إسماعيل الرفاعي في روايته الجديدة رحلة الألم والنجاة

إسماعيل الرفاعي في روايته الجديدة

رحلة الألم والنجاة

رواية «نقوش على خشب الصليب»، للفنان التشكيلي والروائي السوري إسماعيل الرفاعي، عمل إبداعي يجمع بين الرواية والرؤية الفنية للرسم، من خلال استخدام تقنية الرحلة الداخلية التي يستدعيها الفنان في تضافر سردي زمكاني، يؤججه سطوع ألم تراجيدي وعدّه قدرًا إنسانيًّا، فيما يظل الفن حاضرًا بقوة، بوصفه بوتقة الخلاص.

يتآلف هذا السرد ضمن فصول قصيرة تكشف الرموز، وتمتد من التجربة الفردية للرسام إبراهيم، والكاتب والموسيقي كاسر وغيرهما، إلى تجربة جماعية تحياها «مدينة العجاج» المطلة على نهر الفرات في سوريا. تتنوع الأماكن التي يتحرك فيها الأبطال بين المرسَم والمقهى، غرفة الكتابة وضفة النهر، وتتباين الأحوال التي يواجهونها بين العاصفة التي ترمز إلى مصير محتوم، والأماني العالقة في نفوس الشخوص، هكذا يتشكل نصّ ينهض على جدلية الألم والخلاص، الذاكرة والرغبة الممهورة بالفقد.

معنى الفداء

يُقدَّم الرسام إبراهيم بوصفه الشخصية الأكثر التصاقًا بالبعد الرمزي، يتحرك متنقلًا «بين شارع التكايا وشارع القصور»؛ كي يلتقي صديقه الكاتب وعازف الجيتار البوهيمي كاسر أو كاسادور، الذي يقرأ على مسامعه حكاية ماري، التي يكتب عنها.

في مرسَم إبراهيم، تتحول الألوان إلى لغة روحية. وفي غرفة كاسر نجد أيضًا دلالات على حضور الفن وغيابه: «إذا كان مرسم إبراهيم قد احتضن ولادة لوحة المسيح المضاءة بشمس الفرات، فقد شهدت غرفة كاسر ميلاد الرواية التي طالما بشر بكتابتها، والتي لم يتمكن طوال تلك المدة من إكمال سوى بضع صفحات منها».

هذا السرد المشهدي، يضع الفن في مواجهة مباشرة، مع معنى الصلب، ليكون محض تورية، إنه الألم الموروث والبحث عن خلاص فردي وجماعي؛ حيث يتسلم الرسام أثرًا مُقدسًا في مرسمه الذي كان قبل نصف قرن خلوة لأحد الأولياء، كأن الفن نفسه يُصبح امتدادًا لرحلة الفنان الشقي بفنه. أما الكاتب كاسر، فإنه يبحث عن تحقق حلمه بكتابة رواية عن ماري حبيبته، التي حال الواقع بينهما، أي أن كليهما الرسام والكاتب، يحاول إعادة خلق معنى الفداء بطريقته في مواجهة حقيقية مع الواقع؛ إذ منذ العنوان حتى المشاهد المفصلية، يحضر الصليب بوصفه بنية رمزية مركزية. إنه علامة الألم، لكنه أيضًا بوابة الخلاص والتحول.

رموز ودلالات

تكشف الرواية أيضًا عن تواتر صوفي، بين السعي للانعتاق الروحي واستحالة الوصول الكامل إليه. تتجلى هذه اللمحات في سعي البطل إبراهيم لتجاوز عزلته الروحية والاتصال بأعماق ذاته المحتجبة، مع جمل عدة ترد في السرد، مثلًا: «الأرواح جزر معزولة… غير أنها قد تنزع في لحظة مباغتة نحو قرائنها». هذه العبارة تكشف عن نزعة صوفية ترى الروح سجينة جدران الذات، لكنها قادرة على الانعتاق في لحظات تأملية عابرة. أما الخمرة، كما وردت في النص، فإنها تُصور على أنها أداة رمزية لتحطيم هذه الجدران، لكنها تُثير تساؤلًا نقديًّا: هل هي فعلًا بوابة للكشف الروحي، أم مجرد وهم يُغرق الفرد في ضجيج داخلي مضلل؟ كذلك، تبرز فرشاة الرسم عند إبراهيم مثل «عصا سحرية»، بالتوازي مع القلم عند كاسر.

