فاطمة المرنيسي… سيدة الحوار بين المسلمين والغرب

فاطمة المرنيسي… سيدة الحوار بين المسلمين والغرب

بعد عقد من الزمن على رحيلها، أصدر الباحث والمفكر المغربي يحيى بن الوليد كتابه الجديد «فاطمة المرنيسي في سياقها المغربي» ليقرّب قراء العربية من منجز الباحثة والمفكرة والفيلسوفة المغربية العالمية فاطمة المرنيسي (1940- 2015م) التي خلفت ميراثًا معرفيًّا، نادرًا، من دراسات وأبحاث ميدانية ومقالات ومقابلات واستجوابات وتسجيلات ومحاضرات وحوارات ومداخلات… مؤكّدة، عبر مسارها المتفرّد، أنّها من النوع الذي لا يعوّض بالنظر لمرجعيتها الفكرية ومستنداتها التصوّرية ومقولاتها النظرية وعدّتها المفاهيمية…

وغير ذلك من مرتكزات المعرفة والمعرفة النقدية التي جعلت منها: «نسوية مختلفة» و«سلطانة غير منسية» و«نصيرة شهرزاد العصر» و«امرأة ميدان بامتياز»… مثلما جعلت منها: «المثقفة النسائية التي يُعَرّف بها بلدها» و«سفيرة الحب بين الحضارات والثقافات» و«سيدة الحوار بين المسلمين والغرب» و«أيقونة النضال النسائي» و»مُنتجة المعرفة السوسيولوجية» و«المسافرة على أجنحة السوسيولوجيا» و«شهرزاد المعرفة النسوية»… و«دارِسة القرآن الكريم» و«تلميذة القرويين» و«الفقيهة المتصوّفة خريجة جامعة القرويين» و«لبؤة الدراسات النسائية في الإسلام»… مثلما جعلت منها «مجلى الصوت المكتوم» و«منبر غير المتعلّمات» من البروليتاريات والمحجوزات والمنسيات مثلما جعلت منها «مشروع الحضور والكلام الفاعل»… وصولًا إلى «المغربية الأكثر حضورًا في الغرب».

فكر نسوي غير مسبوق

ظلت فاطمة المرنيسي، بحسب توطئة المؤلف، «منتظمة في «النقد النسائي» طوال مسارها الأكاديمي الثري والمتجدّد، دونما سقوط في معاودة النفخ في المواضيع التقليدية مثل الحجاب والإرث والعنف ضد المرأة… إلخ. حتى إن عادت لمثل هذه المواضيع ففي سياق تاريخي محدّد، وبحسّ تأويليّ محكم، ومنهجية مغايرة أو مختلفة، وبمنأى عن السقوط في مناطحة الرجل أو مسايرة الغرب من خلال الانتظام في «النسوية الراديكالية»، أو نقيض ذلك حيث العداء والعداء اللاهب للغرب وتلخيصه، من ناحية تعاطيه الفكري والمعرفي الغاصب (كذا) مع العرب والإسلام، في الاستشراق بشقيه «الظاهر» و«السافر» والمساير -في الحالين معًا- للإمبريالية في إصرارها على تشطير الأمم عبر تفتيت الهويات الجماعية وتعطيل عمل الذاكرة والقدرة على السرد والسرديات المضادة… إلخ.

فقد أدركت كيف تصل وتفصل، في الآن ذاته، ما بين الإسلام والغرب من خارج التنميطات الجاهزة والكليشيهات المتبادلة. ومن هذه الناحية كانت وراء أبحاث مكرّسة وغير مسبوقة، وبالقدر ذاته أسهمت في التأسيس لفكر نسوي غير مسبوق في العالم العربي؛ وهو ما جعلها محط إحالة من باحثين غربيين يعتقدون في جدوى «الغرب المتعدّد» و«الإسلام المتنوّع».

