بواسطة نبيل سليمان - ناقد و روائي سوري | سبتمبر 1, 2020 | يوميات
(1)
تتوقف السيارة عند الحاجز، وتحيي العسكري. لستُ من أوقفها، ولا من حيّا بكفه متمنيًا أن يكتفي العسكري بذلك. بالأحرى لست من رشاه بالتحية كيلا يطلب البطاقة الشخصية، فيكون عليّ أن أنقّب عنها في جيب البنطال الخلفي، حيث تعودتُ أن أودعها منذ أن تمكّن مني الرعب من أن أضيعها، ليس فقط لأن الحاجز لن يسمح بالمرور من دون بطاقة، بل لأنك ستغدو مشبوهًا، بل متآمرًا، بل مطلوبًا لواحد من فروع الأمن على الأقل. ولن يعبأ العسكري عندئذٍ بأنك في الخامسة والسبعين، ولا بأن لك عشرين رواية أو أكثر منها في النقد وفي الشأن العام. لن يعبأ بتوسلاتك هذا الشاب المدججُ بثيابه المبرقعة وذقنه الشعثاء الفاحمة والكلاشينكوف.
إنه عيشك السوري الرغيد المديد.
(2)
في مثل هذا الضحى، وربما في مثل هذا اليوم الصيفي، ولكن قبل أربعين سنة، عندما كانت سوريا تتزلزل أيضًا مثلها منذ تسع سنوات، انحشرتَ بين ركاب التاكسي الذي يطير من اللاذقية: حلب قصدنا وأنت السبيل. وعلى كل حاجز تبرز بطاقتك الشخصية غير هيّاب ولا وجل. وبأسرع من التاكسي أنجزتَ ما قصدت حلب من أجله. وقبل أن تودع الصحب في دار الحضارة، تتفقد البطاقة السحرية، ويصعقك ما تكتشف، فهذه بطاقة زوجتك، وأنت لا تحمل إذن بطاقتك، والحمد لله أنْ ضرب على أبصار الحواجز، ولكن ماذا لو أن عينًا واحدة فقط تنبهت في طريق العودة إلى جريمتك؟
(3)
عبر خمسةٍ وأربعين كيلو مترًا بين اللاذقية -حيث مقامي منذ 1978م- والبودي (القرية) -حيث مقامي أيضًا منذ 1989م- هو ذا الحاجز الوحيد، فلماذا تخشى إذن أن يظهر لك من يستوقفك، ثم ينتر البطاقة اللعينة من أصابعك، ثم ينقّل نظراته المستريبة بين وجهك وبين الصورة الهلوعة في البطاقة، بينما يزيّفُ خفقُ قلبك ابتسامتك البلهاء؟
فجأة يهجم الرجل الذي ليس بشاب وليس بكهل على السيارة. وقبل أن تعود البطاقة إلى حضنها الدافئ في قفا البنطال، يكون هذا العسكري الغاضب المدجج بثيابه المبرقعة وذقنه الشعثاء الفاحمة والكلاشينكوف، قد نكش حقيبتك على المقعد الخلفي، وقلّب في كتبك وأوراقك، والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه: ها هي السيارة الهلوعة قد أفلتت من الحاجز، وطارت حتى بلغت مدخل القرية، وانحنت أمام الصورة الكبرى التي تتوسط صدر معمل السجاد اليدوي. ها هي السيارة تئنّ تحت الصور الصغيرة والكبيرة، الحائلة والطازجة، لشبابٍ قضوا من سنة إلى سنة طوال تسع سنوات، فزفّهم الرصاص والأغاني والزغاريد ملء النهارات والليالي، فأنّى لك أن تكتب؟ وماذا ينفع أن تفر من الكتابة إلى القراءة؟ ماذا ينفع أن تفر من القراءة إلى التلفزيون الذي سينهال عليك بانفجار، أو اغتيال، أو قصف، أو براميل متفجرة، أو بشحنات التعفيش، أو بهياج المراسلين وسعار المذيعات، وضاع/ انطوى، يضيع/ ينطوي نصف النهار.
إنه عيشك السوري الرغيد.

(4)
لا، لن أضيّع الكثير المتبقي من هذا اليوم (الثلاثاء الرابع من آب/ أغسطس 2020م) على الرغم من أنه بدا بلا صباح.
أجل، يومٌ هو بلا صباح، وإن تكن قد نهضتَ في السابعة، وخرجتَ قبل الثامنة إلى ساعة المشي، متحاشيًا كعادتك أن تنظر إلى أول ما يصادفك على الأوتوستراد: صرحان، أي عمارتان، ما عاد يطردك من العبور بهما على مرمى خمسين مترًا حراسٌ، ولا سيارتٌ فارهة أو مموهة أو مدججة بما لم ترَ حتى في أفلام حروب الخيال العلمي. ويبهج خطواتك في سرها أن أهل الصرحين- العمارتين، جَدًّا فأبناءً فأحفادًا، قد تفرقوا بين ميتٍ بالسرطان وميتٍ اغتيالًا وطالبٍ للنجاة في حصنٍ من حصون العاصمة أو من
غياهب بيروت.
