«فنجان قهوة على حافة الفوضى» لانتصار السري قصص بين اليومي العابر وحدث نفسي عالق

«فنجان قهوة على حافة الفوضى» لانتصار السري

قصص بين اليومي العابر وحدث نفسي عالق

تتنوَّع الأحداث في «فنجان قهوة على حافة الفوضى» للكاتبة انتصار السري (عناوين بوكس)، ويكون تسريد كل حدثٍ بأسلوبٍ يُركِّز على قضيةٍ، وغالبًا ما تكون تلك القضية متعلقةً بموقفٍ يبرزه حوارٌ بين شخصيات يستحضرها السارد أو حوار الذات مع نفسها، في سياق تعليقها على حدث ما أو تصرّفٍ ما، أو استرجاعها لذكرياتٍ معينة أو تفاعلها مع مشهدٍ من مشاهد الحياة. وتلك الأحداث التي تتناولها قصص المجموعة تُراوِحُ بين ما هو يومي عابر وما هو حدثٌ نفسي عالق بالذاكرة يُستعاد في سياق حدثٍ آخر.

«اكتشافات مبكرة»

الحدث هنا ينبني على علاقة يتوهمها بطل هذه القصة مع ابنة الجيران التي كانت ترى فيه طفلًا، ومن خلال تلك العلاقة المتوهمة نجد السارد البطل يتحدث مع نفسه قائلًا: «تمر الأعوام يشتد فضولك لتكتشف غور ذلك الجسد»، لكنَّ الحدث المترتب على ذلك الفضول لا يستطيع أن يكون أكثر من التلصص على جسد بنت الجيران، ثم استراق ملابسها من على حبل الغسيل، ليغدو هذا الفعل تعويضًا عن الرغبة المقموعة. لقد عملت الانتقالات بين زمن التمني وزمن التشهي وزمن الواقع على تكثيف معاناة اكتشاف الرغبة، وكان تسريد الحدث فنيًّا، وتعميق أثره نفسيًّا من خلال سرد نظرة الآخر إلى الذات ونظرة الذات إلى نفسها وإلى ذلك الآخر الذي اختزلته الذات في أبعاد الجسد لتجعل الشبق حدثًا ينظم أبعاد القصة ويركز على الموقف النفسي.

«هروب جثة»

حدثُ هذه القصة يتكثَّف في قول السارد وهو بطل هذه القصة:» ما زالت أحداث تلك الليلة تطوقه، صوت الدراجة النارية وهي ترتطم بعمود الإضاءة، وتطايرها إلى أشلاء على جانبي الشارع تلاحقه، ظن أن ما حدث كابوس ما زالت أحداثه مستمرة. تطارده تفقد أجزاء جسده التي بعثرها الاصطدام» لكنَّ هذا الحدث يتنامى ويبلغ ذروته حين يفاجئ مخيال التلقي بما جاء في الجريدة ومفاده:» شاب عشريني كان يقود دراجة نارية بسرعة هستيرية، اصطدم بعمود إنارة، أدى الحادث إلى وفاته والفتاة التي معه. ما زال سر اختفاء جثته لغزًا حيَّر رجال البحث الجنائي، كما نُقلت جثة الفتاة إلى المشرحة العمومية».

بهذه النهاية المأساوية التي تكشفت من خبر في الجريدة. يأخذ الحدث بعدًا نفسيًّا، فالحادثة لم تعد عابرة لقد صارت تحاصره شعوريًّا، لا سيما بعد أن عرف أنها أدت إلى وفاة الفتاة التي تركها هاربًا.

