«نسوية السايبورغ»: أسرة ما بعد الحداثة

«نسوية السايبورغ»: أسرة ما بعد الحداثة

في كتابها «نسوية السايبورغ» الصادر عن مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر 2020م، تستعرض الباحثة والمترجمة أماني أبو رحمة التحدي النسوي حول إزالة الفوارق بين الشروط التي ميزت الذكورة عن الأنوثة وموقع ذلك من الطبيعة، والتكنولوجيا والعقل والعاطفة وفق السايبورغ الذي يعني رفض الحدود الصلبة التي تفصل بين الأجناس البشرية؛ فالسايبووغ كائن سايبرنيتيكي «معرفي» هجين بمعنى أنه يجمع بين الآلة والكائن الحي…

ينقسم الكتاب إلى جزأين؛ الأول عبارة عن مقدمة عميقة تشرح فيها المؤلفة فكرة الكتاب عبر سلسلة من المحطات، والجزء الثاني يترجم كتاب «بيان السايبورغ» لـ«دونا هارواي» وعلاقة ذلك بالعلم والتكنولوجيا والنسوية الاشتراكية في أواخر القرن العشرين، وقد رأت أبو رحمة في مقدمة الكتاب أن الرقمية القائمة على الدماغ بدلًا من العضلات وعلى شكل الشبكات بدلًا من التسلسل الهرمي تبشر بعلاقة جديدة بين النساء والآلات لكنها في كل ذلك تستند إلى ما كتبته هارواي، التي وضعت عام 1985م «بيان السايبورغ»، ثم عادت ونشرته كما أفادت الباحثة مزيدًا ومنقحًا عام 1991م؛ من أجل انتقاد المفاهيم التقليدية النسوية، خصوصًا تركيزها القوي على الهوية، بدلًًا من التقارب.

تعد هارواي صاحبة كتاب «بيان السايبورغ» من «النسويات» الفاعلات، فضلًا عن أنها قد وصفت بالماركسية الجديدة وبما بعد الحداثية. درّست هارواي مادتي «الدراسات النسوية» و«تاريخ العلوم» في جامعة هاواي وجامعة جونز هوبكنز. وفي سبتمبر 2000م؛ مُنِحتْ أعلى تكريم تمنحه جمعية الدراسات الاجتماعية للعلوم: جائزة برنال عن مجمل مساهماتها العلمية وأبحاثها. وتعود مفردة السايبورغ «cyborg» (الكائن الحي السيبراني) في الأصل إلى عام 1960م. وضعها المهندسان: مانفريد كلاينز وناثان كلاين اللذان يعملان لصالح الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء (ناسا) تتعلق رؤية كلاينز وكلاين عن السايبورغ بهجين من الآلة والبشر يقوم بتعديل البشر من أجل الفضاء، بدلًا من إنشاء بيئات صديقة للإنسان خارج كوكب الأرض. لذلك، يعد السايبورغ آلية تحررية من البيئات البشرية من خلال «نظام الإنسان/ الآلة ذاتي التنظيم». نظرًا لكونه أكثر مرونة من الكائنات البشرية.

السايبورغ بالنسبة لهارواي ليس مجرد مجاز يتحدث عن البيولوجيا والتكنولوجيا، ولكنه يجمع بين الهويات المتكسرة والمناطق الحدودية لأنواع كثيرة مادية وخيالية؛ لأن السايبورغ يعمل على تفتيت الحدود القائمة بين جسم الإنسان والكائنات الحية الأخرى في أبهى تصوره.

تقول أبو رحمة: إن هارواي لا تنكر الجسد كخريطة «للسلطة والهوية»، إلا أنها ترى في السايبورغ فرصة لتجاوز حدود الصورة النمطية؛ حتى داخل الدراسات النسوية للجسد الأنثوي: جسد السايبورغ ليس بريئًا؛ لم يولد في جنة، لا يسعى إلى الهوية الوحدوية، ويولِّد ازدواجيات متضادة إلى ما لا نهاية، أو حتى ينتهي العالم، ومن ثَمَّ يأخذ السايبورغ المفارقة. لكن السؤال الذي سيظل يرافقنا كيف نشأت مفردة السايبورغ؟ وما جذورها في الواقع؟

ومن منظور إصلاح الجندر وضعت النساء أفكارًا جديدة عن المساواة بين الرجل والمرأة، جاءت هذه الأفكار وفق تطور استعرضت فيه الباحثة محاور عدة ومن ذلك النسوية والماركسية والاشتراكية؛ فالنسويات الماركسيات اللواتي ينتقدن العائلة لأنها تضطهد المرأة، هن من قمن بوضع ربات البيوت في بنية الرأسمالية؛ أي العمل الاقتصادي الصناعي. وفي معرض التحليل احتوى الكتاب على تعريف النسوية التي عرفناها بأنها توجه نظري يتضمن مجموعة واسعة من المواقف ووجهات النظر.

في الجزء الخاص بالنسوية الراديكالية ترى مجموعة من النسوة الباحثات أن البطريركية هي الكلمة المفتاحية للراديكالية النسوية، أو القمع الكاسح للنساء من الرجال واستغلالهن؛ وتؤمن النسوية الراديكالية بأن النظام البطريركي غير مقدور عليه لأن جذوره الاعتقاد بأن النساء مختلفات وأدنى درجة، وهو ما يعني أن ذلك جزء لا يتجزأ من وعي معظم الرجال. وهناك -أيضًا- النسوية الإيكولوجية أو الفكر الإيكولوجي الذي ظهر في مؤتمر الأمم المتحدة المعنيّ بالبيئة والتنمية عام 1992م، الذي ضغطت فيه المنظمات البيئية النسوية من أجل مراعاة حقوق المرأة والبيئة بالترادف. اتفق هذا المؤتمر، ومؤتمر المرأة الرابع في عام 1995م في بكين، لأول مرة على أنه لا يمكن الفصل بين حقوق المرأة وحقوق البيئة.

