سلطة الحكاية: احْكِ لِأَراك

سلطة الحكاية: احْكِ لِأَراك

أدت القصص أدوارًا في حياة البشر عبر التاريخ، يعتمدونها في مختلف المقامات والسياقات والمناسبات، ولذلك اتخذت القصص أوجهًا واحتلت منازلَ في السياسة والدين والمجتمع بدرجات متفاوتة وبإعْمال يشفُّ عن قدرة العقل البشري على التخييل من جهة وعلى التطويع من جهة ثانية.

نخصص سلسلة هذه المقالات للحديث عن حضور الحكاية في جب الفرقة بين العالم العلوي والعالم الدنيوي، وفي التوفيق بين الحاكم والمحكوم، وفي التخفيف من وقع الحياة في التواصل الاجتماعي. سلطة الحكاية باب من أبواب تحقق الإنسان في الوجود، وآلة من آلات استمالة العباد، ووسيلة من وسائل تعقل الكون.

نواة السردية الكبرى

في البدء كان الوجود حكايةً انبنت عليها أصول النوع وخلق الكون وتحقق الآلهة. في كل الحضارات، على تغاير أنماطها ومظاهرها، يُوجد عالم الحق والفضيلة مقابل عالم الزيف والجريمة، يُوجَدُ عالمٌ قائم على التنازع بين سلطة الخير وسلطة الشر. أصل الكون هو حكايةٌ دينيّةٌ عالمةٌ وشعبية، بدايةً من الحضارات المؤسسة للفكر البشري، الإغريق وما قدموه من تصورات حول الكون والصراع الإلهي البشري، والتجنيح بالتخييل في صناعة الآلهة والدخول في عوالم من الغيب تُرضي الشاهد وتُعزيه. ولنا في ملحمة الإلياذة والأوديسا خير مثال على ذلك، والملحمة الآشورية «غلغامش» التي عُدت أول نص مَتحت منه النصوص اللاحقة القصص والبطولات الأكادية. الكونُ في تاريخه وتجلياته وصراعاته يتكون قصة ترويها الأجيال، تنميها، تقبرها وتبعث غيرها.

حكايات من عالم البشر ومن عوالم لكائنات أخرى تخرج في أصل طبعها وصناعتها عن حدّ البشر، على سبيل الإمكان أو على سبيل ما يكون، وهي ظاهرةٌ توافرت في أغلب الأديان التي لها كتب في الإنجيل، في التوراة، في القرآن، في الدامابادا، وفي غيرها من المرويّات الدينيّة الأصليّة أو المتفرّعة عنها.

خلق الكون، البدايات، النهايات، الصراع، كلها معانٍ تُقَصُّ، وقد تتناسل الحكايات من ثقافة إلى أخرى، ومن دين إلى ثقافة، ومن أسطورة إلى واقع، ومن تخييل إلى دين، وقس على ذلك من أشكال التناسل والتداخل الدالّ على أن الحكاية لا تثبُت ولا تهنأ ولا تجمد ولا تموت، يُمكن فقط أن أشير إلى فكرة الطوفان الموجودة في ملحمة غلغامش، والمتكررة بأشكال مختلفة في الكتب السماوية.

أدرك العالمُ اللّهَ أو الآلهةَ بالقصة، فالفكر البشري يحمي نفسه بالحكايات، يُوجِدُ بها عوالمَ تَخَفَّتْ عنه، وأجوِبةً لأسئلةٍ عميقة حول الوجود لا جوابَ لها إلا بصناعة الحكايات. وعلى ذلك فإني أعتقد أن النوى السردية الكبرى التي ابتدعها الإنسان عبر مراحل طويلة من الزمن ما زالت تعيش معنا حتى اليوم. فالإنسانُ الأول له الفضل في تأسيس نوى الحكايات التي لم تخرج عنها لا المرويات الحكائية الشفوية الشعبية ولا المرويات الحكائية المكتوبة العالِمة. فكرةُ اللّه وخلافه مع إبليس، تولدت منها جملة من الحكايات الفرعية القائمة على النواة ذاتها. هي سردية كُبرى مؤسسةٌ لقيمتين هما صراع الخير والشر، الذي استُهل بحكاية جميلة تتعدد صِيغها وتتوحد نواتها، هي حكاية قابيل وهابيل، قصة إفناء الكون بالماء في حكاية نوح، هي نواةٌ أيضًا مؤسّسة لعالم من الحكايات، قصّة الحكمة والجهل، المكيدة والإحسان، الحلم والواقع في حكاية يوسف، قصة العقل في إدراك المُكوِّن الأول. والأمثلة تتوالى حول قوة التصور الاعتقادي في خلق السرديات الكونية الكبرى القائمة أساسًا على ثنائيات، الخير والشر، الغيب والشهادة، العلوي والسفلي، المادي والروحاني، الكفر والإيمان، الواحد والمتعدد. وهي ثنائيات ما زالت سائدة في بناء حكايات اليوم في الرواية والسينما والقصة والأدب الشعبي، وإن زال شكلها الاعتقادي، ولكن بقيت النوى الغالبة عليها.

