تاريخ التصميم الجرافيكي العربي… حين تتحوّل الصورة إلى ذاكرة حضارية

تاريخ التصميم الجرافيكي العربي… حين تتحوّل الصورة إلى ذاكرة حضارية

حين يتأمل الإنسان العربي صور ملصق قديم، أو غلاف مجلة منسية، أو طابع بريد عبر القارات، قد لا يدرك أنه لا ينظر إلى مجرد تصميم، بل إلى لحظة تاريخية مكتظة بالمعنى والهوية. كل خطّ مُنْحَنٍ في شعار، كل لون مختار في صفحة، كل عنصر بصري خضع لحسٍّ جمالي ووعي ثقافي يفيض بما لم تقله الخطب أو تسجله الكتب. وسط هذا الغبار البصري المتراكم، يبرز كتاب «تاريخ التصميم الجرافيكي العربي» كمنارة توثيقية وبصرية نادرة، تستعيد الذاكرة البصرية للأمة، وتعيد الاعتبار لفن كان دومًا أكثر من مجرد أداة تواصل.

مرآة متواصلة للتحولات

لا يكتفي هذا العمل بتأريخ الجرافيك العربي، بل يمنحه حياة جديدة في سرد بصري مُتشعّب، يعبر الأزمنة والمدن واللغات والمشاعر. إنه بمنزلة سيرة غير مكتوبة لقرنٍ كامل، سيرة تُروى بالحبر والرمز والخطوط والألوان. وبين دفتيه، تتجاور أعمال المصممين من بغداد والقاهرة وبيروت والدار البيضاء؛ لتصوغ ملامح مشهد عربي غني، متنوّع، ومعقد، لكنه موحَّد برغبة دؤوبة في التعبير والانتماء.

بهيا شهام

في عالم تتكدّس فيه الكتب الأكاديمية المتخصصة دون أن تصل إلى القراء خارج قاعات الجامعات، يسطع كتاب «تاريخ التصميم الجرافيكي العربي» كحدث ثقافي وبصري ومعرفي غير مسبوق في مجال البحوث النقدية المرتبطة بالهوية والاتصال البصري العربي. هذا العمل، الذي ألّفته الدكتورة بهية شهاب والدكتور هيثم نوار، لا يكتفي برصد تحولات المشهد الجرافيكي من المغرب إلى العراق، بل يُعدّ بمنزلة أطلس حضاري يعيد للهوية العربية حضورها داخل السردية العالمية للتصميم، ويكشف أن ما رسمته اليد العربية على الورق والجدران والشاشة هو تاريخٌ موازٍ يستحق أن يُروى بمنهجه ولغته وسياقاته.

صدرت النسخة الإنجليزية من الكتاب عام 2020م عن دار نشر الجامعة الأميركية بالقاهرة، وقد حظي منذ صدوره باعتراف واسع بوصفه مرجعًا أساسيًّا في مجاله، حتى فاز بجائزة PROSE  الدولية التي تمنحها رابطة الناشرين الأكاديميين في الولايات المتحدة، كأفضل كتاب في فئة تاريخ ونقد الفنون. منذ ذلك الحين، تحول إلى أداة تعليمية ومصدر بحثي في كبرى الكليات والمعاهد التي تعنى بالتصميم في الشرق والغرب.

ما يميز هذا العمل هو قدرته على الإمساك بالسياقات العميقة، بحيث لا يتعامل مع التصميم كأثر جمالي أو حرفة تقنية، بل كمرآة متواصلة للتحولات الثقافية والاجتماعية والسياسية في المنطقة العربية. وقد عبّر المدير التنفيذي لدار نشر الجامعة الأمريكية بالقاهرة، توماس ويلشاير، عن أهمية هذا المشروع بقوله: لطالما كانت الدار تركز على النشر باللغة الإنجليزية من داخل مصر، وكان جزء كبير من رسالتها إيصال الأصوات العربية إلى الجمهور العالمي، عادةً من خلال الترجمة. قبل خمس سنوات أصدرنا النسخة الإنجليزية من هذا الكتاب الذي لاقى استحسانًا واسعًا، وعندما أتيحت فرصة تعريبه؛ حرصنا على أن تأتي النسخة الجديدة بجودة الإنتاج والتحرير نفسها التي ميّزت النسخة الأصلية.

