دفاعًا عن التصنيف… عن الجنس الأدبي بوصفه محادثة أدبية

دفاعًا عن التصنيف… عن الجنس الأدبي بوصفه محادثة أدبية

مؤخرًا، وبينما كنت أرتّب ملفات حاسوبي، وجدتُ المستند الذي كنت أكتب فيه المسودة الأولى لما سيغدو -بعد سنوات عدة، ومسودات وإخفاقات عدة- روايتي الأولى «كشّافُ الجسد». لم أكن قد وصلت إلى عنوان للرواية في ذلك الحين. ولم أكن قد اخترت العتبات بعد. لهذا، بدلًا من ذلك، في رأس الصفحة كتبت: روايةُ خيالٍ علميّ، رعبٍ جسديّ، بيسبول، نوَار.

على نحو ما، كان ذلك تطاولًا منّي؛ نحن نعيش في مرحلة «إخضاعِ الأجناس»، فكم واحدًا يمكن لي أن أُخضِع في الآن ذاته؟ إلا أني كنت أيضًا أمنح نفسي إشارات الأجناس الأدبية بوصفها أضواء مُرشِدة. ها هي التقاليد التي أردتُ أن ترشدني. ها هي المحادثات التي أردتُ أن أتقيّد بها، أقوّضها، أسرق منها، أحاكيها، وأنضم إليها. وفيما إذا كنت ناجحًا في ذلك أم لا، هو أمرٌ يرجع إلى القارئ، لكني أشعر أني أصبتُ تلك النوتات قدر استطاعتي. إن لروايتي إطارَ روايةِ خيالٍ علمي، طابعَ رواية نوَار، وقطعَ ديكورِ رواية رعبٍ جسدي. وفيها كذلك بعض من مباريات البيسبول الغريبة.

أمضي وقتًا طويلًا وأنا أفكّر في الأجناس الأدبية؛ ربما أكثر من اللازم. أدرّس الأدب التأملي في برامج ماجستير الفنون الجميلة، أنشر في مجلات «أدبية» ومجلات «مختصة بالأجناس الأدبية»، كما أني شاركت في تحرير سلسلة من الأنطولوجيات التي تمزج كتّابًا لأجناس أدبية مختلفة. وبالنسبة إلي، الجنس الأدبي هو أحد أجزاء الأدب الأكثر حفزًا. إنه شيءٌ يمكن للمرء أن يدرسه مدى الحياة.

إلا أن الجنس الأدبي أيضًا هو شيء غريبٌ ومشحون. فمن ناحية، الدمغات التصنيفية للأجناس الأدبية هي اصطلاحات مفيدة جدًّا ويمكن للجميع تقريبًا شرحها بأدقّ التفاصيل. فإذا كان لديك بضعُ ساعات لتضيّعها، اطلب من أحد هواة جنس «خيال علمي وفانتازيا» أن يحدّد الفوارق بين «السايبربَنْك» (فرع من الخيال العلمي يركّز على الواقع الافتراضي والحواسيب) و«الستيمبَنْك» (فرع من الخيال العلمي تجري أحداثه غالبًا في القرن التاسع عشر، ويتضمن تقنية تعمل بالبخار)، أو بين «الفانتازيا الملحمية» و«الغريم دارك» (فرع من الفانتازيا تكون قصصه كئيبة وقاتمة شكلًا ومضمونًا). ومن ناحية أخرى، إن ندوبَ عقودٍ من حروبِ الأجناس الأدبية، وحراسة الأبواب من الجهتين، إضافة إلى الاختيال العام، كلّها تقود كثيرين لأن يستسلموا ويقولوا: «إنه مجرد تسويق! لا يحتاج الفن إلى تصنيفات!».

بالنسبة إليّ، أفهم هذه النزوة. وقد عُرِف عنّي أني شخص يرى التمييز بين «التخييل الأدبي» و«التخييل مُحدّد الجنس الأدبي» (أي المكتوب بنيّة الاندراج ضمن جنس أدبي محدد) تمييزًا زائفًا. لكن، ومع أنّه من الهام تحطيم حواجز الاختيال بين الأجناس الأدبية، لا أعتقد أننا يجب أن نبْسُطَها إلى مجرد دمغاتٍ تصنيفية تسويقية. إن الأجناس الأدبية تقاليد فنية حيوية، ولها تاريخها الجماليّ الخاص، واعتباراتها، وأنماطها الخاصة.