الآن، وعيناك تسبقانك إلى البحر القريب البعيد، لكَ أن تفكر بالرواية التي تراودها منذ أكثر من سنة ونصف، حين ملصتْ «تاريخ العيون المطفأة» من بين أصابعكَ إلى شوقي العنيزي ودار مسكلياني. لكنه يوم بلا صباح، لذا لن تبلغ خطواتكَ البحر البعيد القريب، فهذا حاجزٌ طيارٌ يباغت مبكرًا على غير عادته في المباغتة بعد أن ينتصف الليل، وليس هنا في مدخل ساحة اليمن ومحطة القطار، بل هناك في قلب المدينة في ساحة الشيخ ضاهر، أو هنالك في ذيل المدينة في مدخل الرمل الفلسطيني. والآن إذن، عليك أن تستدير هاربًا، فبذلتك الرياضية لا تتسع للبطاقة الشخصية، وحسبك أن تتلوى في الشوارع الفرعية بحثًا عن
الصباح الفقيد.
بعد دهر يتطاول حتى العاشرة، ستكون قد أكملتَ طقوسك الصباحية، وصرتَ جاهزًا للعمل. لكنك بدلًا من أن تبدأ بالكتابة، ستهرب، أي ستميل بك عادتك الجديدة منذ قرابة سنة ونصف، فتنط على الشاشة الزرقاء بين مانشيتات ونتف من مقالات وأخبار جرائد الصباح الفقيد. وفجأة تكتشف أن ساعة بطولها قد ضاعت، وأن عزمك على الكتابة مشوّش، وهذا المكتب في هذا البيت في اللاذقية يضيق بك، فتحشو في الحقيبة الملفَّ الذي يكبر كل يوم منذ سنوات -وبخاصة منذ ملصت من أصابعك «تاريخ العيون المطفأة»- مقدار قصاصة أو صفحة أو كتاب، وتَعِدُ/ تتوعد الكتابة على مرمى خمسة وأربعين كيلو مترًا، في هذا المكتب، في هذا البيت، في البودي. وها هي الرواية «تفلش» الملفَّ أمامك، والملف يتقلّب بشوق إلى بياض صفحة وليس إلى زرقة شاشة، يحرضك ويغويك ويتحداك، فتحرن أصابعك مثلما تحرن روحك، فبأي أفنونٍ من الأفانين سيكون هربك الآن؟
(5)
أن تبكر في الغداء، فهذا أفنون، وأن تطيله، وتتجرع معه وبعده الجرعة السميّة التلفزيونية اليومية من أخبار وتقارير وتحليلات، فهذا أفنون آخر، سيعقبه آخر من القيلولة التي يزيدها الهرب من الرواية قداسة.
لكن الرواية ستتسلل إلى غفوتك، وستهمي عليك بصور من سبقوك إلى رواية أو قصيدة أو أية كتابة عن الحمير، فتتوه بين حمير فولتير، وإميل حبيبي، وعباس محمود العقاد، ويحيى حقي، وأبي منصور الثعالبي، وبريجيت باردو، ولوقيانوس السميساطي، وأحمد فؤاد نجم، وعتيق رحيمي، وغازي القصيبي، ومحمود درويش، وإبراهيم المازني، ومحمود السعدني، وغونتر ديبرون، وتوفيق الحكيم، وخوان رامون خيمينيز، وأحمد شوقي، وحسن أوريد، وواسيني الأعرج، ومصطفى صادق الرافعي، ومجيد طوبيا، ومحمود شقير، ووجدي الأهدل، وأوغست رودان، وجميل السلحوت، وعزيز نيسين، وابن المقفع، وإبراهيم الفرغلي، و… وتختفي الرواية، فتنتفض من غفوتك وأنت تجأر: لماذا نسيت لوكيوس أبوليوس؟ ولأن سؤالك يظل بلا جواب، تنهض وملء عينيك الجحش الذهبي الذي كتب أبوليوس تحولاته في رواية ما برحتَ تأتمّ بها منذ أهداك علي فهمي خشيم نسخة من ترجمته لها، في تونس قبل ثمانية وعشرين صيفًا مثل هذا الصيف الخانق في تونس أو في اللاذقية، ولكن ليس كما في طراوة العصاري الجبلية التي تخفق من البودي إلى البحر بأخيلةٍ تنشد من يكتبها، فتهتف: أنا لها…
(6)
بدلًا من أن تشرع في الكتابة، تهرب إلى آخر ما يخبئ الملفّ الضخم، وجعلتَ عنوانه: «حمار حمزة شحاتة». من جديد تُكْبر في هذا الكاتب السعودي أنه سبق توفيق الحكيم إلى الكتابة عن الحمار، وتبرق عيناك بما كتب: «وفي الحمار خفة، وفي حركاته حلاوة، ونظراته لا تخلو من معانٍ تفيض منها العذوبة، وفيها أناقة ووجاهة يفوقان كثيرًا من الآدميين، وله ابتسامة محجوبة يدركها ويدرك موضع السحر والفتنة فيها كل من يعنيه من أمر الحمير ما عنانا».