قصة آدم وعصيانه لخالقه هي القصة الأساس التي تأثّثت بمساعدين وبأحداثٍ تتوسع وتضيق حسب المقام الذي تُصَاغ فيه الحكاية. ومن هذه القصة يتولد الكون، يُبْعثُ أيضًا بحكاياتِ البدايات التي تُمثّل موسوعة قصصية كبرى في أغلب الحضارات. وكذا الأمر في ضبط كيفية نهاية الكون الذي يستقطب قصصًا موسَّعًا، فالحافز الاعتقادي وفّر موسوعة حكائية تُمثّل نواة كونية انبعثت منها قصص شكّلت وعيًا بالكون وبالوجود.

سلطة القصّاص

يدخل العقل التخييلي العربي في هذا الحيّز من استقاء الحكايات المؤسّسة للوجود، فتكون القصّة في النصّ المؤسّس للدين الإسلامي أداةً مهمة للاستمالة والتمثيل والتأريخ والوعظ والتنبيه والتمثيل، ومنه تتوسّع في الحديث النبويّ وفي التفسير وفي القصص الشعبي لتُعدَّ خطابًا قصصيًّا لا يرمي إلى متعة القصة فحسب بل هو يُشكّل أداةً للوعي أو لصناعة وعي جديد يتكوّن بواسطة التكرار والتذكير اعتمادًا لآليّة «المطرقة النيتشية». وتتجلّى مظاهر هذا الوعي في كتابات المؤرّخين والمفسّرين بعد ذلك، وبخاصة ابن الأثير وابن خلدون والطبري، الذين ساهموا في صناعة تصورات عن التاريخ وعن الأنبياء وعن كبير الحوادث، تخرج من دائرتها القصصية الأسطورية إلى حيز الاعتقاد والتصديق.

ولذلك فإن القاص الشعبي بلغ زمنًا ما من تاريخ الحضارة العربية منزلةً فاقت الفقيه والإمام والمُشرّع، وهو ما جعل العديد من الفقهاء يُعِدّون كُتبًا بتمامها للوقوف أمام سلطة القصّاص، ومنهم -على سبيل المثال- «كتاب القصّاص والمذكّرين» لابن الجوزي الذي أورد في بيانه للمنزلة التي صار يحتلّها القُصّاص بعض المواقف المبينة عن شدّة اعتقاد العامّة (الذين يصفهم بأنّهم «أجلاف بواطنُهم محشوّة بالهوى، ممتلئة بحبّ الصور»). يقول الحضرمي، راويًا حادثة عن قوّة أثر القصّاص التي تتجاوز منزلة الفقيه وإن علا شأنه: «كان في مسجد الكوفة قاصّ يُقَال له زُرعة، فأرادت أُمّ أبي حنيفة أن تستفتي في شيء، فأفتاها أبو حنيفة فلم تقبل. وقالت: لا أقبل إلا ما يقول زُرعة القاصّ، فجاء بها أبو حنيفة إلى زُرعة، فقال: هذه أمّي تستفتيك في كذا وكذا. فقال: أنت أعلم منّي وأفقه، فأَفْتها أنت. فقال أبو حنيفة: قد أفتيتها بكذا وكذا. فقال زرعة: القول كما قال أبو حنيفة، فرضيتْ وانصرفت». وقس على ذلك تحوّل وظيفة القصص من إيجاد حكايةٍ للوجود في تكوّنه وبنائه وانبعاثه ونهايته، إلى اعتمادها حجّة إمتاعٍ أو إقناعٍ في مقامات أخرى. فالسياسيّ منذ العصر الأمويّ صار يعتمد القصّة التمثيليّة للإقناع والتأثير، وهو أمرٌ ما زال متواصلًا حتى اليوم في الخطاب السياسي، يُمكن أن يُشكّل أرضية للنظر في الأثر الكوني للحكاية عبر تحوّلاتها التاريخيّة.

تلك أرضيّة مبينة عن تحقّق الوجود بواسطة الحكاية، التي تظلّ مرافقة للإنسان ومميّزة له، فبها يتحقّق جوهره المفكّر والتخييلي.