بالتالي، وفي مرحلة يريد فيها الناس أكثر فأكثر أن يقوموا بتنحية تصنيفات الأجناس الأدبية، أريد أن أناقش أننا في الواقع نحتاجها اليوم أكثر من أي وقت مضى. وأن التفكير فيها يمكن أن يكون توليديًّا ومُثمرًا إلى حدٍّ كبير، ولا سيما إذا ما فهمناها على نحو صحيح.

الجنس الأدبي بوصفه محادثة فنية

إليكم هذه الاستعارة. تخيلوا أن الأدب حفلةٌ في عقار كبير. ثمة عددٌ لا يحصى من الناس هناك، والمزيد يستمرّون في الوصول. الحفلة صاخبة، فوضوية، وباعثة على الحماسة. وضمن هذه الحفلة، مجموعات مختلفة من الناس يتجمّعون ليتحدثوا. بعضهم بملابسَ فاخرة يدردشون في حديقة الورود. آخرون يتمتمون في المكتبة أو يضحكون معًا قرب رقعة المقبرة. وفي كلّ من هذه المحادثات المختلفة، يتوسّع الناس في أفكار واحدهم الآخر، يفنّدون، يتجادلون، ويستفيضون.

هكذا أحب أن أفكر في الأجناس الأدبية. أي بوصفها محادثات أدبية مختلفة، محادثات لها امتداد عبر الزمن ولا تشمل المؤلفين وحسب، بل كذلك النقاد، الناشرين، والقرّاء. وعندما تتشكّل كتلة حرجة -وتكون المحادثة واسعة بما يكفي- ينشأ لدينا جنسٌ أدبي. أما إذا كانت المحادثة صغيرة ومشتّتة، فقد لا تكون سوى فرع من جنس أدبي أو مجرد أسلوب. وفي هذه المحادثات الأدبية، يمكن لكَ أن تنخرط بقدر ما تشاء. استرخِ في أريكة في مكان واحد لمسار مهنيّ كامل أو اقفز غامسًا قلمك على نحو سطحيّ بين محادثات مختلفة باختلاف اهتماماتك.

وكما يحدث مع أيّ محادثة جماعية دائرة، ستكون هنالك أحيانًا حواجز تعوق دخولك إليها. نكاتٌ خاصة بالمجموعة، إحالاتٌ، ومواضيع خاصة باهتمامات أفراد المجموعة. وهكذا، قد يضيع الناس الذين يصادفون المحادثة، في البداية. (عادة، من الجيد الاستماع لبعض الوقت قبل البدء بالحديث في الأدب كما في الحياة). وليست كل محادثة تثير اهتمام كل شخص. لكن ذلك هو ما ينبغي أن يكون عليه الحال. فالأدب مكان متنوع وغير محدود.

ولهذا السبب أيضًا أحب الأجناس الأدبية. إن الكتابة ضمن جنس أدبي (أو فرع من جنس أدبي، أو فرع من فرع من جنس أدبي) هي فرصة للمشاركة في محادثة، في تقليد. فرصةٌ للاستماع إلى الآخرين، ومن ثم إضافة صوتك الخاص. وفرصةٌ لتكتشف ما الذي تستطيع إضافته إلى محادثة لها امتداد عبر الزمن.

إن معظم متعة التخييل محدَّد الجنس الأدبي تكمن في فهم ما يُجَلّ، ما يُقوَّض، أو يُعاد خلطه. أي، في فهم المحادثة. لنأخذ، على سبيل المثال، الأعمال الأخيرة للمؤلفين السود مثل فيكتور لافال ونورا كي. جيميسن؛ تلك الأعمال التي تجابه وتقوّض الإرث العنصري لجنس «الرعب الكوني» عند لافكرافت (أو ما يدعى أحيانًا الرعب اللافكرافتي). يمكن لك أن تقرأ روايتي «أغنية توم الأسود» و«المدينة التي صرناها» من دون أن تكون على دراية بمحادثة «الرعب الكوني»، لكني أعتقد أنك ستستفيد أكثر إذا كنت على دراية بتلك المحادثة.

