فقه صناعة النقوش القرآنية في القرن الأول الهجري نقش لِعُثمـان بن وَهران في مكة المكرمة أنموذجًا
نحاول في هذا المقال فهم ما ورائية [فقه] صناعة النقوش القرآنية في القرن الأول الهجري؛ من خلال دراسة نقش قرآني مبكر -غير مؤرخ- يقع على طريق الحج (العراقي، والشامي، واليمني) شمال شرق مكة المكرمة، نَقشَهُ «عثمان بن وهران». ولبيان ذلك؛ سنقوم أولًا: بفهرسة النقش وقراءته. وثانيًا: ترجمة الناقش. وثالثًا: حل إشكالية التأريخ. ورابعًا: رصد وتحليل الظواهر الفنية والكتابية واللغوية للنقش.
فهرسة النقش وقراءته
وُجِدَ النقش على إحدى صخور البازلت الواقعة أسفل جبل الوجرة الكبير من الناحية الشمالية في شِعب «خالد بن عبدالله آل أسَيِّد»- المعروف الآن بـ«وادي العُسَيْلة»(1)– الذي يقع على طريق الحج (العراقي، والشامي، واليمني) شمال شرق مكة المكرمة، ويبعد نحو (12 كم) من المسجد الحرام. وهو نقش قرآني تضمن الآيات (28-40) من سورة الواقعة، رُقِشَ بنمطٍ أفقي مستطيل الشكل تقريبًا، ودُوِّنَ بخط «حجازي مُزوى (مَبسوط)»، في مساحة قدرها (107 × 80سم)(2)؛ بمسطرة مكونة من (9 أسطر) -غير منتظمة أفقيًّا ولا رأسيًّا؛ تضمنت عدد (36 كلمة)- دون حساب حرفي الواو واللام ألف- بواقع عدد من (2- 6) كلمات في كل سطر، والنقش غير مؤرخ، وتعرفنا إلى ناقشه؛ «عُثمـاـن بن وَهران»- مِن توقيعه الذي تَركه لنا في آخر سطر في النقش، ويقرأ النقش كما يأتي: انظر (لوحة 1، شكل 1).
«(…)(3) سدر محصود وطلحـــــــ/ مىصود وطل ممدود وما/ مسكوىــــ وڡكهه كىىره/ لا مڡطوعه ولا ممىعوهه(4) و/ ڡرسں مرڡوعه اىا اىسىهں اىسا/ ڡحعلىهں اىكرا عرىــ اىرىا لا/ صحىــــ الىمىں (ما اصحىـــ الىمىں)(5)/ ىله مں الاولىں وىـــله مں الاحرىں/ وكىىــــ عىمں ىں وهرں».
ترجمة الناقش
لم نعثر على ترجمة للناقش في أي مصدر أو مرجع؛ يوثق تاريخ وأعلام تلك الحقبة، وقُمنا بالتعريف به بناءً على ما وصل إلينا من نقوش قرآنية، وتوقيعات خطية رقشتها يده، وظلت باقية حتى الآن؛ إنه «عُثمـاـن بن (وَهران/ وهرام) المكي»، ولا نعرف في حقيقة الأمر؛ هل كانت نسبته المكانية بصيغة (المكي)؛ تُشير إلى كونه مكيًّا أصلًا؛ (مولدًا، وموطنًا)، أم بلدًا استقر بها فيما بعد؟ ولابن وَهران أربعة نقوش قرآنية(6)؛ الأول: النقش موضوع الدراسة. والثاني: يقع في وادي العُسيلة أيضًا، مُؤرخ بعام (80هـ)/ (699- 700م)، ويتضمن الآية رقم (87) من سورة النساء، ويُقرأ النقش كما يأتي: انظر (لوحة 2)

«الله لا اله الا هو/ لىحمعىكمـ الى/ ىومـ الڡىامه لا ر/ ىىــــــــ ڡىه ومں اصد/ ڡ مں الله حدىىا (وـ)(7)/ وكىىــــــــ عىمں و ىں/ وهرں ڡى سىه ىمىىں».
