«وصول» لبنجاما سطورا… اجتياز ناجح في امتحان صعب

«وصول» لبنجاما سطورا… اجتياز ناجح في امتحان صعب

جاء الجزء الأول من مذكرات المؤرخ الفرنسي بنجاما سطورا بمنزلة اجتياز ناجح يشرفه جدًّا ويكرس مكانته بوصفه باحثًا في تاريخ الجزائر الحديث والمعاصر، وعلى وجه الخصوص حقبته الاستعمارية، مما يعيد الأهمية إلى كل من تاريخ فرنسا وتاريخ الجزائر على السواء. ولعل أهم ما كشفه كتاب «وصول»، وما يليه هو التداخل والتواصل بين التاريخين، ليس الحقبة التي يطلق عليها الوضعية الاستعمارية، بل لحظة ما بعد الاستعمار على وجه الخصوص. فقد كتب بنجاما سطورا مذكراته من وحي هذا التاريخ اللاحق للاستعمار الذي ولد ونشأ فيه طوال اثنتي عشرة سنة في مدينة قسنطينة (شرق الجزائر) قبل أن يهاجر إلى فرنسا مع عائلته سنة استقلال الجزائر 1962م. وبداية من هذا التاريخ تبدأ سردية سطورا لمساره ومسيرته التكوينية والتأهب للانخراط في الحياة الفرنسية العامة، يلخصها عنوان الكتاب على النحو التالي: «وصول، من قسنطينة إلى باريس: 1962- 1972م».

ما حققه الكاتب في هذه المذكرات هو إظهار شهادته على ما كتبه طوال حياته العلمية والمهنية والنضالية. فقد حقق من هذا الجانب ما يعرف لدى الباحثين الأكاديميين الأنا/ التاريخ، أي قراءة التاريخ من خلال كتّابه ومدوِّنيه والباحثين عن وقائعه وأحداثه وما جرى في التاريخ وما تستر عليه. فكل شيء كان محل استدعاء لدى سطورا، التاريخ والنسيان والذاكرة، ليس في المجمل فحسب، بل في التفاصيل، وبخاصة في الحقبة الأخيرة من التطورات الهائلة التي حلّت بالبحث العلمي ومناهجه في التحليل والنقد والتوثيق لإضفاء المزيد من المصداقية وتوكيد الحقيقة التي قلما تتحقق، وهو الأمر الذي يلجأ إلى سرد الحياة الذاتية ضمن فعل إبداعي وقدرة هائلة على توصيل الفكرة والمسيرة الكاملة من وجهة نظر صاحبها. وهذا ما يهم سطورا الذي كان ولا يزال يولي الأهمية القصوى إلى تعدد الروايات وتنوّع سردياتها، وأن التاريخ في نهاية الأمر هو ماضٍ يعاد دائمًا تشكيله وتكوينه حتى لو كان يصرف في الزمن الحاضر. كما أن التاريخ هو أيضًا ماضٍ مفروض، على ما جاء في العنوان الأخير لكتاب المؤرخ المعروف هنري لورانس.

ماضٍ لا يريد أن يمضي

في هذه المذكرات يقحم المؤرخ بنجاما سطورا نفسه في التأريخ لنفسه؛ لأنه يستحضر ماضيًا لم يفقده إلى الأبد، بل يجري العثور عليه بعد المسافة الزمنية التي راكمت فيها الذاكرة كثيرًا من الأحداث والوقائع والمواقف والآراء، فيها من بقي حاضرًا على سطح الذاكرة وفيها ما توارى خلف النسيان وجزء مهم منها نزل إلى العقل الباطني وصار يتحكم في تفكير وتصور وتخيل صاحبها. ومن هنا المهمة النبيلة التي أنجز بها سطورا هذه الرواية لسيرته الذاتية، لأنه فعلًا كتب مذكراته في لحظة أبدية يستدعيها ويلح عليها كل مبدع مهما كان جنسه الأدبي وشكله.