علوية صبح
في أعداد من جريدة صوت الحجاز سنة 1936م نشر حمزة شحاتة عددًا من المقالات تحت عنوان «حنفشعيات»، والكلمة تقال لمن يخلط بين المتناقضات. وقد تنكّر الكاتب بما وقّع به مقالاته: هول الليل، فأكبر في الحمار ديمقراطيته التي تصرفه عن الخيلاء، وشدد على أنه أكثر الحيوانات شبهًا بالإنسان. وبلغ حمزة شحاتة أن كتب «… حتى تصورتُني حمارًا أرعى وأعيش في هذا الجانب من الأرض عيشًا خفيضًا».
كنتُ قد قرأت هذه المقتطفات مستحسنًا مرة بعد مرة، لكنني أجفلت هذه المرة، وأسرعتُ إلى الشرفة بينما كانت تخترق السمع والسماء طائرة روسية عائدة من القصف أو ذاهبة إليه، ولكن أين تراها قصفت؟ وأين ستقصف؟
أعادني السؤال إلى محاولة الكتابة، ورأيتني ملهوفًا حقًّا، وعازمًا حقًّا، فهل أبدأ بحزب الحمير المغربي، أم بحزب الحمار في السليمانية من كردستان العراق؟ لماذا لا أتجاوز الأحزاب في الكتابة كما تجاوزتها في الحياة، وأكتب عن مهرجان الحمير في زرهون المغربية أو في كولومبيا؟ ولكن لماذا أذهب بعيدًا، فلا أكتب عن الحمار السوري أو عن حمير القامشلي أو حمير عامودة من سوريا رقم 2 أو رقم…
ما همّ الترتيب، ما دامت سوريتك قد غدت سوريات بجمع المذكر السالم -وعلامة ذكورته وسلامته تاء التأنيث المبسوطة- فها أنت قد عشت حتى صارت سوريا التي تعيش أنت والروسي والإيراني فيها رقم 1 مثلًا، وسوريا التي تحتلها تركيا رقم 3 مثلًا، وسوريا رقم 2 مثلًا هي هذه التي يتناهبها الأميركان والإدارة الكردية والشركة الروسية التركية الإيرانية المساهمة المغفلة، وقد كانت حتى البارحة دولة داعش منذ كانت (باقية وتتمدد) إلى أن صارت (فانية وتتبدد). ولك أن تتأسّى بما كانت عليه سوريتك قبل مئة سنة وحربٍ عالمية، حين شققوها فتشققتْ إلى لبنان والأردن وفلسطين، وتركوا لك هذه السوريا التي لهطت تركيا منها لواء إسكندرون، ويزعزعك الخوف الآن من أن تلهط إدلب وعفرين قبل أن يكحّل الموت عينيك.
(7)
يحرن القلم، تحرن الورقة، تغمض عينيك، بالأحرى تعصرهما مستجديًا كلمة، صورة، أخيولة، فتحرن ظلمة عينيك، ويهتف بك هاتف: أيتها الرواية الحرون، فيرجّع الصدى: قل أيتها الكتابة الحرون، وتكرر العبارة المرّة، فتداهمك الأصداء: حتى ألف كلمة لمقالة صارت حرونًا!
ما بقي لك إذن إلا الهرب، ولكن إلى أين؟ البحر من ورائك والعدو من أمامك.
لا لا.

فواز طرابلسي
البحر من ورائك والحبيبة من أمامك. وليس لك والله إلا الصدق والصبر. واعلم أنك في هذه الرواية أَضْيَعُ من الأيتام في مآدب اللئام. واعلم أنك إن صبرتَ على الأسف قليلًا، استمتعت بالأَرَفَة الألذ طويلًا، وقد بلغك ما أنشأت الرواياتُ من الحور الحسان، الرافلات في الدرّ والمرجان والحلل المنسوجة بالعقيان، فاهتف: أنا لها، واهرب متدرعًا هذه المرة بحكمة ماركيز عندما شبّه الرواية بالمرأة: إذا ما تمنّعتْ فلا ترقْ ماء وجهك، لا تتذللْ ولا تغتصبْ، بل دعها حتى ترضى.
حسنًا، إذن أنا لها.