السارد العليم

يتنقل السرد بين عالمي إبراهيم وكاسر وشخوص ثانوية أخرى، عبر راوٍ عليم يتجاوز حدود الشخصيات ليغوص في أعماقها وعوالمها الداخلية. هذا الراوي، الذي يتحدث بضمير الغائب، يعرف كل شيء: أفكار إبراهيم في أثناء رسمه، وأسرار كاسر مع ماري، حتى مشاعر الأم وهي ترعى ابنها المحموم. فهو يتنقل بين العقول من دون قيود، كما في وصف الغبش حين يدخل في وعي إبراهيم ليصف تناغم الألوان مع روحه، أو ينتقل إلى كاسر ليكشف عن إلهامه الروائي. هذا النهج العليم يعزز الطابع الفلسفي والرمزي للرواية؛ إذ يربط بين الأحداث الخارجية والداخلية، ويمنح القارئ رؤية شاملة للمدينة والنفوس، وهو ما يجعل السرد أداة لاستكشاف الوجود الإنساني بعمق، دون الاقتصار على منظور واحد محدود.

يكشف الراوي العليم طوال السرد عن علاقة إبراهيم مع الرسم، عن ارتحالاته الفنية والروحية، انتقاله من التجريد إلى رسم نماذج أخرى، فالرسام يحمل وزر حياته، ووزر الكائنات التي يرسمها. هكذا يصير «الـصعود إلى المرسم، وتسلّق درجاته الإسمنتية، يشبه إلى حدٍّ بعيد ارتقاء عتبات الروح، والتأهّب لمواجهة أخرى بين هيولى الحواس والأفكار، وبين لحمة القماش».

يتصاعد السرد حدثيًّا مع حلول الموت، عبر انتحار نجوى شقيقة كاسر التي سكبت الجاز على جسدها. انتحار نجوى يدفع كاسر إلى استدعاء ذكرى محاولة انتحار جارته عتاب، حين كانت في مثل عمر نجوى، لكنها أكثر حظًّا منها، فقد تلقفتها حبال الغسيل ونجت من الموت. ينعطف السرد أيضًا ليشتبك مع القرائن السياسية والاجتماعية، مع ذكرى انتحار الشاعر الثلاثيني سامر البدري في ندوة شعرية، بعد نوبة هلع مُرعبة إثر اعتراف خطير قام به على الملأ.

أما الفصل الذي يحمل عنوان «دمشق»، فيُعَدّ من أكثر الفصول مواجهة مع الذات، في العلاقة مع المكان والزمان والفن، عبر تعرية الداخل في وصف العلاقات الإنسانية مع من تتقاطع مسارات القدر معهم، من أصدقاء ورفاق يتركون بصماتهم على روح إبراهيم، مثل صداقته مع بسام، قصة حبه مع ليال في دمشق، ومغامراته الجسدية مع فداء، هو الآتي من دير الزور، يرى في دمشق ملاذًا، برغم كل ما في المدن من قسوة.

حضور الطبيعة والبشر

«لا تدري مدن الفرات ما الذي اقترفته حتى تحيق بها لعنة السماء والأرض؛ إذ إن كل عاصفة تهب في أرض الله الرحبة تلقي بأعبائها على كاهل المدينة. وكلما تفجرت ثروة من باطنها، جلب ذلك عليها الويلات».

يبرز حضور الطبيعة في الرواية عنصرًا حيويًّا يتجاوز الوصف الجمالي؛ ليصبح رمزًا للتحولات النفسية والاجتماعية، ينسج الكاتب مشاهد وصفية غنية تجعل الطبيعة شريكًا في السرد. فالفرات، مثلًا، يظهر بوصفه كيانًا حيًّا يتنفس ويلهج بين الضفتين، محملًا بالأساطير والألم الإنساني، حيث تتبدل الألوان مع انحسار الشمس، وهو ما يعكس انكسار الروح البشرية وتجددها. كذلك، العاصفة الرملية والخنافس السوداء كجائحة إلهية تكتسح المدينة، تُمثل عقابًا أو تطهيرًا، أيضًا في اجتياح الغبار الرئات وتسببه في إزهاق الأرواح، لتتبعه أمطار غزيرة تغسل الدنس، وهو ما يعزز الرمزية الدينية والفلسفية. هذه المشاهد لا تقتصر على الخلفية بل تندمج مع الشخصيات، مثل إبراهيم الذي يرى في الطبيعة انعكاسًا لداخله، فتصبح الطبيعة مرآة للصراع الإنساني، وهو ما يثري النص بطبقات تؤلف بين المرئي الواقعي، والمتخيل الباطني.