فاطمة المرنيسي

ويرى المؤلف أن مجال الدرس التحليلي التفصيلي الموسّع والمتعمّق لمنجز فاطمة المرنيسي يستلزم كتابًا مستقلًا؛ وبخاصة في مجال حفريات التراث الإسلامي وتفكيك مركزية الغرب من ناحية موضوع المرأة، بل الوصل ما بين المجالين في نطاق «النقد الثقافي النسائي المزدوج». إضافة إلى أن عملًا من هذا النوع يمكنه أن يفيد أكثر في حال منظور تحليلي موسّع يعنى أيضًا بباحثات عربيات أخريات، من منظور «المرأة… الجندر والإسلام» ومبحث «النسوية الإسلامية» كما شاع في الأوساط الأكاديمية والإعلامية بالغرب (الأنغلوسكسونية تحديدًا)، وبدءًا من التسعينيات من القرن المنقضي. هذا وإن كانت الباحثة لا توظّف البتة مفهوم الجندر أو «النسوية الإسلامية» سواء على مستوى التضمّن أو اللزوم. وهو ما سنعرض له في بحث «المرأة… الإسلام والاستشراق» بالكتاب.

والظاهر أن فاطمة المرنيسي مضت إلى الأنساق الكبرى في الثقافة العربية، تلك الأنساق التي تقف وراء «الافتراس المضمر» للمرأة عبر أشكال من المصادرة والقهر والتحقير والكراهية… إلخ. وهي أنساق ممتدة في التاريخ ذاته والثقافة والمجتمع في وحداتهم السياقية المنفصلة والمتصلة في آنٍ واحد. وهو ما يبرّر نوعًا من «الخوف» منها في بعض البلدان وأنظمة الاستبداد حتى في بعض البلدان التي تسمح للمرأة بالظهور في المجال العام والمشاركة في أكثر من مجال؛ لكن دونما إسهام -ولو في حدود- في قرارات السلطة ومقرّرات الهيمنة. حتى داخل بلدها المغرب لا نعدم درجات من هذا الخوف، بل لم يكن مرحّبًا بها بالنظر لـ«التقليدانية المتخفّية» في «الحداثة الظاهرة»؛ وقد برع المؤرّخ المفكر (المغربي) عبدالله العروي في انتقاد هذه التقليدانية بشكل متباعد ومدقّق في كتبه الأخيرة التي تأخذ -بمعنى من المعاني- صيغة «الأسلوب الأخير» (تبعًا لعنوان إدوارد سعيد) ومن قبل في أعماله المنتظمة في النقد الأيديولوجي والنقد التاريخي بصفة عامة. وليس من شك في أننا هنا نفكر، وبخاصة في أوقات سابقة، في أداء الدولة و«إستراتيجيا الدولنة» في تعاطيها مع الحقل الديني من منظور التسييج الثقافي/ الأيديولوجي.

وفي المغرب ذاته، حتى لا نطمع في الخارج، يسهل تأكيد حجم النقص بل عدم الاستعداد… على مستوى التعاطي مع منجز الباحثة درسًا وتحليلًا وتقويمًا. ولا أدل على ذلك من غياب كتب جماعية أو حتى ملفات قوّية حولها في أثناء حياتها… مقارنة مع ما حصل مع عبدالله العروي ومحمد عابد الجابري وعبدالكبير الخطيبي ومحمد مفتاح وعبدالفتاح كيليطو… إلخ. والمؤكد أن جميع هذه الأسماء «ذكورية» ومن الحق أن يقال: إنها كانت بدورها وراء تكريس صورة المغرب الثقافي «أفقًا وتفكيرًا». ومن الحق أن يقال أيضًا، أو من جهة مقابلة: إن فاطمة المرنيسي بدورها أسهمت في هذا المغرب الثقافي؛ بل لفتت الانتباه إليه بشكل أقوى مقارنة مع بعض هذه الأسماء.

التعاطي مع المحاور الكبرى

تعاطت فاطمة المرنيسي مع ثلاثة محاور كبرى؛ هي: التراث الإسلامي، نساء المغرب، والسرد. ومن هذه الناحية تمكّنت من بلورة مشروع قائم بذاته وبالقدر ذاته دال على صاحبته. ولا يمكن لهذا المشروع أن يقابل، في مجال المعرفة، بالتقصير المعرفي والحيف الذكوري؛ ذلك أنها أسهمت بدورها في الفكر المغربي مثلما أسهمت في الفكر العربي ذاته بأعمال فكرية لا يمكن التغافل عنها في سياق البحث في مشكلات التعاطي مع التراث العربي الإسلامي، وفي المدار ذاته الذي لا نعدم فيه أفكارًا قوية لها تعنى بموضوع الإسلام كله والاستشراق والحداثة، والحداثة السياسية (الإسلام والديمقراطية؛ تعيينًا).