أما النقش الثالث فيقع أيضًا في وادي العسيلة، ويُؤرخ بالعام نفسه (80هـ)/ (699- 700م)، ويتضمن الآية رقم (26) من سورة ص، ويُقرَأ النقش كما يأتي: انظر (لوحة 3)
«ىداود اىا حعلىكـ/ حلىڡه في الارص/ (لىحكمـ)(8) ىىں الىاس/ ىالحڡ ولا ىىىع الهوى/ ڡىصلكـ عں سىىل الله/ اں الدىں ىصلوں/ عں سىىل الله لهمـ عداىــ سدىد ىما ىسوا ىومـ/ الحساىــــ وكىىـــــ عىمں ىں/ وهرں ڡى سىه ىمىىں».
ويقع النقش الرابع في شمال تبوك على صخرة تعرف بـ«السفينة»، ويُؤرخ ترجيحًا بعام (80هـ)/ (699- 700م)، ويتضمن الآية رقم (47) من سورة المائدة، ويُقرَأ النقش كما يأتي: انظر (لوحة 4).
«(ڡمں)(9) لمـ ىحكمـ ىما اىرل الله/ ڡاولىكـ همـ الڡسڡوں/ وكىىــــــــ عىمں ىں وهرمـ المكى».

إشكالية تأريخ النقش
لم يقم «ابن وَهران» بتأريخ النقش، ولكن بناءً على نقشيه الآخرين بوادي العُسَيْلة أرقام (2- 3) -المذكورين آنفًا- والمؤرخين بعام (80هـ)/ (699- 700م)؛ وهو ما يعني وجوده في المنطقة في هذا العام، وكذلك استخدام نوع خطي ونمط كتابي واحد في جميع نقوشه؛ فنرجح تأريخ هذا النقش بالعام ذاته؛ ونسبته إلى العصر (الأُموي) في زمن «عبدالملك بن مروان»، أي في المدة من (65- 86هـ)/ (684/ 705م).
رصد وتحليل الظواهر الفنية والكتابية واللغوية تنسيق الشكل العام للنقش
أخذ النقش شكلًا مستطيلًا ذا نمط أفقي؛ يُعرَف باسم الفُورمة (الإيطالية)، وهذا خلاف الشكل المستطيل بنمط رأسي؛ المعروف باسم الفُورمة (الفرنسية)(10). وعلى الرغم من محاولات «ابن وَهران»؛ لتنسيق الشكل العام للنقش، ومراعاة الخط البصري الرأسي لبدايات ونهايات الأسطر عن طريق مشق بعض الحروف، ووضع كشيدة لكلمات بعينها، مثل: الحاء النهائية في كلمة (طلحــــ)، والباء النهائية في (مسكوىــــ، عرىـــ، لاصحىــــ، اصحىــــ، وكىىــــــ)، وكشيدة الثاء الابتدائية في كلمة (ىـــله)، لكن ظهرت سطُوره غير مُنتظمة؛ لا رأسيًّا: ممثلة في عدم تساوي بدايات ونهايات الأسطر، ولا أفقيًّا: فالكلمات لا تسير في مستوى أفقي واحد؛ فجاءت بعض الكلمات أعلى، وبعضها الآخر أسفل خط القاعدة الأساسي، ويعزى السبب في ذلك إلى أمرين؛ الأول: عدم وجود وقت كافٍ لوضع تخطيط مسبق لكتابة النقش، والثاني: طبيعة مساحة تلك الصخرة التي تضيق من أعلى وتتسع من الأسفل، علمًا أنه حتى في حالة وجود مساحة كافية للنقش فلقد ظهرت سطوره غير منتظمة. انظر (لوحة 5).

علامات النقط والضبط
كان العرب قديمًا على علم وافٍ لفهم وقراءة الكتابة العربية -من دون نَقطٍ وضَبط- ولكن نظرًا لاتساع الدولة الإسلامية ودخول العجم في الإسلام؛ فلقد خشي المسلمون من تفشي اللحن وتحريف النص القُرآني؛ لذا كان من الضروري وضع نقطي (الإعراب، والإعجام)؛ ونلحظ افتقار النقش موضوع الدراسة إلى كلٍّ منهما.