لماذا إذًا يتقاتل الناس بضراوة حول الأجناس الأدبية؟ ولماذا يسارع كثيرون إلى تنحية هذه المفاهيم برمتها؟ في حين أن هنالك كثيرًا من الأسباب، أعتقد أن معظمها يعود إلى حقيقة أن التعاريف متناقضة، مشوشة، وغالبًا خاطئة تمامًا.

ما الذي ليس تعريفًا للجنس الأدبي

أول نتائج البحث في غوغل عن سؤال «ما هو التخييل مُحدَّد الجنس الأدبي؟» تعرّفه على أنه مرادف للتخييل «الرائج» أو «التجاري»، ونقيضٌ للتخييل العام أو التخييل الأدبي. غير أن هذا لا يمتّ للواقع بكثير من الصلة. إن معظم الكتب أيًّا تكن دمغتها التصنيفية ليست رائجة. لكن، لا أحد سيقول، على سبيل المثال: إن روايةً تدور حول الأورك الذين يحاربون الأقزام ليست تخييلًا مُحدد الجنس الأدبي إذا لم تبع سوى مئة نسخة. في وقت من الأوقات، بعض الأجناس الأدبية رائجة (روايات الغموض وروايات الإثارة والتشويق مهيمنة اليوم)، وبعضها ليست كذلك (روايات الغرب الأميركي «الويسترن» ليست مزدهرة كثيرًا). وما يدعى «تخييلًا أدبيًّا» هو غالبًا رائج جدًّا! والسبب في أن دور النشر تدفع مبالغ مالية كبيرة مقدمًا لروايات سالي روني وجوناثان فرانزن بدلًا عن نوفيلات الستيمبَنك أو رباعيات فانتازيا «السيوف والسحر» هو أن الأولين يبيعان كتبًا أكثر بكثير.

التعريف الآخر الشائع إنما الخاطئ، حسب اعتقادي، هو القائل: إن التخييل محدَّد الجنس الأدبي «مُسيَّر بالحبكة» في حين أن التخييل الأدبي «مُسيَّر بالشخصية». يبدو هذا الزعم غريبًا عندما نلاحظ أن الكثير من التخييل محدد الجنس الأدبي تشغّله مجموعة من الكتب ذات شخصيات متكررة، كما أن ما يسمّى «أدب المعجبين» (فان فيكشن) يزدهر لأن القرّاء يشعرون بارتباط عميق تجاه شخصيات الجنس الأدبي. حسنٌ، قد تقولون: إن الكتب محددة الجنس الأدبي تحتوي شخصيات رائجة، لكن التخييل الأدبي يحفر أعمق في الشخصية أو ما يعرف بتعقيدات الوعي البشري.

في الواقع، وعلى الرغم من صعوبة إثبات هذا، إن معظم ما يُنشَر على أنه تخييل أدبي -على سبيل المثال، كثير من أدبي المفضل ما بعد الحداثي والسريالي- لا يهتم كثيرًا بشخصيات من ذلك النوع. من جهة أخرى، التخييل الأدبي الرائج هذه الأيام محبوك بإحكام، بينما كثير من التخييل محدد الجنس الأدبي ليس كذلك.

علاوة على هذا، إن مزاعم أخرى -مثل أن التخييل محدد الجنس الأدبي يتبع صيغ جاهزة بطبيعته في حين أن التخييل الأدبي ابتكاريّ- يمكن أيضًا أن تفنَّد باستقصاء الإصدارات الجديدة في أيّة مكتبة. لكن، لنضع جدال الأدبي/ محدد الجنس الأدبي جانبًا للحظة ونناقش كيفية تعريف الأجناس الأدبية المختلفة.