(8)
لكنك لست لها، لذلك تراك لا تغادر الشرفة بانتظار أن تغطس الشمس في البحر. غير أن هذا اليوم يبدو بلا مساء، فتلحّفْ بالعتمة وعدْ إلى المكتب، لملمْ ما فلشتَ عليه، وتظاهرْ بالأسف لأن أفنونًا جديدًا للهرب يذكرك بسهرة الليلة مع من تبقى من مجموعة الثلاثاء، وسهرة اليوم في مدينة جبلة التي تنصّف الطريق بينك وبين اللاذقية.
هو حقًّا يومٌ بلا مساء.
منذ مطلع القرن الحادي والعشرين -يا لفخامة القول!- كانت المجموعة التي تلتقي كل ثلاثاء، وعُرفتْ بالثلاثائيين، بعدد أصابع اليد. وبعد أن صار العدد ثلاثين بدهر، حلّ صيف 2011م، فشقّ الخلافُ المجموعةَ على الإصلاح والتغيير والانتفاضة والسلمية والعسكرة والأسلمة مما سيتعنْوَن بالثورة، وسأُعَنْونه بالزلزال. ومن سنة إلى سنة مات من مات، وهاجر من هاجر، إلى أن عادت المجموعة إلى عدد أصابع اليد، لكن كل واحدة من الأصابع الخمس تضاعفت بانضمام الزوجات.
هكذا، وعلى إيقاع البدد الذي أودى بالزلزال أو الثورة، باتت الثلاثائية لقاءً أُسَريًّا، كأنها لم تكن يومًا ظاهرة فريدة في سوريا، تمور بالثقافة والسياسة والصداقة قبل أن تستبد بها السياسة فيبدأ الضمور.
والآن تقودك السيارة إلى كورنيش جبلة حيث تتهادى الأسراب كما في يومٍ بلا مساء، فأين هي الكورونا إذن؟

رفيف صيداوي
تُخرس الطائرةُ السؤالَ وهي تخترق السمع والسماء، وأقرب إليك من حبل الوريد، ليس كما كانت للتو في كبد سماء البودي، فمطار حميميم على مرمى حجر من هذا الكورنيش، وما عاد الكورنيش يترنق بمشاوير الناس المسائية، وما عاد نومهم يهنأ إذا لم تخترق الطائرة السمع والسماء.
على إيقاع الطائرة العائدة من القصف أو الذاهبة إليه تبدأ سهرة الثلاثاء في بيت يتوسط البساتين في سوار المدينة. وفجأة يرمينا موبايل أحدنا بالنبأ العظيم: انفجار في بيروت كأنه قنبلة نووية.
(9)
قبل أن يطوي التلفزيون والموبايل والإنترنت هذا اليوم الذي بلا صباح ولا مساء، بلا ليل ولا نهار، بلا يقظة ولا نوم، بلا حياة ولا موت، ستكون قد أرسلت رسالة صوتية أو مكتوبة إلى بيروت فواز الطرابلسي، بيروت إلياس خوري، بيروت عبده وازن، وجمانة حداد، ويسرى المقدم، وحسن داود، ومنى فياض، ونجوى بركات، ومنى سكرية، وأحمد فرحات، و… ولا تصدق أن أرقام عباس بيضون، ورشيد الضعيف، وسماح إدريس قد اختفت من هذا الموبايل الذي تدفقت رسائله: فواز الطرابلسي يكتب: سالمون في مدينة منكوبة، جمانة حداد تكتب: آه من هذه البلاد المقرفة، علوية صبح تنشج رسالتها الصوتية الذبيحة، وكلمة (زمطنا) توحّد بين رسائل رفيف صيداوي وجهاد الزين ومنى سكرية. ويأتي شرح (زمطنا) لمن لا يعلم، في رسالة حسن داود: نجونا هذه المرة أيضًا. ولكي لا ينطوي/ يضيع هذا اليوم تلحق بمن سبقوك وسبقنك إلى بيروتشيما. ولأنك في عيشك السوري الرغيد، لن تلحق بهم، وحسبك أن تتفجر حناياك بالنداء: سوريتشيما، حلبشيما، عفرينشيما، عراقشيما، يمنشيما، ليبياشيما، فلسطينشيما، عربشيما، ولأن النداء يذهب بددًا، رددْ مع من قال:
«لقد أسمعت لو ناديت حيًّا ولكن لا حياة لمن تنادي
ولو نارٌ نفخت بها أضاءت ولكن أنت تنفخ في الرماد»،
أما الرواية فدعها لأفانين الهرب.