وفيما يخص نسوية ما بعد الحداثة فإنها تنتقد النسويات السياسيات القائمة على أساس فئة عالمية، المرأة، ويقدمن بدلًا من ذلك رؤية أكثر تخريبية تقوض صلابة النظام الاجتماعي المبني على مفاهيم: جنسيْنِ، وجنسانيتيْنِ، وجندريْنِ. ويقلن: إن المساواة ستأتي عندما نعترف بأجناس وجنسانيات وجندرات متعددة بحيث لا تقف في الساحة فئتان فقط تتواجهان إلى الأبد.

ترى هارواي في البيان أن السايبورغ يمكن أن يفكك الجوهرية الجندرية، وأن يسهم في الأجندة النسوية اليوتوبية التي تتخيل العالم بلا جندر، أو عالم ما بعد الجندر، وتزعم أن كل السايبورغات هن «نساء ملونات». وفي جانب آخر تتحدث عن النسويات الملونات (التشيكانا: السكان الأصليون) في الولايات المتحدة: إنهن لم يكن -ولا السوداوات بطبيعة الحال- يتماهين مع النسويات البيض في الولايات المتحدة في كثير من الأحيان؛ لم يكن قادرات على قبول أيديولوجية نسوية مهيمنة واحدة تستند إلى تجارب النساء البيض كحلٍّ لقهرهن.

موضوعات الكتاب المترجم «بيان السايبورغ» الذي حللته وشرحته أبو رحمة، تتضمن: التكنولوجيا والنسوية الاشتراكية في أواخر القرن العشرين، والحلم الساخر بلغة مشتركة للنساء في الدائرة المتكاملة، وهويات العلم ممزقة، والمعلوماتية للهيمنة، واقتصاد العمل المنزلي خارج المنزل، وسايبوغارت: خرافة الهوية السياسية.

يورد الكتاب مصطلحًا مهمًّا برز في السنوات الأخيرة وهو مصطلح الهويات المتقاطعة، وهو عن: كيف تتفاعل أنواع مختلفة من الاضطهاد وتؤثر في حياة الناس. تستنتج هارواي أن المصطلح «يشير إلى تكامل المصنع والمنزل والسوق بطرق جديدة وحاسمة؛ لأن التغيرات الاقتصادية تترك أثرًا في بناء الأسرة، وهو الأمر الذي تنشده هارواي وتستطيع تصوره: أسرة ما بعد الحداثة..أسرة تديرها وترأسها أمرأة».

تنتقد النسويات ما بعد الحداثيات السياسات القائمة على أساس فئة عالمية، المرأة، ويقدمن بدلًا من ذلك رؤية أكثر تخريبية تقوض صلابة النظام الاجتماعي المبني على مفاهيم: جنسيْنِ، وجنسانيتيْنِ، وجندريْنِ. ويقلن: إن المساواة ستأتي عندما نعترف بأجناس وجنسانيات وجندرات متعددة بحيث لا تقف في الساحة فئتان فقط تتواجهان إلى الأبد. تدرس النظرية النسوية ما بعد الحداثية الطرائق التي تبرر بها المجتمعات المعتقدات حول الجندر في أي وقت (الآن وفي الماضي) مع «الخطابات» الأيديولوجية المتضمنة في التمثيلات الثقافية أو «النصوص». ليس فقط الفن والأدب ووسائل الإعلام، ولكن أي شيء أنتجته مجموعة اجتماعية، بما في ذلك الصحف، والإعلانات السياسية، والطقوس الدينية، هو «نص». إن «خطاب» النص هو ما يقوله، وما لا يقوله، وما يلمح إليه (يسمى أحيانًا «نصًّا فرعيًّا»). يصبح السياق التاريخي والاجتماعي والظروف المادية التي يصدر فيها النص جزءًا من خطاب النص..

السينما الإيرانية لم تنجُ من السياسة

السينما الإيرانية لم تنجُ من السياسة

يقدم كتاب «السينما الإيرانية تاريخ سياسي» الصادر هذا العام ٢٠١٩م عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة، تحليلًا شاملًا عن السينما الإيرانية ومعارضة تهميش المسائل السياسية بداخلها، والكشف عن بعض المفاهيم السائدة حول دور ومكانة السياسة في التيار السائد. بمعنى آخر يتناول الكتاب السينما والتاريخ، ويوضح الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية التي ظهر فيها أهم المخرجين. ألفّ الكتاب حامد رضا، وترجمه من الإنجليزية أحمد يوسف، ويتكون من تسعة فصول ألحق بها بيان بأهم الأفلام.

العناوين الكبيرة تقسم الكتاب إلى حقب تاريخية مثلًا عنوان الفصل الأول: السنوات الأولى من ١٩٠٠م إلى عشرينيات القرن العشرين، وعنوان الفصل الثاني من عشرينيات إلى أربعينيات القرن العشرين.. والفصل الثالث: الأربعينيات. وهكذا إلى التاسع الذي جاء تحت اسم من عام ٢٠٠٠م إلى ٢٠٠٥م.

في السينما الإيرانية يعد الملك مظفر الدين شاه أول ملك يهوى السينما، وهو أول إيراني يصوَّر على السليو لويد عام ١٩٠٠م؛ إذ إنه جاء بالسينما معه بعد زيارته بلجيكا، أما أكباشي ميرزا أحمد ضياء السلطنة فهو أول مصوِّر سينمائي إيراني، ولعل هذا ما جعل التصوير بداية يحكي عن القصور الملكية ومنازل الصف الأول من المسؤولين والأثرياء، وكان النوع الوحيد المتاح للفرجة الجماهيرية يتعلق بطقس التعزية المرتبط باحتفالات الرثاء التي تحكي عادة عن استشهاد الحسين، وهو ما يعني تطويع السينما مذهبيًّا وسياسيًّا منذ البداية.

