الفلسفةُ كوعيٍ بالخَطر أو هل بمقدور الفلسفة أنْ تُشْفَى من حُمَّى إنقاذ العالم؟
قد يَكونُ الاهتمام بـ«الأشياء الصغيرة» مدخلًا إلى الشفاء من حُمَّى تَغيير العالم التي ظلَّت تُشكِّل الوجه الآخر لـ«حُمَّى الحقيقة» عند الفلاسفة كما لحظ فتحي المسكيني. وقد جسّدت عناية المعاصرين بالأشياء الصغيرة شعورهم بالحاجة إلى وَضْع حدٍّ لهوس الفلسفة بإنقاذ العالم الذي يمثل أحد مرتكزات العقل الفلسفي الكلاسيكي المسكون بهمّ الحقيقة ورعايتها؛ إذ نلفي في متونهم رغبة في تفكيك المفهوم الكلاسيكي للحقيقة من طريق إعادة النظر في التقابل الميتافيزيقي بين قيمتيْ «الكبر» و«الصغر» وغيرهما من القيم المنتظمة للمنظور الفلسفي (المسكيني، «فلسفة الأشياء الصغيرة»، القاهرة، 2023م)؛ لذلكَ يحقُّ أنْ نَرى في هذا الموقف استمراريةً لمسارِ المراجَعة الجذرية التي يُنجزها الفكر الفلسفي لعقلانيته التي لم يَعُد الباراديغم الرياضي الكلاسيكي كافيًا لبنائها.
بين فهم العالم والحلم بتغييره
ظلّتْ «الأشياء الصغيرة»، من منظور هذا الباراديغم، في باب المُهمَل والمنسيِّ والمُهمّش؛ لذلك أمسى الإصغاءُ لصوتها شرطًا للانعتاق من أرباق الأوهام الكبرى المكبِّلَة للعقل الغربي، التي يبقى تغيير العالم وإنقاذه من أهمها. ولعلَّ ما يلفت الانتباه في هذا السياق اقترانُ تصاعُد هذا الموقف، أولًا، بإحياءِ الفهم العتيقِ للفلسفة بوصفها تدريباتٍ روحيةً وعلاجًا للنفس ونمط حياة وأسلوب عيشٍ، على نحو بات يوحي بأنَّ تحقيقَ الفهم، الذي يبقى المهمَّة الرئيسةَ للفلسفة في السياق المعاصر، يستلزمُ التبرُّم من العالم واتخاذَ مسافةٍ من حُلْم تغييره، والبدْءَ في الإصغاء للنفس الممزَّقة بينَ وطأة اليومي وقسوة الواقع؛ واقترانه، ثانيًا، بجو ثقافي طغت عليه نزعةٌ عدمية مرتابة من العقلانية ومتوجسةٌ من مصير الإنسان بعد ما عاشته الإنسانية -ولا تزالُ- من أحداث مأساوية منذ مطلع القرن العشرين؛ لذلك سيكون مجانبًا للصواب الحُكم على «فلسفة الأشياء الصغيرة» بحسبانها حالة فكرية فريدة أو معزولة، أو موضةً جذبت اهتمام الوعي الإنساني المعاصر الرازح تحت قسوة اليومي ومنطقه الاستهلاكي المتصاعد؛ لأنَّها سليلةُ مسار نقدي وشعور مأساوي بانحسارِ دور الفلسفة وتبدّد فكرة قدرتها على تغيير العالم، والاكتفاء – بدلًا من ذلك- بمُحاولة فهمه.
يتبدى حضور «فلسفة الأشياء الصغيرة» في إعمال الفكر الفلسفي المعاصر لمفاهيم وتسميات تنتمي إلى أرشيفها الضارب في تاريخ الفلسفة القديمة، من قبيل مفهوم «العلاج بالتفلسف»، و«الطمأنينة الفلسفية»، و«فلسفة اليومي»… إلخ. وهو قاموس ينمُّ عن مطابقة بين «فهم العالم» و«حلم تغييره»، ويتأسس على مغالطة ترى أنَّ النظر إلى الفلسفة كأسلوب حياة مؤسس على فهم العالم ليس له إلا أن ينتهي إلى الاعتراف بمحدودية دورها وقصورها عن إحداث أيِّ تغيير مُمْكن فيه، بَلْه إنقاذه من الأخطار المتكالِبة عليه.
