في مهب التأويل

في مهب التأويل

العزيزة ورد:

الانقلاب الخريفي يبدأ اليوم تبعًا للتقويم الجداري. مع أنّ أحواله بدت منذ أيام: الأوراق الصفراء المتآكلة، والهواء البارد، والعطاس، والعطلة، والحزن، والاضطراب في الوقت. لا أدري من أين يجيء الصدق في الخريف. ربما، لأنه يجعل العالم بلا مظهر؛ فلا فردوس ولا جحيم. ومن ثم خلوًا من الغوايات. حسنًا، إنه حافل بالتحولات، ولكن لا أحد ينتشي بالخسارة أو الموت.

الخريف يا ورد خافت في مجرياته، وفي الوقت نفسه دال على بدهية لا تشوّش فيها ولا شتات: الزمن مضمر في كلّ شيء. أمس، بينما كنت أشرب الشاي على العشب المتدرج في خضرته ويباسه بدا لي أن العالم ينكفئ على نفسه.

لمست ذلك، واللمس «ليس خطابًا ولا سلوكًا». إنه انصراف عن التأويل إلى القصدِ مجردًا. لكن، لماذا يدخلنا معه في التجربة؟ في إحدى المرات، فكّرت بأن الخوف تريّث، لكنّه أكثر سعارًا من المصيدة.

في مثل هذا الأيام، تحدّد الأشياء هيئتها، وظلالها. وتتجه صوب مكان واحد يمليه الانقلاب: التوهم. إنّنا نطيق هذا الحيز من الحزن غير الحميم على اعتبار أن «الوصل لا يكون إلا بتمام». وهذا النقص الذي يعتري الموجودات أرواحًا وسواكن إشارة إلى اكتمال بلفظ وحيد: التساقط.

أنت غائبة. لكنك في رأسي صورة وإشارات لها معجم يشبهك. من مدة، كنت أمشي وخطر لي أن أتحدث إليك بصوت مرتفع في الشارع. أحدّثك عن الواقع حقيقة أو إن شاءت الأسباب محرفًا؛ لأنّني لم أكن أمتلك الوقت للكتابة ولا للأحاديث التي تستدرج حدادنا السري وأفراحنا الصغيرة. نظر إلي المارة مع أنّني كنت أصف لك الشارع المكسورة حوافه، والعشب الضئيل في أسباب وجوده، واللافتات الإعلانية الكاذبة، والجبل الشاحب، والرجل الذي يحاول أن يوقف سيارة أجرة لتحمل عنه اليقطينات الثلاثة، والحواجز الإسمنتية التي تقيم داخل كلّ منّا. أرأيت؟ ربّما، قالوا: «الله يعينها من الظروف الكل صار يحاكي حاله!» أو اعتقدوا بأنّي أتحدث عبر سماعات البث الصوتي (البلوتوث). هذا لم يكن شيئًا قبالة ما أدركته؛ كأني كنت بهتانًا وصرت يقينًا.

في الحقيقة، جربت من قبل أن أفتح المسجل في هاتفي، وأفرغ كيس الغول الذي في رأسي عندما اضطررت بسبب التوحش المروري أن أمشي نصف ساعة وسط المدينة. وقد أفلح ذلك في تغييب الصخب. كما أنّه لم يتعين عليَّ تحوير أي شيء في أثناء التداعي. وهذا ما أعادني إلى الداخل يا ورد. فعندما ترتفع صفة الاجتماع، والمراقبة لا ننكر هواجسنا. فوجودنا لا يكون معلقًا؛ إنما هو مثل الخريف قول يسمّي الأشياء بعجزها ومحاولاتها لوصل ما انقطع منها.

أفتقدك جدًّا. ويطلع في بالي قمر يريد أن يضيء سهرًا يجمعنا في ليل خريفي…

غبش المرايا

غبش المرايا

أقدامي منتهى الارتباك

تنسى الجهات وترتكب البياض

مربوطة بكأسٍ لم تعبّها المسافات

ليس لدى رمل الساعة نية في التوقف

كم يغويه الأبد!

الغزاة يسوّون الطريق آهِلًا بالغربان

يفتحون أسباب الغسق

وقصائد الرثاء

فلا موضع محل ثقة

أنا دون النخيل الممتد على جنبات القلب

ذاك الذي يبدو الضوء على سعفه كأحزان السياب

أحصي الأخطاء

سهمًا

فسهمًا

أمّا الحلاج، فيشرب «الموكا» بينما أُفْرِغُ جعبة الخروج عن النص!

إنَّ لي روحًا عارية تسترها الريح

بما ترميه عليها من الخرافة المُحقّة واتّساع المعنى والخوارزميات.

من يَلُم فوضانا هذه عندما تغلق أمّهاتنا الباب خلفهنَّ بإحكام؟

يرهقنا الغياب كلّما اسْتَعْمَلَتْنا أفعال المضيّ

تأكل الذئاب من الأغنام القاصية، واللغة كذلك إذ أشرد في البكاء الذي يُسعف على نحو «قصيدة»!

إنّها تُمعن فيَّ متاهات!

فوّضت أمري لِأفكار الغيم: «سأقطع هذا الطريق إلى آخره… إلى آخري»!

فانهمرتُ بأسرار ما عادت طفوليّة

المرايا تشهد كم كستني الأحلام وتعاورتني الصور

ألمُّ النرجس لأفضي إليّ.