فاضل الربيعي.. نحو بحث منصف للوقائع التاريخية كما حدثت لا كما أريد لها أن تحدث
على أهمية الجهد الذي بذله الباحث العراقي الراحل فاضل الربيعي (1952- 2025م) بخصوص «جغرافيا الأديان الإبراهيمية»، فإنّ الحاجة إلى إعادة قراءة هذا الجهد ونقده وتحليله، تكتسب أهمية أكبر، خصوصًا أنّ الربيعي ألقى حجارة كثيرة وثقيلة في المياه، وما زالت الدوائر الناجمة عن ذلك تنبثق وتتسع.
وخلال زهاء ربع قرن، (انحرف) الربيعي عن مساره الأول المتمثل في الأدب والصحافة، وسلك دروبًا وعرة كان قد مهد لها الباحث اللبناني كمال الصليبي من خلال كتاباته (التأسيسية) في هذا الحقل، وأهمها كتابه «التوراة جاءت من جزيرة العرب» الذي نهض على فرضية (المتحمسون يقولون: نظرية) تقوم على وجوب إعادة النظر في «الجغرافيا التاريخية للتوارة».
كتاب الصليبي، الذي نشر أول مرة في مجلة «دير شبيغل» الألمانية مطلع ثمانينيات القرن الماضي، يسعى إلى إثبات أنّ أحداث «العهد القديم» لم تقع في فلسطين، بل إنّ ساحتها كانت جنوب غربي الجزيرة العربية، وتحديدًا في مناطق السراة وتهامة في عسير (في المملكة العربية السعودية حاليًّا) ويستند في ذلك إلى أدلة اكتشفها في مجاليْ اللغة والآثار، ويقارنها بالمألوف والسائد من «الجغرافيا التاريخية للتوراة».
ومن عباءة الصليبي خرج باحثون أكملوا المسار في تتبع «جغرافيا التوراة»، وكان من أبرزهم فاضل الربيعي الذي حاول أن يعارض أستاذه الصليبي، فذهب إلى أنّ التوراة خرجت من اليمن، وهو تصور لا يبتعد مما قال به كمال الصليبي الذي يلفت في مقدمة الطبعة الأولى لكتابه إلى أنّ «جغرافية التوراة لم تكن في فلسطين، بل في غرب شبه الجزيرة العربية بمحاذاة البحر الأحمر، وتحديدًا في بلاد السراة بين الطائف ومشارف اليمن».
التصور الجغرافي القديم لمنطقة الجزيرة العربية يدل على أنها كانت مفتوحة بعضها على بعض، وأكثر اتساعًا مما استقر عليه الترسيم الحدودي في الزمن الراهن. وقد أفاض الباحث العراقي جواد علي في كتابه «المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام» في تحديد موقع اليمن؛ إذ يعتمد على آراء باحثين غربيين ذكروا أنّ اليمن أو «يمنت» كانت تشمل الأرضين في القسم الجنوبي الغربي من جزيرة العرب؛ من باب المندب حتى حضرموت.
الغرض من تحديد الموقع الجغرافي القديم لليمن هو التدليل على عدم وجود تناقض بين ما ذهب إليه الصليبي وما اعتقده الربيعي من حيث المكان الذي انبثقت منه التوراة؛ إذ إنّ هناك اتفاقًا بين الباحثيْن على أنّ التوراة لم تأت من فلسطين، وبالتالي فإنّ الوقائع التي سردها «العهد القديم» حدثت في الجزيرة العربية، وإنّ القراءات الاستشراقية للتاريخ، طابقت على نحو متعسف بين تاريخ فلسطين وأحداث التوراة.
صناعة مادة تاريخية مزورة
يقول الربيعي: إنّ «التوراة كمصدر تأريخي، أُوّلت تأويلًا يهدف إلى صناعة مادة تاريخية مزورة، تجعل فلسطين مسرحًا للتاريخ اليهودي». ويضيف في كتابه «القدس ليست أورشليم: مساهمة في تصحيح تاريخ فلسطين القديم» أنّ التوراة لم تذكر اسم فلسطين أو الفلسطينيين قط، وأنها لم تأتِ على ذكر «القدس» بأي صورة من الصور. وكل ما يُقال عن أنّ المكان الوارد ذكره في التوراة باسم «قدش- قدس» قُصدَ به المدينة العربية، أمرٌ «يتنافى مع الحقيقة التاريخية والتوصيف الجغرافي، ولا صلة له بالعلم لا من قريب ولا من بعيد». كما أنّ «التوراة لا تقول البتة: إنّ «قدس» التي وصلها بنو إسرائيل بعد رحلة التيه هي أورشليم»، فـ»قدش- قدس الواردة في التوراة تقع قرب جبل برنيع وجبل الأموريين في اليمن وليس في فلسطين».