استعادة الذاكرة الجمعية

النسخة العربية من الكتاب، ليست مجرد ترجمة للنص الإنجليزي، بل عودة بالخطاب البصري إلى لغته الأم، وإلى سياقه الاجتماعي الحي الذي طالما همّشته النظرة الغربية. يحمل الكتاب بين دفتيه عرضًا نادرًا لأعمال أكثر من ثمانين مصممًا ومصممة من مختلف أنحاء العالم العربي، ويمتد في تغطيته البصرية والتاريخية إلى ما قبل عام 1900م حتى نهاية القرن العشرين، موثقًا أعمالًا ظلت مهمَّشة أو غير معروفة. من بين هذه المواد نجد صورًا لطوابع بريد قديمة، وملصقات سياسية، وشعارات مؤسسات إعلامية، وعناوين أفلام، وإعلانات صحفية، ومشاهد من الكتب والمجلات التي كانت تؤثث المشهد الثقافي لعقود.

لا يتناول الكتاب الإنتاج البصري في صورته النهائية فقط، بل يتتبع جذوره الممتدة في الفن الإسلامي والخط العربي والزخارف، ويُظهر كيف أن هذه العناصر لم تكن مجرد ديكور، بل أدوات بلاغية حاملة للهوية والانتماء. ويتناول بتوسع كيف أسهمت السينما، والازدهار الاقتصادي، والثورات السياسية، في تشكيل جيل من المصممين العرب الذين لم يعكسوا لحظاتهم فحسب، بل صاغوا رؤى وهوية جمالية تنتمي لبيئتهم ولغتهم وثقافتهم.

هيثم نوار

لقد عالج المؤلفان مفهوم الهوية البصرية العربية بوصفه نتاج تفاعل حي بين الحرف العربي والتقنية، بين الخطاب السياسي والتعبير الجمالي، بين الحداثة المحلية والتأثيرات العالمية. ويقول الدكتور هيثم نوار: إن عدم اكتراث الأجيال الحالية بتوثيق هذا الإرث البصري كاد أن يفضي إلى ضياعه، في حين تؤكد الدكتورة بهية شهاب أن غالبية ما دُرّس ويُدرّس في جامعات الفن هو تاريخ غربي للغرافيك ديزاين، وهو ما يجعل من هذا المشروع محاولة لاسترداد السردية العربية من الهامش.

تأتي أهمية هذا الكتاب من أنه لا يقتصر على أسماء المصممين الذين بقيت أعمالهم في الواجهة، بل يمتد أيضًا إلى تتبع تجارب المصممين العرب في المهجر، مثل منير الشعراني، الذي أعاد إنتاج الخط العربي برؤية معاصرة من دمشق إلى بيروت، وصرّح بأن الخط العربي «نتاج حضاري، لا ديني»، وهو ما يكشف عن قدرة هؤلاء المصممين على تجاوز التقاليد الجامدة وإعادة توجيه اللغة البصرية نحو خطاب نقدي معاصر.

من المشاهد التي يرصدها الكتاب ما هو معروف، مثل بوسترات مهرجانات سينمائية في مصر ولبنان، وما هو نادر كمطبوعات حزبية يسارية في تونس، أو إعلانات محلية في حلب والخرطوم تعكس تطور أدوات الطباعة والخط والإخراج الطباعي. ويرصد كيف شكّلت تلك الأعمال أدوات تأثير في الوعي الجمعي، وكيف وظّفها المصمم العربي للتعبير عن الانتماء، أو لتسجيل الموقف، أو لتحدي السلطة.

إن ما يُقدّمه «تاريخ التصميم الجرافيكي العربي» لا يتوقف عند حد التوثيق، بل يتجاوز ذلك إلى استعادة الذاكرة الجمعية من خلال الصورة، وإلى منح التصميم الجرافيكي العربي مكانته التي يستحقها كحامل للهوية ومرآة للتاريخ وأداة لصياغة المستقبل. إنه دعوة لإعادة قراءة ما كنا نظنه مجرد غلاف كتاب أو طابع بريد، وفهمه بوصفه وثيقة زمن ومزاج أمة وبيانًا مرئيًّا يحمل ما عجزت عنه الخطب الطويلة.

في زمن تتحول فيه الصورة إلى اللغة الأقوى في العالم، يصبح هذا الكتاب وثيقة ضرورية لكل باحث أو قارئ أو مصمم يسعى لفهم كيف عبّر العرب عن أنفسهم عبر التصميم، وكيف يمكن لتلك الذاكرة البصرية أن تكون مفتاحًا لإعادة تعريف الهوية الثقافية في عصر السرعة والنسيان.