بواسطة نبيل سليمان - ناقد و روائي سوري | مايو 1, 2018 | مقالات
في السنوات الخمس الماضية من عمر الزلزال السوري الذي تفجر سنة 2011م، تواتر حضور الأصوات الجديدة في الشعر والرواية، ومنها ما نيّف على الأربعين؛ إذ لم يكن الظهور لأول مرة حكرًا على شباب العقد الثاني أو الثالث. وقد توزعت تلك الأصوات، كسواها، بين لاجئ أو منفي أو مهاجر، وبين مقيم أو نازح، أي بين الداخل والخارج. وهنا تأتي فيما أظن الإشارة المهمة إلى أصوات الداخل، الجديدة أو المخضرمة التي تتوحد في مثل هذا المقام مع أصوات الخارج في التعبير الحر والنقدي عن كل ما يعنيه الزلزال، ابتداءً من الحراك السلمي ضد الطغيان إلى العصف المدمر الذي لم يوفّر حجرًا ولا بشرًا، واستوت فيه البراميل المتفجرة مع الاحتلالات والتشققات جميعًا. ولأنه لا بد من الاختيار، فقد اخترت الروايتين التاليتين، وكل منهما هي الأولى لصاحبها:
«حقول الذرة» لسومر شحادة: فازت هذه الرواية لسومر شحادة بالمركز الأول في جائزة الطيب صالح في دورتها السادسة. وعلى الرغم من أن الرواية لا تسمّي فضاءها بمقتضى إستراتيجية اللاتعيين، فإن في منتهاها ما يكفي من الإشارات إلى اللاذقية وريفها. وعبر جمهرة من الشخصيات الشبابية، ترسم الرواية لوحات للزلزال منذ بدايته في المظاهرات السلمية، إلى قمعها، إلى العنف المتأسلم. ومن الكثير الذي تثبته ألسنة ملهم أو لمى أو موفق أو عدي أو هاني… أن المدينة باتت سجنًا كبيرًا، تقطعها الحواجز وانهيار الثقة بين الناس، وبين أركان السلطة، وبينها وبين الناس. فهذه لمى التي تعمل في الإغاثة ترى أن السلطة سوقت للإجرام كي تسيء إلى قيم الثورة، لكن ذلك لا ينفي الإجرام عن الثوار، لكأن المطلوب إعادة الدولة إلى الصفر، وإعادة المجتمع إلى ما قبل نشوئها، أو تسليم البلد للمنتصر وهي (على العظم) وهذا ملهم الذي يكتب رواية الزلزلة كما يحياها، يخالف أقرانه الشباب؛ إذ يرى أن المشكلة ليست مع شخص الرئيس، بل مع (شخصيته). وإذا كان الأقران يرون أن إسقاطه سيحل مشاكل الفقر والفساد ومصادرة الرأي، فملهم يرى أن إسقاطه دون إسقاط كامل المنظومة التي يمثلها ستعيد المجتمع إلى حلقة أكثر شناعة. وفي موقع آخر يتساءل ملهم عن أيقونة الدولة الفاشلة التي شققت أهلها الانتماءاتُ المختلفة. وعن الطائفية يذهب ملهم إلى أن الطوائف هي دم الطغاة الفاسد، ولا يفرق بين المقاتلين المتأسلمين ومن ينادون بعبارات عصرية بتسليحهم من بقايا اليسار أو بقايا من المنافي أو في سجون السلطة.
حراس الثورة وحراس السلطة
كما يرى ملهم أن هناك ما يحاك (ضدنا جميعًا)؛ إذ يتلاقى حراس الثورة مع حراس السلطة بتلقائية. ومما تحفل به الرواية من (التنظير) ما تذهب إليه من أن الحياة مع الاستبداد ممكنة، ولكن بوجود الحب. ومن ثم فـ(هم) أي رجال السلطة، يعلمون ما يفعلون؛ إذ يطلقون الحريات الشخصية مع انعدام شبه كامل للحريات العامة، ويطلقون حريات المحافظين في تغييرهم لسلوكيات المجتمع. ومن هذا التنظير في الدفتر الرابع «الحرائق» من الرواية المبنية كدفاتر، ما يبثه ملهم بعد مصرع صديقه موفق، وبعد انغماسه في الحرب بمقاتلة أهله سعيًا إلى جعلهم يفكرون بمصير مختلف. وهكذا انضم إلى من يصفهم بالمتمردين الذين أرهبوا قرى الريف بفهمهم البدائي للدين، وعدَّ نفسه المخلص الذي سيجمع الجميع. فملهم يرى أن الحرب تحتاج إلى كم هائل من اللاعقلانية، وأن أول استكانة لإرادة القطيع تعني وداع الحرية الذاتية. وقد قرأت لمى في أوراقه التي عثرت عليها أن العاقل (الآن) هو من يتمسك بالسلطة.