نهض بعد ذلك رجل في البلاط يدعى إبراهيم خان صحاف باشي بتأسيس أول سينما تجارية جماهيرية، وفي عام ١٩٠٤م بتصريح من الشاه افتتح دار السينما التجارية في طهران، وقد تخصصت في عرض الأفلام القصيرة إلا أنها أُغلقت؛ فالسلطات الدينية أدانتها بوصفها من أعمال الشيطان؛ إلى درجة أنه تم نفي صحاف وحجزت ممتلكاته. حمل الفصل الرابع عنوانًا رئيسًا: الخمسينيات، وأضاف عنوانًا جانبيًّا: «الاستيقاظ من النوم العميق». في هذه الحقبة وُصف المزاج العام في إيران بأنه يمضي وفق مسارين الأول يعتمد على التفسيرات العديدة للمؤرخين والرحالة الدبلوماسيين والمراقبين الآخرين للمجتمع الفارسي، وأما السياق الثاني فقد كان يرنو إلى الاعتماد على تحليلات علماء الاجتماع الذين تعرضوا للمشكلات المعاصرة، وفي كتاب ويليام إس هاس الصادر عام ١٩٤٦م نظر إلى طبيعة الإيرانيين من خلال ثلاثة محاور: دخول الإسلام والحكم الأجنبي وتعاقب الحكومات الاستبدادية.

وقد أشار المؤلف هنا إلى أن إسماعيل كوشان المخرج والممثل هو الذي بدأ في صناعة الأفلام بعد الحرب العالمية الثانية، وكان الفِلْم الأول الذي أنتجه هو فِلْم «طوفان الحياة» ثم أخرج وأنتج فِلْم «سيرة الأميرـ الفتاة الكردية». والجدير بالذكر أن الجو الوطني الراديكالي في الحقبة التي تلت رضا خان في الأربعينيات شجع على إعادة نشاط المرأة. في هذا العقد أيضًا تأسس مجلس الرفاه الاجتماعي للنساء والأطفال. يرى المؤلف أن السينمائيين في الخمسينيات تأثروا برغبات الحكومة التي لم تكن تريد النظر إلى أسباب الانهيار السياسي في أوساطها، ومع ذلك لم يتجاهلوا المشكلات الاجتماعية المعاصرة، وركزوا في السينما على أخلاقيات الفرد وليس الجماعة. ففي فِلْم «الصعلوك» لمهدي ريس فيروز ١٩٥٢م يؤسس لشخصية الأب والزوج المهمل وأعيد هذا في فلمَي: «الدوامة» و«الغفلة» لعلي قاسمي ١٩٥٣م.

سينما حذرة

في الفصل الخامس الذي جاء تحت عنوان الستينيات تحدث المؤلف عن الصراع بين الحضر والريف الذي أشار إلى أن السينما الإيرانية كانت حذرة ومتخلفة عن الأحداث الاجتماعية والسياسية في فِلْم « قبعة من القطيفة» (إسماعيل كوشان ١٩٦٢م) هناك تجاور بين الريفي القروي وساكن المدينة. في «خوداداد» لأمين أميني ١٩٦٢م يناقش الثيمة نفسها، وكذلك في العلمين يصبح الريفي كبش فداء لجرائم المدينة والفوضى، اشتهر في هذا العقد مجيدي محسني الذي بلغ الذروة في فِلْم شهير قام ببطولته عام ١٩٥٧م هو «مزرعة الكناريا»، وفِلْم «العصافير تعود دائمًا إلى الوطن» ١٩٦٣م وهو المخرج الذي أهلته خبرته ليكون عضوًا في البرلمان.

ظهرت في هذه الحقبة أفلام تناقش المخدرات، وأخرى تحاكي السينما الغربية، وأفلام للفتوات جسدها ناصر ملاك مطيع في فِلْم «قبعة من القطيفة» ١٩٦٢م. وقد رأى النقاد أن هذا النوع الأخير لا يمثل المجتمع الإيراني، وهنا اندلعت الشرارة الأولى للسينما التي تمثل إيران؛ إذ بدأت بفِلْم «الأحدب» لفاروق جعفر؛ فهو تحليل عقلاني مثقف للتركيب الاجتماعي للمجتمع الإيراني، وهناك أفلام أخرى مثل «كنوز قارون»، و«قالب الطوب والمرآة»، وفِلْم آخر مهم «زوج آهو» لـ داود مرلايور ١٩٦٨م، وفِلْم« أين الله» لجلال مقدم، وهو أول فِلْم تسجيلي طويل عن حج المسلمين إلى مكة.

الفصل السادس: الستينيات، جاء تحت عنوان جانبي: «من التفاؤل المفرط إلى التحول الوحشي» يتحدث المؤلف فيه عن عام مهم للسينمائيين الإيرانيين وهو العام الذي أُنتِجَ فيه فلمان مهمان هما «البقرة» لـداريوس مهروجي و«قيصر» لمسعود قيامي، إنه العام نفسه الذي أضرمت فيه النيران في خمس دور عرض سينمائية على يد الثوار في أقل من ثلاثة أشهر، وعلى الرغم من النزعة السياسية للفِلْمين فإنهما يقدمان رؤية بديلة للمجتمع الإيراني.

في الفصل السابع: الثمانينيات يتحدث الكتاب عن ثورة عام ١٩٧٩م التي أنهت ٢٥٠٠عام من الملكية، ويتحدث عن كيف حدث الاستيلاء على السفارة الأميركية بعد الثورة، وأزمة الرهائن الأميركيين، وثمانية أعوام من الحرب مع العراق، مع إشارة إلى صمود السينما على الرغم من احتراق ما يزيد على ١٢٥ دار عرض سينمائية خلال فوران الثورة. وفي إبريل ١٩٨٣م ذكرت صحيفة «كيهان» أن هناك ٤٠٠ دار عرض هي التي تعمل في إيران، ولكن أهم ما أراد المؤلف توضيحه هنا هو صعوبة الانتقال بين سينما ما قبل الثورة والسينما الجديدة. وفي يونيو ١٩٨١م أعلن رجل السياسة محمد علي رجائي أن شعارات الشعب يجب أن تنعكس في الأفلام، وهو ما يعني أن المعايير الأولية يحددها السياسي.