ويردف الربيعي بأنّ النص العبري يتحدث صراحة عن وجود مدينة تدعى أورشليم (دار السلام) دخلها النبي داود إثر احتلاله مدينة بيت بوس بعد معركة كبرى؛ لذا فإنّ «بيت بوس المدينة المحاذية لأورشليم ليست القدس بل (هي مكان جبلي يمني في منطقة الجوف، على الطريق المؤدي إلى صنعاء)».
وينقض الربيعي ما يقول: إنه شبهات حامت حول الفرضية السابقة، وشاعت في المؤلفات التاريخية والسياسية قي العالم كله. ويذكر أنه، بدافع من توضيح الحقائق، عمل عملًا شاقًّا من أجل «إعادة تركيب وبناء الرواية التوراتية عن التاريخ الفلسطيني استنادًا إلى النص العبري، حيث تكشفت أمامي حقائق مذهلة غيّبها المخيال الاستشراقي السقيم طوال القرنين الماضيين، وذلك عبر الترويج الزائف لأسطورة أرض الميعاد اليهودي».
وعلى امتداد عدد كبير من الكتب والمحاضرات والمقابلات التلفزيونية، بسَط الباحث العراقي تصوره عن «جغرافية التوراة» التي ظل يجزم بأنها حدثت في الساحة اليمنية، وقد توج جهوده في كتابه «فلسطين المتخيلة» الذي صدر في مجلدين، ثم أعقبه «إسرائيل المتخيلة».
يقول الربيعي في مقدمة المجلد الأول «فلسطين المتخيلة: أرض التوراة في اليمن القديم» إن «الكم الهائل من أسماء الأماكن الواردة في التوراة، وما يماثلها في وصف الهمداني والشعر الجاهلي، لا يمكن عده مجرد تطابق عرضي ناجم عن توافقات بمحض الصدفة بين أبنية الأسماء أو الكلمات؛ بل هو تطابق حقيقي يؤيده التوصيف الجغرافي الذي تسجله نصوص التوراة، كما يسجله الشعر الجاهلي وكتاب صفة جزيرة العرب (للهمداني)على حد سواء».
وفي خلاصات نثرت وأعيد تكرارها في كتبه (يجزم) الربيعي أنّ اليهود لم يعيشوا في فلسطين، بل جاؤوا فلسطين بعد السبي البابلي في نجران، وأنّ هيكل سليمان كان موجودًا على جبل الهيكل بين تعز وعدن وخرّبه الرومان، وأنّ اليهود لم يعيشوا في مصر، وأنه لا وجود لملك اسمه فرعون، وأنّ التيه اليهودي حدث في تعز باليمن، وليس في سيناء المصرية.
ومن خلاصاته أنّ النبي إبراهيم (أبا الأنبياء) لم يغادر اليمن مطلقًا، ولم تكن هناك هجرة لإبراهيم من أور الكلدانيين في العراق؛ لأنّ الشعب الكلداني لم يظهر إلى المسرح التاريخي إلا بعد ألف عام من ظهور إبراهيم. كما أنّ أسماء الأماكن في اليمن حُرّفت لتقع في فلسطين، مما يبدد الاعتقاد بأنّ فلسطين أرض الميعاد.
منهج المقابلة اللغوية
ومن أجل إثبات علو كعب تلك الخلاصات، يوضح الربيعي، الذي يؤكد إتقانه العبرية، أنه اعتمد منهج المقابلة اللغوية (الذي اعتمده الصليبي من قبل) بين أسماء الأماكن المضبوطة في التوراة بالحرف العبري، وأسماء أماكن تاريخية أو حالية، كما أنه اعتمد على علوم الآثار والنقوش واللقى من أجل تفكيك النص التوراتي لغويًّا وجغرافيًّا.
وكان الصليبي ذكر في مقدمة كتابه «التوراة جاءت من جزيرة العرب» بخصوص «منهج المقابلة اللغوية» أنه استقاه من «قدامى الجغرافيين العرب، ومنهم الحسن الهمداني صاحب صفة جزيرة العرب، وياقوت الحموي صاحب معجم البلدان، أو عن المعجم الجغرافي للمملكة العربية السعودية الذي جمعه عدد من العلماء السعوديين؛ حمد الجاسر، ومحمد العقيلي، وعبدالله بن خميس، وعلي بن صالح الزهراني، ومعجم معالم الحجاز، ومعجم قبائل الحجاز اللذين صنفهما عاتق بن غيث البلادي، ومعجم قبائل المملكة العربية السعودية الذي صنفه حمد الجاسر، ومن الخرائط المفصلة لتلك المناطق، ومن مؤلفات الرحالة في تلك الجهات، وأخص بالذكر كتاب الرحالة البريطاني فيليبي، وكتاب في ربوع عسير لمحمد رفيع، وكتاب في بلاد عسير لفؤاد حمزة».
