تحديات الجسد في مواجهة العالم

تحديات الجسد في مواجهة العالم

إذا افترضنا أن الجسد هو الذي يعبر عن الوجود، فهو، في المقابل، يعبر عن الكينونة الشاملة. فالذات لا تحقق هويتها إلا في حال حضورها جسديًّا، هذا الجسد الذي تواجه به العالم. وهي، بصورة أو بأخرى، مرتبطة بجوهر هذا العالم، فحضورُها، بوصفها ذاتًا، مقرونٌ بوجودها، بوصفه جسدًا في هذا العالم. ولا يمكن لهذه الذات أن تكون بعيدة من الجسد، فهي تُعرف به؛ لذلك: «يمكن وصف الجسد بأنه «الصديقُ» الأكثرُ قربًا إلى الإنسان، كما يقول أحدُ الباحثين، والأكثرُ جدارةً بالثقة. بالجسد، وفيه، يتم اكتشافُ الذات. ولا يزال العربيُّ (والمسلم بخاصةٍ)، ذكرًا وأنثى، يخاف من جسده، بوصفه سقوطًا؛ لذلك «يغطّيه» و«يحجبه».

«اختفاءُ» الجسد في مجتمعٍ ما، أو «إخفاؤه» يُولّد الشعور بأن هذا المجتمع «فارغٌ» أو «غائب». الجسد، حُرًّا، هو أولى درجات الحضور في العالم، وأولى درجات العُلوّ» (أدونيس: المحيط الأسود، ص488-489).

الجسد بين الخطيئة الأولى ووعي العُري

لقد واجه الجسد على مر العصور، تحديات كبرى، كان أهمها، هو مواجهته للمعتقدات الثابتة، من جهة، ومواجهته للعقل من جهة أخرى (كون العقل يُصنف -كما هو رائج- في معزل عن الجسد، أو بمعنى آخر العقل يتعالى على هذا الجسد؛ لكونه لا يتماهى معه، بوصفه كيانًا واحدًا). ولعل الحديث عن الجسد يقود، بالضرورة، إلى الخطيئة الأولى، وفكرة العري تبدأ منها أيضًا، لارتباط هذه الخطيئة بانكشاف العورة؛ ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۚ وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ﴾ (طه 121) فوسوسة الشيطان نزعت لباس التقوى عن آدم وحواء، وبدا لكل منهما جسده، فأخذا يبحثان عما يواري سوآتهما. ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (الأعراف 26). فما كانت تستره الفضيلة، كشفت عنه المعصية، وخسر الإنسان عزة الرب، وأصبح الجسد منظورًا، ومفتقدًا للكبرياء؛ لتكون مشكلة الإنسان مع العري هي مشكلته مع الفضيلة. ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف 27).

ينزع عنهما لباسهما؛ أي لباس التقوى والستر الإلهي، والسَّوْءَة هنا هي كامل الجسد، كما يتضح في قوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ (المائدة31). فمن غير الممكن أن يعلمه أن يواري جزءًا من الجسد، ويترك باقي الجثة، من هنا كان الاختلاف بين العَوْرة والسَّوْءة؛ يرى ابن عربي أن «العورة في المرأة السَّوْءَتانِ فقط مثلها مثل الرجل». (نصر حامد أبو زيد. «هكذا تكلم ابن عربي»، ص284).

لقد أدى انحراف الطبيعة البشرية بارتكاب المعصية، إلى اكتشاف الجسد. فقبل السقوط كان وجود الإنسان من أجل الله، وكانت الفضيلة الغيبية تستره، ومع فقدان الستر -بحدوث المعصية- أصبح الجسد منظورًا، وبدأ الوعي بالجسد المتعري. فما كان مستورًا بالفضيلة قبل السقوط أصبح مكشوفًا؛ فثوب الفضيلة كان يخفي الوجود الجسدي العاري لآدم وحواء. فالإنسان أصله العري، وكان عليه أن يتصالح مع جسده. إن اكتشاف آدم وحواء لعري جسديهما، شكل بداية الحياة على الأرض، والانتهاك الأول لمنظومة السماء، والإدراك الأول، أو الوعي الأول، وكأن اكتشافهما لجسديهما كان
اكتشافًا للذات.

من هنا ترتبط كينونة الإنسان بوعي آدم وحواء لعري جسديهما. وربما بدأ النص الديني مع هذا الوعي؛ إذ لا توجد نصوص دينية أو ميثولوجية، تصور حياة الإنسان قبل ارتكابه للمعصية (الخطيئة الأولى)، وإدراكه لعريه، متحولًا من عمى عن عري جسده إلى مشاهد له، ومن جاهل إلى عارفٍ. فما إنْ أكل من شجرة المعرفة حتى أصبح قادرًا على التمييز بين الخير والشر.

