بيير لارشيه: مستعرب فرنسي عشق اللغة العربية والشعر الجاهلي وخدمهما فكرّمته جائزة الملك فيصل
حصول الباحث والمستعرب الفرنسي البروفيسور بيير باتريس مارسيل لارشيه (1948-) على جائزة عربية ودولية مرموقة كجائزة الملك فيصل في اللغة العربية والأدب لسنة 2026م، جاء ليذكرنا بهذا الاسم وبإسهاماته الكبيرة في ميداني اللغة العربية والشعر الجاهلي، وبخاصة أن القارئ العربي يعرف بدرجة أكبر أسماء من قبيل جاك بيرك وأندري ميكيل ومكسيم رودنسون وغيرهم. ويتميز بيير لارشيه بكونه توقف عند الشعر الجاهلي عميقًا وقرأ مختلف الترجمات التي أنجزت، واستخدم كل المعرفة اللغوية التي امتلكها؛ لتقديم ترجمات أكثر جمالًا واقترابًا من النص الأصلي.
ومن يقرأ ترجماته المتعددة لا بد أن يحس أن صرامة الفهم وتقليب المعنى، كيف لا وهو الفيلولوجي والباحث العميق في اللغة العربية وأساليبها، لا تحجب مدى الانبهار الكبير أمام عظمة القصيدة العربية الجاهلية وعمقها وحسن بنائها.
وليس سرًّا أن مسار الرجل العلمي الطويل والمتشعب، أكثر من أربعين سنة، ولقاءاته مع شخصيات مهمة أثرت فيه، كأندري ميكيل، وأيضًا ثقافته الغربية العميقة، جعلت عمله يتميز بالأصالة والثراء. ويقف القارئ مشدوهًا أمام ما يقرأ، وبخاصة حين يدخل الباحث في مقارنات ومقابلات بين نصوص مختلفة أو حين يعرض علينا ترجمات فرنسية مختلفة لنفس النص العربي.
والطريف أن بيير لارشيه وهو يدعونا، وبخاصة القارئ الغربي، لقراءة شعراء الجاهلية، حتى نستوعب فهمهم للعالَم، يدرك أن المهمة جليلة وصعبة؛ لأنه يتوجب فعل الكثير لجذب القارئ للاستئناس بشعراء عرب جاهليين كبار، ربما لا يحظون باهتمام لائق في بلادهم العربية. وهو يعترف صراحة أن شعراء جاهليين كبارًا لم يحظوا باهتمام الباحثين، وكانوا ضحية للانتقائية.
الصعلوك والعاشق
في كتابه الصادر سنة 2012م عن دار سندباد الباريسية بعنوان «الصعلوك والعاشق» (قصيدتان جاهليتان لتأبط شرًّا وامرئ القيس)، نقرأ بأن «الغرب لم تستهوه ولم تلهمه القصيدة الجاهلية، إلا عبر استثناءين، تأبط شرًّا وامرئ القيس. الأول يعتبر أشهر شاعر صعلوك إلى جانب الشنفرى، وقد تعرف عليه الغرب مبكرًا، عن طريق ترجمة حماسة أبي تمام، فترجم مرات عديدة إلى اللاتينية والألمانية، قبل أن يترجمه الشاعر غوته. أما الثاني، فهو امرؤ القيس، فقد ترجم لاميته الشهيرة الشاعر الفرنسي أرماند روبان لكنه أخطأ حين وصفها بكونها أول معلقة عربية». ويكتب الباحث: «بدا لنا أن اجتماع هذين الاستثناءين يمكن أن يشكل مادة كتاب صغير، إسهامًا مزدوجًا في تاريخ الاستشراق، من جهة، والشعر العربي الجاهلي من جهة أخرى». وفيما يخص الاستشراق يَعدنا الباحث بأنه سيشير إلى «الارتباط الوثيق الموجود بين الاستشراق العلمي والاستشراق الأدبي».