الظواهر الكتابية واللغوية ظاهرة التنوين
نعلم يقينًا أن دلالة التنوين «تكرار نقطتين إحداهما فوق الأخرى في أي موضع من ثلاثة؛ (الفتح، والضم، والكسر)»، ومواضع التنوين في النص القرآني بالنقش وفقًا للمصحف الشريف هي (عشرون موضعًا)، مُيِّزَ بعضها، وترك بعضها الآخر من دون تمييز؛ وهي: (سِدْرٍ- مَخْضُودٍ- طَلْحٍ- مَنْضُودٍ- ظِلٍّ- مَمْدُودٍ- مَاءٍ- مَسْكُوبٍ- فَاكِهَةٍ- كَثِيرَةٍ- مَقْطُوعَةٍ- مَمْنُوعَةٍ- فُرُشٍ- مَرْفُوعَةٍ- إِنْشَاءً- أَبْكَارًا- عُرُبًا- أَتْرَابًا- ثُلَّةٌ- وَثُلَّةٌ)، ويُمكنُنَا تقسيم التنوين الوارد في النقش إلى ثلاثة أقسام هي:
التنوين بالنصب- ثبوت وحذف ألف التنوين
وُجِدَ التنوين بالنصب في أربعة مواضع؛ هي: (إِنْشَاءً- أَبْكَارًا- عُرُبًا- أَتْرَابًا) – ميَّزَ الناقِش اثنين منهما فقط، ويظهر ذلك بقوله تعالى: (إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (36) عُرُبًا أَتْرَابًا (37))، فالتزم الناقِش بِرَسمِ الألف النهائية الدالة على إظهار حركة التنوين بالنصب بكلمتي (اىكرا- اىرىا)، في حين لم يلتزم برَسمها في كلمة (عرىــ)(11)، كما أغفلها أيضًا بكلمة (اىسا)؛ لأن الهمزة النهائية بأصلها يسبِقُها مد.
التنوين بالضم: جاء التنوين بالضم في موضعين فقط؛ هما: (ثُلَّةٌ- وَثُلَّةٌ). ولا توجد له أي دلالة في النقش.
التنوين بالكسر: ظاهرة موافقة المنطوقِ لفظًا للمكتوبِ رَسمًا:
ظهر التنوين بالكسر في أربعة عشر موضعًا؛ وهي: (سِدْرٍ- مَخْضُودٍ- طَلْحٍ- مَنْضُودٍ- ظِلٍّ- مَمْدُودٍ- مَاءٍ- مَسْكُوبٍ- فَاكِهَةٍ- كَثِيرَةٍ- مَقْطُوعَةٍ- مَمْنُوعَةٍ- فُرُشٍ- مَرْفُوعَةٍ). ولا توجد له أي دلالة في النقش- غير علامة واحدة فقط- وهي علامة التنوين التي ظهرت في أولى كلمات السطر الخامس- كلمة (ڡرسں) – فلقد قام الناقِش بتمييزها (نُطقًا، وسمعًا) بإضافة حرف نون في نهاية الكلمة، موضع التنوين، فجاءت بنص (فُرشن)، وليس (فُرُشٍ)، وهي ظاهرة فريدة من نوعها، تظهر هاهُنا لأول مرة كأقدم مثال لها على الإطلاق حتى الآن. ولم نجد لتلك الظاهرة أمثلة في المخطوطات القرآنية في القرنين الأول والثاني من الهجرة (7- 8م)، وحسب علمي، فإن أول وأقدم مثال لها رصدناه حتى الآن في ورقة من مصحف شريف محفوظ في مجموعة ديفيد خليلي بلندن؛ سِجل رقم (KFQ 79)، منسوبة إلى شرق العالم الإسلامي في العصر العباسي، وتؤرخ بالقرن الخامس الهجري (11م)؛ وفيها وضع الناسخ حرف (ن) زائدة في آخر كلمتي «عليمان- عذابان»؛ للدلالة على التنوين- علمًا أن الناسخ نفسه قد أهمل وضع النون الزائدة لثمانِ كلماتٍ أخرى مُنونة بالورقة نفسها؛ هي: (رَقَبَةٍ- مُّؤْمِنَةً- تَوْبَةً- حَكِيمًا- مُؤْمِنًا- مُّتَعَمِّدًا- خَالِدًا- عَظِيمًا)(12). انظر (لوحة 6).