ورقة التين

لقد أثبتت «الدراسات التحليلية، والوثائق التاريخية، واللقى الأثرية، أن إنسان ما قبل التوراة لم يعرف ورقة التين التي تستر الأعضاء التناسلية البشرية، كما لم يعرف أنها مصدر خطيئة وعورة. ولكن فيما بعد أضحت العورة، مع وجوب سترها، ذات أهمية أخلاقية وقدسية، وقد بان ذلك بارتكاب آدم وحواء خطيئتهما الكبرى بأكل التفاحة المحرمة التي رُمز إليها في أسطورة البدء باعتبارها نزوعًا اشتهائيًّا آثمًا. ومنذ ذلك الحين أُدرجت الأعضاء الجنسية تحت شرعنة المحرّم، وصارت المرأة كتلة جسدية مشتهاة، وموضوع رغبة، ومصدر آثام؛ الأمر الذي صعّب ارتقاءها إلى مصاف القيم الأخلاقية السامية في فلسفة التكوين» (منير الحافظ: «الجنسانية: أسطورة البدء المقدس» بحوث جمالية تشخيصية لتأريخ الجنس في المعتقد الديني. دار الفرقد، دمشق، ط1، 2008م، ص40).

من هنا لا بد من التمييز بين العري الرمزي والعري المبتذل، وبين العري المرتبط بالزهد والارتقاء والعري المثير للغرائز. وقد ميز رجل الدين المسيحي في القرون الوسطى أربعة نماذج من العري: «العُري الطبيعي: أي في حالة الإنسان الطبيعي، والعري المؤقت: أي العري من حيث هو نتيجة الفقر والبؤس، والعُري الافتراضي، أي العري من حيث هو رمز للبراءة والبساطة، وأخيرًا العري الجنائي: أي العري كرمز للشوق والشهوة والوقاحة» (فياتشيسلاف شستاكوف: «الإيروس والثقافة، فلسفة الحب والفن الأورُبي». ترجمة: نزار سود العيون، ص101).

ومن منطلق آخر يمكننا القول: إن العري مصطلح عام يصف حالة الجسد مجردًا مما يخفيه أو يحجبه، أما التعري يفرض مسبقًا وجود المشاهد أو المتفرج، فلا تعري بدون فرجة؛ أي أن التعري هو نوع من الاستعراض من أجل الإثارة، أي أنه فعل إرادي بهدف الإباحية. بينما قد يندرج العري تحت منظومة الأهداف الفنية المحضة، فالعري هو صورة الإنسان بطبيعته الفطرية، حالة من النقاء والتناغم بين الجسد والروح، إنه نقطة التحول الجوهرية للطبيعة البشرية، والبلاغ المعرفي الأول.

عبر مسيرة التطور البشري أخذ العري أبعادًا مختلفة؛ إذ احتل مكانًا مهمًّا في الثقافات ما قبل التاريخ. جُسِّدت الآلهة، في الأغلب، بشكلها العاري، كما هو واضح بتماثيل أفروديت، وعشتار، وكانت هذه التماثيل جزءًا أساسيًّا من الطقوس والشعائر السائدة في ذلك الزمن. ولا يغفل أحد عن أن المتنافسين في الألعاب الأولمبية في اليونان -قديمًا- كانوا يتنافسون عُراةً، فقد كان الجسد العاري رمزًا مهمًّا لليونانيين، وكان الرياضي المنتصر بمنزلة نصف إله، وكأن إظهار الجسد بشكله المثالي هو تكريم لهذه الآلهة. وفي بعض التقاليد «وبخاصة الهندوسية، يكتسب عري الجسد صفة مقدسة، فالعري يمكن أن يعبر عن الحب تجاه الخالق الذي يشعر الإنسان بوجوده في لحمه المكرس، الأمر الذي يستتبع إلغاء الثياب التي تفصل الإنسان عن بقية الخليقة. ويشير العري في الوقت نفسه إلى الازدراء بأشياء هذا العالم، فللجسد العاري مظهر النقاوة؛ نقاوة آدم وحواء قبل الخطيئة- أو نقاء «الطفولة» التي ترجع لواقعة أنها عمل الخالق. من هنا تأتي التسمية «حب مقدس وحب دنيوي (مدنس)» (فيليب سيرنج: «الرموز في الفن، الأديان، الحياة»، ترجمة: عبدالهادي عباس، ص24).