تنحصر وظيفة الفلسفة ودورها، من منظور هذه المغالطة، في ترويض الإنسان المعاصر على العيش في عالمه المتصحّر وتدريبه على شروط وجود غير إنسانية، وهذا ما يستلزمُ اعترافًا بأنَّ فهم العالم ليس يعني غير القبول بواقعه وإغلاق كل أبواب التفكير في تغييره، بما يستتبعه ذلك من قول بانمحاء الدور النقدي للفلسفة وتبدُّد الحاجة إليها في مواجهة أسئلة العالم وبناء تصور معقول لمستقبل الإنسان. هكذا تجد الفلسفة نفسها أمام خيارين اثنين؛ إما أن تقرَّ بأن الاكتفاء بفهم العالم اعتراف بعجز الفلسفة عن تغييره، وإما أن تُواصل لهثها وراء حلم لن يتحقَّق بتغيير العالم. وهذا ما يرى فيه خصومها دليلًا فاقعًا على عُقْمها.
يدفعنا هذا المنظور إلى الاعتقاد أنَّ الفلسفة انزوت في النفس تشخّصُ أورامها، وتسعى إلى خلق الطمأنينة لديها وعلاجِ أمْراضِها هروبًا من عالم ما عادت قادرة على اقتراح أيّ فعل لتغييره؛ لتَصيرَ بذلكَ ضربًا من ضُروبِ الخَلاصِ على طريقة المتقدمين. ولا غرابة أنْ يَرى فيها أعداؤها، والحال هاته، شكلًا من أشكال الهروب من العالم والانسحاب الصامت من معتركه. وقد أتى نقدُ الفلسفة -الذي تمَّ باسم العلوم الدقيقة كما الإنسانية حينًا، وباسم موت الميتافيزيقا وتشييع أسئلتها إلى مثواها الأخير أحيانًا، بل باسم الفشل السياسيِّ للفلسفة في أحايين أخرى- ليكرِّسُ النفور من حَصر مُهمة الفلسفة في الفهم، ويرمي التأمُّل بالعقم والبؤس، ويُطالبُ الفلاسفة بالتوقف عن تأويل العالم والعمل، بدلًا من ذلك، على تغييره. بل يُمكن أنْ نزعم أن انبعاث التصور القديم للفلسفة وتدريباتها الروحية كان ردّ فعلٍ على النقد الجذري الذي ما انفكت الفلسفة تتعرَّضُ له، وأنَّ تماهيًا قد حدث، في ذهن أصحاب هذا النقد، بين التفلسف من حيث هو «فعلُ» فهم للعالم، وبين «حدثِ» انسحاب الفلسفة من العالم وتبرُّمِها من محاولة تغييره.