وعند البحث عن تأصيل وتأريخ لتلك الظاهرة في كتب المتقدمين لم نجد لها ذكرًا، ولكن أشار إليها أحد المتأخرين؛ وهو الشيخ «عبدالمجيد بن علي رياش»، عندما تحدث عن كيفية ضبط ألف الصلة المسبوق بالتنوين، فقال: «أرى أن يُضبط ألف الصلة بنونٍ صغيرة أسفله مثل (رِزْقًا انلله)؛ دلالة على كيفية النطق به (رزقنله)، أو وسطه في حالة وَصله مضمومًا مثل: (خَبِيثَتٌ اجْتُثَّتْ)؛ دلالة على كيفية النطق به (خبيثتنجتثت)، مُشيرًا إلى أن هذا الضبط استعمله المغاربة في كتابة مصاحفهم العتيقة، وهو المعمول به في مصاحف باكستان، ولو عُمِّمَ لكان أفضل؛ لأنه يدل القارئ على كيفية وصل التنوين»(13). وبناءً عليه، فإن التفسير الوحيد لتلك الظاهرة هو إرادة الناسخ في موافقة «المنطوق لفظًا للمكتوب رسمًا»؛ لتوضيح كيفية النطق به، وتسهيل قراءة النص القرآني للعامة.

ظاهرة الحذف المتعمد
وينقسم الحذف هاهنا إلى أربعة أقسام؛ أولًا: الألف الوسطى- حُذِفَت فِي تِسعةِ مَواضِع- وَهِي: (ڡكهه، اىسىهں، ڡحعلىهں، اىكرا، اىرىا، لاصحىــــ، اصحىــــ، عىمں، وهرں). وثانيًا: الهمزات- أُهمِلَت في اثني عشر موضعًا- هي: (ما، اىا، اىسىهں، اىسا، اىكرا، اىرىا، لاصحىــــ، اصحىــــ، الاولىں، الاحرىں). وثالثًا: علامات المد- أُغفِلَت في أربعة مواضع- هي: (ما، اىا، اىسا، ما). أما رابعًا: فيتمثل في حذف بعض الكلمات (عمدًا وليس سهوًا)، فلم يلتزم الناقِش بكتابة كلمة «ڡي» في افتتاحية النص القرآني للنقش الكتابي، وبدأ بالكلمة التي تليها مُباشرة وهي كلمة (سدر)، كذلك لم يقُم الناقِش بابتداء النقش القرآني بالبسملة(14).
ظاهرة الإقحام والإبدال
وُجِدَت هاتان الظاهرتان في كلمة واحدة؛ الأولى: إقحام حرف (صحيح) في غير موضعه وهو حرف «العين»، والثانية: إبدال حرف (غير صحيح) موضع الآخر؛ فاستبدل بحرف العين الأولية من النصف الثاني من الكلمة حرف الهاء -وبالتالي تكرر حرف الهاء مرتين متتاليتين- ويظهر ذلك في كلمة «ممىوعه»؛ التي جاءت بنص «ممىعوهه»؛ ورُبما حدثت تِلك الظاهرة نظرًا لسرعة الكتابة؛ (فسبق عقله في الحفظ سُرعة يده في الكتابة). والسؤال الذي نحتاج للإجابة عنه الآن: لِمَ كان الناقِش في عُجالة؟
وقام الناقِش بإقحامٍ آخر لنص قرآني -في غير موضعه- ويظهر ذلك في قوله تعالى: «لا/ صحىــــ الىمىں (ما اصحىـــ الىمىں)»، فمن المفترض أن يكون قوله تعالى: «ما اصحىـــ الىمىں» سابقًا لأولى كلمات النقش الكتابي، فهذا المقطع هو نهاية الآية رقم (27) من السورة نفسها، ونفسر تلك الظاهرة؛ إما بسبب «السهو وعدم الحفظ جيدًا والاعتماد على الذاكرة فقط»، وهذا وارد، وإما لرغبة «ابن وَهران» في أن يبدأ النقش بالكامل من موضع كتابة «ما اصحىـــ الىمىن»؛ فلم تُناسب (مساحة السطح وطواعيته) ابن وَهران لإكمال نقشه، فعدل عنه وبدأ من الأعلى؛ ورُبما يُدعم هذا الرأي ارتباكه وسهوه أيضًا عن كتابة كلمة «في» في بداية النقش. ورُبما ليس هذا أو ذاك بل أحب أن يذكر الله في هذا المكان المبارك ولم تُساعده ذاكرته، فذكر هذه الآيات الكريمة من دون أي مراعاة لتسلسلها.