أجل، كتاب «وصول» يقرأ كرواية لمسار أكاديمي عاش تجربة البحث التاريخي كواقعة تاريخية أراد أن ينتمي بها إلى جيله، يسجل عليه ويحاسب أيضًا عليه، بعيدًا من تداخل التواريخ والأجيال، التي كان الكاتب على قدر كبير من الوعي بها، رائده الأول أن يَحْذَر ويُحَذِّر غيره منها، مثل الصفحات التي خصصها لحياة والده «عليا» وأمه «مارت»، حيث يسرد ملامحها وقوة حضورهما، ولكن دائمًا عن مسافة زمنية، لا يعنيه كثيرًا جيلهما ولا التفكير في إعادة تقليد نمط حياتهما: هو غير، وهما غير… ويزيد الزمن حفر البون الشاسع بينهما، ولعل الفوز الأعظم الذي أنجزه الابن سطورا هو تجاوز والديه إلى وضعية مواطن فرنسي يحسد عليها غيره، خلاف على ما كان عليه الأب الذي اشتغل كثيرًا حتى العياء والتعب من أجل الشعور ولو نوعًا من الشعور بالمواطنة الفرنسية في مجتمع لا يزال يعيش عصر الإمبراطوريات ورواسب الاستعمار في غير تاريخهما.

الوصول إلى فرنسا

هجرة عائلة سطورا من قسنطينة إلى باريس عام 1962م، هي بمنزلة الخروج الثالث ليهود الجزائر منذ احتلال فرنسا الجزائر عام 1830م. فقد أرخ الباحث ليهود الجزائر في كتابه «الهجرات الثلاث ليهود الجزائر»، 2006م، نالت من هويتهم الإسرائيلية إلى حد أنها مَحَت الخاصية السامية لهم. وكان أول الخروج عندما أقدم الرجل السياسي السيد أدولف كريميه على منح يهود الجزائر الجنسية الفرنسية ثم ألحقهم بالمواطنة الفرنسية عام 1870م، سمحت لهم بالتمايز الهائل عن الأهالي المسلمين وحفرت مسافة مدنية وحضارية معهم حتى لو في وضعية استعمارية. وكان الخروج الثاني ليهود فرنسا هو قيام حكومة فيشي زمن احتلال ألمانيا لفرنسا، مطلع الأربعينيات، على نزع الجنسية الفرنسية عنهم وتحويلهم إلى أرقام غير معَرَّفة ولا يمكن الاعتراف بها إطلاقًا، على ما يريده النظام النازي بصورة عامة.

أما الخروج الثالث والأخير فهو خروجهم من الجزائر عام 1962م مع كل من كان يصدق عليهم من وصف «الأقدام السوداء»، أي الفئة الفرنسية التي ولدت وعاشت في الجزائر. وكان لهذه الخَرجات أو الهجرات الثلاث وقعها الشديد على حالة ومصير عائلة آل سطورا جهة الأب وآل الزاوي جهة الأم، أما الطفل بنجاما فقد كان مصيره كله تقرر في فرنسا حيث شهد سنوات النشأة والتكوين ومرحلة المراهقة على وجه الخصوص، بعد ما كان يعتقد أنها ملاذ لجوء عارض.

كل شيء إذن بدأ مع الهجرة الغربية أو إلى الغرب، حيث يبدأ مسار الاندماج مع مجتمع فرنسي، لا يعرف عنه الطفل بنجاما إلا جملة من التصورات والأفكار المسبقة، لكن على قدر كبير من الثبات على الرغبة في التعرف والإصرار على الانخراط والانصهار الوجودي فيها، في ظل نظام جمهوري لائكي يوفر سبل الترقية والظفر بالشهادات والاعتراف بالكفاءات.. وهذا وحده كان مقنعنا للشروع في البحث عن مفاتيح النجاح أولًا في التعليم الثانوي، ثم في النضال السياسي والاجتماعي في الطور الجامعي في مرحلة هي من أخصب مراحل الفكر الفرنسي، كان تتويجها الأعظم الثورة الطلابية .. ربيع عام 1968م في باريس ومدَرَّجاتها الجامعية وشوارعها الصاخبة والغاضبة، وتداعيات ذلك على كل العالم، وصدى العالم على باريس أيضًا.

كان الشاب/ الطالب بنجاما قد تَبَنّى دونما إصرار وقصد كبيرين النزعة التروتسكية على غرار كبار مثقفي ومناضلي الحركات الاحتجاجية في العالم، تأسِّيًا بالزعيم الروسي ليون تروتسكي (1879- 1940م) مؤسس الجيش الأحمر السوفييتي والخصم العنيد اللاحق للزعيم الطاغي جوزيف ستالين (1878- 1953م). فقد لاذ شباب تلك المرحلة من حياة فرنسا ومؤسساتها إلى التماس «الثورة الدائمة» على ما نظّر لها مؤسس الجيش الأحمر ورسم معالمها في خطاباته وآرائه التي صارت بمنزلة إنجيل التغيير والتمرد على الأوضاع التي خلقها الاستعمار؛ بسبب الرأسمالية المتوحشة والإمبريالية المنفلتة والأنظمة القمعية حتى الجماعية منها.