المنهج المعياري للأجناس الأدبية

ما الذي يميّز الفانتازيا من الخيال العلمي؟ أو الروايات الرومانسية من روايات الويسترن؟ إن الطريقة الأكثر شيوعًا لتعريف هذه الأنواع هي ما سأدعوه منهجًا «معياريًّا». (في اللسانيات، يعرّف «المعياريون» الكلمات والقواعد وفق الكيفية التي يعتقدون أن على الناس أن تستخدمها بها، في حين أن «الوصفيّين» يعرّفونها وفق كيفية استخدام الناس فعليًّا لها). أما معياريو الأجناس الأدبية فيصفونها على أنها فئات محددة بوضوح، ومن ثم يضعون المؤلفين في تلك الصناديق من غير اكتراث بتأثيرات المؤلف أو مقاصده. هكذا يُصنَّف كل كتاب عن سحرٍ مستحيل على أنه فانتازيا، وكل كتاب عن تقنية ممكنة على أنه خيال علميّ.

إجمالًا، ثمة شعور بأن هذه الفئات أفلاطونية إلى حد ما وجامدة، كما أن الأدب السابق على هذه المصطلحات الحديثة يمكن أن يُخلَط فيها على نحو يبدو متقنًا: الأساطير القديمة (الإلياذة، على سبيل المثال) ستُعَدُّ فانتازيا، روايات الأخلاق (روايات جين أوستن، مثلًا) سيُعاد وسمها على أنها روايات رومانسية، إلى آخره.

مع هذا، يحظى هذا النوع من التعريف بميزة الظهور كتعريف علميّ. وثمة متعة إضافية لهواة التصنيف الأدبي السئمين من حراسة الأبواب؛ متعةُ تمكينهم من إظهار أن معظم ما يُنشَر على أنه تخييل أدبي ليس «في حقيقة الأمر» كذلك. «مئة عام من العزلة» هي في حقيقة الأمر فانتازيا. «مزحة لا نهائية» هي في حقيقة الأمر خيالٌ علمي. «أناس عاديون» هي في حقيقة الأمر رواية رومانسية، إلى آخره.

منهجٌ وصفيّ للأجناس الأدبية

مشكلة المنهج المعياري أنه ليس وثيق الصلة بالتقاليد الجماليّة الفعلية لهذه الأجناس الأدبية، أو بتاريخها وكيفية استخدامها في العالم الحقيقي من جانب النقاد، والمعجبين، والكتّاب. على سبيل المثال، ماذا يعني أن تعلن أن كاتبًا ما بعد حداثيّ مثل دونالد بارتلمي هو «في حقيقة الأمر» كاتب خيالٍ علمي وفانتازيا؟ إن ذلك لا يعطينا تصورًا عن تأثيراته، ولا يتماشى مع حقيقة أنه نُشِر ضمن منظومة «التخييل الأدبي» -حيث ظلّ واحدًا من كتّاب القصة القصيرة الأكثر تأثيرًا- في حين أن تأثيره كان قليلًا في منظومة الجوائز، والمجلات، والمؤلفين، في مجال الخيال العلمي والفانتازيا.

يمكن بالطبع تصوّر تاريخ بديل يجري فيه تجاهل ما بعد حداثيين مثل بارتلمي أو واقعيين سحريين مثل ماركيز من جانب منظومة التخييل الأدبي، وازدهارهم في منظومة الخيال العلمي والفانتازيا. هذا لو كانوا قد ربحوا جوائز نيبولا وهوغو لأعمال الخيال العلمي والفانتازيا، ونشروا في مجلة أسيموف للخيال العلمي بدلًا عن النيويوركر. لكن، في ذلك التاريخ البديل، مسارُ كلّ من التخييل الأدبي والخيال العلمي والفانتازيا سيكون مختلفًا.

بالتالي، إذا حاولنا ألا نفهم الأجناس الأدبية من خلال تعاريف مفروضة، بل من خلال سبرٍ للمنظومات الفعلية، التاريخ الفعلي، والمحادثات ضمن هذين، فأعتقد أننا سنتعلّم أكثر بكثير. وأعتقد أيضًا أن ما سنراه سيكون أكثر إثارة للاهتمام. فبدلًا من فئات ثابتة، سنرى الأجناس الأدبية كما لو أنها كائنات حية ترزق؛ كائنات تتغير وتتبدل باستمرار.