موقف من الغرب

وفي هذا الصدد يشير رئيس الإشراف السينمائي حجة الإسلام صادق آردستاني إلى أن المعيار الحاسم الذي يمكن أن يحكم به على السينما هو قدرتها على الإفساد أو الفجور؛ «وكان من أهم أهداف سينما ما بعد الثورة تأسيس موقف مضاد للغرب؛ إلا أن الإشارة المهمة هي أنه بين عامي ١٩٧٩م و١٩٨٣م صُنعت أفلام جديدة لم تَرَ النور قط؛ لأن هذه المرحلة ساد فيها المنظور السياسي الخالص، واتُّهمت بأنها تحمل تأثيرًا شيوعيًّا، ومن ذلك فِلْم «المفسدون» لأمان ماننجي ١٩٨٠م، وفِلْم «السيد هورغليفي» ١٩٨٠م من إخراج غلام علي عرفان، كما ظهرت أيضًا أفلام عن معارك الحرب بين إيران والعراق ودور الحرس الثوري في ذلك؛ لأن انعكاس الحرب أثر في المجتمع الإيراني كله وكان فِلْم مثل «الشجعان» لناصر محمدي ١٩٨٣م أظهر التعاون بين الجيش والحرس الثوري، وكذلك فِلْما «قارب متجه إلى الشاطئ» و«الإنسان والسلاح».

وفي مرحلة التسعينيات أدرك القائمون على صناعة السينما تغيير الثيمة، بحيث تتحول إلى التعامل مع المشكلات اليومية في الحياة المعاصرة، ومن أجل الانتقال من ثقافة الحرب إلى ثقافة جديدة اعتمد رجال الدين المتطرفون على مزيج من الشوفينية القومية وكراهية الأجانب؛ لحشد الشعب ضد الملكية لامتصاص التأثيرات الأجنبية.

في الغرب أنتجت أفلام تصور وحشية الإيرانيين مثل: فِلْم «ليس بدون ابنتي» ١٩٩٠م، وفي المقابل أنتجت السينما الإيرانية أفلامًا مضادة مثل: «النصل والحرير»، وهناك أفلام أخرى ظهرت تعالج قضايا مختلفة مثل: فِلْم «مجنون» لرسول مولاجوليبور الذي يصور الفقر بعد الثورة. وبدت أفلام أخرى تعالج مشكلات الطفولة في زمن تتحكم فيه السياسة مثل: «الواجب المدرسي»، وفي الحقبة اللاحقة للتسعينيات انفتحت السينما على دول الجوار والعالم، فانعكست على السينما أصداء ١١ سبتمبر وطالبان والأكراد.

«النص والنص الموازي» لـحسن الحازمي «جاهلية» في مختبر النقد الأكاديمي

«النص والنص الموازي» لـحسن الحازمي

«جاهلية» في مختبر النقد الأكاديمي

إذا كانت النصوص تحتاج دائمًا إلى مفاهيم نظرية، فإن كل النصوص والمفاهيم بالمجمل هي في حقيقة الأمر معطى قابل للتأويل وسبر الغور، وإذا كانت النصوص في المقام الأول تحمل دلالات فارقة فإن الرؤى هي أيضًا غواية ومناصة تأليفية حافرة. وجميعنا يعرف أن التشظي النصي يقابله تشظٍّ موازٍ. من هنا ظهر النص الموازي الذي ينشغل بالدوران حول النص المركزي، وقد استطاعت رواية «جاهلية» لليلى الجهني- صادرة عن دار الآداب عام 2007م- الدخول إلى قلب المداميك المخبرية في العمل النصي الأكاديمي؛ إذ سُلِّط الضوء عليها في إطار عمل بحثي عميق عبر كتاب: «النص والنص الموازي – قراءة في رواية جاهلية ليلى الجهني» للدكتور حسن حجاب الحازمي، وهو كتاب علمي محكَّم أُصدِر ضمن مشروع أدبي يهتم برعايته كرسي الأدب السعودي في جامعة الملك سعود.

يقع الكتاب في 304 صفحات، ويتحرك في فضاء محدد بفصلين؛ الأول يتعرض للنص الموازي الداخلي في رواية جاهلية، والثاني يتحدث عن النص الموازي الخارجي للرواية، ويمكننا مقاربة الكتاب عبر الاستشهاد برأي المؤلف حول سبب اختياره للرواية؛ فقد ذهب إلى أن الجودة الفنية للرواية مثلت السبب الرئيس في تناولها؛ لأنها اجتذبت عددًا غير قليل من كبار النقاد، أما السبب الثاني؛ فقد كان موضوعها الذي عالَج قضية العنصرية، وجاء تنوع النص الموازي داخل الرواية ليشكل السبب الثالث في تناولها. إن أهم ما يمكن التركيز عليه هو استجابة النص العميقة البليغة للمفهوم المعياري النظري في النص الموازي، الذي عرفه جينيت في كتابه «الأطراس palimpsestes» بأنه نمط ثانٍ من التعالي النصي ويتكون من علاقة هي عمومًا أقل وضوحًا وأكثر اتساعًا، ويقيمها النص في الكل الذي يشكله العمل الأدبي مع ما يمكن أن نسميه بالنص الموازي؛ أو الملحقات النصية «les paratextes» على أن السيميائية تقول: إن النص الموازي هو مجموعة من العلامات الدالة المؤثرة في النص، ولكن علينا أن نعرف أن النص المركزي هو المقابل للنص الموازي، ولجيرار جينيت كتاب اسمه «العتبات» وهو ما يعني ضلوعه ورياديته في الاشتغال على النص الموازي الممنهج.