«موسم سقوط الفراشات»: هذا صوت (نور) الكسير الناعم كرموش عينيها الصغيرتين/ ينسحب الصوت على رؤوس أصابعه ليغطي العاشق نزار، كي لا يبرد/ هو صوت يسيل مبحوحًا كماء وعسل/ هو صوت حافٍ يلهث والرصاص يلاحقه…
بمثل هذه الصور المتفردة والشفيفة، تزدان رواية «موسم سقوط الفراشات» لعتاب عدي شبيب. ولكيلا توهمنا الصور بالرومانسية، تصفعنا الرواية لنصحو على السفينة المثقوبة المسماة وطنًا، وعلى وطن كل من فيه مريض، وكل من فيه يفر من ناره بطريقة مختلفة. هكذا تبدو مدينة حمص – فضاء الرواية – امرأة ماتت بالذبحة القلبية، منذ مستهل الرواية، لتمطر رصاصًا في نهايتها، وتحترق في حفلة حقد وهزيمة. وهي الحرب إذن التي جعلت الوطن في بؤرته حمص، على ما تقول هذه الرواية، كما ستقول: إن الحرب حولت الوطن إلى موسم واحد تتشابه به طقوسنا في سقوطنا. ومنذ ذلك اليوم الحمصي من شهر إبريل 2011م – الإشارة إلى الاعتصام السلمي الشهير في ساحة الساعة – «لم نكن سوى فراشات»، وكل من سقط كان طوباويًّا حد الهوس،… وما أكثر وأوجع حكايات الحرب.
بالحكاية نهضت هذه الرواية، فبعد مهاد قصير يعلن نزار أنه سيكون الحكواتي، وستبذّه نور التي تقلب البداية المألوفة للحكاية «كان ياما كان» لتجعلها الخاتمة. ونور تحسن الحكي كجدة عجوز، وتجزم بأنه لا يمكن إلا للمرأة أن تحكي الحكايات. أما نزار فإنه يسجل الحكايات ليكتب الرواية، وهو من كتب قبل الحرب مسرحيات لأطفال التوحد، وعمل مدرسًا لهم. ولسوف يتولى الحكاية هذا الذي يؤدي الخدمة العسكرية الإلزامية، منذ الفصل الذي حمل اسم أحد أحياء حمص: «باب السباع»، فيحكي حكاية العجوز المقيم في هذا الحي (السني)، الذي يمضي إلى صديقه أبي سليمان في حي عكرمة (العلوي) حاملًا طاولة النرد، ليلعبا وليغلب صاحبه. وقد ألف الحاجز العسكري مروره بسيارته العتيقة، حتى إذا جاءت بالسيارة امرأة، فوجئ الضابط، وكان جواب المرأة أن أباها أصيب باكتئاب جراء الحرب، وتعذرت مغادرته البيت، وأوصى بطاولة النرد لصديقه.
زمن الحرب والتعفيش
في فصل «لولو» تتولى نور حكاية الفتاة لولو التي كان صبي النجار يملأ الجدران باسمها، حتى إذا اختفى أخذت كتابات لا تشبه الحب تحتل الجدران، كإبر لئيمة في العيون، تشتم النظام وتهدد سكان الحي من طائفة الفتاة العلوية. وفي الحكاية أن الصبي اختفى لأنه ينام النهار بطوله، كيلا يرى لولو، في حين يخرج ليلًا في المظاهرات. لكنه سيكتب «سامحيني» وقد علمت في أيام القطيعة أنها صارت عدوته كما شاء جنون الوطن. من شخصيات الرواية المرسومة بفرادة: بشارة النحات الذي يصمم المناظر لمسرحيات نزار. لقد بات حلم بشارة في زمن الحرب والتعفيش (أي نهب الغنائم من حيث أمكن) أن يشتري كل كتاب منهوب، وكل ثوب وكل خزانة، ليعيدها إلى مالكها الحقيقي. وبعد موت بشارة يؤلف صديقه نزار حكاية عن موت رجل واحد، بعدما أصغى لألف حكاية، وهو ينتظر الحكاية الواحدة بعد الألف لتكون هي الحقيقة. وكان بشارة قد اختفى أيامًا، ثم عُثِر عليه موسومًا بالتعذيب، واتهم الأمن المعارضة بقتله، في حين اتهمت المعارضة الأمن، وعلى صفحة الشهيد النحات بات كل ما يكتب عليها موسومًا بالطائفية.
تؤكد الجملة الأخيرة في الرواية أنْ لا نهاية للحكاية. ولكن في هذه النهاية المفتوحة، وبعد أن يعود نزار عن عزمه على الهجرة، يتّقد مشهد حمص القديمة إبان استسلام المسلحين وخروجهم منها بالباصات سنة 2013م، بعدما أضرموا النار عشية التسوية في البيوت والسيارات، وفاحت رائحة شواء مرعبة، وأعقبهم اللصوص، ثم الفضوليون، ثم طائفة غريبة من الممسوسين بالشوق، وهذا ما يتصادى مع ما آلت إليه شخصية أخرى بالغة التفرد، هي شخصية جاد المثلي والموسيقي الذي بدا في النهاية / اللانهاية حرًّا من الخوف، ولسان حاله: لقد انتهينا وهزمنا، فما في هذه الحرب من منتصر، وإنها لحرية الهزيمة.