يرى الأستاذ يحيى بن الوليد أن فاطمة المرنيسي هي من الجيل الأوّل المؤسّس والمؤثّر في الوقت ذاته في السوسيولوجيا المغربية. وفي الوقت الذي اشتغل فيه بعض بـ«فك الاستعمار»، أو مراجعة الغطاء الكولونيالي في السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا… أو الانتظام في السوسيولوجيا القروية، ولأسباب وجيهة ودونما تفريط في المراجعة السابقة لتأثير أيديولوجيا المرحلة كلها (مرحلة الستينيات والسبعينيات)؛ التزمت المرنيسي بموضوع المرأة اعتمادًا على طرائق التحليل السوسيولوجي المنهجي التي ثقفتها في جامعات الغرب الرأسمالي.

وبعد ذلك توجّهت إلى الماضي لاستخلاص نظرة مغايرة للمرأة في ضوء «تقاليد الإسلام المبكّر» التي يطمسها التأويل الذكوري المتعصّب؛ كذلك مساءلة الغرب الذي لم يسلم بدوره من الحريم. وبعد ذلك انتظمت، أكثر، ضمن «الفكر المتحرّك» في نزوله للمجتمع المغربي ومناطقه المهمشة… دعمًا لمشروع «التغيير» من طريق تعليم الشباب وتمكين النساء من الأدوات الأولية والضرورية للديمقراطية.

وفاطمة المرنيسي، علاوة على أنها صاحبة منجز ثقيل في أكثر من مجال بخصوص المرأة، كانت صاحبة التأثير في أكثر من باحث سوسيولوجي سواء في موضوع محدّد مثل موضوع الجنس أو المرأة عامةً، أو متغيّـرات المجتمع ودينامياته كلها.

والظاهر أن فاطمة المرنيسي، وبين الأسماء الفكرية والأكاديمية المغربية الوازنة، هي، بحسب المؤلف، الأكثر انتشارًا وحضورًا في بلدان كثيرة في مقدّمها أميركا وأوربا. ويعود ذلك لعمقها الأكاديمي أيضًا، لا لكونها «ناقدة نسوية» فقط. وفي هذا الصدد نطالع مئات المقالات والأبحاث وآلاف الإحالات عليها في كبريات الجرائد العالمية والمجلات المحكمة، وعلى النحو الذي يسمح بـ»قراءة فرنسية» للمرنيسي وأخرى «إنجليزية» و«تركية» و«ماليزية»… و«قراءة عربية» أيضًا، كما نطمح إلى الانتظام فيها من دون تفريط في ربط الجسور مع القراءات الأخرى. ولما نقول بهذا المطمح فنحن لا نسوّي بين بلدان العالم العربي؛ ذلك أن قراءتها في المغرب ذاته ليست هي قراءتها في البلد القريب تونس؛ لكيلا تفوتنا الإشارة لمصر التي تبدو فيها قراءة المرنيسي شاحبة الحضور. وهي لا تزال تختزل، في العالم العربي، في «الحريم»؛ لذلك فالتعاطي معها يكون بدافع استكشاف عالم الحريم والتلذّذ بعوالمه.

ولا بد من أن تتعدّد مداخل التعاطي مع منجزها بالنظر لتعدّد المباحث التي بحثت فيها، لكن من منظور لا يخلو من خواص جامعة. والشيء ذاته يقال عن المرجعيات التي بإمكان الدارسين الاستناد إليها في تعاطيهم معها، ولا يمكن لها إلا أن تكون بدورها مختلفة. ومن دون أن يكون في نيتنا، هنا، أن نختزل السوسيولوجيا المغربية في اسمها، أو أن نرقى بها إلى العلامة التي لا تعلو عليها علامة أخرى في النقد الثقافي النسائي العربي.

محمد بكّاي في كتابه الجديد «جَدَلُ النِّسْويّة» رَجّ الهَيَاكِل المركزية للعقل والجِنس والهويّة

محمد بكّاي في كتابه الجديد «جَدَلُ النِّسْويّة»

رَجّ الهَيَاكِل المركزية للعقل والجِنس والهويّة

محمد بكّاي

يأتي الكتاب الجديد «جَدَلُ النِّسْوية، فصول نقدية في إزاحة الدوغمائيات الأبوية» (منشورات ضفاف ومنشورات الاختلاف) للكاتب محمد بكّاي، ليسُدَّ فراغًا تعانيه المكتبة العربية في مجال النبش في إشكالية النسوية والجنوسة والجندر من زوايا ونوافذَ شتّى، ففي الخطاب الفلسفي الغربي منذ أفلاطون وصولًا إلى جاك دريدا، اتّخذ خطاب الجنوسة صورة جدلية ولغة مُحتدمة وقلقًا هويّاتِيًّا تُهيمن عليه المركزيات وتتجاذبه الأقطاب الـمتضادة.