ليلى الجهني

النص المركزي هو المتن الإبداعي الذي ينبني على الثيمة الرئيسة في رواية جاهلية، وهي الثيمة التي تتخذ من معالجة موضوع العنصرية منطلقًا لها؛ إذ تنشأ قصة حب بين مالك الأسود ولين البيضاء التي يرفض والدها مبدأ تزويجها بمالك مستحضرًا ردة فعل المجتمع إن قبل ويتساءل: ما الذي سيفعله الناس ببنته إن قال لمالك: نعم؟ ما الذي سيقوله له شيوخ الحكمة؟ أف يابو هاشم ما لقيت إلا ها العبد تزوجه ابنتك؟ ولعلنا سنلاحظ أن «أبو هاشم» رد بالرفض على مضض مستحضرًا رأي المجتمع، فالمجتمع ينظر للرجل الأسود على أنه عبد، ولا يحق له الزواج من بنت السيد الأبيض، وتبلغ العنصرية الجاهلية هنا ذروتها البشعة في ردة فعل أخ لين هاشم الذي استغل عدائية المجتمع للأسود، فاستعان بأحد أصدقائه لضرب مالك.

المثول العميق للعنوان

أما النص الموازي فيحضر في المثول العميق للعنوان في كل أجزاء الرواية وانتقالاتها، وفي دخوله عبر النص الفوقي المقدس، حين انبنى على قول الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: «إنك امرؤ فيك جاهلية» وذلك عندما وصف أحد مواليه بابن السوداء، وبالتالي فإن ما يجدر الإشارة إليه هو أن النسق السياقي يستدعي تغذية الانتباه إلى العنوان في إطار الالتباس الذي تراه الروائية بين ما هو عقائدي معلن، وما هو وعي اجتماعي مخفي، وذلك وفق مرجعية أن العنوان هو العتبة الرئيسة وأهم عناصر النص الموازي. ثم ها هو العنوان يكسر التواطؤ بين الحقيقة والخوف من التفكير بمثل هذه القضايا التي يرفضها الدين متوافقًا مع العقل والمنطق، ولعل الاستدعاء العميق الذي يفرضه العنوان هو كشف شذوذ العقل الجمعي وتعمد الإشاحة عن النصوص القويمة التي ترفض الجاهلية، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾؛ فالجاهلية هي منظومة حياة؛ فقد أدى التعصب الأعمى ضد مالك إلى قتله ماديًّا بعد أن قتله والد لين معنويًّا، حين قال له: «جبر الخواطر على الله وكل ثوب وله لباس» وبهذا تتعمق دلالة العنوان في الإجادة، والاستخدام المكثف للعنوان؛ إذ كان الجاهلي قبل الإسلام يدفن ابنته حيةً خوفًا من العار المفترض. إن ما يمكن أن نعرفه إجمالًا أن الناقد وقف في الكتاب هنا عند المفاهيم والتصورات التالية: الغلاف- العنوان الرئيس- العناوين الداخلية- العناوين الداخلية الرئيسة-العناوين الداخلية الفرعية- العتبات الزمنية- العناوين الداخلية فرعية الفرعية- المقتبسات السياسية الإخبارية- المقتبسات التراثية. ومن أكثر جماليات الرواية التي لفتت انتباه الناقد سعي الرواية من خلال بنائها إلى نقد العنصرية بأشكالها كافة، ولكن التركيز الأكثر إدهاشًا كان على اللون. أما اختيار المدينة المنورة لتكون مكان الحدث فقد مثّل مركز التجربة، القائمة أيضًا على الثنائية: ذكر/ أنثى. أسود/ أبيض. معرفة/ جهل. تنهض الدراسة في حقيقة الأمر على مساحة كبيرة معدة من جانب الكاتبة سلفًا في نص جاهلية؛ حيث تختلط وظيفة الإطار بوظائف المتن الروائي بإحكام مدروس، ويعد غلاف الرواية بعناصره اللغوية والبصرية مثلًا أول عناصر النص الموازي. أما عنوان الرواية فهو عتبة كبرى بما يحمله من إيحاءات ودلالات، ثم تأتي بعد ذلك عناوين الفصول؛ لأنها مفاتيح مكثفة تحلّ الكثير من الدلالات العميقة، ثم المقتبسات والتواريخ… والتحديدات الزمنية نحو قولها: الساعة الثالة فجرًا، وغير ذلك.

نصوص تضيء النص المركزي

وفيما يخص الفصل الثاني من الكتاب فإنه يتحدث عن النص الموازي الخارجي، وهو ما تعودنا الحديثَ عنه في النص النقدي القرائي من أنه الامتداد والبعد والنص الإضافي؛ أو في أحسن الحالات: النص الموازي، الذي يشمل كل ما يتعلق بالنص المركزي؛ ولكنه لا يأتي مصاحبًا في إطار الكتاب الذي يحويه، إنما يكون بينه وبين الكتاب بُعدانِ؛ مكاني وزماني، ويندرج تحت لوائه: الاستجوابات والحوارات واللقاءات الصحافية، والإذاعية وغير ذلك من النصوص التي تضيء النص وتفتح مغاليقه، وكمائنه، وتضم حوارات أُجريت مع الكاتبة الجهني، إضافة إلى التركيز على كتاب لليلى الجهني عنوانه «40 معنى أن أكبر» وهو الكتاب الذي تركته الروائية مفتوحًا فاقدًا لهويته الأجناسية.

يمكننا أن نقول هنا: إن من أهم مزايا البحوث الأكاديمية ليس الغرق في العمل البحثي؛ ولكن مدى التشارك الذي يحدثه الباحث مع الفاعلين والمهتمين، وهذا الحديث يتوافق مع أهم قواعد النص الموازي؛ إذ قدم المؤلف في الجزء الثالث والأخير من الفصل الثاني رصدًا تفصيليًّا للأبحاث والقراءات التي تناولت رواية جاهلية وهو عمل استباقي مدهش أشار فيه الباحث إلى أن هناك قراءات ودراسات منهجية استوعبتها صحف ومجلات محكمة؛ أوردها الباحث في جدول متتبعًا تاريخ نشرها، ومن ذلك قراءات لأحمد زين، وميّ خالد، ومعجب الزهراني، وسعد البازعي، ولمياء باعشن، ومفيد نجم، وصبري حافظ وغيرهم.