ما كان يعتمل في عقل الثائر الجديد ويخالج وجدانه هو رفض الظلم والاحتقار الذي عاناه هو وعائلته. فقد كان يؤلمه جدًّا حالة الفقر التي لازمت الأب والأم وكيف كانا يجهدان نفسيهما من أجل تغطية مصروفات الشهر، وكان كل ذلك يجري عند الشاب بنجاما على خلفية تصفية الركام اليهودي فيه وتوديع الأساطير والعادات التي فرضتها الديانة اليهودية أو كما يتصور أنها الدين اليهودي. فقد امتثل إلى شعارات الثورة الطلابية وصار يؤمن بأهم عباراتها التي تؤكد «منع المنع» و«فتح العقل وغلق التلفزيون».

أوعية الكتابة التاريخية والالتزام بالحقيقة

أكد سطورا في الجزء الأول من مذكراته أنه لا يكتب رواية فحسب، بل يتحَرَّى الحقيقة دَيْدن البحث التاريخي. فهو ينتمي إلى التاريخ المعاصر في كل لحظاته وتفاصيله اليومية، ومن ثم شاء أم أبى، فهو يكتب ويفكر من وحي اللحظة الأبدية التي تُصْهر الأبعاد الزمنية الثلاثة، فضلًا عن استغلال فوري للأوعية التوثيقية الثلاثة، ونقصد وعاء الصوت ووعاء الصورة الثابتة والمتحركة ووعاء النص المكتوب. فهو من هذه الناحية، وهذا ما يؤكد أنه مؤرخ معاصر، ينتمي إلى تاريخ ما بعد الحديث، وينخرط في إنجاز الوثائق التي نحتاج إليها من أجل إعادة الكتابة التاريخية وإعادة مفهومها الدائم.

لم يكتفِ سطورا إذن بالكتابة بقدر ما صار إلى تسجيل وثائق صوتية ومشاهد حية لمجريات الثورة الجزائرية (1954-1962م) التي أضفى عليها كثيرًا من المصداقية في سلسلة وثائقية «سنوات الجزائر» ثمانينيات القرن الماضي، لما أثارته من نقاش حاد بين الجزائريين والفرنسيين، ووفرت مجالًا لحديث عمومي يعيد الإطار ومحدداته، من أجل نظرة موضوعية وتاريخية وهادئة في موضوع الاستعمار وتصفيته وما بعده، وبخاصة ثقافته. ولعل هذا ما سيفعله في مذكرات لاحقة تؤرخ لإسهاماته في التاريخ والفكر والمجتمع والسياسة.

مقتطفات من المذكرات: الذاكرة والتاريخ والروح الأكاديمية

«طوال عَملي الجامِعي، كنت دائمًا أُطالب بـ «مُقاربة هَجينَة»، تَجْمَع التَّجربة الشَّخصية بالتَّحليل التَّاريخي، نَسْلُك عَبْرها طريق معرفة العالم واكتِشاف الذَّات. لقد أثارت هذه الممارسة الخَطِرة بعض الانتِقادات، خاصة من الذين يَعْتبرون أن «الذَّاكرة ليست هي التاريخ»، لكنها لم تصُدّني إطلاقًا عن ممارسة العمل التاريخي بالامْتِثال إلى مُقْتضيات الحِياد والنَّزاهة التي تَقْتَضيها عمليات جَمْع الوثائق والشهادات وعَرْضها على التَّحليل والوُقوف على التَّناقضات والتَّفاوُتات الذي تتَضَمّنها.

ومن هنا، فقد تَكَفَّلْتُ بتسليط الضوء على جوانب ومناحي عملي الجامعي الفريد، عَبْرَ الإحالة إلى ماضي «أسرة أو جماعة دينية»، من خلال تأليف كتاب «الهجرات الثلاث. يهود الجزائر»، الذي ظهر عام 2006م، كما بَيَّنت أيضًا من خلال غيتو، سياسي، أقصى اليسار في مؤلفي «أكتوبر، الجيل الأخير» الذي نُشِر عام 2003م، ثم من خلال خيار الممارسة المهنية للتاريخ، مُحاولًا تَجَاوز الحُدود الضَّيقة لإقليم النَّزعة الأكاديمية عبر مُؤلفي «حروب بلا نهاية» الذي نشر عام 2008م.

