«الحديقة في مواجهة الزمن»… في البحث عن فردوس مشترك
«الحديقة التي اخترتها لها جدران، لكنها، مثل كلِّ الحدائق، تتواصل فيما بينها وتنفتح على العالم».
أوليفيا لاينغ
بدأت أوليفيا لاينغ تأليف كتاب «الحديقة في مواجهة الزمن»، لتتحدث عن الحدائق بوصفها ملاذًا آمنًا لإنسانيتنا المهددة بالعنف وانقطاع الحوار والحروب. الحديقة في رأيها ليست مجرد أمكنة للتنزه، بل هي مساحات للتأمل الذي يتجاوز اختلافاتنا العرقية، والدينية، والسياسية، ويشركنا في مناخ إنساني يجاور تطلُّعات الفصول وسلام الأشجار.
في صيف (2020م) انتقلت أوليفيا لاينغ إلى منزل ريفيِّ في سوفولك، وهو منزل على الطِّراز الجورجي محاط بحديقة مسوَّرة، بعد أن أمضت العشرينيات من عمرها مهتمة بالنباتات لتصبح طبيبة أعشاب. وأخيرًا، وجدت أوليفيا حديقتها الخاصة، وبدأت تعمل على ترميمها وزراعتها برفقة زوجها الشاعر إيان باترسون الذي التقته في الوقت نفسه، بعد عقدين من الزمن لم تشعر فيهما بالاستقرار وهي تتنقل من مكان إلى آخر. تقول: «في الأربعينيات من عمري التقيت برجل من كمبريدج، ووقعت في حبه وتزوجته في وقت قريب. هو رجل ذكي وخجول وعاطفي بطريقة غير عادية». بعد عمليتين خطيرتين خضع لهما إيان في أثناء الإغلاق العام إثر انتشار وباء كورونا، لم يكن قلق لاينغ حول إيجاد مكان للعيش، وإنما كان بحثها عن مكان تتحقق فيه اللحظات التي يتخطى فيها الإنسان نفسه، مكان يتسع لعزلة كائنين يتشاركان نشوة الحدائق. تقول عن ذلك: «لم نكن نعرف كم من الوقت سنقضيه معًا؛ لذا بدا لنا أن ترميم حديقة، أو حتى إعمار واحدة من لا شيء، هو الطريقة الصحيحة لإمضاء بعض ذلك الوقت على الأقل».
كتبت لاينغ عن الحديقة التي تحمل عاطفتها بقدر ما تتفتح بين أوراقها النهارات، وكتابتها تلك كانت بالحميمية نفسها التي يعود بها كلٌّ منا إلى حديقته الأولى، حيث تفتحت الحواس بحرية وفرادة قبل أن تُصقَل الرؤية بما نعرف أو نجهل، ويهجرها الحلم الذي من دونه لا يعود العيش ممكنًا. تقول لاينغ: «في الحديقة أسرار، جميعنا يعرف ذلك، عناصر مدفونة قد تنمو بشكل غريب في أماكن لا نتوقعها».
من خلال فصول الكتاب نلاحظ أن الحديقة بالنسبة إلى لاينغ هي عالم متكامل لا يتجاوب مع صراعات العالم وآلامه فحسب، بل مع آلامها الشخصية أيضًا، فحين يموت إنسان مقرب إليها تبدأ بملاحظة جذوع الأشجار الميتة التي تكسوها الفطور، وأن بعض الأعشاب الضارة قد نمت بشكل غير طبيعي من دون أن يستدعي ذلك اهتمام أحد. ما أحبته لاينغ في الحديقة هو حالة من اليقظة الحالمة التي تتخطى وعينا المحدود بالأشياء، تقول: «أحببت فيها نسيان الذات، الانغماس في نوع من نشوة الانتباه الذي يتجاوز الانشغال العادي بشؤون الحياة اليومية». إن الحديقة في نظر لاينغ تتجاوز الزمن العابر رغم أنها شاهدة على الزوال في كل لحظة، وهذا ما نجده في الصفحة الأولى من كتابها في قولها: «أشعرتني الحدائق بأن وجودي مستمر، حتى من خلال ما هو عابر».