إن القارئ المتفحص لهذا البحث، ولا سيما المتخصص سيكتشف أن الدراسة تناولت جميع عناصر النص الموازي؛ الداخلية والخارجية، وأبانت نجاح استخدام النص الموازي كمدخل نقدي لقراءة الأعمال الإبداعية، كما أن الدراسة أوضحت الأهمية النموذجية لرواية جاهلية التي اشتغلت على التجريب فاستحقت أن يشار إليها ببنان النقد الذي رأى فيها مادة خصبة للتطبيق كنص مفتوح بالإمكان تناوله من زوايا عدة، وتجدر الإشارة إلى أن الرواية فتحت بابًا لتسليط الضوء على الأدب السعودي الجدير بالقراءة.

السعودي حسن مشهور يترجم شعراء  من العالم في «حوارية العتمة والضوء»

السعودي حسن مشهور يترجم شعراء من العالم في «حوارية العتمة والضوء»

ترجمة الشعر ليست وردية كما جاء في العنوان، لكنها مغامرة ما زال كثير من النقاد يعدونها «خيانة» إلا أن أهم ما يعرفه القارئ أن الشعر المترجَم يفقد كثيرًا من بريقه في أثناء القيام بعملية فصله عن اللغة الأم إلى لغة جديدة؛ أو إلحاقه بأم أخرى إن شئنا الدقة؛ فيصبح كما لو أنه ابن بالتبنِّي ولنا أن نتخيل معنى ذلك!

من المعروف أيضًا، أنه ليس من الأفضل قراءة الشعر والأدب إلا باللغة التي كُتب بها، هذه الهواجس حول الترجمة يثيرها كتاب «حوارية العتمة والضوء» للسعودي حسن مشهور، المترجم من الإنجليزية والصادر عن دار أروقة بالاشتراك مع نادي نجران الأدبي؛ هذا الكتاب الذي يعكس قدرة المترجِم على الاستفادة من التراكم النصي في الترجمة العالمية، ومن ثم الاستفادة من هذا الإرث العميق الذي كلّله المترجم باستعراض مكثف لحياة كبار الشعراء العالميين في مشهد يبدو كما لو أنه لوحة معلقة في جدار الصمت؛ القابل للحركة والتفاعل.

حسن مشهور أديب ومترجم له أعمال صحافية وإبداعية وبحثية نشرت في كُبريات الصحف والمجلات العربية، وقد فاز بجوائز إبداعية عدة، آخرها جائزة التميز في الأدب لعام 2017م، مقدمة من لجنة التنمية الاجتماعية بمنطقة جازان. ولعل أهم ما يلفت القارئ أن المترجِم في مقدمته عدّ هذا النوع من الشعر المترجَم «حلقة وصل بين الثقافات المتباينة ومن ثم يعزز العلائقيات بين الحضارات الإنسانية المتعددة… وإنه من خلال التلاقح مع النتاجات الشعرية التعبيرية لثقافات أخرى تحدث الفائدة ويتحقق الثراء في شقه التوليدي الثقافي لدى الحضارات».

حسن مشهور

وما تجدر الإشارة إليه هنا أن أهم ما يود المترجِم إيصاله لنا هو أن الترجمة بؤرة تجديد طوال الوقت، فالشعراء الذين وردت أسماؤهم في الكتاب كانوا دائمًا محطَّ أنظار المترجِمين العرب طوال عشرات السنين، وقد ترجم كثير من المترجمين أعمالًا خالدة لهم؛ منها نصوص وردت في الكتاب احتفظ المترجم ببصمته في التعاطي معها؛ لكن هذه النصوص تظل هي الأقدر على النفاذ إلى عمق القارئ لأن الترجمة فنّ يقوم على فتح آفاق جديدة في اللغة والفكر والخيال، أما حالة التكثيف القصوى فإنها تتجلى في جديد المنهجية المتخذة؛ لأنها منهجية متينة تقوم على الترابط بين النص والنثر، وقد تجلت الإضافة في انتقاء النصوص؛ وبخاصة تلك التي يتمتع جوهرها بدعوة للخلود وإن طاردها شبح الموت، وهناك نصوص بعينها قادرة على الانفجار والتشظي قادرة على الليونة والتطويع، وهناك أيضًا نصوص عصية. إضافة منهجية أخرى التزم بها المترجم أمام كل شخصية تمثلت بتقديم عرض سيري مُنتقًى بعناية وفُرِز ليكون وجبةً سائغة تقدم للقارئ على طبق مكشوف شهي، وهو عرض تبدو فيه بصمة المترجِم نفسه وليس بصمات منحازة لمترجمين آخرين.. وتجدر الإشارة إلى ضرورة الالتفات إلى استخدام لغة التقصي التي تعني الوصول إلى محاولة بالغة في التكوين العام، مثل الوصول إلى اسم المدرسة التي ينتمي إليها الشاعر؛ أو المذهب الذي يؤمن به. وخلص المترجم إلى أن هناك اتجاهًا تعبيريًّا لكل شاعر، وهي عمليه قد تكون معروفة لكن الجهد الذي أثرى عملية الترجمة يرتكز في البوتقة التي ترادف فيها «حوار العتمة والضوء» العتمة التي يسوقها العالم بتحولاته، والضوء الذي يحمله الشعر لتمزيق تلك العتمة.