مصالي الحاج

وفرة من التواريخ الشخصية، كُلّها تندرج في عموميات التاريخ، بَلْورتها في كتاب آخر «مفاتيح عُثر عليها، طفولة يهودية في قسنطينة»، نشر عام 2015م، حيث حاولت في الوقت ذاته وصف وتوضيح ومحاربة النَّموذج النّمطي والتصورات المُسَبقة التي لا تزال سائدة عندما يتعلق الأمر بموضوع أو مسألة «المجموعة الأهلية»، يهودية كانت أم مسلمة.

ومع هذا الكتاب «وصول» دخلت في الملجأ الغربي «الذي دام طويلًا. وبغتة، جرى تعليق الحياة الأُسَريّة والطائفية القديمة إلى أمد غير مسمى. بدأ على إثرها تحوّل ثقافي راديكالي، مَرّ من ضياع لغة عربية تعَلَّمتها من الروح الحميمية للأسرة وأجوائها… إلى محاولة استِبْطان الأحاسيس والمشاعر الضرورية للمجال العام… فالجذور والأصول القديمة مُضْمَرة في الباطن، مَطْمُورة في جوف الأرض، سوف نَعْثُر عليها لاحقًا. فَعَصْر الانقطاعات هو الذي يفرض شروط استحالة المصالحة بين ماضي الجزائر وحاضرها». (ص. 12، 13)

ذكرى مدينة

«بالنسبة لطفل وَصَل عام 1962م إلى فرنسا، كان الشُّعور بالوحدة القاسية حاضرا جدًّا. فإلى جانب الهَدْم، هناك التَّفْكيك أيضًا للأواصر العائلية المتعلقة بي في هذه المدينة، شرق الجزائر. ففي قسَنْطِينة، كانت الطائفة اليَهودية مُزْدَهرة، عَدَدُها كبير، متناغمة ومنَظَّمَة. كانت أبوابها مفتوحة، والأطفال يَمْرحُون، يَتَنقلون من عائلة إلى عائلة، كانت الصداقة والمَحَبَّة على أشُدِّها من التَّضَامن والتَّعاطف. كل الحياة، كانت سارَّة ومُبْتهجة. فعند نزولنا بباريس، كانت لا تزال تَتَردد على مسامعي ذِكريات مقاهي شارع فرنسا (في مدينة قسنطينة)، حيث كانت الموسيقا تملأ الأجواء وضحكات لاعبي الأوراق تعلو حَلَقات الطاولات. وكان أيضًا هناك لافتات أفلام سينما فوكس المحاذية لمنزِلنا، التي كنت أتردد عليها ولم أترك فِلمًا لم أشاهده.

أَذْكر كل ذلك، كما يجب أن أذْكر الحفلات العديدة، حفلات زواج وخِتَان، كلها كانت تَسْتَقطب جيرانًا وأقارب وعمّات وخالات في أجواء حميمية عامة. هذه الحياة التي مَضَت كانت لا تزال حاضرة وحية في ذهني، صيف 1962م. ثم بعد ذلك كل شيء انهار وتبخَّر. فجأة، وجدت نفسي وحيدًا في مواجهة صقيع المجتمع الفرنسي». (ص.42، 43).

زمن رحيل أهالي جدد إلى فرنسا

«في قسنطينة (شرق الجزائر)، كنت أعيش وأنا صَغير «مثل الفرنسي». فعلى غِرار أغْلبية يهود الجزائر، الذَّين لم يكونوا يعرفون فرنسا إلا من خلال روايات الكِبَار وحِكَاياتهم، فقد صَعَدْنا إلى الطائرة، ولم نكن نَشْعر ولو للحظة، أننا لاجئون أو نقرن أنفسنا بهم. فقد كنّا فرنسيين في لحظة الخروج أو النُّزوح، مثلنا مثل الفرنسين الذين كانوا يجوبون شوارع باريس سنة 1940م. ومع ذلك أو بالرَّغم من ذلك، في هذه الرحلة نحو المجهول، ودون أن نعلم أو نَذْكر كلمة لاجئ، فقد كانت رحلة لاجئين. كنّا نشعر أننا ننتمي إلى هذا الشعب الصغير من الأقدام السوداء الملقى على جنبات الطريق أو على هامش التاريخ، حطّت به الطائرة في باريس في ظروف صعبة.