وأبرز ملامح الجدل التي يحملها خطاب الاختلاف الجنسي، حسب المؤلف، هي تمايز الذكوري والأنثوي؛ حيث يجوب القطبان مَناطِق حَرجة، ويطوّقان قوانين لعبة صعبة حينًا، ويخترقانها حينًا آخر، لترتسم خرائط الهوية والانتماء الجنسي، وتُضبط طقوس الرغبة وممارساتها عبر جغرافيات محدّدة ومقدّسة معياريًّا.

أمّا اختراق ذلك الهيكل الجنْدري فهو من قبيل العدول عن الحدود الطّوطمية التي لا تُمَسّ، حدودٍ مقدّسةٍ بجّلَتْها النُّظم التيولوجية والسياسية أو فرضَتها الأنساق الاجتماعية والثقافية، ومن ثم فهذا الضرب من الخطابات والمقولات عبارة عن موجات معرفية جديدة في حقل الإنسانيات، تناسَل من العصيان الجارف لثورة مايو 1968م، وهي ثورة الاختلاف الجنسي بامتياز، تمرّد أزاح ثقل الصرامة البنيوية لـ«مفهوم الإنسان» الـمكبّل بالنسقيات والـمراقَب من طرف الدوغمائيات كما كرّسَتها الميتافيزيقا في قرون عدة، من شأن الإزاحة فتح قراءات جديدة للتصوّرات الثابتة حول الجسد والجنسانية (وما يُسلّط عليهما من قمع وتهميش وهيمنة…) وخلق تحقيق حفري عبر التأويلات والاحتمالات.

ويضيف المؤلف في تقديمه للكتاب القيم، «ويأتي في طليعة تلك الموجة الفكرية ما بعد الحداثية ما يسمى دراسات النوع الاجتماعي للجنسين أو النظرية النسوية. وقد ساءل الجنْدر الخطوط المعقدة لمفهوم الهوية الجنسية أو الجنسانيات كما فتحت النظريات النسوية جبهات حربها على الترسانة الهرمية للفكر التقليدي والفلسفة والتحليل النفسي والبيولوجيا والطب لتطعن في مسلمات الطروحات الميتافيزيقية، وتعصف بالتمثلات الاجتماعية، وتشكّك في الحقائق البيولوجية والتشريحية، عن طريق جدل الأسئلة المطروحة أو جرأة الـمقولات التي قوّضت الأرضيات الـمتينة التي تتخذها الهيمنة الذكورية مطيةً لها حفاظًا على تركات أو سلطات رمزية أو قوى متنوعة، تخدم الذكوري المتمركز على ذاته، وتقوّي شوكته دون الرغبة في اكتشاف آخره المختلف عنه جنسيًّا».

حفريات في الجسد والجنسانية

تتناول فصول الكتاب موضوع النسوي أو الأنثوي من زوايا متعدّدة، سواء داخل الحقل الفلسفي أو الإستاطيقي أو الاجتماعي. همّها المشترك هو «الأنوثة والأنثوي» عبر الحفريات في الجسد والجنسانية واللغة والمجتمع والثقافة والدين، مساهِـمة بقوة في إدخال أبعاد الجندر المطموسة داخل دوائر السياسي والاجتماعي، وتثوير الأسئلة التقليدية حول الـمرأة. فمنذ أفكار سيمون دي بوفوار الجريئة حول هذا الموضوع وصولًا إلى التنظيرات الشرسة مع لوسي إريغاري أو ساره كوفمان، بلغت مسألة الهوية الأنثوية أو قضية النساء طُرقًا شائكة، حادّة، وأحيانًا مسدودة وهي تستميتُ جدلًا في خلق توازن بين حميميات التفرد (الأنا) وآفاق الشمولية (النحن)، وكيف تتحقّق عدالتها، ليس من خلال مفهوم المساواة أو عملية استرداد الحقوق فقط، بل لتظل العدالة شيئًا يستحيل تحقّقه. ونستعير الاستحالة هنا بمفهومها التفكيكي مع جاك دريدا؛ لأن التعاطي النقدي لمفهوم الاختلاف الجنسي وهوية المرأة المتعذّر إمساك حقيقتها يستمدّ جذوره أو خيوطه من سرديات بعيدة، متأصّلة مراكزها في حقلي السياسة والاقتصاد (التدبير السياسي والمالي).