الشعراء الذين ترجم لهم مشهور عددهم 12 شاعرًا وهم: سان جون برس، وآنا أخماتوفا، ولوركا، وشللر، ولارمانتين، وشيلي، وماتسو باشو، ودانتي إلغري، ووليام وردزورث، ولورد بيرون، وراينر ماريا ريلكه، وميلاد فينوس. وتكاد تكون الترجمة هنا قد غطت الأفق العالمي فيما يخص بلدان هؤلاء الشعراء والزمن الأورسطي الذي ينتمي إليه معظمهم. كما أننا نستطيع أن نقول: إننا على موعد مع أجزاء أخرى لترجمات لاحقة وشعراء جدد يمثلون العصور التالية. ويوثق الكتاب الذي بين أيدينا للشعراء الذين تغلب على أعمالهم الرومانتيكيةُ بأبهى حللها، فنجدهم يمجدون الطبيعة ويتغنون بجمالها ويوغلون في الالتصاق بها ومن ذلك لارمانتين الذي قال: أيتها الطبيعة/ حدادك يؤلمني/ وجمالك يفرحني/ وها أنا ذا أسير/ متعثر الخطى/ في الطريق/ طريقي المهجور/ أحلم ولو لثانية أخيرة/ أن أرى هذه الشمس/ التي تضاءلت/ وعلاها الشحوب/ فوهنت.

يقول ابن عربي: «المكان إذا لم يؤنث لا يعوَّل عليه»؛ فها هو الكتاب يحتوي على مشاركة نسوية تجسدت بالروسية آنا أخماتوفا التي ولدت في بلدة صغيرة تدعى بلشوي، وبدأت تنظم الشعر في وقت مبكر من حياتها، واستمرت حتى تزوجت برفيق طفولتها الشاعر نيكولاي قوميليف، ثم عادت فانفصلت عنه. أصدرت بداية ثلاث مجاميع شعرية حملت أسماء: المساء عام 1914م، والسبحة 1914م، والسرب الأبيض عام 1918م، تقول في أحد نصوصها:

«يا موت.. يا موت/ أنت بسيط كما الأعجوبة/ فهلا أتيت إليَّ/ هلُمَّ بأي قناع تريد/ كقنبلة غازية/ فلتنفجر ببدني/ أو فلتسرقني كما اللصوص/ أو اجعل نهايتي بدخانك التيفوسي». عاشت آنا أخماتوفا في حقبة القيصرية واستولت عليها مشاعر الموت كما حدث للإسباني لوركا، الذي ينتمي مثلها إلى بداية القرن العشرين، وتنبأ أن جسده سيختفي عن الوجود حين قال: «حينها علمت أنني قد قتلت/ في المقاهي/ في المدافن والكنائس/ بحثوا عن جثتي/ لكن باؤوا بالفشل/ سرقوا جثثًا ثلاثًا/ نزعوا منها/ تلك الأسنان الذهبية/ لكنهم لم يقفوا لي على أثر».

الياباني ماتسو باشو الذي يعدّ المعلم العظيم لشعر الهايكو، بل الأب الروحي لهذا النوع من الشعر، نجده هنا يحتفل بموضوع النهايات نفسها التي تشربها لوركا وآنا أخماتوفا؛ يقول تحت عنوان خريف: «يا خريف/ هل سأشيخ/ وأنا لم أزل/ أطير تهدهدني الريح. وفي نص آخر يقول: في عالمنا/ لا شيء ينبئك/ عن تلك النهاية». مرت سنوات طويلة تمتد إلى قرون على وفاة هؤلاء الشعراء، لكن أشعارهم تبحر في صمت العماء البشري، كأنها لآلئ تضيء الآماد بقوة. ولا يزال الحلم بتفوق الترجمة على النص الأصلي قائمًا.

«مستقبل الماركسية» لأندرو ليفن هل اقتناع المناصرين سيبعث فيها الحياة؟

«مستقبل الماركسية» لأندرو ليفن هل اقتناع المناصرين سيبعث فيها الحياة؟

لم تهز العالم أزمة أيديولوجية بقدر ما فعلت الماركسية حين ارتبكت في عقر دارها عندما تداعت المنظومة الاشتراكية فيما كان يسمى بالمعسكر الشرقي الذي يمثل الدول المنضوية تحت نطاق الاتحاد السوفييتي سابقًا، وبسبب ذلك اندفع سيل التحليلات والمراجعات والأبحاث التي نقدت وعارضت وحلّلت؛ فظهر المتشفون في أزمتها، والمدافعون عنها باستماتة؛ لكن الشيء الذي لا يستطيع الجميع تجاهله أن الماركسية باقية في جميع أنحاء العالم إذ إن بقاءها تمثل في الأحزاب والتيارات السياسية التي تشارك في كثير من الدول ضمن الأنساق التي تشكل النظم الديمقراطية وغيرها؛ ولعل أهم ما يطرحه كتاب مستقبل الماركسية لـ«أندرو ليفن» ترجمة زين العابدين سيد محمد وإصدار دار أروقة للدراسات والترجمة والنشر؛ أهم ما يطرحه الكتاب التساؤل التالي: هل هذا الاقتناع لدى المناصرين للماركسية في النهاية سيبعث فيها الحياة؟ فمستقبل الماركسية يعتمد على الظروف السياسية المحيطة التي توجد في سياقها وأن السمات التاريخية للماركسية هي التي حملت في فرضياتها المستقبل.

يتوزع الكتاب في جزأين وستة فصول هي: بعد مقدمة الجزء الأول «بعد الثورة»، و«اليسار الأخير»، و«ألتوسير»؛ ثم مقدمة الجزء الثاني التي خُصصت للماركسية التاريخية؛ ثم الفصل الرابع الذي جاء بعنوان: التحول، ثم الفصل الخامس تحت عنوان: التحول التحليلي، وأخيرًا فصل الميراث. ينصب الهم البحثي في الكتاب على كثير من المعطيات والفرضيات التي منها التساؤل التالي: أين موقع الماركسية اليوم من التغيرات العالمية؟ ثم إلى أين يسير بنا الطريق؟ وما مصير الحركات العقائدية التي آمنت بالماركسية ومنهج الماركسية؟ ويلقي الباحث الضوء على تيارين سياسيين واضحين في الماركسية المعاصرة، ثم على اثنين من الاتجاهات المعاصرة: اتجاه اعتمد على عمل (لويس ألتوسير) ورفاقه والاتجاه الآخر هو الماركسية التحليلية، وقد عدّ الباحث ماركسية ألتوسير بمثابة نواة لإنعاش الفكر الماركسي.