حديقة سوفولك
توثق لاينغ اللحظات الأولى التي رأت فيها حديقتها بما يتداخل مع أحلام طفولتها التي قضتها في التنقل بين الحدائق المجاورة، وفي تلك اللحظات تذكر أن والدها هو أول من نبه في أعماقها الحساسية الخاصة بعالم النبات، حتى أصبحث تحمل مثله دفتر مذكراتها الصغير لتكتب فيه اسم أول نبتة زرعتها، وتسجل درجة اللون الأزرق الشاحب الذي تتفتح خلفه أسرار حديقتها. حين وصلت إلى بيتها في سوفولك وصفت لا ينغ بدقة كل تفصيل في الحديقة، ابتداء من الضوء الأخضر العميق الذي لاح لها ما إن اجتازت السور، إلى روائح الأشجار العطرية التي جعلت المكان عائمًا في أزمنة أخرى. «كانت الأشجار عارية، والحديقة محاطة بقرميد سوفولك الأحمر الناعم تتسلقه أنواع عديدة من الوستارية، والياسمين، والياسمين الشتوي، وزهرة العسل، إلى جانب الأسوار وأزهار اللبلاب. كان كل شيء مهملًا وناميًا بشكل غير مألوف، لكنني رأيت، منذ اللحظة الأولى، نباتات استثنائية مثل شجرة البندق وأزهارها التي تشبه قشر الليمون ورائحته المخدِّرة».
لا يمكن في كتاب لاينغ أن نحدد الفاصل بين تأملاتها الشعرية ونقد العقل الديني والوقوع تحت سلطة الأيديولوجيا، أو أن نميز بين مذكراتها الشخصية والثورة على اضطهاد الشعوب، وكأن كتابتها تتطابق هندسيًّا مع تصميم حديقتها التي لا يمكن رؤيتها بالكامل مرة واحدة، «بل تمرّ باستمرار عبر الأبواب والأقواس إلى مساحات جديدة سرية». إن حديقة لاينغ ليست نظامًا تراتبيًّا من قوانين وأحكام تطلقها على المواضيع التي تثير اهتمامها، بل هي حديقة تقبل الشك في كل شيء، وتستعيد الرؤية بمنطق الحساسية الأولى.

في الكتاب تفرق لاينغ بين أنواع الحدائق وتقول هناك خيط رفيع بين الحدائق المهجورة والحدائق المهملة، كما أن الفن الذي تتقنه الحديقة في رأيها هو كونها قادرة دائمًا على الانبعاث؛ تقول: «الفن الذي تتقنه الحدائق بمهارة هو ادعاء الموت، إلا أنها نادرًا ما تكون كذلك». إن أكثر الحدائق جاذبية بالنسبة إلى لاينغ هي الحدائق المهملة التي تُرك فيها النبات يتوغل بوحشية وعذوبة لا قيود عليهما، وهي هنا توافق على بيان فرانسيس هودجسون بورنيت في كتابها «الحديقة السرية» الذي تقول فيه: «إن الحديقة تفقد كل سحرها إذا كانت مشذبة للغاية، يجب أن نكون قادرين فيها على فقدان أنفسنا لنشعر بأننا في عزلة عن العالم».
هي حديقتها التي أنشأها مصمم الحدائق المشهور مارك روماري منذ سنة 1961م، وحوَّلها إلى تحفة فنية اشتهرت عالميًّا. لقد قام روماري بهندسة حديقته اعتمادًا على الأشجار والنباتات بدلًا من الحجارة والإسمنت، حيث قسمها إلى غرف نباتية بفضاء رحب؛ لتطل لاينغ بين أشجار الكرز التِّيبتي، والسِّكيميا اليابانية، والزنابق التي تطفو على الماء، وتقدِّم تقريرًا عن شجرة التِّين في إحدى الزوايا التي كان روماري يعمل فيها. هناك قرب شجيرات التُّوت التي زُرِعَت منذ عهد جيمس الأول، لا تغفل أوليفيا أي تفصيل يتعلق بحياة النباتات، متتبِّعة أصولها والأماكن التي احتضنت بذورها الأولى، وكأنها تتأهب الفرصة لاستعادة مجد ضائع بحساسية شعرية لا فاصل فيها بين النسغ الحيويِّ للتجدد والنُّمو، وبين اللُّغة التي تريد أن تتخلص من حدودها وتنتشر بإمكانات اللقاح. تكتب مؤلِّفة «رحلة إلى صدى الربيع» 2013م و»المدينة الوحيدة» 2016م، وهي في عزلة النبات الذي يرى ما لا نراه خارج الهواء الملوث بالصِّراعات التي تطحن البشر. فتقول: «لقد قطعت أجمة زهر العسل، واكتشفت أزهار النجمية التي تُعرف كسيدة الكآبة؛ بسبب قشرتها الإليزابيثية القاسية، وكسوتها الغريبة الخضراء التي تميل إلى الوردي». هذا المزج بين الرؤية الذاتية لحياة الأزهار والنبات، والموقف الموضوعي من عالم صراعات مستمرة، هو ما يجعل شعرية الكتابة لدى لاينغ على مستوى التلقي الذي تشكل أعمق نقطة فيه بداية انفتاحات أخرى.