وصار منهج المقابلة اللغوية جزءًا أساسًا من كتابات الباحثين في «جغرافيا التوراة»، على الرغم مما يواجه المنهج من نقد أساسه آلاف اللغات واللهجات وتمايزها بين منطقة وأخرى وزمن وآخر، ما يعني أنّ مطابقة النص التوراتي مع الجغرافيا المتحولة (سواء في عسير أم في اليمن) ينشر ظلالًا من الشكوك حول أهلية المنهج للوثوقية المبرمة.
المدرسة التوراتية النقدية
بيْد أنّ ذلك لا يلغي أو يقلل من شأن الدراسات التي نقدت التفسير الاستشراقي المدعم بمحمولات سياسية لإثبات حق (قانوني) لطرف دون آخر. فالدراسات النقدية في «جغرافيا التوراة» لا تقتصر على الربيعي ومن قبله أستاذه الصليبي، بل هناك اتجاه في البحث التاريخي الغربي في هذا الحقل.
ويبرز من بين الأسماء الوازنة في هذا الحقل أكاديميون إسرائيليون وغربيون تقاطعوا مع خلاصات توصل إليها الربيعي الذي قال: إنه ينتسب إلى «المدرسة التوراتية النقدية»، التي كشفت عن التباين الكبير بين الجغرافيا التي تتحدث عنها التوراة، وجغرافية أرض فلسطين. وهذه المدرسة النقدية تضم إضافة إلى الأكاديمي اللبناني كمال الصليبي، أكاديميين مثل: إسرائيل فنكلشتاين، ونيل إشر سيلبرمان، وزئيف هيرزوغ، وإسرائيل شاحاك، وسواهم ممن أماطوا اللثام عن كثير من «المسلّمات» المتصلة بتاريخ التوراة وجغرافيتها.
في كتاب «التوراة اليهودية مكشوفة على حقيقتها» يقول الباحثان إسرائيل فنكلشتاين، وفيل أشر سيلبرمان: إنّ «التوراة الحالية قد كتبها كهنة يهود في عهد الملك المستقيم (يوشيا) ملك يهوذا في القرن السابع ق.م». كما أنّ «العديد من أحداث التاريخ التوراتي لم تحدث لا في المكان ولا بالطريقة والأوصاف التي رويت في الكتاب المقدس العبري، بل إنّ بعض أشهر الحوادث في الكتاب المقدس العبري لم تحدث مطلقًا أصلًا». فضلًا عن أنّ «مئات الأماكن الأخرى التي ذكرت في الكتاب المقدس العبري بقيت مجهولة». ونقل عن فنكلشتاين، غير مرة، قوله بخصوص «هيكل سليمان»: إنه «لا يوجد أي شاهد أثري يدل على أنه كان موجودًا بالفعل».
رحيل فاضل الربيعي لن يقفل هذا الملف المفتوح على «جنايات» كبرى مورست ضد البحث العلمي، بذريعة الصراع على التاريخ. وربما من شأن نمو «المدرسة التوراتية النقدية» وتوسعها، أن يعبّد الطريق أمام بحث منصف للوقائع التاريخية كما حدثت، لا كما أريد لها أن تحدث. ومن المهم أن يجري البحث في مناخات عقلانية تنأى عن الأحكام النهائية والاستنتاجات اليقينية. فالعلوم الإنسانية تتوخى أن تكون نسبية وذات صدقية راهنية، على خلاف الحقول العلمية كالرياضيات والفيزياء والكيمياء، التي لم تسلم هي أيضًا من الطعن فيها. اللغة القطعية تتحول مع الوقت إلى أيديولوجيا.
القول الذي يجهد المؤلف في بناء أجزائه «الفسيفسائية» الدقيقة، ينتظم في إطار رسالة. وفي ذلك يتجلى تميز هذا الكتاب عما سبقه من أعمال المؤلف. وقد اختار مثالًا يدل على ما يقصده بـ«الرسالة» من خلال رسالة «التربيع والتدوير» للجاحظ، لكن هذه الرسالة تمثلت المعنى الحرفي لأدب الرسائل، حيث ثمة من يخاطبه الجاحظ، ومن يبث من خلاله آراءه الساخرة، وقد اختار صاحب «البيان والتبيين» أن يكون المرسَل إليه رجلًا يدعى «أحمد بن عبدالوهاب».