وهذه الهرمية استبعدت النساء ومارست طقوس الهيمنة مستغلّة فكرة الهوس الجنسي بالمرأة، وضخّمت رؤوس الأموال الثقافية والمحكيات الرمزية ليظل مجال انفتاح المرأة محدودًا ومثقلًا بالخوف من اللاهوتي والدنيوي، لكن الموجات الجديدة للنسوية ارتطمت بالرغبة السياسية لتحرجها بالأسئلة والشكوك، وتطرح أمامها فرضية التجاوز ولا بدية القفز فوق الأسوار التي نُصبت في وجهها، ومن ثم تمحورت فكرة الانزياح والإزاحة مع النسويات لـتجاوز التشييد السياسي للمرأة، وحلّ الجمود الذي ارتبط بثنائية الفردانية والكوكبية.

وهنا يؤكد المؤلف صعوبة تواشج النظريتين السياسية والنسوية وتشابك حقليهما، إلى قدر يستحيل معه الفصل بينهما. فكلّ من الـحقلين «النسوي أو السياسي» يتّقد ذكاءً ومكرًا، لكن النسوية استردت أنفاسها، وابتكرت أسلحتها الفلسفية والتحليلية الخاصة بها والـملائمة لها، مع استثمار مقولات فلسفية منفتحة وثائرة مجدّدة الأمل/التأمل في المجتمع السياسي وتلوّناته الثقافية، والكشف عن الروابط اللامرئية التي خلقتها أساسًا فكرة الاختلاف الجنسي متأثرات بفلسفات ما بعد الحداثة مع ألتوسير، فوكو، دريدا، دولوز.

حس نقدي يقظ

ويرى بكاي أن الأشواط التي قطعتها تحوّلات النظرية النسوية والأنماط الفكرية والتحليلية التي سجّلتها تعكس مدى التطور الذاتي والبرادايمي لها، فسليلات سيمون دي بوفوار لم يُقلّدن مقولاتها فحسب! بل تـمسّكن -بعزم وإقدام- بإرادة رجّ الهياكل الـمركزية للعقل والجنس والهوية، ومن ثم رسمت النظرية النسوية ملامح «حسّ نقديّ يقظ» لا يهاب قصف أسس الـمشروع الفلسفي التقليدي.

ومن ثم لم تكتفِ التحقيقات اللسانية والأنثروبولوجية والنفسية الدقيقة التي قامت بها النسويات بتقويض ركائز الخطاب العقلاني أو بعثرة الصفائح النصية، بل امتدّ شغبها إلى ضعضعة الـمكونات الهوياتية التي ثبتها الـمشروع الفلسفي، حركة من شأنها أن تفقده مبرّرات وجوده، وبخاصة أنها أجادت تصويب الهجمات؛ حيث لم تتهاون النسويات عن ضرب كلّ أقانيم تلك التركات بقبضة فولاذية، كما لم تدّخر جهدًا في فضح «زيف الخطابات الذكورية» نظريًّا وعلميًّا من هيغل وصولًا إلى فرويد (سارة كوفمان في كتابها لغز الـمرأة، أو لوس إريغاراي في عملها منظار الـمرأة الأخرى).

إنّ التركيز على نموذج جاك دريدا في تلقي الفلسفة النسوية انتقاء إستراتيجي؛ لأنه ينفلت من بوتقة الذكوري وسلطته الأبوية على الـمؤنث، فالتفكيك الدريدي لا يتعاطف كثيرًا مع الأيديولوجية الذكورية، فرؤيته للأنثوي تتصل بالتيولوجي والصوفي أكثر، وتتفوّق على الرؤية الإيروسية والحقائق المسبقة حول جسد الأنثى.

كتاب محمد بكاي يحاول سد فجوات التشكّلات الجنسية الهيكلية ودهاليز الفوضوية الهوياتية، بتقارب هيرمينوطيقي يأتي من نواحٍ متباعدة، تفكيكًا لـما أغفلته الثقافة في هندستها الجندرية بشكل لا واعٍ أو تحت قمع الهيمنة الأبويّة، وبعيدًا من الثوابت الثقافية لمفهوم الجنسين (الذكر، الأنثى).