أليس هذا هو نبض روايتي عتاب شبيب وسومر شحادة، كما هو نبض أغلب روايات الزلزال؟
بواسطة نبيل سليمان - ناقد و روائي سوري | مايو 9, 2016 | كتاب الملف
ربما لم تكن (الدياسبورا السورية) بأوجع الكلمات التي رمتنا بها سنوات الزلزال الخمس الماضية. والدياسبورا، كما هو معلوم، كلمة يونانية تعني الشتات، وقد ارتبطت تاريخيًّا باليهود، فكانت الدياسبورا اليهودية، أي يهود الشتات، بعد الزلزال البابلي عام 586 ق.م. وإذا كانت الحرب العالمية الثانية قد أنعمت على ستة وعشرين مليونًا بالتهجير واللجوء، فلم تكد الحرب تهدأ حتى كانت الدياسبورا الفلسطينية عام 1948م، والتي تجددت عام 1967م، كما أعلن ذلك العام عن ولادة الدياسبورا السورية بمن لجؤوا من الجولان إلى أرجاء سوريا بعد الاحتلال الإسرائيلي.
وإذا كان الحديث عن الدياسبورا الأمازيغية -مثلًا– يظل خافتًا، فقد تفجر حديث الدياسبورا العراقية بفضل الدكتاتورية وبفضل الحرب، حتى نيَّف عدد اللاجئين العراقيين في أرض المنافي والشتات على أربعة ملايين، لكن كل ذلك يبقى هينًا أمام هذا الذي لا يصدق من الدياسبورا السورية، وخلال زمن قياسي!
لسبب لغوي على الأقل، أفضل أن أقول (التغريبة السورية) بدلًا من الدياسبورا. تذكروا تغريبة بني هلال في التاريخ وفي الأدب الشعبي. وتذكروا المسلسل التلفزيوني السوري الموجع والبديع الذي أخرجه حاتم علي: التغريبة الفلسطينية. ولأنها التغريبة السورية، حسبي هنا أن أشير إلى ما للمثقف فيها. وقد كان أول ذلك في اللجوء أو النزوح الداخلي، حين أخذت ألتقي في اللاذقية، بأصدقاء مثقفين فارين من الرقة أو حلب. واتسعت الدائرة حين بدأ التواصل هاتفيًّا مع آخرين في طرطوس أو دمشق، قادمين من تينك المدينتين أو من سواهما: الأكاديمي والمترجم فؤاد مرعي والروائي محمد أبو معتوق من حلب، الروائي ممدوح عزام من قريته المتاخمة للسويداء إلى السويداء نفسها، الفنان إسماعيل العجيلي والروائية نجاح إبراهيم والباحث منير الحافظ من الرقة… ومنهم من كان اللقاء به في لجّة مئات الآلاف من الذين لجؤوا إلى اللاذقية، وبخاصة من حلب وإدلب، وبأقل من الرقة وحمص وحماة، مدنًا ومحافظات. وبالطبع، فقد كان لكل لقاء مرارته التي تفجرها الذكريات، كما يفجرها الاختلاف، فمن المثقفين اللاجئين داخل سوريا وخارجها من هو موالٍ أيضًا، وإن يكن فقد بيته أو ذويه أو عمله أو…!
ذكريات ومرارات

هيثم حقي
غير أن كل ذلك يظل هينًا جدًّا إزاء ما يجري هناك، بعيدًا أو أبعد. هكذا، ما كان لي أن أصدق، وأنا أسير في شارع الحمرا في بيروت، أن هذه الطفلة أو هذه الشابة اللتين (تشحذان) من العابرين، سوريتان مهاجرتان. ثم ما كان لي أن أصدق الأمسية التي جمعتني بأصدقاء فرّوا من عنت النظام: الباحث حسان عباس، والشاعر والطبيب محمد فؤاد، والإعلامية ديما ونوس… ومن بعد ستشتبك اللقاءات والذكريات والمرارات والاختلاف، من فضاء إلى آخر. فبنعمة الهاتف والواتساب والفيبر والبريد الإلكتروني، عانقت الأصدقاء الذين عمّدت صداقتي معهم مياه الفرات في الرقة، ومنهم من تخفّى في دمشق بعدما صار مطلوبًا من الأمن، ثم فرّ من دوما حيث اختطفت زوجته، ولم يظهر لها ولمن اختطف معها أثر حتى اليوم، وكان فرار هذا الذي لقّب منذ الشهور الأولى بحكيم الثورة، إلى مدينته الرقة التي كانت الرايات السود فيها قد اعتقلت شقيقه.