هندسة جنة عدن
يعيدنا كتاب لاينغ إلى حدائق شكسبير وفرجيينا وولف، كما يشير إلى رمزية الحدائق ووجودها التاريخي في العالم. حيث وجدت أن كلمة «الجنة» في اللغة الإنجليزية تعود إلى اللغة الأفستية في بلاد فارس، وهي تعني «الحديقة المسورة» منذ ألفَيْ عام قبل الميلاد، وهي تشير إلى تشابك بين ما هو أرضي وما هو سماوي معًا كما قرأناه في نشيد الأنشاد. في عام 401 قبل الميلاد ظهرت الكلمة لأول مرة في اللغة اليونانية في وصف لكيفية قيام كورش الكبير بزراعة حدائق المتعة أينما سافر παράδεισος التي تُرجمت إلى paradeisos، وكانت هذه الكلمة اليونانية هي التي استُخدمت في العهد القديم للإشارة إلى جنة عدن والسماء نفسها. وبحلول القرن الثالث عشر اكتسبت الكلمة معانيَ أخرى؛ كالصعود إلى نعيم أسمى، وأكثر ما شد اهتمام لاينغ في تلك الأبحاث حول علاقة الجنة بالحدائق، هو أن الفكرة الطوباوية عن الفردوس والعالم الآخر بدأ أرضيًّا لا العكس.
تقول لاينغ إن تصميم حدائق الجنة هو تصميم أقدم بكثير مما قد تصوره روماري. فقد نشأت في بلاد فارس قبل ستة قرون من ميلاد المسيح، وهي منظمة وفقًا لمبادئ هندسية صارمة؛ إذ يجب أن تكون محاطة بعناصر المياه، مثل البركة أو القناة أو الجدول، إضافة إلى أشجار معمرة مثل الرمان أو السرو. وعلى مر القرون، انتشرت هذه الحدائق في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، ويمكن العثور عليها في إيران ومصر وإسبانيا: «رأى روماري هذه الحدائق لأول مرة في الحدائق المغاربية الشهيرة في قصر الحمراء»، وفي القرن السادس عشر، أدخلها الإمبراطور المغولي الأول، بابور، إلى شمال الهند، وهي لا تزال قائمة في هيئة المنمنمات المغولية: «مساحات رائعة ذات شرفات وأجنحة مزروعة بأزهار مميزة يمكن التعرف إليها مثل السوسن والزنابق، وتسكنها الطيور والأسماك». وهنا تنعطف لاينغ لتقارن بين «حدائق فرساي» التي أُنشئت في القرن السابع عشر، حيث يسيطر عليها الطابع الباروكي ويطغى على الطبيعة، والحدائق اليابانية مثل حديقة «كينروكو إن» 1616م، التي يتاح للصخور فيها التأمل في الأبديات. من الغريب أيضًا أن يكون هناك حدائق ذات طابع استعماري، مثل: «الحديقة النباتية الملكية» في لندن التي أُنشئت عام 1759م، حيث استوردت بريطانيا نباتات من مستعمراتها في الهند وإفريقيا، وهو ما جعل الحديقة مرآة مزدوجة للسلام والتوسع الاستعماري، فقد طُرِدَ بَشَرٌ من أراضيهم لإيجاد مساحات خضراء.
في هذا الكتاب تكشف لاينغ عن الآثار النفسية المدمِّرة لطرد الشُّعوب، والنهب الاستعماريِّ المستمرِّ في مناطق مختلفة من العالم، حيث تنتقد البروليتاريا الزراعية التي حولت البشر إلى مجرد عبيد يُتجَر بهم، واختزلت الحدائق إلى أماكن سياحية تتصف بالجمود المتحفي الذي يبتعد من نبض المعيش ومعاناته، وهو ما وصفته في كتابها بأنه يتسم بالفراغ الأخلاقي. فالتمثال في حديقة هو ليس مجرد حفر في الرخام البارد والحجر الذي لا روح فيه، بل هو حفر في عروق أرضية يقاس من خلالها نبض الشعوب، وقراءة في رسوبيات المادة التي تحرس ما هو حيٌّ وباقٍ. تكتب لاينغ بين الحدائق الحقيقية والحدائق المتخيلة، وهي تبحث عن الفردوس المشترك لاستعادة الواقع الإنساني الملموس والطبيعة التي تأتي بضوء لا ينتهي مع الزمن. تقول: «لقد أحببتُ أن المادة سبقت السُّمو، أو بالأحرى أن السُّمو نشأ من المادة، لقد قلب هذا أسطورة الخلق رأسًا على عقب».