تقسيم الكلمة على سطرين متتاليين
لم تظهر تِلك السمة في النقش بالكامل إلا في موضع واحد؛ حيث قُسّمَت كلمة (لاصحىــــ) على سطرين متتالين؛ فوُضِعَ القسم الأول من الكلمة (لا) في نهاية السطر السادس، في حين بدئ السطر السابع بالقسم الثاني منها (صحىــــ).
توقيع الناقش
اختتم النقش بتوقيع «بِن وَهران»؛ الذي جاء بنمط ثنائي تضمن اسمه الشخصي «عُثمـاـن»، واسم والده بصيغة «بِن وهران»، كما سبق توقيعه لفظة «وكتب» -عادة توقيعه بجميع نقوشه- وجاء توقيعه بنص: «وكىىـــ عىمں ىں وهرں».
فقه صناعة النقوش القرآنية المبكرة: التساؤلات، الأسباب، النتائج
لا بد قبل خِتام الحديث عن الظواهر الواردة في النقش من الإجابة عن سؤالين مهمين؛ الأول: ما سبب حدوث بَعضِ الظواهر؛ كَـ(اختلاف الرسم والضبط)؟ أما الثاني: لماذا نُحيل دائمًا أي اختلاف في كتابة النص القرآني؛ (رسمًا، وضبطًا، إقحامًا، وبدلًا) إما إلى اختلاف القراءات، وإما إلى خطأ الناقِش، وإما إلى تحريف النص القرآني؟ دون أدنى محاولة منا لمعرفة الغرض الأساسي من كتابة النقش. وفي هذا الصدد نُشير إلى ما ذكره ابن قتيبة (ت. 276هـ/ 889م) عن نسبة أي لحن، أو خطأ فِي رسم بضع كلمات إلى (خطأ الكاتب)؛ قائلًا(15): «ولا تخلو هذه الحروف من أن تكون على مذهب من مذاهب أهل الإعراب فيها، أو تكون غلطًا من الكاتب- كما ذكرت عائشة (رضي الله عنها) – فإن كانت على مذاهب النحويين فليس هاهُنا لحن -بحمد الله- وإن كانت خطأ في الكتاب فليس على الله (عز وجل) ورسوله (صلى الله عليه وسلم) جناية الكاتب في الخط، ولو كان هذا عيبًا يرجع على القرآن لرجع عليه كل خطأ وقع في كتابة المصحف من طريق التهجي».
ويُفسِّر رأي ابن قتيبة؛ ما نسب للصحابة (رضي الله عنهم) من الجهل بالكتابة والغلط في الهجاء؛ حين تحدث عن معرفة وإذن النبي (صلى الله عليه وسلم) لـ «عبدالله بن عمرو بن العاص» بأن يكتب الحديث؛ فيقول: «وكان غيره من الصحابة أميين لا يكتب منهم إلا الواحد والاثنان، وإن كتب لم يتقن ولم يصب التهجي». وبناءً عليه ومن خلال ما رأينا من ظواهر وإذا افترضنا أن «ابن وَهران» جالس بيننا الآن، فدعونا نسأله: لماذا قُمت يا «ابن وَهران» بتدوين النقش؟ هل كُنت مُلتزمًا بكتابة نص قرآني محكم؛ (رسمًا، وضبطًا)؟ كما لو كُنت تكتب مُصحفًا كما أُنزل؛ لكي يقرأ منه المسلمون كلام الله المجيد؟ (بالقطع لا). ويدعم هذا الرأي ما رأيناه من سمات بنقوش «عُثمـاـن بن وَهران»؛ تتجلى فيما يأتي:
أولًا- لا يبدأ أي نقش من نقوش «ابن وَهران» القرآنية بذكر البسملة في أوله كافتتاحية للنقش. وثانيًا- كونه لا يلتزم بكلمات النص القرآني الواردة بالمصحف الشريف كما هي؛ فنرى بعض الكلمات قد حُذِفَت -عمدًا- مثل: كلمة (في) في قوله تعالى: (فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ)، أو استبدلت حروف بأخرى مثل: كلمة (لىحكمـ) بقوله تعالى: (فَٱحْكُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ)، وكذلك كلمة (ڡمں) بقوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ). وثالثًا: أنه لا يلتزم بترتيب وتسلسل الآيات؛ فأقحمَ جُزءًا من الآية رقم (27) من سورة الواقعة؛ وهي: «وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ (مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ)» بالآية رقم (38) من السورة نفسها؛ فجاءت بنص: «لِّأَصْحَابِ الْيَمِينِ (ما اصحىـــ الىمىں)».