«داعشي»

يقول السارد في هذه القصة: « المكان فندق خمسة نجوم، الزمن العاشرة مساء من يوم الخميس…» لكن ذلك الترسيم للزمان والمكان أو التنويه الذي بدأت به القصة سرعان ما انسرب إلى حدث آخر، هو حدث القبض على ذلك الذي وصفته حبيبته بالداعشي في سياق هو بين المزح والجد. من الملحوظ أنَّ السرد هنا عمد إلى الاختزال وتسريع المشاهد وتصعيد الأحداث بدءًا بتصوير الرغبة من خلال العلاقة بتلك الأنثى التي تقول القصة: إنَّها محبوبته، وانتهاءً بحدث القبض عليه، تاركًا لخيال المتلقي أسئلة متداخلة: ما دور تلك المرأة التي نادته بداعشي؟ هل كانت تُفصِح عن كلمة السر؟ هل كانت جزءًا من كمين أُعِدَّ للقبض عليه؟ هل كانت متواطئة؟ أم كان قولها مجرد مداعبة بكلمةٍ لها محمول يستثير مخيال السامعين ويدفعهم لاستشعار الخطر؟ وموجز هذا أن تلك الكلمة صارت محملةً بدلالة مستفزة أكثر مما يجب، إشارةً إلى أن الفعل قد يختزل في النصوص والكلمات.

«المتحوِّل»

تبدأ هذه القصة بصيغة النفي» لن أفشي أسرار البنات». وهي صيغة لافتة بمحمولها وتركيبها، فكأنَّها خرجت من سياق حديثٍ كان لتوِّه، هذا النفي يتضمن إيحاءً بأنَّه كان يفعل ضد الفعل الذي نفاه.

على لسان السارد وهو بطل القصة:» ذات يوم سمعت جارتك تحدث والدتك عنك قائلة: صدقيني ابنتكِ ليست طبيعية، إنها مسترجلة، ألا تلحظي مشيتها؟ إنها لا تحظى بأي أنوثة». يكشف السارد عن أنه كان في أوساط البنات يسمع أحاديثهن حين كان بنتًا، وهنا المفارقة. فتلك البنت بدأت بمقارنات فيما بينها وبين الأخريات واكتشفت أنها ليس مثلهن. ومن خلال موضوعٍ قرأته عن هرمونات الذكورة والأنوثة عند البلوغ، فهمت ما يحدث لها، وقررت أن تحسم أمرها، وأقنعت والدها بأن تذهب إلى الطبيب. وهناك: «الخبر كان صادمًا له، ليس لك، لحظة إعلان الطبيب أن هرمونات الذكورة عندك أكبر، لحظتها أيقنت أنَّك لست مثلهن، وهمست بفرح: لن أفشي أسرار البنات». بهذا السياق صار لصيغة النفي: «لن أفشي أسرار البنات» دلالةٌ أخرى غير ما أوحت به في بدء القصة، لقد جاءت بصيغة الذَّكَر الذي خرج من عالم الإناث. لقد عمل السرد على تظهير أبعاد الأنا بين زمنين؛ زمن الذات بهويتها الملتبسة، والذات في لحظة تحوِّلها إلى هويةٍ أخرى مفارقة لما نشأت عليه، وأُريد لها أن تتطبَّع عليه، ليخلص إلى أن سلطة البيولوجيا على الجسد كانت أقوى من سلطة المجتمع.

«يومٌ لم ينته»

نجد أنَّ السارد وهو يتنقل بين المشاهدات ويرسم أبعاد كل مشهدٍ حوله ينتهي إلى ما قاله الشاب في حوار له مع محررة صفحة الأحداث، وهنا نقل الزمن من الزمن الفيزيقي الذي يشترك فيه مع الآخرين حوله، إلى زمنه النفسي الخاص حيث اختلس النظر إلى صديقته المنهمكة في الكتابة دون شعورها بوجوده وتخيلها «تخيلتها عارية فشعرت برغبة مباغتة». لكنه ما لبث أن خرج من زمن تلك اللحظة إلى زمنٍ آخر، وهو زمن متعلق بحدث آخر» فيما كنتُ ألتهمها بنظراتي اخترق السماء دوي هزَّ الأرض فشعرت أني أطير إلى الغيوم بصحبتها لأسقط في سكونٍ أبدي، لم أعد أسمع.. لا أرى لا أحس». هل عاد إلى زمن العالم الآخر الذي أوحى أنه خرج منه أو أنه كان يتخيله؟ هل بقي الزمن معلقًا؟ إذا استعرنا من تيار الوعي بعض مصطلحاته فسنجد أن السرد غير الخطي هنا، استخدم تدفق الوعي.