بالنسبة إلي، من المشوّق، على سبيل المثال، مقارنة تركيزِ الخيال العلمي الحديث على بناء العوالم المنطقية مقابل العوالم المنفلتة من القيود وغير المعقولة غالبًا لكلاسيكيات الخيال العلمي مثل روايتي «السجلات المريخية» أو «لعبة مهد القطة». كذلك، يمكن أن نلحظ أن الأجناس الأدبية قد تموت، أو على الأقل، تضمحلّ إلى شيءٍ أشبه بِـ«أسلوب» (انظر مثلًا أدب القوطية الجنوبية). كما يمكن أن نلحظ: لماذا ليس مقبولًا أن يحاول أحدٌ اختراع جنس أدبي من خلال تجميع أعمال ليس بينها إلا القليل من التداخل مِن حيثُ قراؤُها، نهجُها، أو تاريخها؟ (انظر مثلًا «الهوب بانك» وهو فرع من التخييل التأملي يركّز على الأمل ويُعَدُّ مقابل الغريم دارك).

ويمكن أيضًا أن نلحظ كيف أن الأجناس الأدبية قد تتحول إلى محادثات مختلفة في ثقافات مختلفة. على سبيل المثال، في المجال الإنجليزي، الأثر الكبير لتولكين وأشباهه جعل «الفانتازيا» مترادفة إلى حد بعيد مع الأطرِ المشبعة بالسحر، المساعي الكبرى، وما إلى ذلك. أما في فرنسا، فقد تطور الفانتازيّ كجنس أدبي مختلف تمامًا؛ جنسٍ يمزج عناصرَ مما يدعوه المجال الإنجليزي رعبًا، واقعية سحرية، وفانتازيا، معًا.

أخيرًا، في حين أن المنهج المعياري يُسطِّح العمل الأدبي، فإن المنهج الوصفي -بسبره للتاريخ والاستخدام الفعليين للمصطلحات- يمكن أن يوسّع فهمنا.

مشكلة التخييل الأدبي

من المنطقي أن «التخييل الأدبي» يسبّب معظم المشكلات في جدالات الأجناس الأدبية؛ لأنه حقًّا مصطلح مُربِك. يُستخدَم مصطلح «تخييل أدبي» كوصفٍ نوعيّ للاستحقاق الفني العالي -لهذا يرى بعض النقاد على نحو مهين أن عملًا «يتجاوز الجنس الأدبي» هو عمل يستحق هذا التصنيف- إلا أنه في الوقت ذاته تصنيف لجنسِ أعمالٍ أدبيةٍ ذات نوعية متفاوتة. لا أحد سيقول مثلًا: إن روايتك العادية كخريج من ماجستير الفنون الجميلة هي رواية ذات جدارة فنية عالية، لكنه سيميلون مع هذا إلى فهم دمغة «تخييل أدبي». ومن المفهوم أن يثير هذا غضبك.

حتى لو نحّينا المعنى النوعي، يبقى المصطلح غريبًا. ثمة منظومة واضحة للتخييل الأدبي -مجموعة من الجوائز، المجلات، المؤلفين، وما إلى ذلك- وبالتالي ثمة محادثة مميزة. لكن، ما الذي يجمع بين كافكا، وموريسون، وبرنهارد، وماركيز، وكوسك، وشيفر، وإردريك، وكالفينو، وآدلر (إذا اخترنا بعض المؤلفين عشوائيًّا)؟ لا شيء، سواء من حيث الإطار، أو المجازات، أو الأساليب، أو الأنماط. بالتالي، أعتقد أن أفضل ما يمكن فعله هو القول: إن معظم التخييل الأدبي يتركّز حول الأسلوب والشكل على النحو الذي يتركّز به تخييل الجريمة حول الجريمة أو الروايات الرومانسية حول الرومانسية. إلا أن هذا موضع جدال، وبوسعي أن أفكر في كثير من الحجج المضادة.

