طفولتي والصمت!

طفولتي والصمت!

حينما كان يوجعني الحنين لأقولها، لأستطعم حلاوتها في فمي على الأقل ربما لتؤنسني وتشعرني بوجودها في حياتي «يمه!»

لم أستطع! جربت كثيرًا أن أنادي إحدى شقيقاتي بها، لكن حروفها تعلق في حلقي وتظل ككرة حزن تؤرقني.. ظلت شقيقاتي الكبريات يعتنين بي في حين أنها غائبة على الأكثر طلبًا للعلاج. لم يكن يزعجني تقصيرها القسري تجاهي على الرغم مما كانت البنيات يتهامسن به متحديات بعضهن ورؤوسهن تتمايل بانتشاء «أمي اشترت لي، أمي طبخت لي، أمي أهدتني». وقد أسعدني أنهن يتجاهلنني في العادة، فلم يكن لدي ما أستعرض به، أحببت فقط الدفء في قربها خاصة حين أدس جسدي الصغير في لحافها وأمكنها من جبيني لتمسده بوهن، وحين أشرد ببصري في ملامحها الواهنة وكأنني أنتظرها لتزهو وتصبح أكثر عافية لكن ذلك لم يحدث!

وكان يومًا مرعبًا في حياتي ما إن بلغت الثامنة وجدتني أدور في البيت بوسادتي لأقترف الهروب بالنوم، ثم أكاد أحتفل بوجود (عزيمة) في بيتنا كل يوم.. صغيرة كنت على كل هذا ولم أحسب له حسابًا ولم أتوقعني سأكون في خضمه ما بين شهقات أخواتي وفراش أمي الفارغ، لكأنني بدأت أحس بفقدها، وعجزت عن استيعاب الأمر.

تمسد شعري المنكوش أيادٍ كثيرة تهطل دموعهن بالقرب من أذني وتنشج الواحدة منهن تعصر دموعها، فتتقاطر علي «مسكينة هالبنية ما شبعت من أمها».

ينتفض جسدي الصغير ويعلق النواح في صدري وأركض خلف قريناتي اللاتي اجتمعن دفعة واحدة في بيتنا وكل يوم، ياللدهشة !

يوجعني أن ذكرياتي عنها قليلة ولم أتذكر أصابعها المخضبة بالحناء وهي تجدل شعري، ولا حين تدخل بعض الحـلوى في جيبي، ولا حين تلقي فستاني الجميل على جسدي في يوم عيد! لكنها كانت تدللني! إيمان الصغيرة يجب ألا تقولوا لها: لا! حتى إنها سمحت لي بترك المدرسة في بداية الصف الأول لأن الشمس تحرقني! وتأخرت سنة عن قريناتي فيما بعد.. لا يهم كانت أمنية صغيرة يمكنها تحقيقها لي من بين الأمنيات التي عجزت عنها (كأم) لتحققها لي !

وحين غاب حضورها في حياتي غاب الاستقرار كله فكان على أبي أن يتزوج للمرة الثانية أو الثالثة (ما زال قادرًا على أن يكوّن عائلة أخرى) وبقيت كعدد إضافي بين الجميع، يحزمون وجودي كحقائبنا المعدة للانتقال بين البيوت، وفي كلها لا يمكنني أن أقول: لا! وأكثر ما كان يوجعني أن أفقد زميلاتي بالمدرسة وقد استطعت للتو الاندماج معهن وفي محيطهن، علي أن أبتر علاقتي بهن وأحاول مجددًا البحث عن مثيلاتهن في مدرسة جديدة ومنزل جديد، ومكان جديد وأناس ربما أراهم في محيطي للمرة الأولى.

صمتي وكلماتي المكبوتة التي ترتسم فقط في عيني المندهشتين اللتين تقولان: إن الكثير الكثير كان يخصني وحدي ولم يحق لي أن أركل الأرض بقدمي وأصرخ بعناد «أريد ذلك!» أو حتى «لا أريد هذا!» فمن المستحيل أن يتحقق لي كل ما أريده أو أحضن أمنياتي الصغيرة بين يدي، كنت أشعر بقلب الطفلة الذي كبر قبل أوانه، وأن عليّ أن أصمت وحسب حتى رأيت جزءًا من وجهي يتلون أكثر، يصبح فاقعًا أكثر!