محمد حربي

غير أنه كان لهذا الوَضْع جانبه الإيجابي المريح لنا؛ لأنَّه يَضَعُنا في خانة الذين يجب إجلاؤهم وإجلاء الجمعيات التابعة لهم. واليوم فقط، تبيّن لي إلى أي حد، كان والداي ضمن وعاء التنفيس عن تاريخ يهودي فَرِيد من نوعه؛ لأننا في واقع الأمر، لم نَكُن لا مُسْتَوطنين، ولا أوربيين، ولكن، ويجب الإفصاح عن الحقيقة بوضوح تام.. كنّا أهالي». (ص.47، 48).

الثورة الطلابية

«سكان مايو 1968م (الثورة الطلابية) وسيلة للوُلُوج حقيقة في المجتمع الفرنسي- واليوم يمكن أن نستخدم مصطلحات أخرى مثل «الاندماج/ الاستيعاب»- كما كانت هذه الثَّورة أيضًا إمكانية لنَقْد فرنسا. وهكذا، كانت لي وسائل الانْصِهار في هذا البلد، دون أن أتَخَلَّى عن نقده وأَضَعه موضع الاتِّهام. أي أن أكون في السردية الفرنسية وأن أحْيَا في الوقت ذاته تاريخًا ثوريًّا وجمهوريًّا. وبتعبير آخر، أن أعيش في لحظة واحدة وبشكل فوري تَجْربتين: تجربة الانْدِماج وتجربة الاحْتِجاج، ثم إن بقية حياتي اتسمت بهذه الثنائية التي تسري على تاريخ فرنسا كما على الجزائر، على تاريخ اليهود وعلى تاريخ المسلمين، وعلى تاريخ الهجرة كما على تاريخ الأمة الفرنسية المجيدة والقديمة. هذا بالنسبة لي، طريقة لأَتَلافى الإكفاء على سردية واحدة، كما أنه بطبيعة الحال، يؤكد أن نسخة واحدة من التاريخ لا يمكنها وحدها أن ترضيني وتشبع نهمي». (ص. 221، 222).

مساري الفكري وأصولي اليهودية

«لم أتبين الأمر إلا غداة صدور كتابي «الهجرات الثلاث»، الذي كَرَّسْته ليهود الجزائر. لحْظَتها فقط فهمت كيف حَدَّدَت أصولي اليهودية مَساري الفكري. ففي السابق، كان لي أن أمارس نوعًا من الفِرار من التقاليد الجاثمة على صدري، إلى نوع من الانْخِراط فيما هو عالمي، من أجل أن أتَمَكّن من فهم أصولي، في نهاية المطاف. وعليه، أو هكذا وجدت نفسي، متوافقًا تمامًا مع جيلي، الذي حاول بعد مايو 1968 الانفلات من المصير الذي تُسَطِّره الأصول الدينية والطَّبقة الاجتماعية. فقد كنّا غارقين في حَمَّام الاختلاط الاجتماعي والبحث عن العالمي والتحولات الراديكالية للمجتمع. بعدها، عَرفت، مع الوقت، أن كل ذلك مُجَرّد أوهام. حيث حالت سذاجة الانخراط النضالي وعفته، دون الوقوف على حالة غياب المساواة الاجتماعية والثقافية بيننا.

فقد تبين لي مدى ثقل التراث والموروث والأصول العائلية والوضع الاجتماعي على كل واحد فينا. فقد كانت أمي مجرد عاملة في مصنع، كما كان أبي عاملًا في شركة تأمينات. ومن ثم، فلا يمكنني الحديث عن إرث أو تراث، فلم أكن أملك شيئًا ذا قيمة. وعلى خلاف أصدقائي، فقد كان عليّ أن أبني وأشَيِّد كل شيء. وهكذا، فقد كان هذا الانتقال عبر الانخراط والالتزام النضالي والقطيعة مع تقاليد العائلة، فرصة من أجل تبني نوع من التفاوت والمسافة النقدية حيال الأصول». (ص.207، 208).


المصدر: Benjamin Stora, l’arrivée, de Constantine à Paris 1954-1972, Tallandier, Paris, 2023. 237P.