فهل يقودُ الفهم، قسرًا، إلى موقف انسحابي من العالم والتنازل النهائي عن مُحاولة تغييره؟ ماذا يتبقى للفلسفة عندما يقتنعُ الإنسان بعدم جدواها في جبه الأخطار المحدقة بوضعه في العالم؟ ألا تتَحوَّل الفلسفة بذلكَ إلى مجرَّد أداة لتكييف الإنسان مع عالمٍ متصحر، بدلًا من أن تضطلع بمهمَّة تحويل الصحراء إلى عالمٍ صالحٍ لأن يعاش إنسانيًّا وتقبله بصفته الواقع الوحيد الممكن؟ ألا يكونُ الاكتفاءُ بالأشياء الصغيرة أوَّل بَوْحٍ بفشل الفلسفة في تغيير العالم وشروع الإنسان في التأقلم مع عالم يفتقر إلى أبسط شروط الإنسانية؟ ألا يمكن أن نعثر، في ثنايا مفهوم الفهم نفسه، على نبع من منابع الفعل الذي يحفظ لخطاب الفلسفيِّ مشروعيته وقدرته على التغيير، بل «الإنقاذ» كذلك؟
فهم العالم شرط لتغييره
ذهب هايدغر بعيدًا في تنصيب الفهم مُهمَّة رئيسةً للفلسفة، عندما أقرَّ بأنَّ فهْمَ العالم سابقٌ لكلِّ تفكيرٍ مُمْكنٍ في تغييره، وبأنَّ إلهًا وَحْدَه لا يزال قادرًا على إنقاذنا. ليس موقفه هذا مجرَّد عناد للموقفِ الماركسي الداعي إلى الكفّ عن تأويل العالم والبدء في قلبه وتغييره، بقدر ما هو سليل وعي بتجذر الفهم في الكينونة الإنسانية. وقد عدّ كثيرٌ من نُقّادِه أنَّ تصوُّره لفكر الوجود ليس غير نتيجة لموقفه الانسحابي من عالم العيش المشترك. والحالُ أنَّ تصوُّر هايدغر يستوي على إدراك قدرة الفلسفة على تأسيس علاقة أصيلة بين الإنسان والعالم، بما يعنيه ذلك من إبدال على مستوى معنى الفلسفة ووظيفتها في الآن ذاته. فالفلسفةُ «في الحقيقة حَنينٌ إلى الموطن ونزوع إلى أنْ نكونَ أينما كنّا في بيتنا» (هايدغر، «المفاهيم الأساسية للميتافيزيقا»، 2023م، ص 70)، كما يقولُ نوفاليس، وهذا ما يعني، في نظر هايدغر، أنَّها ليست تحصيلًا لمعرفة بقدرِ ما هي علاقةٌ أصيلةٌ بين كينونة الإنسان والعالم؛ فهي التي تجعل من العالم «بيتنا» و«مَسكننا».
التأمُّل الفلسفيُّ ليسَ انسحابًا من العالم بقدر ما هو ذهابٌ مُستَمر إليه يَتَحقَّقُ في أعقابِه انهمامُنا الأصيلُ بالكينونة وقلقُنا المُزمن على تناهينا في الزمان. لا تنْحصِر الفلسفة في تحصيلِ درايةٍ بتاريخ الفلسفة بقدر ما هي «فعلُ تفلسف»؛ أي قدرةٌ على الفهم من دونها يتعذَّر بناءُ تصوُّرٍ أصيل لكينونة الإنسان وحقيقة وضعه في العالم. وهي بذلكَ ليست ترفًا فكريًّا وإنما فعلٌ مُتوطّنٌ في كينونتنا المسكونَة بهمّ التناهي الذي وحدَه الانتماءُ إلى العالم يُظهرُه. بذلك يكونُ الفهم؛ فهمُ العالم والكينونة، شرطًا سابقًا لكل تفكيرٍ مُمْكن في تغييره أو إنقاذه. وبين فهم العالم وتغييره يثوي وعيُ هايدغر بمدى حاجةِ الإنسان المعاصر إلى «فكرٍ مُغايرٍ»، قادرٍ على إنقاذه من غربته عن العالم وعن ذاته، يسلّط الضوء من جديدٍ على حقيقة الوجود ويرسّخ وعينا القلق بها.