الجسد بين القداسة والإغواء

كان الشرق مهتمًّا بأنثاه العارية التي جسدت قدسية الأمومة، والإنجاب، والطبيعة، وكان الغرب يتباهى بأجساد رجاله العراة؛ إذ «يتم تقديم الشكل الإنساني المثالي عاريًا بالضرورة. وفي احتفائهم بالعري ميّز الإغريق أنفسهم عن الشعوب الأخرى كافة. فبالنسبة إليهم، لم يكن العري مسألة مرتبطة بالعار أو السخرية أو الذل. فعوضًا عن ذلك، اكتسب العري أهمية نموذجية انطوت على وضوح الرؤية (أحد أوجه التجربة الدينية الإغريقية)، إضافة إلى منظور رياضي (أرستقراطي في أصوله) اعتبر النصر واحتفالاته البهية بمثابة غاية يجب السعي إلى تحقيقها بكل الطاقات الممكنة». (ميشيل فيهر بالتعاون مع رامونا نداف، وناديا تازي، «شذرات لتاريخ الجسد البشري»، ترجمة: الدكتور مالك سلمان، ج2 زوان: نيويورك 1996م، ص237-265).

كان العرب قبل الإسلام يطوفون بالبيت عُراةً، رجالًا ونساء. حجة العرب في ذلك أنهم يعتقدون أن ثيابهم التي جاؤوا بها من بلادهم للحج في مكة، امتلأت بالذنوب. وما زالت بعض الشعوب تتخذ من العري غاية سامية، وتسمى الجاينية، كما أن بعض الفئات في الهند، يشكل العري عندهم مرحلة متقدمة من السلوك الارتقائي. فأن تتخلص مما يسترك هو دليل على تخلصك من رغبات الدنيا وشهواتها. مؤسس الجاينية هو واردهامانا ماهاميرا، الأسطوري، أو (جيّنا) (من الكشاتريين) وهي تبشر بأن العالم المادي كلّه شر، والإنسان ملزم بالسعي للتحرر منه. ومن هنا يأتي مطلبها بالتقشف الصارم إلى درجة تجعل الأكثر تبعية للجاينية يمتنعون عن ارتداء الثياب (دينامباري- مرتدو النور)، كما يمتنعون عن الزواج، ويحرمون القتل (أهمسيا)، كما لا يجوز قتل الحشرات… وهذه العقيدة ما زالت في الهند قائمة حتى اليوم (سيرغي. أ. توكاريف. «الأديان في تاريخ شعوب العالم»، ترجمة: الدكتور أحمد فاضل. الأهالي. سوريا. ط1، 1998م. ص307).

وهناك أيضًا ما يدعى بمذهب التعري أو الطبيعيناتية، وهدفه تأكيد كون الإنسان خُلق عاريًا، وعليه أن يتصالح مع جسده ومع الطبيعة. وبمكان آخر تستخدم تعرية الجسد أداة للتعبير عن الاحتجاج أو إيصال رسالة معينة.

ومع ظهور الأديان وعدّ التماثيل الإغريقية وغيرها رموزًا وثنية، تمثل العار -لكون العري قد ارتبط بصورة أو بأخرى بقصة آدم وحواء وطردهما من الجنة- انتقل العري من تجسيد للكمال إلى وسيلة للإغواء والابتذال. إنه الانتقال من لاهوت العري إلى التعري. فالعري التام يعني أن يبتعد الجسد من كل إغواء، والإغواء هو المسافة الفاصلة بين التجلي والخفاء، بين العري والحجاب (الستر)، وبين المرئي واللامرئي، وبين الجسد وما يغطيه. والعري هنا هو العودة إلى البدء، إلى التشكيل الجمالي الأول للجسد، إنه حال الله والطبيعة، الضوء، الماء… إنه الكشف، الوضوح، الانعتاق، الحقيقة، الحرية.

إن اللعب على موضوع التجلي والخفاء، هو ما يثير الرغبة، بمعنى أن التعري الخالص يخرج الجسد من دائرة الإغواء. فالملابس قد تخلق نوعًا من الخيال الجنسي، وتزيد من الإثارة. عندما تخفي جزءًا من الجسد، فإن ذلك يدفعك للتفكير فيما وراء هذا الجزء، وتغطيته خلقت نوعًا من الشهوة استدعاها الخيال. من هنا تتأكد فكرة الاختلاف بين العري والتعري. فكل فعل تعري قائم على الاستعراض، ويبحث عن متفرج، وهو تَعَرٍّ مبتذل يبحث عن إثارة الشهوات، أو هو نوع من الإباحية (البورنوغرافيا)، وهو في الأغلب متعلق بالمال والشهرة، ويندرج في سياق الحياة الاستهلاكية.