وفي رأيي، لم يكُن لدى «ابن وَهران» مُتسعًا من الوقت لكتابة هذا النقش، كما لم يكن النقش هو السبب الأساسي لوجوده في هذه المنطقة. إذًا فما السبب الرئيس لتدوين «ابن وَهران» هذا النقش في تلك البقعة؟ فإن كان يملك الرد -رحمه الله- لَذَكَرَ قائلًا: «لقد قُمت بكتابة هذه الآيات الكريمة؛ (تيمنًا، وتبركًا) بكتابة آيات الله وذِكره الحكيم في تِلك البُقعة الشريفة المُباركة، بَعدما طافت روحي وجال خاطري بالجنة ونعيمها وحورها -جعلنا الله منها وإياكم آمين- وكان ذلك سبب اختياري لتلك الآياتِ خصيصى».
فإن كان ذلك هو حال الناقِش؛ فلماذا نُلزِمهُ نحن في كتابته لأي نقش قرآني بـ(رسمٍ، أو ضبطٍ، أو تسلسلٍ مُحددٍ للآيات)، ونُحيل إليه أي خطأ يرد في كتابته، ونفرض على نَمطهِ الكتابِي هيئة مُعينة؟ وعلى حد عِلمي: لقد أدرك «ابن وَهران» تمامًا خطأه الكتابي فِي كَلِمَة «ممىعوهه»، ورُبما كان على وعي تام باختلاف ترتيبِ وتسلسلِ الآيات في قوله «لا/ صحىــــ الىمىں (ما اصحىـــ الىمىں)»، ولكن تركه كما هو عمدًا؛ لسببين؛ الأول: أنه سَيجد صُعوبة في تعديل الخطأ، وسيضطر آسفًا إلى تَشويه النقش، فتركه هكذا عن طيبِ خاطرٍ. والثاني: كونه غير مُلتزِم أو مُجبرٍ على كتابة نص قُرآني مُحكَم؛ وهذا ما اهتدت إليه نفسه، وارتاحت إليه سريرته، وأحبت يداه أن تكتُب.
وختامًا؛ أوصي بالتريث قَبل نِسبة أي ظاهرة -غريبة وفريدة- من ظواهر النقوش الكتابية القرآنية إلى «خطأ الكاتِب»؛ فليس بالضرورة أن يكون: «كل ما جاء في هجاءِ ورسم النص القرآني؛ (نقشًا) مُوافقًا للمشهور في كتابة المصحف الشريف؛ (رسمًا)»؛ وبناءً عليه يجب أولًا معرفة الغرض الأساسي من كتابة النقش؛ لوضع رؤى واستنتاجات -قريبة من الصواب بشكل كبير- لتفسير تلك الظواهر.
(1) عُرِفَ بهذا الاسم؛ نسبة لوجود آبار العُسَيْلة العذبة فيه. راجع: (الفاكهي، 1414هـ/ 1994م، أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه، 5/ 89).
(2) الحارثي، وغباشي. 1418هـ/ 1997م. «نقوش إسلامية مبكرة في وادي العُسَيْلة بمكة المكرمة». مجلة عالم المخطوطات والنوادر: 2 (1): 12-13.
(3) جاءت «(…) سدر» هكذا؛ للدلالة على كونها فراغ في النقش الأصلي، وأصلها «فِي سِدْرٍ» -طبقًا للمُصحف الشريف- وهي سقط لم يكتبه الناقِش.
(4) جَاءت بِنص (ممىعوهه) هكذا، وأصلها (مَمْنُوعَةٍ)- طبقًا للمُصحف الشريف، وأخطأ الناقِش في كتابتها؛ نظرًا لسُرعته في الكتابة.
