«فكر النص وهواه» لعائشة الدرمكي دراسات تنظر إلى النص الروائي بصفته عالمًا متحولًا في إدراكه لذاته ولعالمه

«فكر النص وهواه» لعائشة الدرمكي

دراسات تنظر إلى النص الروائي بصفته عالمًا متحولًا في إدراكه لذاته ولعالمه

لقيت الدراسات السردية اهتمامًا بارزًا في الحقل النقدي العربي الحديث، وصارت ركيزة مهمة في مقاربة النصوص السردية، وذلك من خلال انشغال العديد من النقاد والباحثين العرب بها، وهو ما أسهم في تعدد رؤاهم وتصوراتهم المنهجية وأدواتهم الإجرائية. وفي سياق العلاقة بين عملية بناء عوالم النص السردية ومستويات التلقي الممكنة، يندرج الكتاب الأخير للناقدة الدكتورة عائشة الدرمكي المعنون بـ«فكر النص وهواه، دراسات في سيميائيات النص الروائي»، الصادر، في طبعته الأولى، عن منشورات الجمعية العمانية للكتاب والأدباء، بسلطنة عمان، في 331 صفحة من القطع المتوسط. وقد أصدرت الباحثة عددًا من الأعمال في مجال البحث السيميائي. ويتألف كتابها هذا من تقديم وثلاثة فصول.

تقسيم الكتاب ومنهجيته

تناولت الباحثة عائشة الدرمكي في هذا الكتاب مجموعة من الأعمال الروائية، مستندة إلى معطيات المنهج السيميائي وآليات تطبيقه، وانطلاقًا من عدّ النص الروائي عالمًا متغيرًا ومتحولًا في إدراكه لذاته ولعالمه، وهو ما يمنحه القدرة على تشكيل عوالمه الدلالية، التي يُسمّيها جوزيف كورتيس «صعيدَ المحتوى»، وذلك من خلال إنشاء مجموعة من التقابلات والبرامج السردية التي يتأسس عليها النص بوصفه كيانًا دلاليًّا وسرديًّا.

عائشة الدرمكي

وعلى الرغم من أن الباحثة حددت إطار المنهج السيميائي عامة، فإنها وظفته عبر توجهاته المتنوعة، فجاء الفصل الأول ضمن سيميائية السرد، والثاني في إطار سيميائية الأهواء، أما الثالث فاعتمد سيميائية التواصل. وقد اتسم منهج الكتاب بنوع من التكامل على مستوى التصور والأدوات الإجرائية. ويستمد هذا التكامل مشروعيته من الإمكانية التي تمنحها كل رواية من الروايات (موضوع الدراسة).

أكدت الباحثة في تقديمها للكتاب أن البحث في الأدب، وسبر عوالمه وخباياه، يتطلب جرأة وقدرة على سبر أغواره، غير أن هذا التحدي، بحسب الباحثة، لا يكمن في نوع الأدب، بل في مسارات خطابه، والطرق التي يسلكها النص في سبيل تحققه. فالأدب، بوصفه كيانًا يتأسس على بنية، أو مجموعة من البنى، يتجلى كخطاب يتحقق عبر أنواع متعددة وأشكال مختلفة. لهذا، مهما تعددت الأنواع الأدبية، فإنها تحاول تقديم نفسها بوصفها نصوصًا قادرة على التحقق، وعلى عبور الأزمنة التي تفصلها عن ممكنات تلقيها. ولعل هذا ما يبرر اعتماد الباحثة منهجًا تكامليًّا، على الرغم من انتمائه للمنهج السيميائي العام.