قد يستغرق هذا الموضوع كتابًا؛ لذلك كل ما أستطيع قوله هو أنه من الأفضل ربما لو أمكننا أن نكتشف كيفية فصل التعريف «النوعي» عن الجنس الأدبي المفتَرض. بالنسبة إلي، على الأقل، الصفة «أدبيّ» هي توصيف يمكن تطبيقه على أي جنس أدبي. ثمة خيالٌ علمي أدبيّ، ورعبٌ أدبي، مثلما هنالك واقعية منزلية أدبية. لكن هذه مناقشة أطول من سابقتها، ولن أخوض فيها الآن.

الجنس الأدبي بوصفه قوة توليدية

هكذا إذًا بدّدتُ الوقت بالتعاريف الممكنة للأجناس الأدبية، لكن، ما المغزى؟ لماذا نحتاج الدمغات التصنيفية بأية حال؟ حسنٌ، أنا كاتب وبالتالي أعتقد بالفعل أن الكلمات مفيدة. وأننا إذا ما فهمنا المصطلحات والتصنيفات، فسيكون بإمكاننا بالفعل أن نفكّر على نحو أعمق بما تصفه.

وقليلة هي تصنيفات الأجناس الأدبية التي لا تُنمّي الفهم. في صفوف الكتابة الإبداعية التي أدرّسها والتي تتمحور حول «التخييل الأدبي»، كانت تصنيفات الأجناس الأدبية تقريبًا غير مستخدمة. وعندما تُستَخدم، يكون ذلك لحشد امتداداتٍ واسعة من تقاليد أدبية، وأنماط وأساليب أدبية، لا صلة بينها، في حفنة قليلة من الصناديق. (كل ما يحتوي بضعة عناصر غير واقعية، يُدعى «واقعية سحرية». كل ما هو هزليّ يدعى «أدبًا ساخرًا»). وهذا الافتقار إلى اصطلاحاتِ أجناس أدبية؛ أدى إلى إرباكٍ أكثر منه إلى فهم.

غير أني معنيٌّ في المقام الأول بما هو توليديّ بالنسبة إلى الكتّاب. وكما هي الحال دائمًا، الإجابة هي أيًّا يكون ما يريده الكاتب الفرد. بالنسبة إلي، على الأقل، أجد أن التفكير في الأجناس الأدبية مثمر إلى حدّ كبير، وأنها توليدية على النحو الذي يمكن به للأشكال الشعرية أو الضوابط التي وضعها تجمّع أوليبو أن تلهم الكتّاب نحو مزيد من الإبداع.

عندما كتبت في ذلك المستند «رواية خيال علمي، رعب جسدي، بيسبول، نوَار»، كنت أرسل لنفسي إشارات بالمحادثات التي أريد أن أنخرط فيها. وهكذا، باشرتُ العمل. أعدتُ قراءة كتبي المفضلة المنتمية إلى هذه الأجناس. فكرتُ فيما رأيته من ثغرات، وأين يمكن لي أن أضيف شيئًا. وكانت الدمغات التصنيفية لتلك الأجناس بعيدة كل البعد من أن تكون مُقيِّدة؛ بل إنها على العكس جعلت دماغي يضجُّ بالأفكار. كيف تكون شخصية المحقق في إطار رواية بيسبول؟ كيف هي الحسناء اللعوب من منظور رواية الخيال العلمي؟ وأيّ انعطافة في الحبكة ستجمع الجريمة الرئيسية مع الرعب الجسدي؟ إن الأجناس الأدبية قد ساعدت في إلهامي الشخصيات، الإطار، والحبكة.

وروايتي الناتجة عن ذلك «كشّاف الجسد»، لم تكن لتوجد ببساطة لولا هذه العملية التوليدية. أو من دون التفكير في المحادثات الأدبية، الأجناس الأدبية، التي أردت أن أتحدث إليها وأستمع إليها. أو على الأقل، كانت النتائج ستكون مختلفة تمامًا؛ لذلك أقول: فكّرْ في الأجناس الأدبية بوصفها محادثات فنية. انضم إلى المحادثات التي تثير اهتمامك. استمع إليها. انتقل من هذه إلى تلك. ثم أضف صوتك الخاص وفق ما تريده من دور.


المصدر: https://lithub.com/in-defense-of-labels-on-genre-as-a-literary-conversation