روزا حسن
ومن الرقة فرّ الحكيم إلى تركيا، حيث سبقه أو لحق به الفارّون من جحيم داعش وأخواتها: ماجد رشيد العويد وإبراهيم العلوَش من كتّاب الرواية والقصة، وأيمن ناصر الفنان التشكيلي والروائي الذي حطمت داعش مرسمه ومنحوتاته في شوارع الرقة، كما اعتقلت ابنه حتى أمس قريب. ومن الأصدقاء الأكراد، هو ذا الباحث إبراهيم محمود الذي فرّ وأسرته من القامشلي إلى دهوك، ومنها زودني في سنوات اللجوء بمؤلفاته الجديدة: الجسد البغيض للمرأة، بروق: سيرة فكرية، أبراج بابل، والروائي حليم يوسف الذي سبق إلى ألمانيا، والصحفي والروائي إبراهيم اليوسف الذي زودني من ملجئه الألماني بسيرته «ممحاة المسافة».

واحة الراهب
ومن المثقفين الفلسطينيين الذين عاشوا في سوريا –ومنهم من ولد فيها– حتى دفعتهم سنوات الحرب السورية إلى تغريبتها، كأن لم تكفهم التغريبة الفلسطينية، فالروائية نعمة خالد تطوحت من تركيا إلى ألمانيا، والقاصة سلوى الرفاعي تطوحت من تركيا إلى النرويج، أما المفكر الفلسطيني أحمد برقاوي فقد أنعمت عليّ دبيّ بلقائه مرارًا، كما أنعمت عليّ بلقاء الاقتصادي عارف دليلة، والفنانة واحة الراهب، والمخرجين مأمون البني ووليد القوتلي. وممن لم أكن أعرفهم من قبل أنعمت عليّ الإمارات أيضًا بلقاء الكاتبين إسلام أبو شكير وعبدالله مكسور.
أما القاهرة فمن نعمها الكثيرة لقاء الشاعرة رشا عمران والباحث الفلسطيني سلامة كيلة. وقد تضاعفت هذه النعمة أثناء مؤتمر الرواية في القاهرة (آذار – مارس 2015م) بلقاء صبحي حديدي الذي أربت سنوات منفاه على الثلاثين، ومثله خليل النعيمي وسلوى النعيمي وبطرس حلاق القادمون من باريس، وزادتهم سنوات الزلزال نفيًا على نفي. ولأن القائمة تطول، حسبي أن أجدد شكري لوسائل الاتصال التي تجعلني أسمع صوت صديق أو صديقة من المثقفين أو المثقفات الذين توزعتهم الملاجئ: هيثم حقي، وهالة محمد، وراتب شعبو، وسمر يزبك في فرنسا، وروزا ياسين حسن في ألمانيا، وخطيب بدلة في تركيا، وغازي أبو عقل في الكويت، ووفيق خنسة في لوس أنجلس، ومحمد جمال باروت في الدوحة، ومنذر بدر حلوم في موسكو، ومحمد حبيب في النرويج…
براءات الذمة الوطنية
وهكذا، هكذا ضرب المثقف (ة) السوري (ة) في الآفاق، الشاعر والروائي والباحث والممثل والمخرج والصحفي، ودائمًا ينبغي أن نضيف الـ (ة). ومن أولاء من ولد عمله الأول في بلد اللجوء، ومنهم من كان نجمًا قبل اللجوء، لكن سنوات اللجوء عطّلت إنتاجه. ومن أولاء أيضًا من لم يدفعه دافع من نظام أو من معارضات مسلحة إلى اللجوء، لكنه آثر الخروج، ومنهم من كان حتى بعدما زلزلت سوريا زلزالها ذا شأن في الإدارة الثقافية أو السياسية للنظام، وإذا به في غمضة عين نجمًا معارضًا، يوزع من الشاشات براءات الذمة الوطنية، وبخاصة على من لم يغادروا البلد، ومنهم من ناله ما ناله من شر النظام أو من شر الرايات السود، أو منهما معًا.

سمر يزبك
لا أحسب أنني بحاجة إلى أن أشدد على أن معاناة أي مثقف لاجئ لا تقاس بمعاناة طفلة (تشحذ) في شارع الحمرا في بيروت، أو لاجئ في مخيم الزعتري، أو لاجئة في عينتاب… ومع ذلك، فمن مثقفي ومثقفات اللجوء من يتعالى على أولاء ويمنّن الجميع، في الملاجئ ومن هم تحت القصف أو أسرى الرايات السود، بتفضله على الجميع باللجوء. وكما يقال حقًّا: الغربة كشّافة، وتهتك الأقنعة، وقد كشف مواطن اللجوء زيف عدد غير قليل من المثقفين والمثقفات. ويبقى الرهان على مثقف (ة) لم يرتهن لبريق مالي أو سياسي، بل يصرف زمن اللجوء في الإبداع والنشاط اللذين يقربان اليوم الموعود بالعودة إلى الوطن الحر والآمن.