في الفصل الأول، تناولت الباحثة بالدراسة والتحليل روايةَ «فراشات الروحاني»، لمحمود الرحبي، ورواية «لوعة الغاوية» لعبده خال، ورواية «سأم الانتظار» لغالية آل سعيد، من خلال مجموعة من المستويات، جاءت على النحو التالي:

الخطاب اللغوي في النص الأدبي

ركزت الباحثة في هذا الجانب على النص بوصفه نصًّا أدبيًّا، ينبني على مجموعة من الأنساق الثقافية والمعرفية؛ لذلك اهتمت بمستوى الخطاب اللغوي للنص الأدبي، متوسلة في ذلك تحليل نص «فراشات الروحاني»؛ للكشف عن سماته الخطابية وتمظهراته وتشكلاته من خلال محورين مستقلين، رغم صعوبة الفصل التام بينهما بسبب ترابطهما الوثيق، ولأن الخطاب لا يحمل معنى إلا ضمن شبكة من الخطابات الأخرى التي يشق لنفسه طريقًا خلالها، وضمن مساراتها المنتظمة في الزمان والفضاء والحركة، فإن الخطاب يفرض حضوره بقوة ضمن تلك المسارات بوصفها خطابًا أوسع يمتلك مرجعيته السياقية داخل النص، وضمن المرجعية الاجتماعية والثقافية العامة. إنها المسارات التي تشكل بنيات النص وتمنحه الخصوصية الثقافية القائمة على التحققات والإكراهات التي تشتغل ضمنها الخطابات، بوصفها استثمارًا دلاليًّا يمنح النص لونه الثقافي الخاص.

خطاب الآخر في النص السردي السعودي

إذا كان الخطاب عبارة عن إنتاج وعمل، أو عن سيرورة متوالية من الأحداث، فإنه لا يمكن القول: إن الخطاب قد أنجز بوصفه حدثًا ومعنى، إلا إذا أُدرِكَ بوصفه حدثًا. وهو ما يعني أن لكل نص أدبي صفتين رئيستين: الإمتاع والفائدة، وتتحققان من خلال اندماجهما الكلي. من هذه الزاوية، اشتغلت الباحثة على النص السردي لعبده خال، مركزة على خطاب الذات، «الكينونة السردية» الموجهة نحو الآخر ضمن تلك السيرورة من جهة، أو خارجها المتمثل في القارئ من جهة أخرى. وهي في توسلها بنص «لوعة الغاوية» لعبده خال، وفي محاولة دراسة فعل الخطاب وسلطته ضمن تلك العلاقة السجالية، تبرز الباحثة أن هذا النص يشكل خطابًا يتضمن صورًا نووية تحيل بدورها إلى تصورات خارجية للفضاء الكوني للسرد. أما تمظهرات هذا الخطاب، فقد حددتها الباحثة في محورين: محور الذات الفاعلة وخطاب الآخر، ومحور سلطة فعل الخطاب والتواصل مع الآخر.

تبدلات خطاب هوية الشخصية وحدود الفن

تناولت الباحثة هذا النص الروائي «سأم الانتظار» لغالية آل سعيد، من خلال مجموعة من المستويات: الخطاب وتبدلاته، الفن وحدوده، هوية الشخصية في أدب المهجر بين حدود الفن وتبدلات الخطاب، وصناعة الشخصية السردية وهوية دينامية عملها (بنية الشخصية ودوالها، فضاءات دينامية عمل الشخصية). وقد ركزت في ذلك على أن الوصول إلى السمات المحددة لبلاغة الشخصية، وفقًا لاصطلاح فيليب هامون، هو ما يساهم في الكشف عن الإكراهات الأيديولوجية والثقافية التي تحفز الشخصيات لإنشاء علاقات منفصلة ومتصلة فيما بينها، بوصفها ناتجة عن مجموعة من العوامل والملفوظات التي تولدت بفعل تلك التحولات السردية.

سيميائية الخطاب وتجليات فعل الهوى

تناولت الباحثة في الفصل الثاني من الكتاب رواية «بن سولع» للروائي العماني علي المعمري، ورواية «القناص» لزهران القاسمي. وقد ركزت في النص الروائي الأول على سيميائية الخطاب وتجليات فعل الهوى في النص الأدبي (الرواية/ موضوع الدراسة)، من خلال سيميائية الأهواء التي تكشف عن المشاعر والانفعالات المتعلقة بالذات الإنسانية في النصوص والخطابات السردية، من قبيل: الغيرة، البخل، الحب، الحقد، الكراهية، الخوف، الإرهاب، الغضب، الحسد، الطموح، والسلطة، وغيرها من الصفات البشرية التي تلازم الإنسان حيثما وجد. لكن ما يهم في سيميائية الأهواء، بحسب الباحثة، هو استكشاف معنى ودلالة الهوى الانفعالي داخل المقاطع النصية، سواء أكانت صغرى أم كبرى؛ إذ إنها تشكل صورًا نووية تحيل إلى تصور خارجي للعالم، وتنتظم في النص عبر صور متعددة تمنح وحدات النص إمكانية إنتاج دلالاتها الخاصة بحسب سياقاتها المختلفة.