استعرض الكاتب في مقدمة الجزء الأول الانعكاسات الطبيعية والتفسيرات البيئية والسياسية لها، ورسم في الجزء الثاني رؤية السياسة والفكر التي ظهرت بعد الثورة الفرنسية، ومن هنا أراد تحديد الرؤى الواسعة وأراد من خلال ذلك –أيضًا- تحديد المكان الذي تقف عليه الاشتراكية في هذه الرؤية الواسعة وطرح للمناقشة ما يميز الماركسية من الاتجاهات الأخرى للفكر الاشتراكي، وعلى وجه التحديد الزعم بأنها اشتراكية علمية (على أساس أنها ضد فكرة اليوتوبيا) أحيانًا في رأي البعض ويبدو هذا الجدل جليًّا في الجزء الثاني من الكتاب، ولا سيما في الفصول الخاصة بالماركسية التحليلية؛ إذ عُرضت بعض الأفكار التي ناقشت فكر اليسار الجديد الذي ازدهر في منتصف الستينيات.

في فصل ما بعد الثورة، تكاد تكون الثورة الفرنسية هي المحور الرئيس فإذا كانت الأيديولوجيات الثلاثة في القرنيين الماضيين: الاتجاه المحافظ والاشتراكية والليبرالية تمثل السمة الرئيسة فإن ذلك لم يكن ليتطور وبخاصة الاشتراكية لولا هذا الحدث الثوري ويقصد المؤلف الثورة الفرنسية. أما الفصل الثاني المخصص لليسار الأخير فيلقي الضوء على اليسار الجديد الذي بدأ مع نهاية خمسينيات القرن العشرين ونضج مع دخول عام 1968م؛ إذ ظهر فيه أناس على قدر من الحكمة والتعقل ويرون أن المستقبل القريب يحمل في طياته احتمالًا بأن يصبح شعار «السلطة للشعب» حقيقة واقعية، وهناك اليوم من يعد اليسار الجديد هو بداية لتحقيق المستقبل.. أما الفصل الثالث «ألتوسير والفلسفة»؛ فرصد تأثير فلسفة ألتوسير في المشهد السياسي والفكري في فرنسا وخارجها. وكان كتاب ليفن «دفاعًا عن الماركسية» الأكثر شهرة بين كتبه؛ إضافة إلى كتاب «قراءة رأس المال». ومما لا شك فيه أن ألتوسير عُرف بالفكر المادي في الفلسفة ولذلك ادعى أن الثورة المعرفية (التحول الإبستمولوجي) أظهرت الديالكتيك المادي الذي قصد من خلاله طريقة جديدة للفهم.

في الجزء الثاني من الكتاب يضع المؤلف مقدمة يتحدث فيها عن معارضته للمصادر الهيغلية وكذلك المصادر الماركسية نفسها؛ فالماركسية التي اعتنقها الماركسيون على حد تعبيره كانت نتاجًا لفكر هيغل، ومن دون شك أن لها جذورًا قبل هيغل، فاللاهوتيون البروتستانتيون الذين سعوا إلى تأسيس شرعية إيمانهم يقولون: إن كنيستهم على مدار التاريخ الكهنوتي سبقت الفكرة الماركسية للتاريخ. أما الفصل الرابع الذي تحدث عن التحول فإنه يستند إلى ألتوسير الذي حدد التحول بنظامين مختلفين: علم الاجتماع الماركسي (المادية التاريخية) ونظرية هذه النظرية (المادية الجدلية) Dialectical ومن ثم يقسم التحول الإبستمولوجي فكر «ماركس» إلى حقبتين طويلتين أساسيتين: الحقبة الأيديولوجية قبل التحول والحقبة العلمية بعدها في عام 1845م. وفي الفصل الخامس الذي عُنون بالتحول التحليلي أكد المؤلف فيه أن الماركسية التحليلية في واقع الأمر ظاهرة أكاديمية؛ لكنها لم تكن التيار السائد المسيطر على الماركسيين الأكاديميين المعروفين، إنما يمكن وصف المتحدثين بها بأنهم خلفاء ألتوسير. الفصل السادس والأخير هو فصل الميراث ويقدم فيه ليفن تفسيرات عامة عن الموضوعات السابقة ويتساءل –كما هي عادته في الكتاب- هل سيسير اليسار القادم تحت لواء الماركسية؟ منتقدًا التجربة السوفييتية التي رأى فيها وصمة عار؛ لكنه شدد على ألا تطوي يد التجاهل فكر ماركس بحيث لا يُدرَس، كأنه نتاج تاريخي فقط.

ولعل ما قد يلاحظه القارئ هو اتخاذ النموذج اليساري في أميركا مثالًا للتفسير، وفي أغلب الأحوال تفنيد التوعك السياسي الذي ظهر في النظرية، وما رافقه من خوف من اليوتوبيا فهو يقول: إن ثمة سببًا معقولًا للخوف من التفكير اليوتوبي في بعض جوانبه، وقد يكون في أغلب الأحوال، ولكن ليس في كل النواحي الفكر اليوتوبي هو العلاج، وقد يكون هو العلاج الوحيد المتاح بسبب حال الإعياء التي يمر بها الفكر السياسي في وقتنا هذا، فإذا كان لليسار مشروع موحد فإنه من باب أولى يجب التركيز على الماركسية فقط؛ لأنها الحال الأكثر أهمية والأكثر تأثيرًا لأنها تفترض دائمًا وجود رابطة متكاملة، لتنظيم الشؤون الإنسانية وتفسيرها لكيفية الخروج من الوضع الحالي.