(5) جَاء نص (ما اصحىـــ الىمىن)؛ زيادة وإقحام في غير موضعه؛ فيقول الحق (سبحانه وتعالى): «لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (38) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (40)»؛ فمن المؤكد أنه التبس على الناقِش آية قرآنية مشابهة بالسورة نفسها؛ وهي الآية رقم (27)؛ أي التي تسبق الآية التي بُدِئ بها النقش مُباشرة؛ قال المولى (عز وجل): «وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ…».
(6) يقتصر مضمون نقوش «عُثمـاـن بن وَهران»- حتى الآن، على النص القُرآني، ودائمًا ما يَكون عدد الأسطر فرديًّا؛ وهي على الترتيب كما يأتي: (9، 7، 9، 3).
(7) جاء حرف الواو والشرطة إلى يساره (وـ) هكذا؛ لإرادة «ابن وَهران» باستكمال كتابة (التوقيع والتأريخ) في السطر نفسه، ولكن وجد نَفسه مُخلًّا بِتنسيق الشكل العام للنقش في نهايات الأسطر؛ فبعدما كتب حرف الواو- أول كلمة (وكىىـــ) لم يقُم باستكمالها، وسدَّ الفراغ الناتج عن عدم كتابتها بشرطة (ـ) لـمُساواة نهايات الأسطر، وبدأ من أول السطر التالي، وهذه الظاهرة شائعة ومعروفة في نِساخة المخطوطات القُرآنية الـمُبكرة؛ التي أراد فيها الناسخ التحايل على الفراغ الناتج عن قِلة عدد كلمات السطر وتنسيق الشكل العام للنص.
(8) يختلف النص القرآني بالنقش عن نص الـمُصحف الشريف في كلمةٍ واحدة فقط؛ وهي كلمة (فَٱحْكُم) -طبقًا للمُصحف الشريف- التي جاءت في النقش بنص (لىحكم).
(9) يختلف النص القُرآني بالنقش عن نص الـمُصحف الشريف في كلمةٍ واحدة فقط؛ وهي كلمة (وَمَنْ) -طبقًا للمُصحف الشريف- التي جاءت في النقش بنص (ڡمں).
(10) يُعرَف الشكل الأفقي بـ(السفيني)؛ ويميل إلى الامتداد (عرضًا)، وذلك على العكس من الشكل الرأسي (العمودي)؛ الذي يميل إلى الامتداد (طولًا)، وهذان الشكلان من الأشكال الأولى للكتابة العربية التي ظهرت قبل الإسلام، وبعده في كتابة المصاحف الـمُبكرة – علمًا أن النمط الرأسي؛ هو الأقدم في الظهور والأكثر استخدامًا من النمط الأفقي، ولا يزال شائعًا في كُتُبنا حتى اليوم. انظر: (مرزوق، 1985م، المصحف الشريف دراسة تاريخية وفنية، ص 62).
(11) وُجِدَت ظاهرة حذف الألف التي تأتي بدلًا من التنوين المنصوب في حالة الوقف برسالة النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى «الـمُنذر بن ساوى»- أمير البحرين، وكذلك بكتابات جبل سلع بالمدينة؛ بما نصه: (وأشهد أن مُحمد عبده)؛ فجاءت كلمة «محمد» المنصوبة بغير إثبات ألف في نهايتها. راجع: الحسن، 1424هـ/ 2021م، الكتابة العربية من النقوش إلى الكتاب المخطوط، ص 110.
(12) الديب، مُحمد مجدي. (1442هـ/ 2021م). «تطور الكتابات والزخارف على مجموعة من المصاحف في المشرق الإسلامي حتى نهاية القرن الـ (7هـ/ 13م) في ضوء مجموعة ناصر خليلي للفن الإسلامي بلندن (دراسة فنية آثارية)». رسالة ماجستير غير منشورة. كُلية الآداب، جامعة الإسكندرية، الإسكندرية، جمهورية مصر العربية، ص 165-166.
(13) (رياش، 1438هـ/ 2017م. الـمُختصر المفيد في كتابة أوليات كتابة الكتاب المجيد، ص 57).
(14) لم يقم «ابن وَهران» فِي أي نقش من نقوشه القرآنية الأربعة باستخدام البسملة كافتتاحية للنقش.
(15) (الحمد، 1402هـ/ 1982م، رسم المصحف: دراسة لغوية تاريخية، ص 207-208).