وسيعود الباحث سنة 2017م، إلى كلا الاستشراقين في كتاب مفصل ومستقل، يحمل اسم «استشراق علمي واستشراق أدبي»، ويتضمن سبع دراسات، يرى فيها ارتباطًا بين العلمي والأدبي. ويعترف لارشيه أن الاستشراق بالنسبة له: هو قبل كل شيء نموذج «تحقيق»، عند تقاطع التاريخ والأدب، ويعترف بأن «هذه الدراسات كانت عبارة عن ردات فعل سواء تعلق الأمر باقتراح من أستاذ، كأندري ميكيل، أو زميل، أو عبر اكتشاف شخصي، يتعلق أحيانًا باشتغالي كمترجم للشعر العربي الجاهلي، أو أحيانًا من صُدَف القراءات، أو بسبب ذوق خاص» ونخرج من الكتاب بكثير من الفائدة، والارتياح. فمثلًا في الدراسة المخصصة لـ«فولتير، زاديج والقرآن»، وبعد بحث دقيق مقارن بين المراجع الغربية وبين القرآن الكريم (سورة الكهف)، نخرج بنتيجة أن أحد مصادر «ناسِك» فولتير هي قصيدة «الناسك» للشاعر توماس بارنيل (1679-1718م)، مع العلم أن هذه القصة التي تكشفها القصيدة عرفت روايات متعددة. وبما أن هذا النوع من القصص يوجد في المسيحية الشرقية، التي تنحدر منها شخصية الناسك، واليهودية، فإن السؤال الحقيقي، يكتب لارشيه هو: «ليس معرفة إن كان فولتير قد استوحى القصة من القرآن (الجواب هو لا)»، ولكن سرعان ما يطرح بيير لارشيه سؤالًا آخر، فيه نوع من الالتباس: «ولكن من أين استوحى القرآن هذه القصة؟ وهو سؤال لا نملك عنه حتى الآن جوابًا مؤكدًا»، ثم يختم: «إذا حمل لنا المستقبل جوابًا، ذات يوم، فإنه يتوجب على هذا الجواب ألا يطمس أن بين قصة الناسك والملاك وسابقاتها اليهودية والمسيحية الشرقية والإسلامية، وبين «ناسك» زاديج، من الاختلاف الذي هو موجود بين الثيولوجيا والفلسفة».
المشتغلون في صمت
إلى جانب هذه الدراسة المقارنة عن فولتير، نقرأ دراسات عميقة عن غوته وتأبط شرًّا، وأخرى عن شرقيات فيكتور هوغو وإرنست فوينيه والشعر العربي القديم، ثم استقبال سيرة عنتر لشكري غانم في الغرب وغيرها. وهي دراسات فيها كثير من التمحيص والتنقيب والمقارنة، ولا تخلو من متعة. ويمكن التوقف عند الدراسة المكرسة لسيرة عنتر، فالقارئ العربي سرعان ما يذهب به خياله إلى الشاعر الجاهلي عنترة لكن الباحث يتحدث عن عنتر: «عنترة يتمدد وهو يتقلص إلى عنتر، بطل رواية، سيرة عنتر»، التي قدمها شكري غانم في مسرح الأوديون. على أيّ فالشعر العربي الجاهلي، أو على الأقل بعض ممثليه، مَدينٌ بتمدد حياته لهذا الكاتب والباحث الذي كرس كل وقته للشعر العربي، مترجمًا شعراء كثيرين، وهو ما لم يقم به أحد من قبل، من ناحية الكثرة أو العمق والاستفادة من الترجمات السابقة. ومن هؤلاء الشعراء المحظوظين، إضافة إلى شعراء المعلقات، أبو كبير الهذلي وعلقمة بن عبدة وخداش بن زهير وتأبط شرًّا…
صحيح أن كثيرين منا حزنوا لرحيل المستعرب أندري ميكيل الذي أتحفنا بترجماته لبعض الشعراء وأيضًا لألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة، وقبله رحيل المستشرق جاك بيرك الذي أنجز أعمالًا مهمة من بينها ترجمة معاني القرآن الكريم، إلا أن هذا التكريم لهذا الباحث العميق يذكرنا أنه لا يزال ثمة من يشتغل على اللغة العربية ويدرس شعراءها ومبدعيها، على الرغم من نقص الاهتمام بتدريس اللغة العربية في المدارس الفرنسية. ففرنسا التي تضم أكثر من 3 ملايين عربي لا تدرس اللغة العربية إلا في 3 في المئة من مدارسها وثانوياتها الرسمية، وهي نسبة أقل من اللغتين الروسية والصينية. ثم إن معظم الطلبة ينحدرون من أصول عربية، وهو تحدٍّ كبير. ثمة من يشتغلون في صمت، صمت بمعنى أن الجمهور المتتبع لهذا النوع من البحث والتأليف، ليس واسعًا، ولكن صدى أبحاثهم وترجماتهم يأتي مثل صيحة شاعر يصدع بالقصيدة. وهو حال بيير لارشيه الذي يعشق لغتنا الفصحى وشعراءنا الفطاحل المُجيدين. وهذا التتويج الأدبي دعوة لنا لقراءة شعرنا العربي الجاهلي الذي أسس لحداثتنا ولشعريتنا وللتعلق أكثر بلغة الضاد الجميلة.
يبقى أن نشير إلى الدور الكبير الذي أدته ولا تزال دار نشر سندباد الباريسية في نشر الأدب العربي وترجماته في وقت يعاني فيه الكِتابُ مشكلاتٍ ومحدوديةَ القراءةِ والتوزيع.