وخلصت الباحثة إلى أن هذا النص يغتني بانفعالات هووية تتمحور حول رغبة التملك؛ إذ تسعى الذوات إلى بلوغ هذه الرغبة بعد الشغف بها، سواء على المستوى الروحي أو الحسي. فينفتح التوتير الهووي على المستوى الانفعالي ضمن سيرورة الخطاب، لكنه قد ينغلق أو يكاد في مظاهره النهائية التي تسفر عن خيبة الأمل في الوصول لتلك الرغبة، بل حتى النفور منها أو النكوص عنها، حين تواجه بوطأة الفضاءات السيميولوجية والثقافية المتعددة.

سلطة الأهواء

أشارت الباحثة في هذا الجانب إلى أن سيميائية الأهواء تُعنى بدراسة الذات وحالات انفعالاتها الجسدية والنفسية، وهو ما يجعلها تهتم بوصف آليات اشتغال المعنى داخل مختلف النصوص والخطابات التي تتأسس على الانفعال، وذلك من خلال المكون التوتري والمكون العاطفي أو الانفعالي، بوصفهما عنصرين تتولد عبرهما كينونة المعنى، وتنتج من خلالهما ذات الإدراك والعاطفة. انطلاقًا من هذا التصور، ناقشت الباحثة مستويات عدة «القناص» لزهران القاسمي، من بينها: هوى الاقتناص بين المعرفة وسلطة الهوى، الخطاطات الهووية لفعل الاقتناص في نص «القناص».

فحين اتخذت الباحثة من هوى «القنص» في نص «القناص» كونًا هوويًّا، رأت فيه نموذجًا توتريًّا ومعياريًّا لعلاقة الذات «القناص» بهوى «القنص» عمومًا، وقنص تيس الوعل خصوصًا؛ إذ إن المعايير الاجتماعية التي أسست الأفق التوتري لتلك الذات، تتمظهر على مستوى الخطاب بوصفها توترات خاضعة لتحديد نفسي له خصائصه وأنساقه ومآلاته الاجتماعية التي تظهر لاحقًا في علاقة الذات بالهوى ومستويات التجريد التي تتمثل في تحقيق الهوى ومختلف التشظيات والانكسارات التي تحدث على المستوى النفسي والسيكولوجي للذات وعلاقتها بالهوى.

التطويع وفلسفة التواصل

في الفصل الثالث، تناولت الباحثة رواية «دنسكو» للروائي السعودي غازي القصيبي، من خلال مجموعة من المستويات: التطويع وفلسفة التواصل، البرنامج الحكائي لـ«دنسكو» وسلطة التطويع، التطويع بين التجربة والفعل الإقناعي. كما تناولت في الفصل نفسه رواية «الكائن الظل»، للروائي إسماعيل فهد إسماعيل، من خلال الواقع والممكن بوصف الرواية تعبيرًا عن العيش بين عالمين. وقد عالجت الباحثة هذا النص من خلال مستويين: الواقع في النص الروائي، والواقع والتبئير في النص الروائي. وخلصت إلى أن سارد رواية «كائن الظل» يقدم عالمه بوصفه أيديولوجيا تاريخية ذات أبعاد تربط بين الواقع الممكن والمتخيل، بهدف التعبير عن تلك الأدلجة الكامنة عبر مجموعة من أنساق الوصف والتبئير.

يلحظ قارئ هذا الكتاب غناه على مستوى التصور المنهجي والأدوات الإجرائية التي وظفتها الناقدة الدكتورة عائشة الدرمكي في مقاربتها لهذه المتون الروائية العربية (موضوع الدراسة)، وهو ما يجعل من هذا العمل إضافة نوعية إلى الدرس النقدي السردي، العماني بوجه خاص، والعربي بوجه عام.