اقتضى السير في درب هايدغر من الفلاسفة التبرُّم من حَماس التصورات العِلْمَوِية للفَلْسَفة كما من إغراءِ الدعوة إلى تغيير العالم التي عجّت بها الأوساط الفكرية المعاصرة، ولا سيما في حقبة الأيديولوجيات الكبرى التي ربطت فعل التفلسف بالبراكسيس الذي لم يَكن يعني، بالنسبة إلى كثيرين، غير النضال في سبيل تغيير العالم والانتصار لفاعلية الإنسان وقدرته على صناعة التاريخ. وإذا كان هايدغر قد رمى إلى اقتلاع الوجود الإنساني من سَطوة اليوميِّ والتيه من خلال التشديد على الفهم كأساس لعلاقتنا بالوجود والعالم، فإنَّ استنادَ بعض فلسفات الفعل على رؤيته يبقى علامة فارقةً على أنَّ الفهم لا يعني بالضرورة الانسحاب من العالم أو وَأْد رغبتنا في تغييره، وأنَّه فعلٌ يفتحُ أمام الإنسان إمكانية تأسيسٍ أصيلٍ لمعنى وجوده من خلال توطينه في الزمان والعالم، وإظهار حاجته الأصيلة إلى التواصل مع ذاته كما مع الآخرين.
ما الذي يعنيه التفكير فلسفيًّا في تغيير العالم في هذه الحالة؟ هل يُمكن أنْ نطالب الفلسفة بِقلبه على نحوٍ مُفاجئ وراديكالي حتى تغْدُوَ فكرًا مقبولًا ومَشروعًا من طرف الناقمين عليها؟ وأي دور يتبقى لها إنْ هي تنازلت عن حلمها العتيد بتغيير العالم غير إقناع الناس بالتأقلم مع عالم لا يصلح لأن يعاش إنسانيًّا؟
دور الذبابة
لا شكَّ في أنَّ تغْييرَ العالم ما عادَ يَعْني اليوم قَلْبَه، بِقدْر ما بات يُحيلُ على تحْسين شروط وجود الإنسان فيه، والفلسفة من هذا المنظور خطابٌ قادرٌ على رَسْمِ أفُقِ رجاءٍ مُمْكِنٍ ومَعْقولٍ لاستشرافِ مُستَقبل الفرد والجماعة معًا؛ فهي «يوتوبيا جَماعية» على حدّ تعبير جون رولز، وهذا ما يُظهر الحاجة المزمنة إليها حتى في الحقب التاريخية التي تبدو فيها أنها استنفدت كلَّ إمكانيات وجودها. ويبدو أنَّ التفكير في «الأشياء الصغيرة»، وفي «اليومي وأسئلته»، لا يقفُ عائقًا أمام إسهامها في تطوير مستوى الوجود البشري في العالم؛ لأنها تظل في الأخير «محاولة فهمٍ» نقدي لوجودنا. فالسؤال الفلسفي حاجة وجودية بالنسبة إلى الفرد والجماعة معًا؛ إذ يعيد المرء به ترتيبَ أوضاع علاقتِه بذاته؛ واعتمادًا على نَفَسِه النقديِّ تستطيعُ الجماعة صياغة فهم نقدي بأسئلة وجودها ومصيرها، والتعرية على المغالطات وأشكال التضليل المتربصة بوعيها. وهذا ما يحول دون تحول أسلوب العيش الفلسفي إلى انسحاب من العالم وهروب من معتركه.
يبدو أنَّه ما عادَ يَحقّ للفيلسوف أنْ يدعي اليوم دورًا رَسُوليًّا وخلاصيًّا، بيد أنَّ ذلك لا يمنعه من النهوض بالدور عينه الذي نهض به سقراط من قبل؛ دور الذبابة التي تمنع الحصان من أنْ يغطَّ في نوم عميق، فهو حارس الوعي الذي يحول دون سقوطه في متاهات التفاهة والانصهار في سيرورات البداهات. وإذا كانت الفلسفة حنينًا إلى الموطن، وشعورًا بأننا في ذاتنا ومسكننا أينما كنّا، فإنَّ حسَّها النقدي يمكننا من الانتباه إلى الأخطار المحدقة بالإنسان ووجوده في العالم. صحيح أنها قد لا تكون قادرة على إنقاذنا من تلك الأخطار، لكن الوعي بالخطر يبقى شرطًا قبليًّا لمواجهته، وهذا ما يبرزُ الحاجة المزمنة إلى الفلسفة التي هي، بشكل من الأشكال، وعي قلقٌ بالأخطار المحدقة بمعنى وجودنِا.