لم أفهم وقتها قلق شقيقتي التي انتقلتُ معها من بيت أبي وزوجته إلى بيت أحد أشقائي. كانت تطيل النظر إليّ وأكاد أشعر بألم ما في صدرها! وقتها كان يؤلمني فقط فراق إخوتي وقد صاروا من نصيب شقيقي الآخر، ليعيش والدي وحده مع زوجته وأبنائه! فيما بعد شعرت بقلقها وبدأت أتساءل: من تراه سيتزوجني؟ وأنا أراها تزف صغيرة، وكنت أفكر بالزواج وأنا أرى شقيقاتي ينعمن بالاستقرار الذي أفتقده طيلة حياتي برغم طفولتي. ووجدتني مرة أخرى تحت قرار أبي (للمرة التي لم أعد أتذكر رقمها) يأمرني أن أحزم وجودي ويرحلني إلى منزل جديد، كانت هواجسي تكبر وقد أصبحت بعمر الثالثة عشرة، وتساؤلاتي تزيد حتى تكبرني عمرًا وعقلًا وخوفًا!

لكن المفاجأة أن شملنا عاد يلتئم من جديد بإخوتي، وقتها كنت قد أنهيت المرحلة المتوسطة ولم يعد بمقدوري تحمل انتقالات المدارس والزميلات والمعلمات والبحث عن رفقة جديدة وأساليب وتعاملات جديدة، وأدراج وكراسي مهملة من إحداهن، والتعود على وضع اسمي تحت اسم مدرسة برقم آخر، وحتى لا أعض شفتي حين أخطئ مجددًا برقم المدرسة التي أصبحت طالبة فيها، وأصابعي لا تزال تعتاد على رقم المدرسة القديمة، وجدتني أعود إلى تلميذة الصف الأول حين رفضت الذهاب للمدرسة، لكن هذه المرة لم تكن الشمس تحرقني بل شموس كثيرة، يكفي إحداها لتؤجج الفكرة في رأسي، وكان عليهم ألا يقولوا لي: لا، أيضًا!

أحببت وحدتي وقتها على الرغم من توقي للعلم والدراسة. ربما شعرت بأني اكتفيت من كل هذا، ووجدت وحدتي التي أحببتها أفضل من أي شيء آخر، وربما احتفاليتي بقرار يمكنني أن أتخذه من نفسي! على الرغم من مرارته التي علقت في لحظاتي حين تفرغ صباحاتي من أي جديد ويصبح مملًّا وككل يوم، غابت عنه روائح البكور المميزة مع ثوب المدرسة النظيف دائمًا وحقيبتي التي أحرص على ألا يغيب عنها شيء من أدواتي ولا جدول اليوم وواجباته، وضوضاء المدرسة ورنات الجرس المزعجة، وصياح المعلمات لنصطف في الطابور، واندهاشي لجرأة البنيات وهن يقدمن الإذاعة المدرسية. كل ذلك كان ثمن فقدي له باهظًا لكنه يستحق راحتي وجملة علقت في قلبي «إيمان لا أحد يقول لها: لا!» وهذه الـ»لا» وحدها التي استمتعت كثيرًا بها!

وكأني ببعض السعادة بدأت تنسل لقلبي حينما تزوج أحدهم من عروس أضاءت حياتي، ليس لأني بدأت أشعر بلذة الاستقرار فحسب، ولم أعد أسمع خبر انتقالي إلى مكان آخر واقتلاع جذوري التي بدأت تنمو في المكان، بل لأن زوجة أخي بدت محبة وودودة ومتفهمة برغم صغر سنها لوضعي، فأحببت صداقتها وعشت أيامًا جميلة معها؛ حتى جاء خبر وفاة والدي ورحل من حياتي بالهدوء ذاته، الذي كان فيها والصمت الذي اعتدته منه منذ طفولتي.