيكي هو هاته الحساسية الغريبة تجاه الطقس: «السماء الخفيضة والثقيلة، الليل، المطر»، كل شيء يوحي بالخريف وموكبه من الحزن. بالنسبة لبودلير الكآبة هي خريفية، تمامًا كما هو حنين بريجيت باردو حين تغني «على الشاطئ المهمل، أصداف وفواكه بحر».
على خط عرض باريس، هذا التعب الغريب يهم أكثر قليلًا من نصف الساكنة، ويفرض نفسه كما لو أنه قاعدة. ويتعلق الأمر بمرض نسوي في غالبيته بحيث إنه يمس خمس نساء مقابل رجل واحد.
ما الأعراض؟
الخمول الموسمي: انطلاقًا من نهاية الأسبوع الأخير من شهر أكتوبر والعبور إلى ساعة الشتاء تظهر الأعراض الجسدية للاضطراب الوجداني تبعًا للفصول: خمول، انخفاض في اليقظة والحذر، نعاس نهاري مع أرق ليلي، ميل إلى السكر مع رغبات لا تقاوم في الشوكولاتة، وأشكال الحلوى والكريمة القابلة للدهن، وفي بعض الأحيان الكحول. النتيجة هي تزايد في الوزن. هاته الأعراض تنتج نومًا مؤقتًا يشبه السبات الشتوي للجرذ، نأكل ويزداد وزننا في ا لخريف قبل أن ننام طيلة الشتاء.
الاكتئاب الموسمي: هذا مرض حقيقي، يتمظهر على شكل حزن وبكاء وقلق، خمول إبداعي وفقدان للرغبة.
في المناطق المعتدلة، اثنتا عشرة في المئة من النساء تظهرن متلازمة اكتئابية ويخضعن للفحص، في حين أن خمسًا في المئة هن مريضات تمامًا مع دواء وتوقف عن العمل. تكرار الاضطرابات يزداد مع درجة العرض شمالًا: المزيد من الاكتئابات الموسمية في مدينة ليل أكثر منها في مارسيليا… مع بعض الاختلافات في المناطق الجبلية حيث السماء ثقيلة وخفيضة خلال الخريف.
ولكن مع هذا الشيطان الشاعر ليس هناك شيء سهل، وسيكون من العبث أن نختزل الأعراض إلى موسمية محضة، متلازمة في الغالب غير مرضية التي يمكن أن تترافق مع أي مرض آخر، لم يعش غير ست وأربعين سنة حقًّا، ولكنه كان له الوقت للتعبير عن أشكال أخرى من المعاناة.
تحقيره للمواضعات الاجتماعية تحتل الواجهة وكذا فتراته الهوسية: أرق كلي، نفقات مبالغ فيها حد التبديد السريع لثروته الذي أدى إلى وضعه تحت الحجر، ولحظات اكتئابه من الانحطام المصحوب بعقدة ذنب مميتة وتحقيره لذاته… هي كلها أعراض توحي بهذا الاضطراب الوراثي في غالبية الحالات. تشهد على ذلك أفكاره السوداء، الانتحارية التي عبر عنها في رسالته – الوصية للموثق نارسيس أنسيلم، حيث يتحدث بوضوح عن مشروعه إنهاء حياته. جملته: «حين كنت طفلًا أحسست في قلبي بعاطفتين متناقضتين: رعب الحياة ونشوة الحياة»، هي تشخيص ممتاز للقطبين اللذين يميزان ثنائي القطب.
إذن هو مريض ثنائي القطب، مدمن، مصاب بالزهري ومكتئب موسمي؟ الكبير شارل كان بالتأكيد كل هذا… وأكثر من هذا أيضًا. وهو الذي مرة أخرى سيستطيع أن يوضح أفضل خلاصتي التشخيصية. يقول: «لكيلا تحسوا بالثقل الفظيع للزمن الذي يحطم أكتافكم، ويجعلكم تميلون نحو الأرض، يجب أن تسكروا دون هدنة».