يتجلى المكان -مدن الفرات وبخاصة دير الزور- بوصفه كيانًا عضويًّا معذبًا، يجسد تناقضًا بين الخصوبة الطبيعية التاريخية والتدمير البشري المعاصر، يصبح النهر والأرض رمزًا للعنة مزدوجة: طبيعية عبر العواصف والجفاف، واجتماعية-اقتصادية من خلال استغلال الثروات كالنفط. يصور الكاتب المدينة على أنها ضحية تتأرجح في مهب الريح، مستخدمًا استعارات حية مثل «أنياب» الشركات التي تغرز في «مسام» المدينة، وهو ما يحول الطبيعة من مصدر حياة إلى مصدر خنق ونسيان، كما في سُحب الغازات السامة والماء الملوث، ليعكس نقدًا لاذعًا لسياسات التهميش، حيث تتحول الجغرافيا إلى ساحة للصراع بين الإنسان والقوى الخارجية، وهو ما يعمق الإحساس بالاغتراب والفقدان الجماعي للهوية البيئية والثقافية.

يبني إسماعيل الرفاعي روايته عن تحوّل الألم الفردي إلى رحلة داخلية تأملية. فالنص يكتب تاريخ المدينة، والإنسان على خشبٍ واحد، حيث يتقاطع الرسم مع الموسيقا، والذاكرة مع الخوف، والبحث عن الخلاص مع الاعتراف باستحالة النجاة الكاملة.

زمن الوعي

يميل السرد في النصف الثاني من الرواية، إلى الانغماس في تأملات الحياة والفن، أكثر من انشغاله بتصعيد حدثي أو دفع حبكة نحو ذروة تقليدية. يحيط الفن بالأبطال جميعًا، بتجلياته كافة، وجه الممثلة كاترين دينوف في فِلم «الهند الصينية»، قصائد رامبو والحلاج وابن عربي والنفري، وسواهم. النص يتنقل بين وصف المرسم، وحوار إبراهيم وكاسر حول الفن، وتأملات النهر والبلدة، هكذا يُصبح الزمن السردي أقرب إلى زمن داخلي يخص الوعي والشعور، لا زمنًا خارجيًّا تحكمه سلسلة من الأحداث المتتابعة. هذا الميل التأملي يحوّل الرواية إلى فضاء مفتوح للأسئلة الوجودية والفنية، ويجعل من التجربة الجمالية غاية في حد ذاتها، أكثر من كونها وسيلة للوصول إلى عقدة أو حل نهائي.

ثمة حوارات فنية كثيرة تدور حول الفن، مثل: «أتعلَمان أن لوحة الغرنيكا مأخوذة من لوحة دافنشي المفقودة «معركة أنغياري»؟ لقد اكتشفت ذلك مصادفة، حين كنت قبل أيام أرسم بعض التخطيطات لقصة جديدة، فوجدت أن بيكاسو نسخ حرفيًّا من دافنشي حصانه الشهير، كما استعار ملامح وحركات جميع الأشخاص في اللوحة، إضافة إلى التكوين نفسه، بل إنه نقل حركات الأرجل واستكانتها، كما أفلتت من قبضة المحارب الممدد أسفل اللوحة. نعم، بيكاسو لصّ ملعون، لكنه كان يعرف كيف يحوّر اللوحة بأكملها ويعيد رسمها بطريقته الخاصة.

كذلك في مشهد نهر الفرات، لا نرى حدثًا دراميًّا بقدر ما نرى لوحة وصفية تتأمل المكان؛ حتى في مشهد العاصفة، وهجوم الخنافس، نجد أن السرد يتباطأ في وصف الإحساس الجمعي والتفاصيل البيئية أكثر مما يخلق حبكة متصاعدة: «لم يهنَؤُوا ثلاثة أيامٍ بلياليها… إلى أن اختفت الخنافس فجأة، بالطريقة نفسها التي ظهرت فيها».

تبدو اللغة في بعض العبارات، مثقلة بالوصف، كما في: «كانت الألوان تقتفي أثر الضوء، وهو يمرر كفه على الكون، ويضم وشيعته السائبة إلى جوفه المعتم»، «لم تكن تلك الساعة الخريفية بغيومها المترهلة ونجومها الواجفة، توحي بما أضمرته من رائحة تكتم بها أوداج المدينة، قبل أن تهيل على رؤوس ساكنيها تلك الأطنان الهلالية من الغبار الذي خمَّر أنوفهم وأعمى عيونهم، واجتاح رئاتهم المتهالكة طيلة ذلك النهار الملعون».

هذه المشاهد مجتمعة تعكس طبيعة العمل في إعلاء لغة التصوير والتأملات الجمالية، بحيث يصبح النص أقرب إلى لوحة سردية منه إلى رواية أحداث ذات عقدة وصراع درامي، وربما يكون هذا مرجعه إلى رغبة الكاتب في التركيز على فكرة ضرورة الفن، من حيث كونه وسيلة لتجاوز الاغتراب الاجتماعي والروحي، والانتصار على واقع مغموس بالقسوة، وهو ما يمنح الشخصيات هوية ومعنى في قدرتها على التحقق إبداعيًّا، ويعكس إيمانًا بقدرة الفن على إعادة صياغة مصاير محتومة مسبقًا.